← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 165

فتح العلام في دراسة أحاديث بلوغ المرام ط 4

محمد بن علي بن حزام البعداني

Полный текст (5 956 стр.). Показаны 5321–5360 · переход к 5326.

стр. 5321

• وخالف الثوري، فاعتبر إذنهما؛ لعموم الآية. واحتج الجمهور بأنَّ أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كانوا يجاهدون، وفيهم من له أبوان كافران من غير استئذانهما، منهم: أبو بكر الصديق ﵁، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة ﵁ كان مع النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يوم بدر، وأبوه رئيس المشركين يومئذٍ، قُتل ببدر، وأبو عبيدة ﵁ قتل أباه في الجهاد، وعموم الأخبار يخصص بما ذكرناه. (١) فائدة: إذا تعين الجهاد لم يعتبر إذن الوالدين؛ لأنه صار فرض عين، وتركه معصية، ولا طاعة لأحد في معصية الله، وكذلك كل واجب عيني، مثل الحج، والصلاة في الجماعة، والجمع، والسفر للعلم الواجب. (٢) فائدة أخرى: إذا أذن له أبواه، ثم منعاه؛ امتنع، إلا أن يكون قد حضر الصف، وكذا لو شرطا عليه أن لا يقاتل، فحضر الصف؛ فلا أثر للشرط، ووجب عليه القتال. (٣)

стр. 5322

١٢٦٢ - وَعَنْ جَرِيرٍ البَجَلِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ المُشْرِكِينَ». رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَرَجَّحَ البُخَارِيُّ إرْسَالَهُ. (١) ١٢٦٣ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (٢) ١٢٦٤ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ العُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (٣) ١٢٦٥ - وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ السَّعْدِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا تَنْقَطِعُ الهِجْرَةُ مَا قُوتِلَ العَدُوُّ». رَوَاهُ النَّسَائِيّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (٤)

стр. 5323

المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث تعريف الهجرة: الهجرة: هي الانتقال من دار الكفر إلى دار الإسلام. (١) مسألة [١]: هل انقطعت الهجرة، أم هي باقية ؟ • عامة أهل العلم على أنَّ الهجرة باقية لم تنقطع، ولا تنقطع إلى قيام الساعة؛ لحديث عبدالله بن السعدي الذي في الكتاب، ولأنَّ الهجرة يحتاج إليها ما دام الكفر باقيًا. وأما حديث: «لا هجرة بعد الفتح»؛ فهو محمول عند الأكثر على أنه: لا هجرة من مكة؛ لأنها صارت دار إسلام، وكذلك لا هجرة من بلادٍ أصبحت دار إسلام، وحمله بعضهم على نفي الوجوب. والصحيح التوجيه الأول، والله أعلم. (٢) مسألة [٢]: أحوال الناس في الهجرة . ذكر الفقهاء أنهم على ثلاثة أضرب: الأول: من لا يمكنه إظهار دينه، ولا إقامة واجبات دينه، ويقدر على الهجرة؛ فتجب عليه الهجرة؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ

стр. 5324

قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:٩٧]. الثاني: من يعجز عن الهجرة؛ لمرضٍ، أو إكراه على الإقامة، أو ضعف من النساء، والولدان، وشبههم؛ فلا تجب عليه؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا * فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء:٩٨ - ٩٩]، ولا توصف باستحبابٍ؛ لكونها غير مقدور عليها. الثالث: من يقدر على الهجرة، ولكنه متمكن من إقامة دينه، ويظهر شرائعه، وشعائره، فيستحب له الهجرة؛ ليتمكن من جهادهم، وتكثير المسلمين، ومعونتهم، ويتخلص من تكثير سواد الكفار، ومخالطتهم، ورؤية المنكر بينهم، ولا تجب عليه الهجرة؛ لإمكانه إقامة واجبات الدين بدونها، وقد كان العباس مقيمًا بمكة مع إسلامه، ونُقِل عن نعيم بن النحام أنه بقي بين قومه يقيم دينه، وترك الهجرة؛ تلبية لطلبهم؛ لأنه كان يقوم على اليتامى والأرامل (١). (٢) مسألة [٣]: إخلاص النية في الجهاد والهجرة . قال الحافظ ﵀ في شرح حديث أبي موسى ﵁ (٢٨١٠): الْمُرَاد بِكَلِمَةِ

