صحيح من طريق: سعيد بن المسيب عنه. وثبت عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قطع في مجن قيمته خمسة دراهم، ولا يفيد ذلك الحصر.
وجاء في ذلك حديث مرفوع أخرجه ابن أبي شيبة من طريق: عيسى بن أبي عزة، عن الشعبي، عن ابن مسعود، أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قطع في خمسة دراهم. وهذا حديث ضعيف أنكر على عيسى بن أبي عزة، أنكره يحيى القطان كما في «الضعفاء» للعقيلي، والشعبي لم يسمع من ابن مسعود، والحديث ليس فيه دلالة على التحديد.
• وذهب الحنفية إلى تحديد القطع بعشرة دراهم، وما بلغ قيمتها من الذهب والعروض. وجاء ذلك عن ابن مسعود ﵁، من طريق القاسم بن عبد الرحمن، عنه. ولم يسمع منه.
واستدلوا على ذلك بحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده مرفوعًا: «لا قطع إلا في عشرة دراهم».
أخرجه أحمد (٢/ ٢٠٤)، والدارقطني (٣/ ١٩٢)، من طريق: حجاج بن أرطاة، عن عمرو بن شعيب، به، وحجاج ضعيف، ومدلس، ولم يصرح بالتحديث.
• وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنه يقطع في القليل والكثير، وهو قول داود الظاهري، ونُقل عن الحسن، وابن بنت الشافعي، وقال بذلك الخوارج؛
стр. 5217
لعموم الآية.
واستدل بعضهم بحديث أبي هريرة ﵁ الذي في الباب: «لعن الله السارق يسرق البيضة ... ».
• ونُقِل عن النخعي أنَّ القطع يكون في أربعين درهمًا، وعنه: دينار، أو ما بلغ قيمته.
• قال ابن حزم: يقطع في ربع دينار فصاعدًا من الذهب؛ لحديث عائشة، وأما من غيره فيقطع في القليل والكثير.
• وعن عثمان البتي القطع في درهم فصاعدًا.
قال أبو عبد الله غفر الله له: الصحيح هو القول الأول، وحديث المجن محمول على أنَّ الثلاثة الدراهم كانت تساوي ربع الدينار.
وأما حديث: «لعن الله السارق ... »، فأُجيب عنه بأنَّ المقصود بالبيضة ما يغطي به المقاتل رأسه، وبالحبل حبل السفينة. وقيل وهو أقوى من الذي قبله: ليس المراد بهذا الحديث القطع بسرقة البيضة والحبل، بل المراد الإخبار بتحقير شأن السارق، وخسارة ما ربحه من السرقة، وهو أنه إذا تعاطى هذه الأشياء الحقيرة؛ صار ذلك خلقًا له جرَّأه ذلك على سرقة ما هو أكثر من ذلك مما يبلغ قدره ما يقطع به.
وقد توسع الحافظ ابن حجر ﵀ في ذكر الأقوال في هذه المسألة، فبلغت
стр. 5218
عشرين قولًا، وأشهرها ما تقدم ذكره، والله أعلم. (١)
مسألة [٣]: إذا سرق شيئًا فيه القطع، ثم نقصت قيمته قبل أن تقطع يده ؟
• مذهب مالك، وأحمد، والشافعي أنه يقطع؛ لقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾؛ ولأنه نقص حدث في العين؛ فلم يمنع القطع كما لو حدث باستعماله، والنصاب شرطٌ لوجوب القطع؛ فلا تعتبر استدامته كالحرز.
• وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يقطع؛ لأنَّ النصاب شرط، فتعتبر استدامته.
وأُجيب عنه بأنه شرط لوجوب الحد لا لإقامة الحد، وقد حصل الشرط. (٢)
مسألة [٤]: النباش، هل تقطع يده بسرقة الكفن ؟
• ذهب أكثر أهل العلم إلى أنه إن سرق كفنًا يبلغ النصاب؛ قُطعت يده، وهو قول الحسن، وعمر بن عبدالعزيز، وقتادة، والشعبي، والنخعي، وحماد، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وابن المنذر. وقالوا: هو سارق؛ فيشمله عموم الآية؛ لأنه أخذ ملك الميت.
• وذهب الثوري، وأبو حنيفة إلى أنه لا يقطع؛ لأنه لم يسرق من حرزٍ، فالقبر ليس بحرز، والحرز ما يوضع فيه المتاع للحفظ، والكفن لا يوضع في القبر لذلك؛ ولأنَّ الكفن لا مالك له.
стр. 5219
وأخرج ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن الزهري قال: أتى مروان بن الحكم بقوم يختفون القبور يعني ينبشون فضربهم، ونفاهم، وأصحاب رسول الله ﷺ متوافرون.
قلتُ: وهذا العمل أقرب، أعني أنهم يعزرون فقط، ولا يقام عليهم الحد. (١)
تنبيه: إذا وضع في القبر ذهب، أو مال غير الكفن، فأخذه النباش؛ فلا قطع عندهم جميعًا؛ لأنَّ هذا ليس بحرزمثله. (٢)
مسألة [٥]: هل يقطع في سرقة الْمُحَرَّم ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٢/ ٤٥٧): لَا يُقْطَعُ فِي سَرِقَةِ مُحَرَّمٍ؛ كَالْخَمْرِ، وَالْخِنْزِيرِ، وَالْمَيْتَةِ، وَنَحْوِهَا، سَوَاءٌ سَرَقَهُ مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَحُكِيَ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّ سَارِقَ خَمْرِ الذِّمِّيِّ يُقْطَعُ، وَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا؛ لِأَنَّهُ مَالٌ لَهُمْ، أَشْبَهَ مَا لَوْ سَرَقَ دَرَاهِمَهُمْ.
قال: وَلَنَا أَنَّهَا عَيْنٌ مُحَرَّمَةٌ، فَلَا يُقْطَعُ بِسَرِقَتِهَا، كَالْخِنْزِيرِ؛ وَلِأَنَّ مَا لَا يُقْطَعُ بِسَرِقَتِهِ مِنْ مَالِ الْمُسْلِمِ، لَا يُقْطَعُ بِسَرِقَتِهِ مِنْ مَالِ الذِّمِّيِّ، كَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ، وَمَا ذَكَرُوهُ يُنْتَقَضُ بِالْخِنْزِيرِ، وَلَا اعْتِبَارَ بِهِ؛ فَإِنَّ الِاعْتِبَارَ بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ، وَهُوَ يَجْرِي عَلَيْهِمْ دُونَ أَحْكَامِهِمْ، وَهَكَذَا الْخِلَافُ مَعَهُ فِي الصَّلِيبِ إذَا بَلَغَتْ قِيمَتُهُ مَعَ تَأْلِيفِهِ نِصَابًا.
