مسألة [١٧]: السرقة في المجاعة وعام السنة .
• مذهب أحمد، والأوزاعي عدم قطع من سرق في المجاعة؛ لما نُقل عن عمر أنه قال: لا قطع في عذق، ولا عام سنة. وهو من طريق: يحيى بن أبي كثير، عن عمر، ولم يدركه؛ فهو منقطع.
• وجاء عن عمر أنه قال لحاطب عند أن سرق غلمانه ناقة رجل من مُزينة وانتحروها: لولا أني أظن أنك تجيعهم؛ لقطعتهم. ثم غرَّم حاطبًا مثلي قيمة الناقة (ثمانمائة درهم)، وهو عند البيهقي (٨/ ٢٧٨)، وغيره من طريق: يحيى ابن عبدالرحمن بن حاطب، عن عمر، ولم يسمع منه؛ فهو منقطع.
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٢/ ٤٦٢ - ٤٦٣): وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ لَا يَجِدُ مَا يَشْتَرِيهِ، أَوْ لَا يَجِدُ مَا يَشْتَرِي بِهِ؛ فَإِنَّ لَهُ شُبْهَةً فِي أَخْذِ مَا يَأْكُلُهُ، أَوْ مَا يَشْتَرِي بِهِ مَا يَأْكُلُهُ.
قال: فَأَمَّا الْوَاجِدُ لِمَا يَأْكُلُهُ، أَوْ الْوَاجِدُ لِمَا يَشْتَرِي بِهِ وَمَا يَشْتَرِيهِ؛ فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ، وَإِنْ كَانَ بِالثَّمَنِ الْغَالِي. ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. اهـ
وقد رجَّح الحافظ ابن القيم عدم القطع في ذلك، واعتبر ذلك شبهة تمنع قيام الحد، والله أعلم. (١)
стр. 5252
١٢٣٨ - وَعَنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ -لَمَّا أَمَرَ بِقَطْعِ الَّذِي سَرَقَ رِدَاءَهُ فَشَفَعَ فِيهِ-: «هَلَّا كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ؟». أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الجَارُودِ وَالحَاكِمُ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: هل يشترط في القطع مطالبة المسروق منه بالعين المسروقة ؟
• اشترط ذلك الجمهور؛ لأنه بعدم المطالبة يحتمل أن يكون أهداها له، أو باعها له، أو للسارق فيها شبهة، أو ما أشبه ذلك. واستدلوا على ذلك بحديث الباب.
• وذهب أحمد في رواية، وحُكي رواية عن مالك أنه لا يشترط ذلك، بل يقطع وإن لم يطالب؛ لأنَّ هذا من حقوق الله.
والصحيح قول الجمهور، والله أعلم. (٢)
مسألة [٢]: إذا ملك السارق العين المسروقة ببيع، أو هبة، أو غير ذلك ؟
• جمهور أهل العلم على أنه إن كان ذلك قبل الرفع إلى الحاكم، والمطالبة؛ فلا
стр. 5253
قطع عليه، وإن كان بعد ذلك، ففيه القطع؛ لحديث صفوان.
• وقال أبو حنيفة: لا قطع في ذلك مطلقًا؛ لأنَّ الشروط يُعتبر دوامها.
وأجاب الجمهور بأنَّ المطالبة شرط الحكم لا شرط القطع؛ بدليل أنه لو استرد العين لم يسقط القطع، وقد زالت المطالبة. (١)
مسألة [٣]: حكم الشفاعة في عدم إقامة الحد ؟
أما بعد الرفع إلى الحاكم فلا يجوز؛ لحديث أسامة في أول الباب، ولحديث ابن عمر عند أبي داود (٣٥٩٧) أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «من حالت شفاعته دون حد من حدود الله؛ فقد ضادَّ الله»، وأجمعوا عليه.
وأما قبل ذلك فتجوز الشفاعة فيه والعفو؛ لحديث صفوان.
وقال مالك: من عُرِف بِشَرٍّ، وفسادٍ؛ فلا أحب أن يشفع له أحد. (٢)
стр. 5254
١٢٣٩ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ جِيءَ بِسَارِقٍ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «اقْتُلُوهُ» فَقَالُوا: إنَّمَا سَرَقَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «اقْطَعُوهُ» فَقُطِعَ، ثُمَّ جِيءَ بِهِ الثَّانِيَةَ، فَقَالَ: «اقْتُلُوهُ» فَذَكَرَ مِثْلَهُ، ثُمَّ جِيءَ بِهِ الثَّالِثَةَ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ، ثُمَّ جِيءَ بِهِ الرَّابِعَةَ كَذَلِكَ، ثُمَّ جِيءَ بِهِ الخَامِسَةَ فَقَالَ: «اقْتُلُوهُ». أَخْرَجَهُ أَبُودَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَاسْتَنْكَرَهُ. (١)
١٢٤٠ - وَأَخْرَجَ مِنْ حَدِيثِ الحَارِثِ بْنِ حَاطِبٍ نَحْوَهُ. وَذَكَرَ الشَّافِعِيُّ أَنَّ القَتْلَ فِي الخَامِسَةِ مَنْسُوخٌ. (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين
مسألة [١]: إذا تكررت من الرجل السرقة ؟
أمَّا في أول السرقة؛ فتُقطع يده اليمنى من مفصل الكف، وهو الكوع، ولا خلاف في ذلك بين أهل العلم، كما ذكر ذلك ابن قدامة، وابن كثير رحمة الله عليهما؛ لأنَّ هذا هو الوارد عن الصحابة، نُقل عن عمر، وعلي ﵄، ولا مخالف لهما من الصحابة.
стр. 5255
• وإذا سرق ثانيًا فالجمهور على قطع رجله اليسرى، وحجتهم في ذلك أن هذا هو الثابت عن أبي بكر، وعمر، وعلي ﵃.
وجاء في ذلك حديث مرفوعٌ: «إذا سرق؛ فاقطعوا يده، ثم إن سرق؛ فاقطعوا رجله»، أخرجه الدارقطني (٣/ ١٨١)، من حديث أبي هريرة ﵁، وفي إسناده: الواقدي، وهو كذاب.
• وحُكي عن عطاء، وربيعة، وداود أنه في الثانية تقطع يده اليسرى؛ لقوله تعالى: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾.
قال ابن قدامة ﵀: وَهَذَا شُذُوذٌ يُخَالِفُ قَوْلَ جَمَاعَةِ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالْأَثَرِ، مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ ﵄.
قال: وَلِأَنَّ قَطْعَ يَدَيْهِ يُفَوِّتُ مَنْفَعَةَ الْجِنْسِ، فَلَا تَبْقَى لَهُ يَدٌ يَأْكُلُ بِهَا، وَلَا يَتَوَضَّأُ، وَلَا يَسْتَطِيبُ، وَلَا يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ، فَيَصِيرُ كَالْهَالِكِ؛ فَكَانَ قَطْعُ الرِّجْلِ الَّذِي لَا يَشْتَمِلُ عَلَى هَذِهِ المَفْسَدَةِ أَوْلَى.
