قال النووي ﵀ في شرح حديث ابن عباس الذي في الباب: فِي هَذِهِ الْأَحَادِيث دَلَالَة عَلَى جَوَاز الِانْتِبَاذ، وَجَوَاز شُرْب النَّبِيذ مَا دَامَ حُلْوًا لَمْ يَتَغَيَّر، وَلَمْ يَغْلِ، وَهَذَا جَائِز بِإِجْمَاعِ الْأُمَّة.
قال: وَأَمَّا سَقْيه الْخَادِم بَعْد الثَّلَاث وَصَبّه؛ فَلِأَنَّهُ لَا يُؤْمَن بَعْد الثَّلَاث تَغَيُّره، وَكَانَ النَّبِيّ ﷺ يَتَنَزَّه عَنْهُ بَعْد الثَّلَاث. اهـ (١)
قال ابن قدامة ﵀: لَا بَأْسَ بِهِ مَا لَمْ يَغْلِ، أَوْ تَأْتِيَ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ.
وقال ﵀ (١٢/ ٥١٢): أَمَّا إذَا غَلِيَ الْعَصِيرُ كَغَلَيَانِ الْقِدْرِ، وَقَذَفَ بِزَبَدِهِ، فَلَا خِلَافَ فِي تَحْرِيمِهِ، وَإِنْ أَتَتْ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَلَمْ يَغْلِ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: هُوَ حَرَامٌ. وَقَالَ أَحْمَدُ: اشْرَبْهُ ثَلَاثًا، مَا لَمْ يَغْلِ، فَإِذَا أَتَى عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَلَا تَشْرَبْهُ. وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ: هُوَ مُبَاحٌ مَا لَمْ يَغْلِ وَيُسْكِرْ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ الله ﷺ : «اشْرَبُوا فِي كُلِّ وِعَاءٍ، وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (٢)؛ وَلِأَنَّ عِلَّةَ تَحْرِيمِهِ الشِّدَّةُ الْمُطْرِبَةُ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ فِي الْمُسْكِرِ خَاصَّةً.
ثم استدل ابن قدامة على ترجيح المذهب بحديث ابن عباس ﵄ الذي في الباب.
ثم قال: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ شُرْبُهُ فِيمَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثَةِ إذَا لَمْ يَغْلِ مَكْرُوهًا غَيْرَ مُحَرَّمٍ؛ فَإِنَّ أَحْمَدَ لَمْ يُصَرِّحْ بِتَحْرِيمِهِ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ: أَكْرَهُهُ. وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ
стр. 5288
- ﷺ لَمْ يَكُنْ يَشْرَبُهُ بَعْدَ ثَلَاثٍ. اهـ
مسألة [٤]: صفة الوعاء الذي ينبذ فيه .
• كان قد نُهي عن الانتباذ في الدُّبَّاء، والحنتم، والنقير، والمقير، والمزفت، كما جاء ذلك في «الصحيحين» عن عدد من الصحابة، ثم نسخ النهي عن ذلك بحديث بريدة: «كنت نهيتكم عن الانتباذ إلا في سقاء، فاشربوا في الأوعية كلها، ولا تشربوا مسكرًا» أخرجه مسلم (١٩٩٩)، وعليه فيجوز الانتباذ في جميع الأوعية، ويحذر من الأوعية المذكورة؛ فإنَّ الإسكار يسرع فيها، وجمهور العلماء على ذلك.
• وعن أحمد رواية، ومالك بالمنع من ذلك؛ للنهي الوارد، والصحيح قول الجمهور. (١)
مسألة [٥]: انتباذ نوعين كالتمر والزبيب، أو الرطب والتمر، ونحوهما ؟
في «الصحيحين» عن جابر ﵁ أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى أن يخلط الزبيب، والتمر، والبسر والرطب. (٢)
وفيهما عن أبي قتادة ﵁: نهى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أن يجمع بين التمر والزهو، والتمر والزبيب، ولينبذ كل واحد منهما على حِدَة. (٣)
стр. 5289
وفي «صحيح مسلم» (١٩٨٧) عن أبي سعيد ﵁، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى عن التمر والزبيب أن يخلط بينهما، وعن التمر والبسر أن يخلط بينهما.
وفي رواية: من شرب النبيذ منكم؛ فليشربه زبيبًا فردًا، أو تمرًا فردًا، أو بسرًا فردًا.
وأخرجه مسلم (١٩٨٩ - ١٩٩١) بنحوه عن أبي هريرة، وابن عباس، وابن عمر ﵃ أيضًا.