النِّصَابِ؛ وَلِأَنَّ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ جَوْهَرُهُمَا غَالِبٌ عَلَى الصَّنْعَةِ الْمُحَرَّمَةِ، فَكَانَتْ الصِّنَاعَةُ فِيهِمَا مَغْمُورَةً بِالنِّسْبَةِ إلَى قِيمَةِ جَوْهَرِهِمَا، وَغَيْرُهُمَا بِخِلَافِهِمَا؛ فَتَكُونُ الصِّنَاعَةُ غَالِبَةً عَلَيْهِ؛ فَيَكُونُ تَابِعًا لِلصِّنَاعَةِ الْمُحَرَّمَةِ.
قال: وَلَوْ سَرَقَ إنَاءً مِنْ ذَهَبٍ، أَوْ فِضَّةٍ، قِيمَتُهُ نِصَابٌ إذَا كَانَ مُتَكَسِّرًا، فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُجْمَعٍ عَلَى تَحْرِيمِهِ، وَقِيمَتُهُ بِدُونِ الصِّنَاعَةِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا نِصَابٌ. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: الصحيح قول الشافعي ﵀.
مسألة [٧]: هل تقطع يد الوالد إذا أخذ من مال ولده ؟
• عامة أهل العلم على عدم القطع، سواء في ذلك الأب، والأم، والجد، والجدة، وإن علوا، وهذا قول أصحاب المذاهب الأربعة، والثوري وغيرهم.
واستدلوا بالحديث: «أنت ومالك لوالدك» أخرجه أحمد (٦٦٧٨)، وأبو داود (٣٥٣٠) بإسناد حسن، وبحديث: «إنَّ أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه» أخرجه أبو داود (٣٥٢٨)، وهو حديث حسن بطرقه وشواهده؛ ولأنَّ الحدود تُدرأ بالشبهات، وأعظم الشبهات أخذ الرجل من مالٍ أضافه الشرع إليه، وأباح له أخذه.
• وقال أبو ثور، وابن المنذر: القطع على كل سارق؛ إلا أن يجمعوا على شيء فيستثنى.
стр. 5222
واستدلوا بعموم الآية، والصحيح قول الجمهور. (١)
مسألة [٨]: هل تقطع يد الولد إذا سرق من مال أبيه ؟
• ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنَّ الولد تقطع يده بذلك، وهو قول مالك، وأبي ثور، وابن المنذر، وبعض الحنابلة؛ لأنه يحد بالزنى بجاريته، ويُقاد بقتله، فيقطع بسرقة ماله.
• وذهب الحسن، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، والثوري، وأصحاب الرأي إلى عدم القطع بسرقة الولد، وإن سفل؛ لأنَّ النفقة تجب في مال الأب لابنه؛ حفظًا له، فلا يجوز إتلافه؛ حفظًا للمال، وأما الزنى بجاريته؛ فيجب به الحد؛ لأنه لا شبهة له فيها بخلاف المال. وهذا هو القول الصحيح، والله أعلم. (٢)
مسألة [٩]: سرقة الأقارب غير الفروع والأصول ؟
• مذهب الشافعي، وأحمد، وإسحاق: القطع بذلك؛ لعدم وجود الشبهة في ذلك؛ ولأنها قرابة ليست بقوة القرابة السابقة، واستدلوا بعموم الآية. وهذا هو الصحيح.
• ومذهب أبي حنيفة عدم القطع فيما إذا سرق من قريب ذي رحم محرم؛ لأنها قرابة تمنع النكاح، وتبيح النظر، وتوجب النفقة، أشبه قرابة الولادة. (٣)
стр. 5223
مسألة [١٠]: هل يقطع العبد بسرقته من مال سيده ؟
• عامة أهل العلم على عدم القطع.
واستدلوا على ذلك بما رواه أبو داود (٤٤١٢)، والنسائي (٨/ ٩١)، من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «إذا سرق المملوك؛ فبعه ولو بنش»، وفي إسناده: عمر بن أبي سلمة الزهري، وهو ضعيف.
واستدلوا على ذلك بما أخرجه مالك في «الموطإِ» (٢/ ٨٣٩ - ) بإسناد صحيح أنَّ عبدالله بن عمرو بن الحضرمي جاء بغلامٍ له إلى عمر بن الخطاب ﵁، فقال: إن غلامي هذا سرق، فاقطع يده. فقال عمر: ما سرق؟ قال: سرق مرآة امرأتي، ثمنها ستون درهمًا. فقال: أرسله، لا قطع عليه خادمكم أخذ متاعكم.
ولأنَّ العبد هو بعض ماله، فسرق بعض ماله بعضًا. وصحَّ عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: مَالُكَ سَرَقَ بعضُه بعضًا. أخرجه البيهقي (٨/ ٢٨١)، وقال البيهقي: وهو قول ابن عباس. (١) اهـ.
ولا يعلم مخالف لهؤلاء الصحابة.
• وذهب داود الظاهري إلى أنه يقطع بذلك؛ لعموم الآية.
قلتُ: وما قضى به الصحابة ﵃ هو الصحيح، والله أعلم. (٢)
стр. 5224
مسألة [١١]: إن سرق أحد الزوجين من مال الآخر ؟
إن كان ذلك مما ليس محرزًا عن الآخر؛ فلا قطع فيه.
وأما إن كان مما أحرزه عنه، ففيه خلاف:
• فذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا قطع فيه، وهذا مذهب أحمد في رواية، والشافعي في قول، وأبي حنيفة.
واستدلوا بأثر عمر المتقدم: خادمكم أخذ متاعكم. وإذا لم يقطع العبد بسرقة مال امرأته؛ فهو أولى؛ ولأنَّ كل واحد منهما يرث صاحبه بغير حجب، ولا تقبل شهادته له، ويتبسط في مال الآخر عادة، فأشبه الوالد والولد.
• وقال بعض أهل العلم: في ذلك القطع. وهو مذهب مالك، وأبي ثور، والشافعي في قول، وأحمد في رواية، وإسحاق، وابن المنذر؛ لعموم الآية، ولأنه سرق مالًا محرزًا عنه لا شبهة له فيه، أشبه الأجنبي.
• وللشافعية وجه أنه إن سرق الزوج؛ قطع، وإن سرقت الزوجة؛ لم تقطع؛ لأنَّ لها شبهة في ماله، وهي وجوب النفقة عليها من ماله.