قال: وَأَمَّا الْآيَةُ؛ فَالْمُرَادُ بِهَا قَطْعُ يَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا تُقْطَعُ الْيَدَانِ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى. اهـ
ورجَّح الشوكاني أنه لا تقطع إلا يده اليمنى فقط، وما قضى به الصحابة
стр. 5256
أصح، والله أعلم. (١)
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٢/ ٤٤١): وَتُقْطَعُ الرِّجْلُ مِنْ مَفْصِلِ الْكَعْبِ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَفَعَلَ ذَلِكَ عُمَرُ ﵁، وَكَانَ عَلِيٌّ ﵁ يَقْطَعُ مِنْ نِصْفِ الْقَدَمِ مِنْ مَعْقِدِ الشِّرَاكِ، وَيَدَعُ لَهُ عَقِبًا يَمْشِي عَلَيْهَا. (٢) وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ. وَلَنَا أَنَّهُ أَحَدُ الْعُضْوَيْنِ الْمَقْطُوعَيْنِ فِي السَّرِقَةِ؛ فَيُقْطَعُ مِنْ الْمَفْصِلِ كَالْيَدِ. اهـ
• وإن عاد فسرق ثالثة: فذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنه يحبس، ولا يقطع منه شيء آخر، ثبت ذلك عن علي بن أبي طالب ﵁، وقال بذلك الحسن، والشعبي، والنخعي، والزهري، وحماد، والثوري، وأحمد في رواية، وأصحاب الرأي، وهو المعتمد في مذهب الحنابلة.
• وذهب بعضهم إلى أنه تقطع في الثالثة يده اليسرى؛ فإن عاد؛ قُطعت رجله اليمنى، وفي الخامسة يُعَزَّر ويُحبس، وَنُقِل عن أبي بكر، وعمر ﵄ أنهما قطعا يد أقطع اليد والرجل، وهو قول قتادة، ومالك، والشافعي، وأبي ثور، وأحمد في رواية، وابن المنذر، والأثر عن أبي بكر وعمر ﵄، في «المصنف»، و «سنن البيهقي»، وهو ثابت عنهما.
• وذهب أبو مصعب المالكي إلى القتل في الخامسة، وحُكي عن عمر بن
стр. 5257
عبدالعزيز وهو قول غير صحيح، والحديث الوارد ضعيفٌ منكرٌ، والله أعلم. (١)
مسألة [٢]: إن تكررت السرقة قبل القطع ؟
• عامة أهل العلم على أنَّ القطع ليده اليمنى يجزئ عن السرقات المتعددة، وتتداخل حدودها؛ لأنه حدٌّ من حدود الله تعالى، فإذا اجتمعت أسبابه تداخل كحد الزنى.
قال ابن المنذر ﵀ في «الأوسط» (١٢/ ٣٣٢): أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن السارق مرات إذا قدم إلى الحاكم في آخر السرقات أن قطع يده يجزئ من ذلك كله.
• وذكر القاضي رواية: أنَّه إذا سرق من جماعة، وجاءوا متفرقين أنها لا تتداخل، ولعله يقيس ذلك على حد القذف.
والصحيح القول الأول، وما ذكره القاضي مخالف لما ذكره ابن المنذر من الإجماع. (٢)
مسألة [٣]: إن سرق، فقطع، ثم سرق مرة أخرى من المكان الأول ؟
يقطع بالسرقة الثانية عند أهل العلم، حتى ولو سرق العين المسروقة أولًا في مذهب الشافعية والحنابلة، وأبي ثور، وابن المنذر خلافًا لأبي حنيفة، والله أعلم. (٣)
стр. 5258
مسألة [٤]: من سرق وله يمنى، فقطعت في قصاص، أو تعدي، أو أكلة ؟
• يسقط القطع، ولا شيء على العادي إلا الأدب، وبهذا يقول أصحاب المذاهب الأربعة.
• وقال قتادة: يقتص من القاطع، وتقطع رجل السارق. وهذا غير صحيح؛ فإنَّ يد السارق ذهبت، والقاطع قطع عضوًا غير معصوم. (١)
مسألة [٥]: إذا قطع الجذَّاذ اليسرى بدل اليمنى ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٢/ ٤٤٥): وَإِنْ سَرَقَ فَقَطَعَ الْجَذَّاذُ يَسَارَهُ بَدَلًا عَنْ يَمِينِهِ، أَجْزَأَتْ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْقَاطِعِ إلَّا الْأَدَبُ. وَبِهَذَا قَالَ قَتَادَةُ، وَالشَّعْبِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَذَلِكَ لِأَنَّ قَطْعَ يُمْنَى السَّارِقِ يُفْضِي إلَى تَفْوِيتِ مَنْفَعَةِ الْجِنْسِ، وَقَطْعِ يَدَيْهِ بِسَرِقَةٍ وَاحِدَةٍ، فَلَا يُشْرَعُ، وَإِذَا انْتَفَى قَطْعُ يَمِينِهِ، حَصَلَ قَطْعُ يَسَارِهِ مُجْزِئًا عَنْ الْقَطْعِ الْوَاجِبِ، فَلَا يَجِبُ عَلَى فَاعِلِهِ قِصَاصٌ.
وَقَالَ أَصْحَابُنَا: فِي وُجُوبِ قَطْعِ يَمِينِ السَّارِقِ وَجْهَانِ. وَلِلشَّافِعِيِّ فِيمَا إذَا لَمْ يَعْلَمْ الْقَاطِعُ كَوْنَهَا يَسَارًا، أَوْ ظَنَّ أَنَّ قَطْعَهَا يُجْزِئُ قَوْلَانِ؛ أَحَدُهُمَا: لَا تُقْطَعُ يَمِينُ السَّارِقِ، كَيْ لَا تُقْطَعَ يَدَاهُ بِسَرِقَةٍ وَاحِدَةٍ. وَالثَّانِي: تُقْطَعُ، كَمَا لَوْ قُطِعَتْ يُسْرَاهُ قِصَاصًا.
فَأمَّا القَاطِعُ فاتَّفَقَ أَصْحَابُنَا، وَالشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّهُ إنْ قَطَعَهَا عَنْ غَيْرِ اخْتِيَارٍ مِنْ السَّارِقِ، أَوْ كَانَ السَّارِقُ أَخْرَجَهَا دَهْشَةً، أَوْ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهَا تُجْزِئُ، وَقَطَعَهَا الْقَاطِعُ
стр. 5259
عَالِمًا بِأَنَّهَا يُسْرَاهُ، وَأَنَّهَا لَا تُجْزِئُ؛ فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهَا يُسْرَاهُ، أَوْ ظَنَّ أَنَّهَا مُجْزِئَةٌ؛ فَعَلَيْهِ دِيَتُهَا.