стр. 5325

الله: دَعْوَة الله إِلَى الْإِسْلَام. قال: وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد: أَنَّهُ لَا يَكُون فِي سَبِيل الله إِلَّا مَنْ كَانَ سَبَب قِتَاله طَلَب إِعْلَاء كَلِمَة الله فَقَطْ، بِمَعْنَى أَنَّهُ لَوْ أَضَافَ إِلَى ذَلِكَ سَبَبًا مِنْ الْأَسْبَاب الْمَذْكُورَة؛ أَخَلَّ بِذَلِكَ، وَيَحْتَمِل أَنْ لَا يُخِلّ إِذَا حَصَلَ ضِمْنًا لَا أَصْلًا وَمَقْصُودًا، وَبِذَلِكَ صَرَّحَ الطَّبَرِيُّ، فَقَالَ: إِذَا كَانَ أَصْل الْبَاعِث هُوَ الْأَوَّل لَا يَضُرّهُ مَا عَرَضَ لَهُ بَعْد ذَلِكَ. وَبِذَلِكَ قَالَ الْجُمْهُور، لَكِنْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ (١)، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيث أَبِي أُمَامَةَ بِإِسْنَادٍ جَيِّد قَالَ: جَاءَ رَجُل فَقَالَ: يَا رَسُول الله، أَرَأَيْت رَجُلًا غَزَا يَلْتَمِس الْأَجْرَ وَالذِّكْرَ، مَاله؟ قَالَ: «لَا شَيْء لَهُ»، فَأَعَادَهَا ثَلَاثًا كُلّ ذَلِكَ يَقُول: «لَا شَيْء لَهُ»، ثُمَّ قَالَ رَسُول الله ﷺ : «إِنَّ الله لَا يَقْبَل مِنْ الْعَمَل إِلَّا مَا كَانَ لَهُ خَالِصًا وَابْتُغِيَ بِهِ وَجْهه». قال: وَيُمْكِن أَنْ يُحْمَل هَذَا عَلَى مَنْ قَصَدَ الْأَمْرَيْنِ مَعًا عَلَى حَدّ وَاحِد، فَلَا يُخَالِف الْمُرَجَّح أَوَّلًا، فَتَصِير الْمَرَاتِب خَمْسًا: أَنْ يَقْصِد الشَّيْئَيْنِ مَعًا، أَوْ يَقْصِد أَحَدهمَا صِرْفًا، أَوْ يَقْصِد أَحَدهمَا وَيَحْصُل الْآخَر ضِمْنًا، فَالمَحْذُور أَنْ يَقْصِد غَيْر الْإِعْلَاء، فَقَدْ يَحْصُل الْإِعْلَاء ضِمْنًا، وَقَدْ لَا يَحْصُل وَيَدْخُل تَحْته مَرْتَبَتَانِ، وَهَذَا مَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيث أَبِي مُوسَى، وَدُونه أَنْ يَقْصِدهُمَا مَعًا؛ فَهُوَ مَحْذُور أَيْضًا عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيث أَبِي أُمَامَةَ، وَالمَطْلُوب أَنْ يَقْصِد الْإِعْلَاء صِرْفًا، وَقَدْ يَحْصُل غَيْر الْإِعْلَاء وَقَدْ لَا يَحْصُل، فَفِيهِ مَرْتَبَتَانِ أَيْضًا، قَالَ اِبْن أَبِي جَمْرَة: ذَهَبَ المُحَقِّقُونَ