قال النووي ﵀ في «شرح مسلم» (١٩٨٦): سَبَب الْكَرَاهَة فِيهِ أَنَّ الْإِسْكَار يُسْرِع إِلَيْهِ بِسَبَبِ الْخَلْط قَبْل أَنْ يَتَغَيَّر طَعْمه، فَيَظُنّ الشَّارِب أَنَّهُ لَيْسَ مُسْكِرًا، وَيَكُون مُسْكِرًا، وَمَذْهَبنَا وَمَذْهَب الْجُمْهُور: أَنَّ هَذَا النَّهْي لِكَرَاهَةِ التَّنْزِيه، وَلَا يَحْرُم ذَلِكَ مَا لَمْ يَصِرْ مُسْكِرًا، وَبِهَذَا قَالَ جَمَاهِير الْعُلَمَاء، وَقَالَ بَعْض الْمَالِكِيَّة: هُوَ حَرَام. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة، وَأَبُو يُوسُف فِي رِوَايَة عَنْهُ: لَا كَرَاهَة فِيهِ، وَلَا بَأْس بِهِ؛ لِأَنَّ مَا حَلَّ مُفْرَدًا؛ حَلَّ مَخْلُوطًا. وَأَنْكَرَ عَلَيْهِ الْجُمْهُور، وَقَالُوا: مُنَابَذَة لِصَاحِبِ الشَّرْع، فَقَدْ ثَبَتَتْ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة الصَّرِيحَة فِي النَّهْي عَنْهُ؛ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَرَامًا كَانَ مَكْرُوهًا. اهـ
قلتُ: وقال بالتحريم إسحاق، ومالك، وأحمد في رواية، وبعض الشافعية وهو الصحيح، وقال به ابن حزم في الخمسة الأنواع التي ذُكِرت في الأحاديث. (١)
стр. 5290
تنبيه: القائلون بتحريم الخليطين، وكذا الانتباذ في الأوعية، وكذا بتحريم النبيذ بعد ثلاث، لا حدَّ عندهم على من تناول ذلك؛ إلا أن يسكر.
مسألة [٦]: حكم شرب الطِّلاء .
نُقل عن جماعة من الصحابة أنهم أباحوا شرب (الطِّلاء) إذا طُبِخ وذهب ثُلثاه، وعن بعضهم إذا ذهب نصفه.
قال البخاري ﵀ في «صحيحه» [باب: (١٠) من كتاب الأشربة]: وَرَأَى عُمَرُ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ، وَمُعَاذٌ شُرْبَ الطِّلَاءِ عَلَى الثُّلُثِ، وَشَرِبَ الْبَرَاءُ، وَأَبُو جُحَيْفَةَ عَلَى النِّصْفِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: اشْرَبْ الْعَصِيرَ مَا دَامَ طَرِيًّا. اهـ
قلتُ: والآثار المذكورة قد بين الحافظ من وصلها في «الفتح»، و «التغليق»، وأسانيدها ثابتة، وانظر «مصنف ابن أبي شيبة» (٧/ ٥٢٨).
قال الحافظ ﵀ في «الفتح» بعد أن ذكر من وَصَلَ الآثار المذكورة: وَالطِّلَاء بِكَسْرِ المُهْمَلَة وَالْمَدّ: هُوَ الدِّبْس، شُبِّهَ بِطِلَاءِ الْإِبِل، وَهُوَ الْقَطِرَان الَّذِي يُدْهَن بِهِ، فَإِذَا طُبِخَ عَصِير الْعِنَب حَتَّى تَمَدَّدَ أَشْبَهَ طِلَاء الْإِبِل، وَهُوَ فِي تِلْكَ الْحَالَة غَالِبًا لَا يُسْكِر.
قال: وَقَدْ وَافَقَ عُمَرَ، وَمَنْ ذُكِرَ مَعَهُ عَلَى الْحُكْم الْمَذْكُور أَبُو مُوسَى (١)، وَأَبُو
стр. 5291
الدَّرْدَاء (١) أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ عَنْهُمَا، وَعَلِي (٢)، وَأَبُو أُمَامَةَ (٣)، وَخَالِد بْن الْوَلِيد (٤)
وَغَيْرهمْ أَخْرَجَهَا اِبْن أَبِي شَيْبَة وَغَيْره، وَمِنْ التَّابِعِينَ: اِبْن المُسَيِّب، وَالْحَسَن، وَعِكْرِمَة، وَمِنْ الْفُقَهَاء: الثَّوْرِيّ، وَاللَّيْث، وَمَالِك، وَأَحْمَد، وَالْجُمْهُور، وَشَرْط تَنَاوُله عِنْدهمْ مَا لَمْ يُسْكِر، وَكَرِهَهُ طَائِفَة تَوَرُّعًا.