وَإِنْ كَانَ السَّارِقُ أَخْرَجَهَا مُخْتَارًا عَالِمًا بِالْأَمْرَيْنِ، فَلَا شَيْءَ عَلَى الْقَاطِعِ؛ لِأَنَّهُ أَذِنَ فِي قَطْعِهَا فَأَشْبَهَ غَيْرَ السَّارِقِ. وَالْمُخْتَارُ عِنْدَنَا مَا ذَكَرْنَاهُ أولًا، وَاَلله أَعْلَمُ. اهـ (١)
مسألة [٦]: من سرق، ولا يمنى له ؟
حكمه حكم من قطعت يمينه ثم سرق مرة أخرى. (٢)
مسألة [٧]: من سرق وكانت يمينه شَّلاءَ ؟
• في المسألة روايتان عن أحمد:
إحداهما: تقطع رجله اليسرى؛ لأنَّ الشلاء لا نفع فيها؛ فأشبهت كفًّا لا أصابع فيها، وهذا قول مالك.
والثانية: تُقطع يده إن كانت تنحسم كالصحيحة، ويرقأ الدم، وهذا قول الشافعي. (٣)
مسألة [٨]: من سَرَقَ وليس له أصابع في يمناه ؟
فيه وجهان للحنابلة:
• منهم من قال: تقطع؛ لأنَّ الراحة بعض ما يقطع في السرقة، فإذا كان
стр. 5260
موجودًا؛ قطع، كما لو ذهبت الخنصر، أو البنصر، وهذا القول أرجح، والله أعلم.
• ومنهم من قال: لا تقطع، وتقطع الرجل؛ لأنَّ الكف لا تجب فيه دية اليد.
وأما إن كان بعض الأصابع موجودة بحيث بقيت لها منافع؛ فالأولى قطعها عندهم؛ لأنَّ نفعها لم يذهب بالكلية، قاله ابن قدامة. (١)
مسألة [٩]: السارق من العبيد والإماء ؟
• عامة أهل العلم على أنهم يقطعون؛ لعموم الآية: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾، وثبت ذلك عن ابن عمر ﵄، كما في «ابن أبي شيبة». وهذا القول هو الصحيح.
• وثبت عن ابن عباس ﵄، كما في «ابن أبي شيبة» أنه قال: لا قطع عليهما. وَعُلِّلَ ذلك بأنه حدٌّ لا يمكن تنصيفه؛ فلم يجب في حقهما كالرجم، ولأنه حد، فلا يساوي العبدُ فيه الحرَّ كسائر الحدود.
• وعكس الجمهور القياس، فقالوا: حدٌّ فلا يتعطل في حق العبد والأمة كسائر الحدود، وفارق الرجم؛ فإنَّ حد الزاني لا يتعطل بتعطيله بخلاف القطع؛ فإنَّ حدَّ السرقة يتعطل بتعطيله. (٢)
стр. 5261
فَصْلٌ فِي قُطَّاعِ الطَّرِيْقِ
الأصل في حكمهم قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة:٣٣].
• وهذه الآية تشمل قُطَّاع الطريق من المسلمين عند أكثر العلماء، وهو قول أصحاب المذاهب الأربعة؛ لأنَّ الآية عامة، ولأنَّ في قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة:٣٤] دليلًا على أنها في حق المسلمين؛ إذ أنَّ الكفار تقبل منهم التوبة قبل القدرة عليهم وبعدها.
• ونُقِل عن الحسن، وعطاء أنها نزلت في المرتدين، واستدل على ذلك بأنَّ سبب الآية قصة العُرنيين، وكانوا ارتدوا عن الإسلام وقتلوا الرعاة واستاقوا الإبل.
والقول الأول أصح؛ لعموم الآية، والأصل عموم النص لا خصوص سببه. (١)
مسألة [١]: ضابط المحاربين الذين تشملهم الآية السابقة .
اعتبر أهل العلم للمحاربين شروطًا، وهي:
١) أن يكون ذلك في الخلاء خارج المصر؛ فإن كان في القرية، فلم يعدهم جماعة من أهل العلم محاربين.
стр. 5262
• وهو قول الثوري، وإسحاق، وأحمد في رواية، وأبي حنيفة؛ لأنَّ الذي في المصر والقرية يلحقه الغوث غالبًا، فتذهب شوكة المعتدين، ويكونون مختلسين.
• وقال جماعة من أهل العلم: هو قاطع حيث كان، وإن كان في المصر، أو في القرية، وهو قول الأوزاعي، والليث، والشافعي، وأحمد في رواية، وأبي يوسف، وأبي ثور؛ لعموم الآية؛ ولأنَّ حصول ذلك في المصر يجعله أعظم خوفًا وأعظم ضررًا. وهو رواية عن مالك.
• وقال مالك: إن كان يبعد عن القرية ثلاثة أميال فصاعدًا؛ فهم قطاع طريق، وإن كان أقل من ثلاثة أميال؛ فليسوا كذلك.
والصحيح القول الثاني، والله أعلم، وهو ترجيح شيخ الإسلام.
٢) واشترط أهل العلم أن يكون معهم سلاح؛ فإن لم يكن معهم سلاح؛ فهم غير محاربين؛ لأنهم لا يمنعون من يقصدهم، قال ابن قدامة: ولا نعلم في هذا خلافًا.
• وإن عرضوا بالعصي والحجارة؛ فهم محاربون في مذهب أحمد، والشافعي، وأبي ثور.
• وقال أبو حنيفة: ليسوا محاربين؛ لأنه لا سلاح معهم.
والصحيح القول الأول؛ لأنَّ ذلك في حكم السلاح، بل لو قطعوا الطريق بدون
стр. 5263
سلاح؛ لشملهم الحكم كذلك، وقد أشار إلى ذلك ابن حزم. (١)
٣) ويشترط عند أهل العلم أخذ المال مجاهرةً قهرًا، فأما إن أخذوه مختفين؛ فهم سُرَّاق، وإن اختطفوه وهربوا؛ فهم مختلسون، ومنتهبون.
٤) ويشترط عندهم أن يكون القطاع عندهم منعة، فلو خرج الواحد والاثنان على آخر قافلة، فاستلبوا منها شيئًا؛ فليسوا بمحاربين؛ لأنهم لا يرجعون إلى منعة وقوة، وإن خرجوا على عدد يسير، فقهروهم؛ فهم قطاع طريق. (٢)
مسألة [٢]: هل العقوبات المذكورة في الآية للتنويع، أو الخيار ؟
• ذهب جمعٌ من أهل العلم إلى أنَّ العقوبات للتنويع، فمن قَتَل؛ قُتِل، ومن قتل وأخذ المال؛ صُلِب، ومن أخذ المال ولم يقتل؛ قُطع من خلاف، وإن أخاف السبيل؛ نُفي. رُوي هذا القول عن ابن عباس بإسناد ضعيف، وهو قول قتادة، وأبي مجلز، وحماد، والليث، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.
واستدلوا على ذلك بالحديث: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث»؛ ولأنه رتب العقوبات بالأغلظ؛ فدل على عدم إرادة التخيير.