قال أبو عبدالله غفر الله له: الحدود تُدرأ بالشبهات، والحال المذكورة فيها شبهة. (١)
مسألة [١٢]: من سرق من بيت المال ؟
• أكثر أهل العلم على عدم القطع إذا كان مسلمًا، وهو قول الشعبي،
стр. 5225
والنخعي، والحكم، والشافعي، وأحمد، وأصحاب الرأي.
واستدلوا على ذلك بحديث ابن عباس ﵄ عند ابن ماجه (٢٥٩٠)، أنَّ عبدًا من رقيق الخمس سرق من الخمس، فرفع ذلك إلى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فلم يقطعه. وقال: «مال الله سرق بعضه بعضًا»، وفي إسناده: جبارة بن المغلس، وحجاج بن تميم، وكلاهما شديد الضعف.
واستدلوا على ذلك بأنَّ هذا هو الثابت عن الصحابة، فقد جاء عن علي ﵁ من طريق الشعبي، عنه أنه قال: ليس على من سرق من بيت المال قطع. وذكر له البيهقي شاهدًا من فعله ﵁، وفي إسناده مجهول.
وجاء عن عمر ﵁ أنه قال لابن مسعود: أرسله، فما من أحد إلا وله في بيت المال حق. أخرجه عبدالرزاق (١٠/ ٢١٢)، وفي إسناده مبهم؛ فهو ضعيف.
• وذهب مالك، وحماد، وابن المنذر إلى أنه يقطع؛ لعموم الآية.
قال أبو عبد الله غفر الله له: الصحيح أنه لا يقطع؛ لأن كل مسلم له حق في بيت المال. (١)
مسألة [١٣]: إذا اشترك جماعةٌ في سرقةٍ بلغت نصاب القطع ؟
• من أهل العلم من قال: يقطعون جميعًا. وهو قول مالك، وأحمد، وأبي ثور،
стр. 5226
حتى وإن صار أقل من النصاب عند القسمة بينهم؛ وذلك لأنَّ النصاب أحد شرطي القطع، فإذا اشتركوا فيه كانوا كالواحد؛ قياسًا على هتك الحرز، وقاسوه على القصاص.
• وذهب الثوري، وأبو حنيفة، والشافعي، وإسحاق إلى أنه لا قطع عليهم، إلا أن تبلغ حصة كل واحد منهما نصابًا؛ لأنَّ كل واحد منهم لم يسرق نصابًا؛ فلم يجب عليه قطع، كما لو انفرد بدون النصاب، واختار هذا بعض الحنابلة.
وقال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٢/ ٤٦٨): وَهَذَا الْقَوْلُ أَحَبُّ إلَيَّ؛ لِأَنَّ الْقَطْعَ هَاهُنَا لَا نَصَّ فِيهِ، وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ وَالْمُجْمَعِ عَلَيْهِ، فَلَا يَجِبُ وَالِاحْتِيَاطُ بِإِسْقَاطِهِ أَوْلَى مِنْ الِاحْتِيَاطِ بِإِيجَابِهِ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ. اهـ
تنبيه: الاشتراك يكون بهتك الحرز منهم جميعًا، وإخراج النصاب منهم جميعًا، فإذا أخذ كل واحد منهم جزءًا؛ فلا قطع إذا لم يبلغ النصاب منفردًا، قال بذلك مالك. وأما أحمد فيجب عنده القطع، وإن أخرج كل واحد منهم جزءًا. (١)
مسألة [١٤]: هل يشترط في قطع يد السارق أن يكون المسروق مالاً ؟
• اشترط ذلك أكثر أهل العلم، وعليه: فلو سرق حُرًّا؛ فلا قطع فيه صغيرًا كان أو كبيرًا، وهذا قول الثوري، والشافعي، وأحمد، وأبي ثور، وأصحاب الرأي، وابن المنذر.
ودليل اشتراط كونه مالًا حديث عائشة ﵂ الذي في الباب.
стр. 5227
• وذهب مالك، وإسحاق إلى أنه يقطع بسرقة الحر الصغير؛ لأنه غير مميز، أشبه العبد، وذكر رواية عن أحمد، وقال به الحسن، والشعبي.
والصحيح القول الأول، والله أعلم. (١)
مسألة [١٥]: إذا كان الحر الصغير عليه متاع، أو حلي تبلغ النصاب ؟
• ذهب بعض أهل العلم إلى أنه يقطع، وهو قول أبي يوسف، وبعض الحنابلة، وبعض الشافعية، وابن المنذر؛ لأنه سرق نصابًا من الحي؛ فوجب فيه القطع كما لو سرقه منفردًا.
• وذهب جماعة من الحنابلة، وأكثر ا لشافعية، وأبو حنيفة إلى عدم القطع؛ لأنه تابع لما لا قطع في سرقته، أشبه ثياب الكبير؛ ولأن يد الصبي على ما عليه، بدليل أنَّ ما يوجد مع اللقيط يكون له، وهكذا لو كان الكبير نائمًا، فسرقه مع متاعه النائم عليه؛ لم يقطع؛ لأن يده عليه. (٢)
مسألة [١٦]: إذا سرق عبدًا ؟
أما إذا كان العبد صغيرًا لا يميز؛ فعليه القطع عند عامة أهل العلم.
قال ابن المنذر ﵀: أجمع على هذا من نحفظ عنه من أهل العلم. اهـ
• وإن كان كبيرًا؛ لم يقطع سارقه إلا أن يكون نائمًا، أو مجنونًا، أو أعجميًّا لا
стр. 5228
يميز بين سيده، وبين غيره في الطاعة؛ فيقطع سارقه عند أهل العلم.
• وقال أبو يوسف: لا يقطع سارق العبد، وإن كان صغيرًا؛ لأنَّ من لا يقطع بسرقته كبيرًا لا يقطع بسرقته صغيرًا كالحر.
وأجاب الجمهور بأنه سرق مالًا مملوكًا تبلغ قيمته نصابًا؛ فوجب القطع عليه كسائر الحيوانات، وفارق الحر؛ لأنه ليس بمالٍ، ولا مملوك، وفارق الكبير؛ لأنَّ الكبير لا يسرق، وإنما يخدع بشيء إلا أنْ يكون في حال زوال عقله بنوم أو جنون؛ فتصح سرقته. (١)
مسألة [١٧]: جاحد العارية هل تقطع يده ؟
• ذهب إسحاق، وأحمد في رواية إلى أنه تقطع يده؛ لحديث عائشة ﵂ الذي في الباب في رواية مسلم.