ثم ذكر من وصل أثر أبي جحيفة، والبراء.
ثم قال: وَوَافَقَ الْبَرَاء، وَأَبَا جُحَيْفَةَ جَرِير (٥)، وَأَنَس (٦)، وَمِنْ التَّابِعِينَ اِبْن الْحَنَفِيَّة، وَشُرَيْح.
قال: وَأَطْبَقَ الْجَمِيع عَلَى أَنَّهُ إِنْ كَانَ يُسْكِر؛ حَرُمَ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة فِي «الْأَشْرِبَة»: بَلَغَنِي أَنَّ النِّصْف يُسْكِر؛ فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ حَرَام.
فَيَحْرُم التَّدَاوِي بِهَا؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِدَوَاءٍ، فَكَأَنَّهُ يَتَنَاوَلهَا بِلَا سَبَب، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح عِنْد أَصْحَابنَا أَنَّهُ يَحْرُم التَّدَاوِي بِهَا، وَكَذَا يَحْرُم شُرْبهَا لِلْعَطَشِ، وَأَمَّا إِذَا غَصَّ بِلُقْمَةٍ وَلَمْ يَجِد مَا يُسِيغهَا بِهِ إِلَّا خَمْرًا؛ فَيَلْزَمهُ الْإِسَاغَة بِهَا؛ لِأَنَّ حُصُول الشِّفَاء بِهَا حِينَئِذٍ مَقْطُوع بِهِ، بِخِلَافِ التَّدَاوِي، وَاللهُ أَعْلَم. اهـ
مسألة [٢]: الحشيشة والمخدرات .
قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٣٤/ ٢١٠): هذه الحشيشة الصلبة حرام، سواء سكر منها أو لم يسكر، والسكر منها حرام باتفاق المسلمين، ومن استحل ذلك وزعم أنه حلال؛ فإنه يُستتاب؛ فإن تاب، وإلا قُتل مرتدًا، لا يُصلَّى عليه، ولا يُدفن في مقابر المسلمين. اهـ (١)
стр. 5296
بَابُ التَّعْزِير وُحُكْمِ الصَّائِل
التعزير: هو المنع، والمقصود الزجر، أو الإهانة، أو اللوم، أو الضرب لمن يستحقه؛ ليمنعه مما أوجب عليه ذلك.
وقوله تعالى: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ﴾ [الفتح:٩]، أي: لتنصروه بمنعه مما تمنعوا منه أنفسكم وأولادكم.
والمقصود به في هذا الباب: تأديب من يستحق ذلك بعقوبة غير مقدره شرعًا، ولا قصاص فيها. (١)
هِيَ حَقٌّ لله.
فَإِنْ قِيلَ: فَأَيْنَ تَكُونُ الْعَشَرَةُ فَمَا دُونَهَا إذْ كَانَ المُرَادُ بِالْحَدِّ الْجِنَايَةُ؟ قِيلَ: فِي ضَرْبِ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ، وَعَبْدَهُ، وَوَلَدَهُ، وَأَجِيرَهُ؛ لِلتَّأْدِيبِ وَنَحْوَهُ؛ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ؛ فَهَذَا أَحْسَنُ مَا خُرِّجَ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ، وَبِاَلله التَّوْفِيقُ. اهـ
وهذا القول هو مقتضى مذهب مالك، وأبي ثور، وهو قول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٣٤٧ - ٣٤٨)؛ وعليه فقد اختلف الفقهاء في أكثر التعزير.
قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ١٠٨): وأما أكثر التعزير ففيه ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره: أحدها: عشر جلدات. والثاني: دون أقل الحدود إما تسعة وثلاثون سوطًا، وإما تسعة وسبعون سوطًا، وهذا قول كثير من أصحاب أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد. والثالث: أنه لا يتقدر بذلك. وهو قول أصحاب مالك، وطائفة من أصحاب الشافعي، وأحمد، وهو إحدى الروايتين عنه، لكن إن كان التعزير فيما فيه مقدر؛ لم يبلغ به ذلك المقدر، مثل التعزير على سرقة دون النصاب لا يبلغ به القطع، والتعزير على المضمضة بالخمر لا يبلغ به حد الشرب، والتعزير على القذف بغير الزنى لا يبلغ به الحد.