• وذهب جمعٌ من أهل العلم إلى أنَّ ذلك على الخيار، ويجتهد الحاكم في فعل ما يستحقه القاطع من تلك العقوبات، وهذا قول سعيد بن المسيب، وعطاء، ومجاهد، والحسن، والضحاك، والنخعي، وأبي الزناد، وأبي ثور، وداود، ومالك.
стр. 5264
واستدلوا بالتخيير بالآية بقوله ﴿أَوْ﴾، ورجَّح ذلك ابن حزم، والشوكاني.
قال أبو عبد الله غفر الله له: القول بالتخيير إلى القاضي أرجح، ولكن ينبغي أن يراعي القاضي ما تقدم ذكره في القول الأول، والله أعلم. (١)
مسألة [٣]: أحوال المحاربين .
الحال الأولى: أن يَقتلوا فقط، فهؤلاء يُقتلون عند أهل العلم، ونُقل الإجماع على ذلك، ويتحتم قتله، ولا يدخله عفو الولي؛ لأنه حد من حدود الله.
• وخالف ابن حزم، فقال بالخيار، وإن قتلوا، وهو قول ضعيف.
الحال الثانية: أن يقتلوا ويأخذوا المال.
• فجمهور أهل العلم على أنهم يصلبون مع القتل، ولا يقطعون.
• وقال بعض الشافعية، وأحمد في رواية: يقطعون ويصلبون. وكلهم يقولون بالقتل، ونُقل الإجماع على ذلك، ويتحتم القتل، ولا يدخله العفو؛ لما تقدم. (٢)
الحال الثالثة: أن يأخذوا المال بدون قتل.
ذكر أهل العلم أنها تُقطع يده اليمنى، ورجله اليسرى، وهو معنى قوله تعالى: ﴿مِنْ خِلَافٍ﴾، ثم يُحسمان.
стр. 5265
قال ابن قدامة ﵀: وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ، فِي أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ مِنْهُ غَيْرُ يَدٍ وَرِجْلٍ، إذَا كَانَتْ يَدَاهُ وَرِجْلَاهُ صَحِيحَتَيْنِ، فَأَمَّا إنْ كَانَ مَعْدُومَ الْيَدِ وَالرِّجْلِ، إمَّا لِكَوْنِهِ قَدْ قُطِعَ فِي قَطْعِ طَرِيقٍ، أَوْ سَرِقَةٍ، أَوْ قِصَاصٍ، أَوْ لِمَرَضٍ، فَمُقْتَضَى كَلَامِ الْخِرَقِيِّ سُقُوطُ الْقَطْعِ عَنْهُ، سَوَاءٌ كَانَتْ الْيَدَ الْيُمْنَى وَالرِّجْلَ الْيُسْرَى، أَوْ بِالْعَكْسِ؛ لِأَنَّ قَطْعَ زِيَادَةٍ عَلَى ذَلِكَ يَذْهَبُ بِمَنْفَعَةِ الْجِنْسِ، إمَّا مَنْفَعَةُ الْبَطْشِ، أَوْ الْمَشْيِ، أَوْ كِلَيْهِمَا، وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ. وَعَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي تَسْتَوْفِي أَعْضَاءَ السَّارِقِ الْأَرْبَعَةَ، يُقْطَعُ مَا بَقِيَ مِنْ أَعْضَائِهِ؛ فَإِنْ كَانَتْ يَدُهُ الْيُمْنَى مَقْطُوعَةً، قُطِعَتْ رِجْلُهُ الْيُسْرَى وَحْدَهَا، وَلَوْ كَانَتْ يَدَاهُ صَحِيحَتَيْنِ، وَرِجْلُهُ الْيُسْرَى مَقْطُوعَةً، قُطِعَتْ يُمْنَى يَدَيْهِ، وَلَمْ يُقْطَعْ غَيْرُ ذَلِكَ. وَجْهًا وَاحِدًا، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ لِأَنَّهُ وُجِدَ فِي مَحَلِّ الْحَدِّ مَا يُسْتَوْفَى، فَاكْتُفِيَ بِاسْتِيفَائِهِ. اهـ
• وذهب ابن حزم إلى أنَّ الحد في القطع، إما اليد اليمنى مع الرجل اليسرى، أو اليد اليسرى مع الرجل اليمنى، وكلهما مجزئ، والله أعلم. (١)
الحال الرابعة: أن لا يقتلوا، ولا يأخذوا مالًا، وإنما يخيفون السبيل بذلك.
• الجمهور على أنهم ينفون. واختلفوا في تفسير النفي: فمنهم من قال: يشردون ولا يتركون يأوون إلى بلدٍ. وهذا قول الحسن، والزهري، وجماعة من الحنابلة.
• ومنهم من قال: ينفيهم إلى بلد آخر.
стр. 5266
• وزاد بعضهم: ويحبس في البلد الذي ينفى إليها. وهو قول مالك، وابن سريج.
• وقال بعضهم: يحبس حتى يحدث توبة. وهو قول الشافعي، وأبي حنيفة.
• وقال بعضهم: يطلبهم الإمام ليعاقبهم، أو يخرجوا من بلاد المسلمين. وهو قولٌ للشافعي، ورواية عن أحمد.
قال شيخ الإسلام ﵀: وتنازع العلماء في نفي المحارب من الأرض هل هو طرده بحيث لا يأوي في بلد، أو حبسه، أو بحسب ما يراه الإمام من هذا وهذا؟ ففي مذهب أحمد ثلاث روايات، الثالثة أعدل وأحسن؛ فإنَّ نفيه بحيث لا يأوي في بلد لا يمكن؛ لتفرق الرعية واختلاف هممهم، بل قد يكون بطرده يقطع الطريق، وحبسه لا يمكن؛ لأنه يحتاج إلى مؤنة، إلى طعام وشراب، وحارس، ولا ريب أنَّ النفي أسهل إن أمكن.
قال: ومعلوم أن قوله: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة:٣٣] لا يتضمن نفيه من جميع الأرض، وإنما هو نفيه من بين الناس، وهذا حاصل بطرده وحبسه. اهـ
قلتُ: يرجح شيخ الإسلام ﵀ أن الأمر راجع إلى الإمام في ذلك، وهذا هو الذي يظهر، والله أعلم. (١)
مسألة [٤]: وقت الصلب .
• قال بعض أهل العلم: يُقتل، ثم يُصلب. وهو قول الشافعي، وأحمد؛
стр. 5267
لحديث: «إذا قتلتم فأحسنوا القتلة».
• وقال جماعةٌ: يُصلب، ثم يُقتل. وهو قول الأوزاعي، ومالك، والليث، وأبي حنيفة، وأبي يوسف؛ لأنَّ الصلب فيه تعذيب، ولا فائدة من كونه بعد القتل.
• وعند ابن حزم، وبعض الظاهرية أنه يُصلب بدون قتل، ويُترك كذلك حتى يموت.