• وذهب الجمهور، وأحمد في رواية إلى عدم القطع؛ لأنَّ ذلك ليست بسرقة، وإنما هي خيانة، والخائن لا تقطع يده كما سيأتي في الحديث.
وأجاب الجمهور عن حديث عائشة ﵂: وكانت امرأةً تستعير المتاع، فتجحده. أنها ذكرت ذلك على سبيل الوصف والتعريف، لا أنَّ ذلك سبب القطع.
ومما يدل على أنَّ سبب القطع هو السرقة قوله في الحديث: «إن قريشًا أهمهم شأن المخزومية التي سرقت»، وقوله: «إنما هلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا
стр. 5229
سرق فيهم الشريف ... »، وقوله: «لو أن فاطمة بنت محمد سرقت؛ لقطعت يدها».
والصحيح قول الجمهور. (١)
مسألة [١٨]: جاحد الوديعة .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٢/ ٤١٧ - ): فَأَمَّا جَاحِدُ الْوَدِيعَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْأَمَانَاتِ، فَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا يَقُولُ بِوُجُوبِ الْقَطْعِ عَلَيْهِ. اهـ
стр. 5230
١٢٣٢ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ عَلَى خَائِنٍ، وَلَا مُخْتَلِسٍ، وَلَا مُنْتَهِبٍ قَطْعٌ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: هل على الخائن، والمختلس، والمنتهب قطع ؟
الخائن: هو الذي يأخذ المال من صاحب له مؤتمنٍ له؛ فيخونه ويأخذه،
стр. 5231
فيشمل جاحد العارية والوديعة، ويشمل المضارب إذا جحد صاحب المال.
والمختلس: اسم فاعل من اختلس الشيءَ إذا اختطفه، فالاختلاس نوع من الخطف، ذلك أنه يستخفي في ابتداء اختلاس الشيء، ثم يمر به بانتهاء أمره.
المنتهب: هو الذي يأخذ المال من صاحبه قهرًا.
وهؤلاء المذكورون لا قطع عليهم عند عامة أهل العلم؛ لأنَّ الواحد منهم لا يعتبر سارقًا، ولحديث الباب.
ونُقل عن إياس بن معاوية أنه قال بقطع المختلس؛ لأنه يستخفي بأخذه، فيكون سارقًا، وأهل الفقه والفتوى من علماء الأمصار على خلافه؛ لما تقدم. (١)
مسألة [٢]: هل يُقطع الطرَّار ؟
الطرَّار: هو الذي يأخذ المال من جيب الرجل، أو كمه، أو مخبئه، أو عيبته خفيةً.
• فعن أحمد فيه روايتان: رواية بالقطع؛ لأنه يعتبر سارقًا. ورواية: لا يقطع كالمختلس.
والقول بالقطع مذهب الشافعي، وأهل المدينة، والثوري، والأوزاعي، وأبي ثور، وابن المنذر.
وهذا القول هو الصحيح؛ لأنه أخذه خفية من حرز مثله؛ فهي سرقة واضحة، والله أعلم. (٢)
стр. 5232
مسألة [٣]: إذا دخل رجل دار قوم فذبح شاة ثم أخرج لحمها ؟
• قال طائفة من أهل العلم: عليه القطع، وهو مذهب مالك، والثوري، والشافعي، وأبي ثور، وابن المنذر. لأنها سرقة من حرز.
• وقال أصحاب الرأي: لا قطع عليه؛ لأنه ضمن قيمتها حية، وصار لحمها له. وهذا قول باطل.
والصحيح القول الأول، والله أعلم. (١)
стр. 5233
١٢٣٣ - وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ وَلَا كَثَرٍ (١)». رَوَاهُ المَذْكُورُونَ، وَصَحَّحَهُ أَيْضًا التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ. (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: القطع بما سُرِق من الفواكه، والثمار، وما زالت في شجرها .
• جمهور أهل العلم على عدم القطع؛ لحديث الباب، وصح ذلك عن ابن عمر ﵄، كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (١٠/ ٢٦).
• وخالف في ذلك أبو ثور، وابن المنذر، فقالا بالقطع؛ لأنه قد سرق نصابًا من حرزٍ؛ فوجب.
وأجاب الجمهور بأحاديث الباب؛ فإنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يعتبر البستان حرزًا.
والصحيح قول الجمهور. (٣)
стр. 5234
مسألة [٢]: هل يقطع في سرقة الفواكه، والخضروات المحروزة ؟
• مذهب الجمهور أنه يقطع فيه؛ لحديث عبدالله بن عمرو ﵄: «ومن خرج بشيء منه بعد أن يؤويه الجرين، فبلغ ثمن المجن؛ فعليه القطع». (١)
• وقال أبو حنيفة: لا قطع على سارق الطعام الرَّطب الذي يتسارع إليه الفساد، كالفواكه، والطبائخ؛ لحديث: «لا قطع في ثمر، ولا كثر».
وأُجيب عنه بأنه مبين بحديث عبدالله بن عمرو ﵄.
• وقال الثوري: ما يفسد في يومه، كالثريد، واللحم؛ لا قطع فيه.
والصحيح قول الجمهور. (٢)
مسألة [٣]: من سرق شيئا من الطيور كالحمام والدجاج ؟
• ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن فيها القطع إذا أخذها من مراحها، وبلغ نصاب القطع، وهو قول مالك، والشافعي، وأبي ثور، وابن المنذر.
• وقال بعض أهل العلم: ليس فيها قطع، وهو قول أحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي، وروي هذا القول عن عثمان بن عفان ﵁ بسند فيه جابر الجعفي، وهو متروك.
والصحيح هو القول الأول إذا كان أخذها من حرز، والله أعلم. (٣)
стр. 5235
مسألة [٤]: من سرق شيئًا من المواشي ؟
• جمهور العلماء على أنه يقطع إذا سرقها بعد أن آواها المراح، وبلغ نصاب القطع. وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد، وأبي عبيد، وابن المنذر.
• وقال أبو ثور، وأصحاب الرأي: يقطع فيها، ولو أخذها من غير مراحها إذا كانت في حائط مغلق، وكسر الباب.
والصحيح قول الجمهور، والصورة التي ذكرها الحنفية فيها شبهة يدرأ بها الحد. (١)
مسألة [٥]: من سرق مصحفًا أو كتابًا شرعيًا ؟
• قال جماعة من أهل العلم: فيه القطع إذا بلغ النصاب، وهو قول الشافعي، وأبي ثور، وابن القاسم المالكي، وأبي يوسف، وابن المنذر.