قال: وهذا القول أعدل الأقوال عليه دلت سنة رسول الله ﷺ ، وسنة خلفائه الراشدين، فقد أمر النبي ﷺ بضرب الذي أحلت له امرأته جاريتها مائة، ودرأ عنه
стр. 5299
الحد بالشبهة (١)، وأمر أبو بكر، وعمر بضرب رجل وأمرأة وُجِدا في لحاف واحد مائة، مائة. (٢)
وأمر عمر بضرب الذي نقش على خاتمه وأخذ من بيت المال مائة، ثم ضربه في اليوم الثاني مائة، ثم ضربه في اليوم الثالث مائة، وضرب صبيغ بن عسل لما رأى من بدعته ضربًا كثيرًا لم يعده. (٣)
قال: ومن لم يندفع فساده في الأرض الا بالقتل؛ قُتل، مثل المفرق لجماعة المسلمين، والداعي إلى البدع في الدين، قال تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة:٣٢]، وفى «الصحيح» عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا بويع لخليفتين؛ فاقتلوا الآخِرَ منهما»، وقال: «من جاءكم وأمركم على رجل واحد، يريد أن يفرق جماعتكم؛ فاضربوا عنقه بالسيف كائنًا من كان» (٤)، وأمر النبي ﷺ بقتل رجل
стр. 5300
تعمد عليه الكذب (١)، وسأله ابن الديلمي عمن لم ينته عن شرب الخمر؟ فقال: «من لم ينته عنها؛ فاقتلوه». (٢)
قال: ومن أنواع التعزير: النفي، والتغريب، كما كان عمر بن الخطاب يعزر بالنفي في شرب الخمر إلى خيبر، وكما نفى صبيغ بن عسل إلى البصرة، وأخرج نصر بن حجاج إلى البصرة لما افتتن به النساء. (٣) اهـ
قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «الاختيارات» (ص ٢٩٩ - ٣٠١): ومن التعزير الذي جاءت به السنة ونصَّ عليه أحمد، والشافعي: نفي المخنث، وحلق عمر رأس نصر بن حجاج، ونفاه لما افتتن به النساء، فكذلك من افتتن به الرجال من المرادان، بل هو أولى. ولا يقدر التعزير، بل بما يردع المعزر، وقد يكون بالعزل، والنيل من عرضه، مثل أن يقال له: يا ظالم، يا معتدي. وبإقامته من مجلسه.
قال: والذين قدروا التعزير من أصحابنا إنما هو فيما إذا كان تعزيرًا على ما مضى من فعل، أو ترك؛ فإن كان تعزيرًا لأجل ترك ما هو فاعل له؛ فهو بمنزلة قتل
стр. 5301
المرتد، والحربي، وقتل الباغي، والعادي، وهذا تعزير غير مقدر، بل قد ينتهي إلى القتل، كما في الصائل لأخذ المال يجوز أن يمنع من أخذ المال، ولو بالقتل. وعلى هذا فإذا كان المقصود دفع الفساد، ولم يندفع إلا بالقتل؛ قُتل، وحينئذٍ فمن تكرر منه فعل الفساد ولم يرتدع بالحدود المقدرة، بل استمر على ذلك الفساد؛ فهو كالصائل الذي لا يندفع إلا بالقتل، فيقتل، ويمكن أن يُخَرَّج قتل شارب الخمر في الرابعة على هذا.
قال: وكذلك تارك الواجب، فلا يزال يعاقب حتى يفعله.
قال: والتعزير بالمال سائغٌ؛ إتلافًا وأخذًا، وهو جارٍ على أصل أحمد؛ لأنه لم يختلف أصحابه أنَّ العقوبات في الأموال غير منسوخة كلها.
قال: وقول الشيخ أبي محمد المقدسي: (ولا يجوز أخذ ماله) يعني: المعزر، إشارة منه إلى ما يفعله الولاة الظلمة.
قال: والتعزير يكون على فعل المحرمات، وترك الواجبات، فمن جنس ترك الواجبات من كتم ما يجب بيانه كالبائع المدلس، والمؤجر المدلس، والنكاح وغيرهم من العالمين، وكذا الشاهد، والمفتي، والحاكم، ونحوهم؛ فإنَّ كتمان الحق مشبه بالكذب ... انتهى المراد باختصار، وانظر بقية كلامه؛ فإنه مفيد. (١)
стр. 5302
١٢٥٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَقِيلُوا ذَوِي الهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ، إلَّا الحُدُودَ». رَوَاهُ أَبُودَاوُد وَالنَّسَائِيُّ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: حكم إقامة التعزير .