قال الإمام ابن عثيمين ﵀: وينبغي أن ينظر في هذا إلى المصلحة، فإذا رأى القاضي أنَّ المصلحة أن يُصلب قبل أن يُقتل فعل. اهـ (١)
مسألة [٥]: مدة الصلب .
• الأشهر عند الحنابلة أنه يصلب حتى يشتهر أمره؛ لأنَّ من المقصود في ذلك الزجر، والردع.
• ومذهب الشافعية، والحنفية الصلب ثلاثة أيام.
• وقال بعض الحنابلة: قدر ما يقع عليه اسم الصلب.
والقول الأول أقرب، والله أعلم. (٢)
تنبيه: إن مات قبل صلبه لم يصلب؛ لأنَّ الصلب من تمام الحد، وقد فات الحد بالموت. (٣)
стр. 5268
مسألة [٦]: هل يعتبر التكافؤ في القتل في حدِّ المحاربين ؟
• في هذه المسألة قولان لأهل العلم، وهما روايتان عن أحمد، ووجهان في مذهب الشافعية، ومعنى ذلك أنَّ المحارب يُقتل ولو كان حُرًّا والمقتول عبدًا، أو كان مسلمًا والمقتول ذِمِّيًّا، أو مستأمنًا.
قال شيخ الإسلام ﵀: والأقوى أنه يُقتل؛ لأنه قتل للفساد العام حَدًّا، كما يقطع إذا أخذ أموالهم، كما يحبس بحقوقهم. اهـ
واختار هذا القول ابن حزم أيضًا. (١)
مسألة [٧]: إن جَرَحَ المحاربُ ولم يقتل، ولم يأخذ مالاً ؟
• أما على القول بأنَّ العقوبات على التخيير؛ فيكون ذلك راجعًا إلى اجتهاد الحاكم، وأما على القول بأنها للتنويع كما تقدم، فقالوا: في ذلك القصاص.
• واختلفوا هل القصاص متحتم، أم على اختيار الولي؟ على وجهين في مذهب أحمد، والشافعي. (٢)
مسألة [٨]: هل يشترط في القطع ههنا أن يكونوا أخذوا مالاً بلغ النصاب ؟
• اشترط ذلك بعض أهل العلم؛ قياسًا على السرقة، وهو مذهب أحمد، والشافعي، وأصحاب الرأي.
• ولم يشترط ذلك بعض أهل العلم؛ لعدم وجود نص على التقييد المذكور،
стр. 5269
وهو مذهب مالك، وأبي ثور، وابن المنذر، وهذا القول أرجح؛ لأن القطع للفساد، وليس للسرقة، والله أعلم. (١)
مسألة [٩]: عقوبة المحاربين هل هي خاصة بالمباشرين، أم تشمل الردء، والمعين ؟
قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٣١١ - ): وإذا كان المحاربون الحرامية جماعة؛ فالواحد منهم باشر القتل بنفسه، والباقون له أعوان وردء له، فقد قيل: إنه يُقتل المباشر فقط.
قلتُ: وهو مذهب الشافعي، وقال: يعزر الباقون؛ لحديث: «لا يحل دم مسلم إلا بإحدى ثلاث ... ».
قال: والجمهور على أنَّ الجميع يقتلون، ولو كانوا مائة، وأنَّ الردء والمباشر سواء، وهذا هو المأثور عن الخلفاء الراشدين؛ فإنَّ عمر بن الخطاب ﵁ قتل ربيئة المحاربين، والربيئة هو الناظر الذي يجلس على مكان عالٍ ينظر منه لهم من يجيء، ولأنَّ المباشر إنما تمكن من قتله بقوة الردء ومعونته.
قال: والطائفة إذا انتصر بعضها ببعض حتى صاروا ممتنعين؛ فهم مشتركون في الثواب، والعقاب كالمجاهدين. اهـ
قلتُ: الصواب قول الجمهور، والله أعلم. (٢)
стр. 5270
مسألة [١٠]: إذا كان في القطاع صبي، أو مجنون ؟
• لا يُقام عليه الحد، ويُقام على الباقي عند الجمهور.
• وخالف أبو حنيفة، فقال: لا يُقام على الباقين أيضًا، ويصير أمرهم إلى الأولياء يخيرون بين العفو والقصاص.
والصحيح قول الجمهور. (١)
مسألة [١١]: إن كانت فيهم امرأة ؟
• يُقام عليها الحد في مذهب أحمد، والشافعي.
• وقال أبو حنيفة: لا يُقام عليها؛ لأنه ليست أهلًا لذلك.
والصحيح قول الجمهور. (٢)
مسألة [١٢]: توبة المحاربين قبل القدرة عليهم .
ذكر أهل العلم أنَّ الحد يسقط عنهم، ويبقى عليهم القصاص في النفس، والجراح، وغرامة المال، والدية لما لا قصاص فيه؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة:٣٤]. (٣)
مسألة [١٣]: بقية الحدود كحد الزنى والسرقة، هل تسقط إذا تاب .
• من أهل العلم من قال: تسقط كحد المحاربة. وهو قولٌ للشافعي، ورواية
стр. 5271
عن أحمد.
• والأكثر على عدم سقوطه بذلك، وهو قول مالك، وأبي حنيفة، والأشهر في مذهب أحمد، وقولٌ للشافعي؛ لعدم ورود الدليل بإسقاطه، ولعموم الأدلة الواردة في إقامة الحد، ولأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أقام الحد على ماعز، والغامدية، وقد حسنت توبتهما، وهذا القول هو الصحيح، والله أعلم. (١)
مسألة [١٤]: إذا اجتمع على الرجل استحقاق عدد من الحدود، ومنها قتله .
• أكثر أهل العلم على أنها تقام عليه الحدود كلها، وهو قول الحسن، وابن أبي مليكة، والزهري، وقتادة، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وأصحاب الرأي. واختاره المنذر، وهو الصحيح في المسألة؛ لأن الله أمر بإقامتها كلها، ويمكن إقامتها بتعجيلها قبل حد القتل.
• وقال بعض أهل العلم: يكفيه القتل. نقل هذا القول عن ابن مسعود ﵁، ولم يثبت عنه؛ فإنه من طريق حبان العنزي، ومجالد الهمداني، وكلاهما ضعيف. وقال بهذا القول عطاء، والشعبي، والنخعي، وحماد، ومالك، إلا أنه استثنى الفرية. وقال الثوري: ما كان للناس أقيد منه، وما كان لله فيكفيه القتل. (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث
مسألة [١]: حكم شرب الخمر .
شرب الخمر من كبائر الذنوب، ودلَّ على تحريمه الكتاب، والسنة.
أما من القرآن: فقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة:٩٠ - ٩١].
ومن السنة: حديث أنس ﵁ عند الترمذي (١٢٩٥)، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «لعن الله في الخمر عشرة» وذكر منهم: «شاربها»، وإسناده حسن.