стр. 5326

إِلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ الْبَاعِث الْأَوَّل قَصْد إِعْلَاء كَلِمَة الله؛ لَمْ يَضُرّهُ مَا اِنْضَافَ إِلَيْهِ. اهـ قال: وَيَدُلّ عَلَى أَنَّ دُخُول غَيْر الْإِعْلَاء ضِمْنًا لَا يَقْدَح فِي الْإِعْلَاء إِذَا كَانَ الْإِعْلَاء هُوَ الْبَاعِث الْأَصْلِيّ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ حَسَن عَنْ عَبْدالله بْن حَوَالَة قَالَ: بَعَثَنَا رَسُول الله ﷺ عَلَى أَقْدَامنَا لِنَغْنَم، فَرَجَعْنَا وَلَمْ نَغْنَم شَيْئًا، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ لَا تَكِلهُمْ إِلَيَّ». (١) انتهى المراد. قال الصنعاني ﵀ في «سبل السلام» مُعَلِّقًا على حديث أبي أمامة: وَلَعَلَّ بُطْلَانَهُ هُنَا لِخُصُوصِيَّةِ طَلَبِ الذِّكْرِ؛ لِأَنَّهُ انْقَلَبَ عَمَلُهُ لِلرِّيَاءِ، وَالرِّيَاءُ مُبْطِلٌ لِمَا يُشَارِكُهُ، بِخِلَافِ طَلَبِ المَغْنَمِ؛ فَإِنَّهُ لَا يُنَافِي الْجِهَادَ، بَلْ إذَا قَصَدَ بِأَخْذِ المَغْنَمِ إغَاظَةَ المُشْرِكِينَ وَالِانْتِفَاعَ بِهِ عَلَى الطَّاعَةِ؛ كَانَ لَهُ أَجْرٌ؛ فَإِنَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ [التوبة:١٢٠]، وَالمُرَادُ النَّيْلُ الْمَأْذُونُ فِيهِ شَرْعًا، وَفِي قَوْلِهِ ﷺ : «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا؛ فَلَهُ سَلَبُهُ» قَبْلَ الْقِتَالِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُنَافِي قَصْدُ المَغْنَمِ الْقِتَالَ، بَلْ مَا قَالَهُ إلَّا لِيَجْتَهِدَ السَّامِعُ فِي قِتَالِ المُشْرِكِينَ، وَفِي «الْبُخَارِيِّ» مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «انْتَدَبَ اللهُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ لَا يُخْرِجُهُ إلَّا إيمَانٌ بِي وَتَصْدِيقٌ بِرَسُولِي أَنْ أُرْجِعَهُ بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ، أَوْ غَنِيمَةٍ، أَوْ أُدْخِلَهُ الجَنَّةَ» (٢)، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْأَخْبَارَ هَذِهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ تَشْرِيكِ النِّيَّةِ؛ إذْ الْإِخْبَارُ بِهِ يَقْتَضِي ذَلِكَ غَالِبًا؛ ثُمَّ إنَّهُ يُقْصَدُ المُشْرِكُونَ لِمُجَرَّدِ نَهْبِ

стр. 5327

أَمْوَالِهِمْ كَمَا خَرَجَ رَسُولُ الله ﷺ بِمَنْ مَعَهُ فِي غَزَاةِ بَدْرٍ لِأَخْذِ عِيرِ المُشْرِكِينَ، وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ كَلِمَةُ الله هِيَ الْعُلْيَا، بَلْ ذَلِكَ مِنْ إعْلَاءِ كَلِمَةِ الله تَعَالَى؛ وَأَقَرَّهُمْ اللهُ تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ، بَلْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ [الأنفال:٧]، وَلَمْ يَذُمَّهُمْ بِذَلِكَ مَعَ أَنَّ فِي هَذَا الْإِخْبَارِ إخْبَارًا لَهُمْ بِمَحَبَّتِهِمْ لِلْمَالِ دُونَ الْقِتَالِ، فَإِعْلَاءُ كَلِمَةِ الله يَدْخُلُ فِيهِ إخَافَةُ المُشْرِكِينَ، وَأَخْذُ أَمْوَالِهِمْ، وَقَطْعُ أَشْجَارِهِمْ وَنَحْوِهِ. قال: وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ أَبِي دَاوُد (١) أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ الله، رَجُلٌ يُرِيدُ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ الله، وَهُوَ يَبْتَغِي عَرَضًا مِنْ الدُّنْيَا؟ فَقَالَ: «لَا أَجْرَ لَهُ»، فَأَعَادَ عَلَيْهِ ثَلَاثًا، كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ: «لَا أَجْرَ لَهُ»؛ فَكَأَنَّهُ فَهِمَ ﷺ أَنَّ الْحَامِلَ هُوَ الْعَرَضُ مِنْ الدُّنْيَا، فَأَجَابَهُ بِمَا أَجَابَ وَإِلَّا فَإِنَّهُ قَدْ كَانَ تَشْرِيكُ الْجِهَادِ بِطَلَبِ الْغَنِيمَةِ أَمْرًا مَعْرُوفًا فِي الصَّحَابَةِ؛ فَإِنَّهُ أَخْرَجَ الْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ أَنَّ عَبْدَالله بْنَ جَحْشٍ يَوْمَ أُحُدٍ قَالَ: اللَّهُمَّ اُرْزُقْنِي رَجُلًا شَدِيدًا أُقَاتِلُهُ وَيُقَاتِلُنِي، ثُمَّ اُرْزُقْنِي عَلَيْهِ الصَّبْرَ حَتَّى أَقْتُلَهُ وَآخُذَ سَلَبَهُ. (٢) فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ طَلَبَ الْعَرَضِ مِنْ الدُّنْيَا مَعَ الْجِهَادِ كَانَ أَمْرًا مَعْلُومًا جَوَازُهُ لِلصَّحَابَةِ، فَيَدْعُونَ اللهَ بِنَيْلِهِ. اهـ قلتُ: وَمِنَ الأدلةِ على جواز تشريك قصد المغنم حديث أبي هريرة ﵁ في