• ذهب جمعٌ من أهل العلم إلى أنَّه يجب على الإمام إقامة التعزير على من يستحقه، وهو مذهب مالك، وأحمد، وأبي حنيفة؛ لأنَّ في ذلك درءًا للفساد.
• وذهب الشافعي إلى عدم وجوب ذلك عليه.
واستدلوا على ذلك بحديث الرجل الذي أصاب من امرأة ما دون الجماع، فأتى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يسأله، فصَّلى مع النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وقال له: «قد غُفِر لك».
وفي رواية: فنزلت: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود:١١٤]، ولم يعزره النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.
وأجاب الجمهور عن هذا الحديث بأنَّ الرجل جاء تائبًا نادمًا على فعله، والتعزير إنما هو تأديب لمن يستحقه. والتأديب يكون لكل إنسان بما يناسبه،
стр. 5303
فمنهم من يصلح في حقه العزل من منزلته، ومنهم من يصلح له الزجر، والكلام، ومنهم من يحتاج إلى حبس، ومنهم من يحتاج إلى الجلد، وغير ذلك، وللحاكم أن يعفو عمن فعل فعلًا يوجب التعزير إذا رأى أنَّ العفو يصلح لردع ذلك الشخص، وعدم معاودته ذلك الفعل، والله أعلم. (١)
стр. 5304
١٢٥٥ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: مَا كُنْت لِأُقِيمَ عَلَى أَحَدٍ حَدًّا فَيَمُوتَ فَأَجِدَ فِي نَفْسِي إلَّا شَارِبَ الخَمْرِ فَإِنَّهُ لَوْ مَاتَ وَدَيْتُهُ. أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: من أُقيم عليه التعزير، فتلف، فهل يضمن ؟
• مذهب الجمهور أنه لا ضمان عليه؛ إلا إذا تعدَّى، أو فرَّط، كالحدود؛ لأنه عقوبة مشروعة، فحكمها حكم الحدود.
• وذهب الشافعي إلى الضمان، واستدل بأثر علي ﵁ الذي في الباب.
وأجاب الجمهور بأنَّ ذلك من علي ﵁ على سبيل التورع، وقد خالفه غيرُه من الصحابة، والتابعين.
وقول الجمهور هو الصواب، والله أعلم. (٢)
ومثله إذا حصل التلف بتأديب الرجل زوجته، أو المعلم بتأديبه الصبي.
• فمذهب أحمد، ومالك أن لا ضمان إلا بتفريط، أو تعدي.
• ومذهب الشافعي، وأبي حنيفة الضمان مطلقًا. (٣)
سُنَّةٌ، وَلَا إجْمَاعٌ يُصَحِّحُ دَعْوَاهُمْ. انتهى المراد
ومن القائلين بالنسخ: الشافعي في قولٍ، وأبو حنيفة، ومحمد بن الحسن، وبعض الحنابلة، وبعض المالكية.
والصحيح ما قرره ابن القيم، وهو قول شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ١٠٩ - ١١٢) (٢٩/ ٢٩٤ - ) (٢٠/ ٣٨٤).
مسألة [٣]: أقل التعزير .
قال شيخ الإسلام ﵀ (٢٨/ ٣٤٤): وليس لأقل التعزير حدٌّ، بل هو بكل ما فيه إيلام الإنسان، من قولٍ، أو فعلٍ، وترك قول، وترك فعل، فقد يعزر الرجل بوعظه، وتوبيخه، والإغلاظ له، وقد يعزر بهجره، وترك السلام عليه حتى يتوب إذا كان ذلك هو المصلحة، كما هجر النبيُّ ﷺ وأصحابُه الثلاثةَ الذي خلفوا، وقد يعزر بعزله عن ولايته، وقد يعزر بترك استخدامه في جند المسلمين، كالجندي المقاتل إذا فرَّ من الزحف، وقطع أجره نوعُ تعزيرٍ له، وكذلك الأمير إذا فعل ما يُستَعْظَم؛ فعزله تعزير له، وكذلك قد يعزَّر بالحبس، وقد يعزَّر بالضرب. انتهى.
стр. 5309
١٢٥٦ - وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ» رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ. (١)
الحكم المستفاد من الحديث
يستفاد من الحديث أن من تُعُدِّيَ عليه في ماله؛ فله أن يدفع عن ماله ولو أدَّى به إلى قتل المعتدي، وليس له أن يدفعه بالقتل وهو قادر على دفعه بدون ذلك.