• وقال أبو حنيفة: لا أقطع في كتاب فيه الشِّعر، وتعقبه أبو يوسف، وقال: يقطع ما لم يكن فيه معصية. (٢)
مسألة [٦]: من سرق كلب صيد ؟
• هذه المسألة متعلقة بجواز بيعه؛ فمن قال: إنه يحرم بيعه؛ يقول: إنه لا يقطع فيه. وهذا القول هو الصحيح. ومن قال: إنه لا يحرم بيع كلب الصيد؛ فيقول: إنه يقطع بسرقته إذا بلغ النصاب وسرق من حرز مثله. (٣)
كان السارق مسلمًا، أو ذِمِّيًّا، وتقدم في (الشهادة في الزنى) ذكر الخلاف في اشتراط الحرية، والصحيح عدم اشتراطها.
قال ابن المنذر ﵀: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن قطع السارق يجب إذا شهد بالسرقة شاهدان، حُرَّان، مسلمان، ووصفا ما يوجب القطع. اهـ
وقوله: (ووصفا ما يوجب القطع)، أي: بأن يصفا السرقة، والحرز، وجنس النصاب، وقدره. (١)
مسألة [٢]: إذا اختلف الشاهدان في بعض الشهادة ؟
إذا اختلف الشاهدان في تعيين وقت السرقة، أو مكانها، أو المسروق؛ لم يقطع في قولهم جميعًا. وبذلك قال الشافعي، وأحمد، وأبو ثور وغيرهم.
• وإذا اختلف الشاهدان بالشيء اليسير، كلون الثوب، أو كون المسروق بقرة، أو ثورًا، أو ما أشبه ذلك، فمذهب الشافعي عدم قبول الشهادة، وهو قول أبي ثور، وابن المنذر.
• ومذهب الحنابلة، والحنفية قبول الشهادة؛ لأنَّ التفاوت اليسير قد لا يضبط. (٢)
стр. 5238
مسألة [٣]: ثبوت السرقة بالاعتراف .
جميع أهل العلم يقولون بثبوت السرقة بذلك، واختلفوا هل يشترط التكرار؟
• فذهب جماعةٌ منهم إلى اشتراط ذلك، وهو مذهب الحنابلة، وقال به ابن أبي ليلى، وابن شبرمة، وأبو يوسف، وزُفر.
واستدلوا على ذلك بحديث الباب، وصحَّ عن علي ﵁، كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٩/ ٤٩٤)، وابن المنذر (١٢/ ٣٣١)، أنه فعل ذلك، اعترف سارق عنده بذلك، فانتهره، فاعترف ثانية، فأمر به، فقطع.
• وذهب الجمهور إلى عدم اشتراط ذلك، وهو مذهب المالكية، والشافعية، والحنفية.
واستدلوا على ذلك بما تقدم ذكره في الاعتراف بالزنى، وقالوا: حديث الباب، وأثر علي ﵁ ليس فيهما الاشتراط، وإنما فيه أنه يستحب للإمام أن يفعل كما فعل رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في التثبت في الإقرار، ولا خلاف في استحباب ذلك. (١)
مسألة [٤]: هل يشترط في إقراره بالسرقة حضور المسروق منه ؟
• ذهب جمع من أهل العلم إلى أنه لا يشترط، وهو قول مالك، وابن أبي ليلى، وأبي ثور، وابن المنذر.
• وذهب جمع من أهل العلم إلى أنه يشترط، وهو قول الشافعية، والحنفية.
стр. 5239
والصحيح القول الأول، وليس هنالك دليل على اشتراط ذلك. (١)
مسألة [٥]: الرجوع عن الإقرار هل يقبل ؟
• مذهب الجمهور أنه يقبل رجوعه، ولا يُقام عليه الحد، ويغرم المسروق، فلا يقبل رجوعه فيه. واستدلوا على ذلك بحديث الباب: «ما إخالك سرقت»، عرَّض له ليرجع، ولأنه حدٌّ لله تعالى، ثبت بالاعتراف، فقبل رجوعه عنه، كحد الزنى؛ ولأنَّ الحدود تُدرأ بالشبهات، ورجوعه عنه شبهة؛ ولأنَّ حجة القطع زالت قبل استيفائه؛ فسقط، كما لو رجع الشهود عن الشهادة.
• وذهب ابن أبي ليلى، وداود الظاهري إلى عدم قبول رجوعه؛ لأنه لو أقرَّ لآدمي بقصاص، أو حقٍّ؛ لم يُقبل رجوعه عنه. (٢)
مسألة [٦]: كيفية قطع يد السارق .
ذكر أهل العلم أنه يجب على الإمام أن يستخدم آلةً حادَّة في قطع يد السارق، وتُقطع من الكوع عند مفصل الكف مع الساعد بضربة واحدة، ولا يقطعها في شدة حرٍّ ولا برد حتى لا يتأثر السارق بذلك، وبعد القطع تحسم يد السارق في زيت مغلي حتى يستمسك الدم، أو ما يقوم مقام ذلك.
قالوا: ويستحب تعليق يده على عنقه، وجاء في ذلك حديث مرفوع من حديث فُضَالَة بن عبيد أخرجه البيهقي، وفيه أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فعل ذلك، وهو حديث
стр. 5240
ضعيفٌ، في إسناده حجاج بن أرطاة، وهو مدلس فيه ضعف، ولم يصرح بالتحديث.
وجاء عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه فعل ذلك. أخرجه ابن أبي شيبة (٩/ ٤٩٤)، وإسناده صحيح. (١)
стр. 5241
١٢٣٦ - وَعَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَغْرَمُ السَّارِقُ إذَا أُقِيمَ عَلَيْهِ الحَدُّ». رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَبَيَّنَ أَنَّهُ مُنْقَطِعٌ، وَقَالَ أَبُوحَاتِمٍ: هُوَ مُنْكَرٌ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: رد العين المسروقة .
أما إن كانت العين المسروقة باقيةً لم تتلف؛ فيجب ردها لمالكها؛ قطع السارق، أو لم يقطع، بلا خلاف.
وأما إن كانت قد تلفت، أو استهلكت، ففيه خلاف.
• فذهب أكثر العلماء إلى وجوب ردِّها لمالكها بمثلها، أو قيمتها، سواء قطع، أو لم يقطع؛ لأنه حقٌّ لآدمي، فلا يسقط بإقامة الحد عليه، ولا دليل على سقوطه بذلك.
واستدلوا بالأدلة العامة في وجوب رد المظالم إلى أهلها، وهذا قول الحسن، والنخعي، وحماد، والبتي، والليث، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، ومالك وغيرهم.