стр. 5328

«صحيح مسلم» (١٤٢٤)، أنَّ رجلًا قَالَ: يَا رَسُولَ الله، إِنِّي تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنْ الْأَنْصَارِ. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : «عَلَى كَمْ تَزَوَّجْتَهَا؟» قَالَ: عَلَى أَرْبَعِ أَوَاقٍ. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : «عَلَى أَرْبَعِ أَوَاقٍ! كَأَنَّمَا تَنْحِتُونَ الْفِضَّةَ مِنْ عُرْضِ هَذَا الجَبَلِ، مَا عِنْدَنَا مَا نُعْطِيكَ، وَلَكِنْ عَسَى أَنْ نَبْعَثَكَ فِي بَعْثٍ تُصِيبُ مِنْهُ»، قَالَ: فَبَعَثَ بَعْثًا إِلَى بَنِي عَبْسٍ، بَعَثَ ذَلِكَ الرَّجُلَ فِيهِمْ. وكذلك ما أخرجه أحمد (٢/ ٥٠) عن ابن عمر ﵄، بإسناد حسن، أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «بُعِثتُ بين يَدَي الساعة بالسيف؛ حتى يُعْبَدَ الله وحده لا شريك له، وجُعِل رزقي تحت ظل رمحي، وجُعِلت الذِّلَّة والصَّغَار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم». مسألة [٤]: إذا غنم المسلمون، فهل ينقص الأجر ؟ في «صحيح مسلم» (١٩٠٦)، من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص ﵄ أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «مَا مِنْ غَازِيَةٍ، أَوْ سَرِيَّةٍ تَغْزُو؛ فَتَغْنَمُ، وَتَسْلَمُ، إِلَّا كَانُوا قَدْ تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أُجُورِهِمْ، وَمَا مِنْ غَازِيَةٍ، أَوْ سَرِيَّةٍ تُخْفِقُ، وَتُصَابُ إِلَّا تَمَّ أُجُورُهُمْ». قال النووي ﵀ في شرح الحديث (١٩٠٦): وَأَمَّا مَعْنَى الْحَدِيث: فَالصَّوَاب الَّذِي لَا يَجُوز غَيْره أَنَّ الْغُزَاة إِذَا سَلِمُوا أَوْ غَنِمُوا يَكُون أَجْرهمْ أَقَلّ مِنْ أَجْر مَنْ لَمْ يَسْلَم، أَوْ سَلِمَ وَلَمْ يَغْنَم، وَأَنَّ الْغَنِيمَة هِيَ فِي مُقَابَلَة جُزْء مِنْ أَجْر غَزْوهمْ، فَإِذَا حَصَلَتْ لَهُمْ فَقَدْ تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أَجْرهمْ الْمُتَرَتَّب عَلَى الْغَزْو، وَتَكُون هَذِهِ الْغَنِيمَة مِنْ جُمْلَة الْأَجْر، وَهَذَا مُوَافِق لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَة الْمَشْهُورَة عَنْ الصَّحَابَة

стр. 5329

كَقَوْلِهِ: (مِنَّا مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَأْكُل مِنْ أَجْره شَيْئًا، وَمِنَّا مَنْ أَيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَته؛ فَهُوَ يَهْدُبُهَا) (١)، أَيْ: يَجْتَنِيهَا. فَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا هُوَ الصَّوَاب، وَهُوَ ظَاهِر الْحَدِيث، وَلَمْ يَأْتِ حَدِيث صَرِيح صَحِيح يُخَالِف هَذَا؛ فَتَعَيَّنَ حَمْله عَلَى مَا ذَكَرْنَا. انتهى المراد، وانظر بقية كلامه؛ فهو مفيد.