وحديث عبدالله بن عمرو بن العاص ﵄ عند النسائي (٨/ ٣١٤) وغيره: «لا يشرب الخمر رجل من أمتي؛ فيقبل الله منه صلاة أربعين يومًا» وإسناده صحيح.
وفي «صحيح مسلم» (٢٠٠٢) من حديث جابر ﵁ أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «إنَّ حقًّا على الله لمن شرب المسكر أن يسقيه الله من طينة الخبال يوم القيامة .. ».
وأجمع المسلمون على تحريم الخمر في الجملة. (١)
مسألة [٢]: مقدار الحد على الشارب .
• من أهل العلم من قال: حدُّه ثمانون جلدة. وهذا قول مالك، والثوري،
стр. 5274
وأبي حنيفة، وأحمد في رواية، والشافعي في قولٍ؛ لأنَّ هذا الذي استقر عليه الأمر في عهد عمر ﵁ بإشارة الصحابة، وعُزِي هذا القول للجمهور.
• وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنَّ حدَّه أربعون. وهو قول الشافعي في الأصح عنه، وأحمد في رواية، وأبي ثور، وداود الظاهري وأصحابه.
واستدلوا بحديث أنس، وحديث علي ﵄ اللذين في الباب.
• وذهب طائفة من أهل العلم إلى أنَّ الخمر لا حدَّ فيها، وإنما فيها التعزير. نقله عنهم ابن المنذر، والطبري، ونُقل هذا القول عن الزهري، وأخرج أحمد (٢٩٦٣)، وأبو داود (٤٤٧٦)، عن ابن عباس ﵄ أنه قال: لم يقت النبي ﷺ في الخمر حدًّا، شرب رجل، فسكر، فانطلق به إلى النبي ﷺ ، فلما حاذى دار العباس انفلت منهم، فدخل على العباس، فالتزمه، فذكر ذلك للنبي ﷺ ، فضحك، ولم يأمر فيه بشيء. ولكن في إسناده: محمد بن علي بن يزيد بن ركانة، وهو مجهول الحال.
واستُدِلَّ لهذا القول بحديث أبي هريرة ﵁ في «البخاري» (٦٧٧٧)، قال: أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ، قَالَ: «اضْرِبُوهُ». قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَمِنَّا الضَّارِبُ بِيَدِهِ، وَالضَّارِبُ بِنَعْلِهِ، وَالضَّارِبُ بِثَوْبِهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: أَخْزَاكَ اللهُ. قَالَ: «لَا تَقُولُوا هَكَذَا، لَا تُعِينُوا عَلَيْهِ الشَّيْطَانَ».
وَأَخْرَجَ (٦٧٧٤) عَنْ عُقْبَةَ بنِ الحَارِثِ ﵁ أن النَّبِيَّ ﷺ جِيءَ بِالنُّعَيْمَانِ، أَوْ
بَكْرٍ مَا فُعِلَ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَاسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْأَمْر، ثُمَّ رَأَى عُمَرُ وَمَنْ وَافَقَهُ الزِّيَادَة عَلَى الْأَرْبَعِينَ، إِمَّا حَدًّا بِطَرِيقِ الِاسْتِنْبَاط، وَإِمَّا تَعْزِيرًا. اهـ
والصحيح في هذه المسألة أنه يُجلد أربعين كما فعل رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وأبو بكر، والله أعلم.
ويدل عليه أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمر بالجلد في حديث معاوية الذي في الباب، وجاء عن أبي هريرة، وابن عمر ﵃، وغيرهم، واختار الشوكاني أنه تعزير يرجع إلى الإمام، واختاره ابن عثيمين، ولكن قال: لا ينقص عن أربعين جلدة. (١)
مسألة [٣]: شروط إقامة الحد .
ذكر أهل العلم لإقامة الحد شروطًا:
الأول: أن يشربها مختارًا لذلك، لا بإكراه، أو اضطرار، فمن شربها مكرهًا، أو مضطرًا؛ فلا حدَّ عليه.
الثاني: أن يشربها عالمًا بأنَّ كثيرها يُسكر.
الثالث: أن يكون مكلَّفًا.
الرابع: أن يثبت عليه الشرب ببينة، أو إقرار، ويكفي الإقرار مرة عند عامة أهل العلم؛ لأنَّ الحد ليس فيه إتلاف، والبينة شهادة عدلين مسلمين. (٢)
стр. 5277
مسألة [٤]: هل يجب الحد بوجود ريح الخمر من فمه، أو بِتَقَيُّئِها ؟
• أكثر أهل العلم على أنه لا يجب الحد بمجرد وجود الريح؛ لأنه يحتمل أنه تمضمض به، أو حسبها ماءً؛ فلما صارت في فيه مجَّها، أو ظنها لا تُسكر أوكان مكرهًا، أو نحو ذلك، وهذا مذهب الشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد في رواية.
• وذهب مالك، وأحمد في رواية إلى أنه يُقام عليه الحد؛ إلا أن يدعي أمرًا ممكنًا، وشبهة دارئةً للحد. وصحَّ إقامة الحد بذلك عن عمر، وابن مسعود ﵄. (١)
ومثله الخلاف فيما إذا تقيأ خمرًا، وقد صحَّ عن عثمان ﵁ إقامة الحد بذلك، كما في أحاديث الباب، وقد رجَّح هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
فقال كما في «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٣٣٩): فإن وُجِدت منه رائحة الخمر، أو رُئِيَ وهو يتقيؤها، ونحو ذلك، فقد قيل: لا يقام عليه الحد؛ لاحتمال أنه شرب ما ليس بخمرٍ، أو شربها جاهلًا بها، أو مكرهًا ونحو ذلك. وقيل: بل يُجلد إذا عُرِفَ أن ذلك مسكر. وهذا هو المأثور عن الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة، كعثمان، وعلي (٢)، وابن مسعود، وعليه تدلُّ سنةُ رسول الله ﷺ ، وهو الذي يصلح عليه الناس، وهو مذهب مالك، وأحمد في غالب نصوصه وغيرهما. اهـ
стр. 5278
وقال ﵀ في (٢٠/ ٣٨٣) من «مجموع الفتاوى»: إذا لم يكن هناك شبهة. اهـ
وهذا القول هو الصحيح، والله أعلم، وهو اختيار ابن القيم ﵀. (١)
مسألة [٥]: هل يُقتل الشارب في الرابعة ؟
• عامة أهل العلم على عدم القتل، ونقل الترمذي الإجماعَ على عدم العمل بالحديث الوارد بالقتل في الرابعة، وحمله الجمهور على أنه منسوخ.
واحتجوا على نسخه بحديث عمر بن الخطاب ﵁ في «صحيح البخاري» (٦٧٨٠) أَنَّ رَجُلًا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ اسْمُهُ عَبْدَ الله، وَكَانَ يُلَقَّبُ حِمَارًا، وَكَانَ يُضْحِكُ رَسُولَ الله ﷺ ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ جَلَدَهُ فِي الشَّرَابِ، فَأُتِيَ بِهِ يَوْمًا فَأَمَرَ بِهِ، فَجُلِدَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ: اللَّهُمَّ الْعَنْهُ، مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَا تَلْعَنُوهُ، فَوَالله مَا عَلِمْتُ، أَنَّهُ يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ».