ومن قُتل دون ماله فهو شهيد، وإن قَتَلَ صاحِبُ المال المعتديَ؛ فليس عليه شيء فيما بينه وبين الله، وأما في الحكم فعليه البينة على ذلك؛ وإلا فيقاد به، وقد تقدمت الإشارة إلى نحو ذلك تحت الحديث رقم (١١٩٦).
стр. 5310
١٢٥٧ - وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ خَبَّابٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْت أَبِي ﵁ يَقُولُ: سَمِعْت رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «تَكُون فِتَنٌ، فَكُنْ فِيهَا عَبْدَاللهِ المَقْتُولَ، وَلَا تَكُنِ القَاتِلَ». أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ وَالدَّارَقُطْنِيّ. (١)
١٢٥٨ - وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ نَحْوَهُ عَنْ خَالِدِ بْنِ عُرْفُطَةَ. (٢)
الحكم المستفاد من الحديث
في الحديث أنَّ الأفضل عند الفتن، بل الواجب تجنب ذلك، ولو أدَّى إلى أن يقتل المسلم خير له من المشاركة في ذلك، وهذا محمول على غير البغي على الإمام، وجماعة المسلمين؛ فإنه يجب على المسلم مناصرة أهل العدل، و لا ينافي حديث الباب أنَّ الإنسان يدفع عن نفسه إذا أراد أحدٌ قتله؛ لحديث: «من قُتل دون دمه؛ فهو شهيد» أخرجه أبو داود (٤٧٧٢) عن سعيد بن زيد ﵄ بإسناد صحيح.
كان الفراغ من كتاب الحدود بحمد الله ومنته في يوم الأحد
الموافق (١٢/ذي القعدة/١٤٢٧ من هجرة المصطفى -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-
стр. 5311
فتح العلام
في دراسة أحاديث بلوغ المرام
حديثيا وفقهيا مع ذكر بعض المسائل الملحقة
تأليف
أبي عبدالله محمد بن علي بن حزام الفضلي البعداني
في دار الحديث بدماج
الجزء العاشر
كِتَابُ الْجِهَادِ - كِتَابُ الجَامِع
الجِزْيَةِ وَالهُدْنَةِ-السَّبَقُ وَالرَّمْي-الصَّيْدُ وَالذَّبَائِح-الأَضَاحِي-العَقِيقَة-الشَّهَادَات- الدَّعْوَى وَالبَيِّنَات- كِتَابُ الْعِتْقِ- المُدَبَّرُ وَالمُكَاتَبُ وَأُمُّ الوَلَدِ- كِتَابُ الجَامِع
سَبِيلِهِ، وَتَصْدِيقُ كَلِمَاتِهِ بِأَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، أَوْ يَرْجِعَهُ إِلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ، مَعَ مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ».
وفي «صحيح البخاري» (٢٧٩٠) عن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «إِنَّ فِي الجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ أَعَدَّهَا اللهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ الله، مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ... » الحديث.
وفي «الصحيحين» عن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- سُئِلَ: أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: «إِيمَانٌ بِالله وَرَسُولِهِ» قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ الله» قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «حَجٌّ مَبْرُورٌ». (١)
وفي «الصحيحين» عن أنس ﵁ قال: «لَغَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ الله، أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا». (٢)
وفي «صحيح مسلم» (١٨٧٨) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَثَلُ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ الله كَمَثَلِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ الْقَانِتِ بِآيَاتِ الله، لَا يَفْتُرُ مِنْ صِيَامٍ، وَلَا صَلَاةٍ، حَتَّى يَرْجِعَ الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ الله تَعَالَى»، وهو في «البخاري» (٢٧٨٧) مختصرًا والأحاديث في الباب كثيرة.
مسألة [٢]: أقسام الجهاد .
قال ابن القيم ﵀ في «زاد المعاد» (٣/ ٩ - ١١): الْجِهَادُ أَرْبَعُ مَرَاتِبَ: جِهَادُ النّفْسِ، وَجِهَادُ الشّيْطَانِ، وَجِهَادُ الْكُفّارِ، وَجِهَادُ المُنَافِقِينَ. فَجِهَادُ النّفْسِ أَرْبَعُ
• وحُكي عن سعيد بن المسيب أنه من فروض الأعيان. واستُدِلَّ لهذا القول بقوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة:٤١]، وقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ [البقرة:٢١٦]، وبحديث أبي هريرة، وأنس ﵄ اللذين في الكتاب.
واستدل الجمهور على عدم فرضيته عينيًّا بقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [النساء:٩٥]، وهذا يدل على أنَّ القاعدين غير آثمين مع جهاد غيرهم.
واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة:١٢٢]، وكان النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يبعث البعوث، والسرايا، ويبقى.
وأما قوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة:٤١]، فقيل: إنها منسوخة. وقيل: محكمة وهو الصحيح، والمراد بها إذا تعين ذلك باستنفار الإمام، أو حلول العدو في البلد، والله أعلم. (١)
مسألة [٤]: أحوال تعين الجهاد .
هناك أحوال يتعين فيها الجهاد، وهي:
الأولى: إذا التقى الزحفان، وتقابل الصَّفَّان؛ حرم على من حضر الانصراف،
стр. 5317
وتعين عليه المقام؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ * وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال:١٥ - ١٦]، وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال:٤٥].
الثانية: إذا نزل الكفار ببلد؛ تعيَّن على أهله قتالهم، ودفعهم للمحافظة على دينهم، وأموالهم، وأعراضهم.
الثالثة: إذا استنفر الإمامُ قومًا؛ لزمهم النفير معه؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ * إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التوبة:٣٨ - ٣٩]، وقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «وإذا استُنْفِرْتُم؛ فانفروا».
الرابعة: أن يحتاج إلى أناس معينين؛ لخبرتهم، ومعرفتهم؛ فيتعين عليهم. (١)
مسألة [٥]: شروط وجوب الجهاد .
يُشترط لوجوب الجهاد على الشخص أن يكون مسلمًا، عاقلًا، بالغًا، حُرًّا، ذكرًا، سالمًا من الضرر، واجدًا للنفقة.
стр. 5318
أما الإسلام، والبلوغ، والعقل؛ فهي شروط لوجوب سائر التكاليف الواجبة؛ ولأنَّ الكافر غير مأمون في الجهاد، والمجنون لا يتأتى منه الجهاد، والصبي ضعيف البنية، وقد ردَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بعض الصبيان يوم أُحد؛ لكونهم لم يبلغوا.
وأما الحرية؛ فقوله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٤١]، والعبد لا مال له؛ ولقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ﴾ [التوبة:٩١]، والعبد لا يجد ما ينفق؛ ولأنَّ العبد مشغول بخدمة سيده؛ فلا يجب عليه.
وأما الذكورية فتشترط لحديث عائشة ﵂ الذي في الباب؛ ولأنها ليست من أهل القتال؛ لضعفها، وخورها.
وأما السلامة من الضرر فمعناه: السلامة من العمى، والعرج، والمرض، وهو شرطٌ؛ لقول الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [النور:٦١]؛ ولأنَّ هذه الأعذار تمنعه من الجهاد، والمانع من العرج والمرض هو ما كان شديدًا يمنعه من الجهاد.
وأما النفقة فتشترط؛ لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة:٩١]؛ ولأنَّ الجهاد لا يمكن إلا بآلة، فيعتبر القدرة عليها.
فإن كان الجهاد على مسافة لا تقصر فيها الصلاة؛ اشتُرِط أن يكون واجدًا
стр. 5319
للزاد، ونفقة عائلته في مدة غيابه، وسلاحٍ يقاتل به، ولا تعتبر الراحلة؛ لأنه سفر قريب.
وإن كانت المسافة تقصر فيها الصلاة؛ اعتُبِر مع ذلك الراحلة؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ [التوبة:٩٢]. (١)
مسألة [٦]: أقل ما يجب من الجهاد في العام الواحد .
قال الحافظ ﵀ في «الفتح» (٢٨٢٥): وَيَتَأَدَّى فَرْض الْكِفَايَة بِفِعْلِهِ فِي السَّنَة مَرَّة عِنْد الْجُمْهُور، وَمِنْ حُجَّتهمْ: أَنَّ الْجِزْيَة تَجِب بَدَلًا عَنْهُ، وَلَا تَجِب فِي السَّنَة أَكْثَر مِنْ مَرَّة اِتِّفَاقًا؛ فَلْيَكُنْ بَدَلهَا كَذَلِكَ، وَقِيلَ: يَجِب كُلَّمَا أَمْكَنَ. وَهُوَ قَوِيٌّ. اهـ (٢)
стр. 5320
١٢٦٠ - وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ ﷺ يَسْتَأْذِنُ فِي الجِهَادِ، فَقَالَ: «أَحَيٌّ وَالِدَاك؟» قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
١٢٦١ - وَلِأَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُد مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ نَحْوُهُ، وَزَادَ: «ارْجِعْ فَاسْتَأْذِنْهُمَا، فَإِنْ أَذِنَا لَك، وَإِلَّا فَبِرَّهُمَا». (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث
مسألة [١]: استئذان الوالدين في الجهاد الغير متعين .