стр. 5242
• وقال جماعةٌ من أهل العلم: إن قطع؛ فلا يغرم. وهو قول ابن سيرين، وعطاء، والشعبي، ومكحول، ومالك في الرجل المعسر. وقال بذلك الثوري، وأبو حنيفة، وقالا: وإن غرم؛ فلا قطع.
واستدلوا بحديث الباب، وهو ضعيفٌ منكر، والصحيح قول الجمهور.
تنبيه: إن كانت العين ناقصة بالاستعمال، وما أشبه ذلك؛ ضمن ما نقص منها عند الجمهور. (١)
стр. 5243
١٢٣٧ - وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ ﵄ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ التَّمْرِ المُعَلَّقِ، فَقَالَ: «مَنْ أَصَابَ بِفِيهِ مِنْ ذِي حَاجَةٍ غَيْرَ مُتَّخِذٍ خُبْنَةً فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَمَنْ خَرَجَ بِشَيْءٍ مِنْهُ فَعَلَيْهِ الغَرَامَةُ وَالعُقُوبَةُ، وَمَنْ خَرَجَ بِشَيْءٍ مِنْهُ بَعْدَ أَنْ يُؤْوِيَهُ الجَرِينَ فَبَلَغَ ثَمَنَ المِجَنِّ فَعَلَيْهِ القَطْعُ». أَخْرَجَهُ أَبُودَاوُد وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: عقوبة من سرق من الثمار المعلقة في شجرها .
دلَّ حديثُ الباب أنه لا قطع في ذلك، وفي الحديث: «فَعَلَيْهِ غَرَامَةُ مِثْلَيْهِ، وَالعُقُوبَةُ».
• فذهب أحمد، وإسحاق إلى الأخذ بظاهر الحديث بأنه يغرم بمثلي المسروق، ويؤدبه الحاكم، واعتمد أحمد أيضًا بفعل عمر ﵁ المتقدم في تغريم حاطب مِثْلَي قيمة الناقة.
стр. 5244
• وذهب الجمهور إلى أنَّ عليه غرامة المثل، وادَّعوا نسخ الحديث، وضعَّفَه الطحاوي من أجل مخالفته لما هو معلوم من المعاقبة بالمثل.
واستدلوا بقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:١٩٤]، وبقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل:١٢٦].
والصحيح القول الأول؛ لظاهر الحديث، وهو مخصص للآية المذكورة تعزيرًا وتأديبًا. (١)
مسألة [٢]: يشترط في القطع أن تكون السرقة من حِرزٍ .
استدل أهل العلم بحديث الباب على اشتراط الحرز.
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٢/ ٤٢٦): وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَهَذَا مَذْهَبُ عَطَاءٍ، وَالشَّعْبِيِّ، وَأَبِي الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالزُّهْرِيِّ، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، وَالثَّوْرِيِّ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ. وَلَا نَعْلَمُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافَهُمْ، إلَّا قَوْلًا حُكِيَ عَنْ عَائِشَةَ (٢)،
وَالْحَسَنِ، وَالنَّخَعِيِّ، فِيمَنْ جَمَعَ الْمَتَاعَ، وَلَمْ يَخْرُجْ بِهِ مِنْ الْحِرْزِ؛ عَلَيْهِ الْقَطْعُ. وَعَنْ الْحَسَنِ مِثْلُ قَوْلِ الْجَمَاعَةِ. وَحُكِيَ عَنْ دَاوُد أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ الْحِرْزُ؛ لِأَنَّ الْآيَةَ لَا
стр. 5245
تَفْصِيلَ فِيهَا. وَهَذِهِ أَقْوَالٌ شَاذَّةٌ غَيْرُ ثَابِتَةٍ عَمَّنْ نُقِلَتْ عَنْهُ. اهـ
ثم نقل عن ابن المنذر أنه نقل الإجماع على ذلك. وحديث عبدالله بن عمرو ﵄ حجة المسألة، وهو مخصص للآية.
قال ابن قدامة ﵀ (١٢/ ٤٢٧): وَالْحِرْزُ مَا عُدَّ حِرْزًا فِي الْعُرْفِ؛ فَإِنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ اعْتِبَارُهُ فِي الشَّرْعِ مِنْ غَيْرِ تَنْصِيصٍ عَلَى بَيَانِهِ، عُلِمَ أَنَّهُ رَدَّ ذَلِكَ إلَى أَهْلِ الْعُرْفِ؛ لِأَنَّهُ لَا طَرِيقَ إلَى مَعْرِفَتِهِ إلَّا مِنْ جِهَتِهِ، فَيُرْجَعُ إلَيْهِ، كَمَا رَجَعْنَا إلَيْهِ فِي مَعْرِفَةِ الْقَبْضِ وَالْفُرْقَةِ فِي الْبَيْعِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ. اهـ (١)
مسألة [٣]: من سرق من دار هو داخلها، ولكن من حجرة أخرى، وكل يغلق على حجرته بابه ؟
• قال بعض أهل العلم: فيه القطع؛ لأنه سرق من حرز مثله، وهو قول مالك، والشافعي، وأبي ثور، ورواية عن أبي حنيفة.
• وقال بعض أهل العلم: لا يقطع، وهو قول أبي يوسف، ومحمد بن الحسن، وأبي حنيفة في رواية.
والقول الأول أقرب إذا سرق منها في حال كونها محروزة، والله أعلم. (٢)
مسألة [٤]: من جمع المتاع في البيت، وانكشف أمره قبل إخراجه ؟
• الذي عليه عامة أهل العلم: أنه لا قطع عليه حتى يخرجه من البيت؛ فلعله
стр. 5246
أن يتوب قبل إخراجه، وهذا قول الشعبي، وعطاء، والزهري، وعمرو بن دينار، وعمر بن عبد العزيز، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي.
• ونقل قول عن الحسن، والنخعي: أن عليه القطع. ونقل عنهما خلافه على قول الجمهور. وقال ابن المنذر: هو عندي كالإجماع. (١)
مسألة [٥]: إذا دخل البيت فرمى بالمتاع إلى الطريق ثم خرج وأخذه .
• عامة أهل العلم على أن فيه القطع، وهو قول الشافعي، وأبي ثور، وأحمد، وأصحاب الرأي، وابن المنذر؛ لأنه قد أخرجه من حرزه، وأخذه. (٢)
مسألة [٦]: إذا دخل الدار فناول المتاع رجلًا في الخارج فعلى من القطع ؟
• الجمهور على أن القطع على الذي أخرجه؛ لأنه هو الذي هتك الحرز، وأخذه من حرزه، وهو قول مالك، والشافعي، وأبي ثور، وابن المنذر.