قال شيخ الإسلام ﵀: وهذا من أجود ما يُحتجُّ به على أنَّ الأمر بقتل الشارب في الثالثة، والرابعة منسوخٌ.
قال: ولكن نسخ الوجوب لا يمنع الجواز إذا رأى الإمام المصلحة في ذلك. انتهى بتصرف.
وقد قيل: إنَّ الإجماع لم يصح.
стр. 5279
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في «الفتح» (٦٧٧٩) -بعد أن ذكر كلام الترمذي-: وهو محمول على من بعد من نقل غيره عنه القول به، كعبدالله بن عمرو فيما أخرجه أحمد، والحسن البصري، وبعض أهل الظاهر. اهـ
قلتُ: الأثر عن عبدالله بن عمرو بن العاص أخرجه أحمد في «مسنده» (٢/ ١٩١) من طريق الحسن عنه، ولم يسمع منه؛ فهو منقطع لا يثبت عنه.
وأما قول الحسن، فقال بكر أبو زيد ﵀: لابد من العلم بسنده، ولم يذكر له الحافظ سندًا. اهـ
وقد ذهب ابن القيم ﵀ إلى جواز القتل إذا رأى الإمامُ المصلحةَ في ذلك، وإليه يميل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما تقدم.
والصحيح هو القول الأول، والله أعلم. (١)
مسألة [٦]: مقدار حد العبد والأمة الشاربين .
• مذهب الجمهور التنصيف في ذلك؛ قياسًا على حد الزنى، فمنهم من قال: أربعين جلدة. ومنهم من قال: عشرين جلدة. كلٌّ على أصله.
• وذهب أبو ثور، وأكثر الظاهرية إلى أنه يُجلد كما يجلد الحر، وهذا هو الصواب، والله أعلم. (٢)
стр. 5280
مسألة [٧]: إن مات المجلود بسبب الجلد ؟
• عامة أهل العلم على أنه لا ضمان على الجلاد إذا لم يتعد أو يفرط، وقال به الشافعي إذا لم يزد على أربعين؛ لأنه فَعَلَ ما هو مأذون له شرعًا.
وما في «الصحيحين» عن علي ﵁ أنه قال: ما كنت لأقيم على أحدٍ حدًّا فيموت، فأجد عليه في نفسي إلا صاحب الخمر؛ فإنه لو مات وديته؛ لأنَّ النبي ﷺ لم يسنه. (١) فهذا منه ﵁ على سبيل الورع، والله أعلم.
وأما غير شارب الخمر فاتفقوا على أنه لا ضمان عليه. (٢)
مسألة [٨]: هل يُقام عليه الحد حال سكره، أم بعد صحوه ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٢/ ٥٠٥ - ٥٠٦): وَلَا يُقَامُ الْحَدُّ عَلَى السَّكْرَانِ حَتَّى يَصْحُوَ. رُوِيَ هَذَا عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالشَّعْبِيِّ، وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الزَّجْرُ وَالتَّنْكِيلُ، وَحُصُولُهُ بِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ فِي صَحْوِهِ أَتَمُّ؛ فَيَنْبَغِي أَنْ يُؤَخَّرَ إلَيْهِ. اهـ
مسألة [٩]: هل يُشترط أن يكون الجلد بسوط ؟
قال الحافظ ﵀ في «الفتح» (٦٧٧٥): قَالَ النَّوَوِيّ فِي «شَرْح مُسْلِمٍ»: أَجْمَعُوا عَلَى الِاكْتِفَاءِ بِالْجَرِيدِ، وَالنِّعَال، وَأَطْرَاف الثِّيَاب. ثُمَّ قَالَ: وَالْأَصَحُّ جَوَازُهُ بِالسَّوْطِ وَشَذَّ مَنْ قَالَ: (هُوَ شَرْطٌ) وَهُوَ غَلَطٌ مُنَابِذٌ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَة. اهـ
стр. 5281
وبَوَّبَ البخاري ﵀ في «صحيحه»: [باب الضرب بالجريد والنعال]، ثم استدل بحديث أبي هريرة، والسائب بن يزيد ﵄، وقد تقدما.
وقال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٧/ ٤٨٣): وكذلك صفة الضرب؛ فإنه يجوز جلد الشارب بالجريد، والنعال، وأطراف الثياب بخلاف الزاني، والقاذف. اهـ
١٢٤٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إذَا ضَرَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَّقِ الوَجْهَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
الحكم المستفاد من الحديث
يُستفاد من الحديث عدم جواز الجلد والضرب بالوجه، وقد تقدمت المسائل المتعلقة بصفة الجلد.
стр. 5282
١٢٤٥ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا تُقَامُ الحُدُودُ فِي المَسَاجِدِ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالحَاكِمُ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: إقامة الحدود في المساجد .
• جمهور أهل العلم وعامتهم على عدم جواز إقامة الحدود في المساجد؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى عن ذلك كما في الحديث المذكور؛ ولأنه لا يؤمن أن يخرج منه أذى أثناء إقامة الحد، والله أعلم.
وقد ثبت عن عمر ﵁ بإسناد صحيح كما في «مصنف عبدالرزاق» (١٠/ ٢٣) أنه كان يأمر بإخراج الرجل من المسجد وضربه خارج المسجد.
• وذهب ابن أبي ليلى إلى الجواز.
والصحيح قول الجمهور. (٢)
قال النووي ﵀ في شرح حديث ابن عباس الذي في الباب: فِي هَذِهِ الْأَحَادِيث دَلَالَة عَلَى جَوَاز الِانْتِبَاذ، وَجَوَاز شُرْب النَّبِيذ مَا دَامَ حُلْوًا لَمْ يَتَغَيَّر، وَلَمْ يَغْلِ، وَهَذَا جَائِز بِإِجْمَاعِ الْأُمَّة.
قال: وَأَمَّا سَقْيه الْخَادِم بَعْد الثَّلَاث وَصَبّه؛ فَلِأَنَّهُ لَا يُؤْمَن بَعْد الثَّلَاث تَغَيُّره، وَكَانَ النَّبِيّ ﷺ يَتَنَزَّه عَنْهُ بَعْد الثَّلَاث. اهـ (١)
قال ابن قدامة ﵀: لَا بَأْسَ بِهِ مَا لَمْ يَغْلِ، أَوْ تَأْتِيَ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ.