قال الخِرَقِي ﵀: وإذا كان أبواه مسلمين؛ لم يجاهد تطوعًا إلا بإذنهما. اهـ
قال ابن قدامة ﵀: رُوي نحو ذلك عن عمر، وعثمان ﵄، وبه قال مالك، والأوزاعي، والثوري، والشافعي، وسائر أهل العلم. اهـ
ثم استدل ﵀ بالحديثين المذكورين؛ ولأنَّ بر الوالدين فرض عين، والجهاد فرض كفاية، وفرض العين يقدم. (٣)
مسألة [٢]: إذا كان أبواه كافرين ؟
• جمهور العلماء على أنه لا إذن لهما.
стр. 5321
• وخالف الثوري، فاعتبر إذنهما؛ لعموم الآية.
واحتج الجمهور بأنَّ أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كانوا يجاهدون، وفيهم من له أبوان كافران من غير استئذانهما، منهم: أبو بكر الصديق ﵁، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة ﵁ كان مع النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يوم بدر، وأبوه رئيس المشركين يومئذٍ، قُتل ببدر، وأبو عبيدة ﵁ قتل أباه في الجهاد، وعموم الأخبار يخصص بما ذكرناه. (١)
فائدة: إذا تعين الجهاد لم يعتبر إذن الوالدين؛ لأنه صار فرض عين، وتركه معصية، ولا طاعة لأحد في معصية الله، وكذلك كل واجب عيني، مثل الحج، والصلاة في الجماعة، والجمع، والسفر للعلم الواجب. (٢)
فائدة أخرى: إذا أذن له أبواه، ثم منعاه؛ امتنع، إلا أن يكون قد حضر الصف، وكذا لو شرطا عليه أن لا يقاتل، فحضر الصف؛ فلا أثر للشرط، ووجب عليه القتال. (٣)
المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث
تعريف الهجرة:
الهجرة: هي الانتقال من دار الكفر إلى دار الإسلام. (١)
مسألة [١]: هل انقطعت الهجرة، أم هي باقية ؟
• عامة أهل العلم على أنَّ الهجرة باقية لم تنقطع، ولا تنقطع إلى قيام الساعة؛ لحديث عبدالله بن السعدي الذي في الكتاب، ولأنَّ الهجرة يحتاج إليها ما دام الكفر باقيًا.
وأما حديث: «لا هجرة بعد الفتح»؛ فهو محمول عند الأكثر على أنه: لا هجرة من مكة؛ لأنها صارت دار إسلام، وكذلك لا هجرة من بلادٍ أصبحت دار إسلام، وحمله بعضهم على نفي الوجوب. والصحيح التوجيه الأول، والله أعلم. (٢)
مسألة [٢]: أحوال الناس في الهجرة .
ذكر الفقهاء أنهم على ثلاثة أضرب:
الأول: من لا يمكنه إظهار دينه، ولا إقامة واجبات دينه، ويقدر على الهجرة؛ فتجب عليه الهجرة؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ
стр. 5324
قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:٩٧].
الثاني: من يعجز عن الهجرة؛ لمرضٍ، أو إكراه على الإقامة، أو ضعف من النساء، والولدان، وشبههم؛ فلا تجب عليه؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا * فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء:٩٨ - ٩٩]، ولا توصف باستحبابٍ؛ لكونها غير مقدور عليها.
الثالث: من يقدر على الهجرة، ولكنه متمكن من إقامة دينه، ويظهر شرائعه، وشعائره، فيستحب له الهجرة؛ ليتمكن من جهادهم، وتكثير المسلمين، ومعونتهم، ويتخلص من تكثير سواد الكفار، ومخالطتهم، ورؤية المنكر بينهم، ولا تجب عليه الهجرة؛ لإمكانه إقامة واجبات الدين بدونها، وقد كان العباس مقيمًا بمكة مع إسلامه، ونُقِل عن نعيم بن النحام أنه بقي بين قومه يقيم دينه، وترك الهجرة؛ تلبية لطلبهم؛ لأنه كان يقوم على اليتامى والأرامل (١). (٢)
مسألة [٣]: إخلاص النية في الجهاد والهجرة .
قال الحافظ ﵀ في شرح حديث أبي موسى ﵁ (٢٨١٠): الْمُرَاد بِكَلِمَةِ