• وقال أصحاب الرأي: لا قطع على أحدهما.
والصحيح هو القول الأول، وعلى الأخر التعزير. (٣)
مسألة [٧]: إذا نقب البيت، وأدخل يده من الخارج؛ فأخذ المتاع .
• الجمهور على أن عليه القطع، وهو قول مالك، والشافعي، وأبي ثور، وأبي
стр. 5247
يوسف، وابن المنذر. لأنه قد أخذ المتاع بخفية من حرز مثله.
• وخالف أبو حنيفة فقال: لا يقطع.
والصحيح قول الجمهور. (١)
مسألة [٨]: إذا نقب البيت اثنان ودخل أحدهما فأخذ المتاع، ثم حملاه جميعًا ؟
• الصحيح في هذا المسألة أن القطع على الذي دخل، وأخذ المتاع؛ لأنه هو الذي هتك الحرز، وباشر السرقة، وهذا قول الجمهور، ومقتضى قول أبي حنيفة: أنه يقطع كلاهما، والصحيح القول الأول. (٢)
مسألة [٩]: إذا دخل البيت جماعة، وجمعوا المتاع ثم أخرجه واحد منهم فعلى من القطع ؟
• ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن القطع على الذي أخرجه منهم، وهو قول مالك في رواية، والشافعي، وأبي ثور، وابن المنذر.
• وذهب جماعة من أهل العلم إلى أن القطع عليه جميعًا، وهو قول مالك في رواية، والحنفية.
والقول الأول أقرب، وأحوط؛ لأن الحدود تدرأ بالشبهات. (٣)
стр. 5248
مسألة [١٠]: إذا سرق باب بيت مشدودًا ؟
• ذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه يقطع، وهو قول ابن القاسم، وأبي ثور، والشافعي، وابن المنذر. لأن ذلك هو حرز مثله
• وقال أصحاب الرأي: لا يقطع؛ لأنه ظاهر. والقول الأول أقرب، والله أعلم، وهو أعظم من أخذ التمر من الجرين. (١)
مسألة [١١]: إذا سرق ثيابًا من حمام .
• أكثر العلماء على أنه إن كان عليها حارس؛ فاستغفله وسرقها أن عليه القطع، وهو قول مالك، وأبي ثور، وأحمد، وإسحاق، وابن المنذر. وإن لم يكن عليها حارس فلا قطع.
• وقال الحنفية: لا قطع في ذلك مطلقًا.
والقول الأول أقرب، والله أعلم. (٢)
مسألة [١٢]: إذا سرق من داخل خيمة أو فسطاط .
الذي عليه أهل العلم: أنه يعتبر سرقة من حرز، وفيه القطع، وهو قول الثوري، وأبي ثور، وأحمد، وإسحاق، والشافعي، وأصحاب الرأي، وابن المنذر، وقال: ولا أعلم في ذلك خلافًا. (٣)
стр. 5249
مسألة [١٣]: إذا سرق فسطاطًا فهل فيه قطع ؟
• قال بعض أهل العلم: فيه القطع، وهو قول الشافعي، وأبي ثور، وابن المنذر.
• وقال الحنفية: لا قطع في ذلك، ومثله الجوالق على ظهر البعير، والذي يظهر أنها كانت مهجورة؛ فلا قطع فيها، وإن كانت مستعملة، واستغفل صاحبها ثم سرقها؛ ففيها القطع، والله أعلم. (١)
مسألة [١٤]: إذا ادعى السارق أن ربَّ المنزل أمره بدخول منزله .
• أكثر العلماء على عدم قبول هذه الدعوى، وأنه يقطع، وهو قول مالك، وأبي ثور، وأحمد، وإسحاق، واختاره ابن المنذر.
• ومذهب الحنفية: أنه لا يقطع. والقول الأول أقرب؛ لبعد الكلام المذكور؛ فإن وجد من قرينة الحال ما يحتمل ما ذكر فلا يقطع؛ لأن الحدود تدرأ بالشبهات. (٢)
مسألة [١٥]: إذا سرق من السارق المتاع الذي سرقه، فما الحكم ؟
• ذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه يقطع الأول والثاني، وهكذا إن تسلسل. وهو قول مالك، وربيعة، وأبي ثور، وابن شبرمة، وإسحاق، وابن المنذر.
стр. 5250
• وذهب آخرون إلى أن القطع للأول فقط، وهو قول الثوري، ومعمر، والحنفية، وتوقف فيه أحمد
قال أبو عبد الله غفر الله له: إن كان للثاني شبهة فلا يقام عليه الحد، كأن يعلم أنه مسروق؛ فيظن أن لا حرمة له بعد السرقة الأولى؛ لأن الحدود تدرأ بالشبهات. (١)
مسألة [١٦]: من سرق متاعًا من رجل عليه له دين ؟
• ذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه ليس فيه قطع إذا كان الذي عليه الحق مانعًا، أو مماطلًا، أو جاحدًا؛ لأن له في ذلك شبهة كبيرة. وفي الصحيحين عن عائشة ﵂، أن امرأة أبي سفيان استأذنت النبي ﷺ أن تأخذ من مال أبي سفيان ما تحتاجه للنفقة بغير علمه؛ فأذن لها بالمعروف. وممن قال بهذا القول الشعبي، وأبو ثور، وأحمد، وابن المنذر.
• وذهب آخرون من أهل العلم إلى أن عليه القطع، وهو قول ابن القاسم صاحب مالك.
• وقال أصحاب الرأي: عليه القطع؛ إلا أن يقول: أردت أن آخذه رهنًا، أو قصاصًا بحقي.
والصحيح هو القول الأول، والله أعلم. (٢)
стр. 5251
مسألة [١٧]: السرقة في المجاعة وعام السنة .
• مذهب أحمد، والأوزاعي عدم قطع من سرق في المجاعة؛ لما نُقل عن عمر أنه قال: لا قطع في عذق، ولا عام سنة. وهو من طريق: يحيى بن أبي كثير، عن عمر، ولم يدركه؛ فهو منقطع.
• وجاء عن عمر أنه قال لحاطب عند أن سرق غلمانه ناقة رجل من مُزينة وانتحروها: لولا أني أظن أنك تجيعهم؛ لقطعتهم. ثم غرَّم حاطبًا مثلي قيمة الناقة (ثمانمائة درهم)، وهو عند البيهقي (٨/ ٢٧٨)، وغيره من طريق: يحيى ابن عبدالرحمن بن حاطب، عن عمر، ولم يسمع منه؛ فهو منقطع.