وقال ﵀ (١٢/ ٥١٢): أَمَّا إذَا غَلِيَ الْعَصِيرُ كَغَلَيَانِ الْقِدْرِ، وَقَذَفَ بِزَبَدِهِ، فَلَا خِلَافَ فِي تَحْرِيمِهِ، وَإِنْ أَتَتْ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَلَمْ يَغْلِ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: هُوَ حَرَامٌ. وَقَالَ أَحْمَدُ: اشْرَبْهُ ثَلَاثًا، مَا لَمْ يَغْلِ، فَإِذَا أَتَى عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَلَا تَشْرَبْهُ. وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ: هُوَ مُبَاحٌ مَا لَمْ يَغْلِ وَيُسْكِرْ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ الله ﷺ : «اشْرَبُوا فِي كُلِّ وِعَاءٍ، وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (٢)؛ وَلِأَنَّ عِلَّةَ تَحْرِيمِهِ الشِّدَّةُ الْمُطْرِبَةُ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ فِي الْمُسْكِرِ خَاصَّةً.
ثم استدل ابن قدامة على ترجيح المذهب بحديث ابن عباس ﵄ الذي في الباب.
ثم قال: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ شُرْبُهُ فِيمَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثَةِ إذَا لَمْ يَغْلِ مَكْرُوهًا غَيْرَ مُحَرَّمٍ؛ فَإِنَّ أَحْمَدَ لَمْ يُصَرِّحْ بِتَحْرِيمِهِ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ: أَكْرَهُهُ. وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ
стр. 5288
- ﷺ لَمْ يَكُنْ يَشْرَبُهُ بَعْدَ ثَلَاثٍ. اهـ
مسألة [٤]: صفة الوعاء الذي ينبذ فيه .
• كان قد نُهي عن الانتباذ في الدُّبَّاء، والحنتم، والنقير، والمقير، والمزفت، كما جاء ذلك في «الصحيحين» عن عدد من الصحابة، ثم نسخ النهي عن ذلك بحديث بريدة: «كنت نهيتكم عن الانتباذ إلا في سقاء، فاشربوا في الأوعية كلها، ولا تشربوا مسكرًا» أخرجه مسلم (١٩٩٩)، وعليه فيجوز الانتباذ في جميع الأوعية، ويحذر من الأوعية المذكورة؛ فإنَّ الإسكار يسرع فيها، وجمهور العلماء على ذلك.
• وعن أحمد رواية، ومالك بالمنع من ذلك؛ للنهي الوارد، والصحيح قول الجمهور. (١)
مسألة [٥]: انتباذ نوعين كالتمر والزبيب، أو الرطب والتمر، ونحوهما ؟
في «الصحيحين» عن جابر ﵁ أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى أن يخلط الزبيب، والتمر، والبسر والرطب. (٢)
وفيهما عن أبي قتادة ﵁: نهى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أن يجمع بين التمر والزهو، والتمر والزبيب، ولينبذ كل واحد منهما على حِدَة. (٣)
стр. 5289
وفي «صحيح مسلم» (١٩٨٧) عن أبي سعيد ﵁، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى عن التمر والزبيب أن يخلط بينهما، وعن التمر والبسر أن يخلط بينهما.
وفي رواية: من شرب النبيذ منكم؛ فليشربه زبيبًا فردًا، أو تمرًا فردًا، أو بسرًا فردًا.
وأخرجه مسلم (١٩٨٩ - ١٩٩١) بنحوه عن أبي هريرة، وابن عباس، وابن عمر ﵃ أيضًا.
قال النووي ﵀ في «شرح مسلم» (١٩٨٦): سَبَب الْكَرَاهَة فِيهِ أَنَّ الْإِسْكَار يُسْرِع إِلَيْهِ بِسَبَبِ الْخَلْط قَبْل أَنْ يَتَغَيَّر طَعْمه، فَيَظُنّ الشَّارِب أَنَّهُ لَيْسَ مُسْكِرًا، وَيَكُون مُسْكِرًا، وَمَذْهَبنَا وَمَذْهَب الْجُمْهُور: أَنَّ هَذَا النَّهْي لِكَرَاهَةِ التَّنْزِيه، وَلَا يَحْرُم ذَلِكَ مَا لَمْ يَصِرْ مُسْكِرًا، وَبِهَذَا قَالَ جَمَاهِير الْعُلَمَاء، وَقَالَ بَعْض الْمَالِكِيَّة: هُوَ حَرَام. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة، وَأَبُو يُوسُف فِي رِوَايَة عَنْهُ: لَا كَرَاهَة فِيهِ، وَلَا بَأْس بِهِ؛ لِأَنَّ مَا حَلَّ مُفْرَدًا؛ حَلَّ مَخْلُوطًا. وَأَنْكَرَ عَلَيْهِ الْجُمْهُور، وَقَالُوا: مُنَابَذَة لِصَاحِبِ الشَّرْع، فَقَدْ ثَبَتَتْ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة الصَّرِيحَة فِي النَّهْي عَنْهُ؛ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَرَامًا كَانَ مَكْرُوهًا. اهـ
قلتُ: وقال بالتحريم إسحاق، ومالك، وأحمد في رواية، وبعض الشافعية وهو الصحيح، وقال به ابن حزم في الخمسة الأنواع التي ذُكِرت في الأحاديث. (١)
стр. 5290
تنبيه: القائلون بتحريم الخليطين، وكذا الانتباذ في الأوعية، وكذا بتحريم النبيذ بعد ثلاث، لا حدَّ عندهم على من تناول ذلك؛ إلا أن يسكر.
مسألة [٦]: حكم شرب الطِّلاء .
نُقل عن جماعة من الصحابة أنهم أباحوا شرب (الطِّلاء) إذا طُبِخ وذهب ثُلثاه، وعن بعضهم إذا ذهب نصفه.
قال البخاري ﵀ في «صحيحه» [باب: (١٠) من كتاب الأشربة]: وَرَأَى عُمَرُ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ، وَمُعَاذٌ شُرْبَ الطِّلَاءِ عَلَى الثُّلُثِ، وَشَرِبَ الْبَرَاءُ، وَأَبُو جُحَيْفَةَ عَلَى النِّصْفِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: اشْرَبْ الْعَصِيرَ مَا دَامَ طَرِيًّا. اهـ
قلتُ: والآثار المذكورة قد بين الحافظ من وصلها في «الفتح»، و «التغليق»، وأسانيدها ثابتة، وانظر «مصنف ابن أبي شيبة» (٧/ ٥٢٨).
قال الحافظ ﵀ في «الفتح» بعد أن ذكر من وَصَلَ الآثار المذكورة: وَالطِّلَاء بِكَسْرِ المُهْمَلَة وَالْمَدّ: هُوَ الدِّبْس، شُبِّهَ بِطِلَاءِ الْإِبِل، وَهُوَ الْقَطِرَان الَّذِي يُدْهَن بِهِ، فَإِذَا طُبِخَ عَصِير الْعِنَب حَتَّى تَمَدَّدَ أَشْبَهَ طِلَاء الْإِبِل، وَهُوَ فِي تِلْكَ الْحَالَة غَالِبًا لَا يُسْكِر.
قال: وَقَدْ وَافَقَ عُمَرَ، وَمَنْ ذُكِرَ مَعَهُ عَلَى الْحُكْم الْمَذْكُور أَبُو مُوسَى (١)، وَأَبُو