стр. 5330

١٢٦٦ - وَعَنْ نَافِعٍ ﵁ قَالَ: أَغَارَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى بَنِي المُصْطَلِقِ، وَهُمْ غَارُّونَ، فَقَتَلَ مُقَاتِلَتَهُمْ، وَسَبَى ذَرَارِيَّهُمْ: حَدَّثَنِي بِذَلِكَ عَبْدُاللهِ بْنُ عُمَرَ ﵄. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١) ١٢٦٧ - وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ، أَوْصَاهُ بِتَقْوَى اللهِ، وَبِمَنْ مَعَهُ مِنَ المُسْلِمِينَ خَيْرًا، ثُمَّ قَالَ: «اغْزُوا بِاسْمِ اللهِ، فِي سَبِيلِ اللهِ، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللهِ، اغْزُوا، وَلَا تَغُلُّوا وَلَا تَغْدِرُوا، وَلَا تُمَثِّلُوا، وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا، وَإِذَا لَقِيت عَدُوَّك مِنَ المُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ، فَأَيَّتُهُنَّ أَجَابُوك إلَيْهَا فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ: ادْعُهُمْ إلَى الإِسْلَامِ فَإِنْ أَجَابُوك فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إلَى دَارِ المُهَاجِرِينَ فَإِنْ أَبَوْا فَأَخْبِرْهُمْ بِأَنَّهُمْ يَكُونُونَ كَأَعْرَابِ المُسْلِمِينَ، وَلَا يَكُونُ لَهُمْ فِي الغَنِيمَةِ وَالفَيْءِ شَيْءٌ إلَّا أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ المُسْلِمِينَ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَاسْأَلْهُمُ الجِزْيَةَ، فَإِنْ هُمْ أَجَابُوك فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، فَإِنْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ بِاللهِ تَعَالَى وَقَاتِلْهُمْ، وَإِذَا حَاصَرْت أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوا أَنْ تَجْعَلَ لَهُمْ ذِمَّةَ اللهِ وَذِمَّةَ نَبِيِّهِ فَلَا تَفْعَلْ وَلَكِنِ اجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّتَك، فَإِنَّكُمْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَمَكُمْ أَهْوَنُ مِنْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَّةَ اللهِ، وَإِذَا أَرَادُوكَ أَنْ تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللهِ فَلَا تَفْعَلْ، بَلْ عَلَى حُكْمِك فَإِنَّك لَا تَدْرِي: أَتُصِيبُ فِيهِمْ حُكْمَ اللهِ تَعَالَى أَمْ لَا». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. (٢)

стр. 5331

المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين مسألة [١]: حكم الدعوة قبل القتال . قال الإمام النووي ﵀ في «شرح مسلم» (١٧٣٠): فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة ثَلَاثَة مَذَاهِب حَكَاهَا الْمَازِرِيُّ وَالْقَاضِي: أَحَدهَا: يَجِب الْإِنْذَار مُطْلَقًا، قَالَهُ مَالِك وَغَيْره. وَهَذَا ضَعِيف. وَالثَّانِي: لَا يَجِب مُطْلَقًا. وَهَذَا أَضْعَف مِنْهُ، أَوْ بَاطِل. وَالثَّالِث: يَجِب إِنْ لَمْ تَبْلُغهُمْ الدَّعْوَة، وَلَا يَجِب إِنْ بَلَغَتْهُمْ، لَكِنْ يُسْتَحَبّ. وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح، وَبِهِ قَالَ نَافِع مَوْلَى اِبْن عُمَر، وَالْحَسَن الْبَصْرِيّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَاللَّيْث، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْر، وَابْن الْمُنْذِر، وَالْجُمْهُور، قَالَ اِبْن الْمُنْذِر: وَهُوَ قَوْل أَكْثَر أَهْل الْعِلْم، وَقَدْ تَظَاهَرَتْ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة عَلَى مَعْنَاهُ، فَمِنْهَا هَذَا الْحَدِيث، وَحَدِيث قَتْل كَعْب بْن الْأَشْرَف، وَحَدِيث قَتْل ابْنِ أَبِي الْحُقَيْق. اهـ وكذلك حديث الصعب بن جثامة أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- سئل عن المشركين يبيتون، فيصيبون ذراريهم؟ فقال: «هم منهم» متفق عليه. (١) وحديث رجل مبهم عند أبي داود (٢٥٩٧)، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «إن بيتم؛ فليكن شعاركم (حم لا ينصرون)». وحديث سلمة بن الأكوع عند أبي داود (٢٦٣٨)، قال: بعثنا رسولُ الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مع أبي بكر على سرية، فبيتناهم نقتلهم، وكان شعارنا تلك الليلة (أمِتْ، أمِتْ)، وكلاهما في «الصحيح المسند».