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٢/ ٤٦٢ - ٤٦٣): وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ لَا يَجِدُ مَا يَشْتَرِيهِ، أَوْ لَا يَجِدُ مَا يَشْتَرِي بِهِ؛ فَإِنَّ لَهُ شُبْهَةً فِي أَخْذِ مَا يَأْكُلُهُ، أَوْ مَا يَشْتَرِي بِهِ مَا يَأْكُلُهُ.
قال: فَأَمَّا الْوَاجِدُ لِمَا يَأْكُلُهُ، أَوْ الْوَاجِدُ لِمَا يَشْتَرِي بِهِ وَمَا يَشْتَرِيهِ؛ فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ، وَإِنْ كَانَ بِالثَّمَنِ الْغَالِي. ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. اهـ
وقد رجَّح الحافظ ابن القيم عدم القطع في ذلك، واعتبر ذلك شبهة تمنع قيام الحد، والله أعلم. (١)
стр. 5252
١٢٣٨ - وَعَنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ -لَمَّا أَمَرَ بِقَطْعِ الَّذِي سَرَقَ رِدَاءَهُ فَشَفَعَ فِيهِ-: «هَلَّا كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ؟». أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الجَارُودِ وَالحَاكِمُ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: هل يشترط في القطع مطالبة المسروق منه بالعين المسروقة ؟
• اشترط ذلك الجمهور؛ لأنه بعدم المطالبة يحتمل أن يكون أهداها له، أو باعها له، أو للسارق فيها شبهة، أو ما أشبه ذلك. واستدلوا على ذلك بحديث الباب.
• وذهب أحمد في رواية، وحُكي رواية عن مالك أنه لا يشترط ذلك، بل يقطع وإن لم يطالب؛ لأنَّ هذا من حقوق الله.
والصحيح قول الجمهور، والله أعلم. (٢)
مسألة [٢]: إذا ملك السارق العين المسروقة ببيع، أو هبة، أو غير ذلك ؟
• جمهور أهل العلم على أنه إن كان ذلك قبل الرفع إلى الحاكم، والمطالبة؛ فلا
стр. 5253
قطع عليه، وإن كان بعد ذلك، ففيه القطع؛ لحديث صفوان.
• وقال أبو حنيفة: لا قطع في ذلك مطلقًا؛ لأنَّ الشروط يُعتبر دوامها.
وأجاب الجمهور بأنَّ المطالبة شرط الحكم لا شرط القطع؛ بدليل أنه لو استرد العين لم يسقط القطع، وقد زالت المطالبة. (١)
مسألة [٣]: حكم الشفاعة في عدم إقامة الحد ؟
أما بعد الرفع إلى الحاكم فلا يجوز؛ لحديث أسامة في أول الباب، ولحديث ابن عمر عند أبي داود (٣٥٩٧) أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «من حالت شفاعته دون حد من حدود الله؛ فقد ضادَّ الله»، وأجمعوا عليه.
وأما قبل ذلك فتجوز الشفاعة فيه والعفو؛ لحديث صفوان.
وقال مالك: من عُرِف بِشَرٍّ، وفسادٍ؛ فلا أحب أن يشفع له أحد. (٢)
стр. 5254
١٢٣٩ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ جِيءَ بِسَارِقٍ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «اقْتُلُوهُ» فَقَالُوا: إنَّمَا سَرَقَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «اقْطَعُوهُ» فَقُطِعَ، ثُمَّ جِيءَ بِهِ الثَّانِيَةَ، فَقَالَ: «اقْتُلُوهُ» فَذَكَرَ مِثْلَهُ، ثُمَّ جِيءَ بِهِ الثَّالِثَةَ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ، ثُمَّ جِيءَ بِهِ الرَّابِعَةَ كَذَلِكَ، ثُمَّ جِيءَ بِهِ الخَامِسَةَ فَقَالَ: «اقْتُلُوهُ». أَخْرَجَهُ أَبُودَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَاسْتَنْكَرَهُ. (١)
١٢٤٠ - وَأَخْرَجَ مِنْ حَدِيثِ الحَارِثِ بْنِ حَاطِبٍ نَحْوَهُ. وَذَكَرَ الشَّافِعِيُّ أَنَّ القَتْلَ فِي الخَامِسَةِ مَنْسُوخٌ. (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين
مسألة [١]: إذا تكررت من الرجل السرقة ؟
أمَّا في أول السرقة؛ فتُقطع يده اليمنى من مفصل الكف، وهو الكوع، ولا خلاف في ذلك بين أهل العلم، كما ذكر ذلك ابن قدامة، وابن كثير رحمة الله عليهما؛ لأنَّ هذا هو الوارد عن الصحابة، نُقل عن عمر، وعلي ﵄، ولا مخالف لهما من الصحابة.
стр. 5255
• وإذا سرق ثانيًا فالجمهور على قطع رجله اليسرى، وحجتهم في ذلك أن هذا هو الثابت عن أبي بكر، وعمر، وعلي ﵃.
وجاء في ذلك حديث مرفوعٌ: «إذا سرق؛ فاقطعوا يده، ثم إن سرق؛ فاقطعوا رجله»، أخرجه الدارقطني (٣/ ١٨١)، من حديث أبي هريرة ﵁، وفي إسناده: الواقدي، وهو كذاب.
• وحُكي عن عطاء، وربيعة، وداود أنه في الثانية تقطع يده اليسرى؛ لقوله تعالى: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾.
قال ابن قدامة ﵀: وَهَذَا شُذُوذٌ يُخَالِفُ قَوْلَ جَمَاعَةِ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالْأَثَرِ، مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ ﵄.
قال: وَلِأَنَّ قَطْعَ يَدَيْهِ يُفَوِّتُ مَنْفَعَةَ الْجِنْسِ، فَلَا تَبْقَى لَهُ يَدٌ يَأْكُلُ بِهَا، وَلَا يَتَوَضَّأُ، وَلَا يَسْتَطِيبُ، وَلَا يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ، فَيَصِيرُ كَالْهَالِكِ؛ فَكَانَ قَطْعُ الرِّجْلِ الَّذِي لَا يَشْتَمِلُ عَلَى هَذِهِ المَفْسَدَةِ أَوْلَى.
قال: وَأَمَّا الْآيَةُ؛ فَالْمُرَادُ بِهَا قَطْعُ يَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا تُقْطَعُ الْيَدَانِ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى. اهـ
ورجَّح الشوكاني أنه لا تقطع إلا يده اليمنى فقط، وما قضى به الصحابة