стр. 5332

ويدل على استحباب التبليغ حديث بريدة الذي في الباب، وحديث غزوة خيبر عند أن دفع النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الراية لعلي، وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام. وأما وجوبه إذا لم تبلغهم الدعوة؛ فلقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥]، وما أشبهها من الآيات. وقد قال باشتراط الدعوة عمر بن عبدالعزيز، وأما مالك، فقال بذلك إذا بعدت ديارهم عن دار الإسلام. (١) مسألة [٢]: استرقاق العرب . قال النووي ﵀ في شرحه لحديث ابن عمر ﵄ (١٧٣٠): وَفِي هَذَا الْحَدِيث: جَوَاز اِسْتِرْقَاق الْعَرَب؛ لِأَنَّ بَنِي الْمُصْطَلِق عَرَب مِنْ خُزَاعَة، وَهَذَا قَوْل الشَّافِعِيّ فِي الْجَدِيد، وَهُوَ الصَّحِيح، وَبِهِ قَالَ مَالِك وَجُمْهُور أَصْحَابه، وَأَبُو حَنِيفَة، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَجُمْهُور الْعُلَمَاء، وَقَالَ جَمَاعَة مِنْ الْعُلَمَاء: لَا يُسْتَرَقُّونَ. وَهَذَا قَوْل الشَّافِعِيّ فِي الْقَدِيم. اهـ قلتُ: وممن قال بعدم الاسترقاق الزهري، والشعبي، وسعيد بن المسيب، ونُقل عن عمر ابن الخطاب ﵁ من طريق الشعبي عنه، ومن طريق سعيد بن المسيب عنه، أخرجه من الطريقين البيهقي (٩/ ٧٤). والصحيح هو قول الجمهور، ويدل عليه حديث الباب في سبيه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بني

стр. 5333

المصطلق، وكذلك سبيه لهوازن. وفي «الصحيحين» عن أبي سعيد قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة بني المصطلق، فأصبنا سبيًّا من سبي العرب ... الحديث. (١) وكذلك أبو بكر الصديق ﵁ سبى من بني حنيفة، وهم من العرب. قال أحمد ﵀: لا أذهب إلى قول عمر: (ليس على عربي ملك)، وقد سبى النبي ﷺ من العرب. (٢) بعض فوائد حديث بريدة: قال النووي ﵀ (١٧٣١): وَفِي هَذِهِ الْكَلِمَات مِنْ الْحَدِيث فَوَائِد مُجْمَع عَلَيْهَا، وَهِيَ تَحْرِيم الْغَدْر، وَتَحْرِيم الْغُلُول، وَتَحْرِيم قَتْل الصِّبْيَان إِذَا لَمْ يُقَاتِلُوا، وَكَرَاهَة الْمُثْلَة، وَاسْتِحْبَاب وَصِيَّة الْإِمَام أُمَرَاءَهُ وَجُيُوشه بِتَقْوَى الله تَعَالَى، وَالرِّفْق بِأَتْبَاعِهِمْ، وَتَعْرِيفهمْ مَا يَحْتَاجُونَ فِي غَزْوهمْ، وَمَا يَجِب عَلَيْهِمْ، وَمَا يَحِلّ لَهُمْ، وَمَا يَحْرُم عَلَيْهِمْ. وَمَا يُكْرَه وَمَا يُسْتَحَبّ. اهـ مسألة [٣]: أخذ الجزية من الكفار . أما أهل الكتاب: وهم اليهود، والنصارى؛ فإنها تقبل منهم بلا خلاف، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا

стр. 5334

يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة:٢٩]. وكذلك المجوس؛ فإنها تقبل منهم الجزية عند أهل العلم؛ لحديث عبدالرحمن بن عوف في «صحيح البخاري» (٣١٥٧)، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أخذ الجزية من مجوس هجر. ونُقل على ذلك الاتفاق، لكن قد خالف الحنفية، وقالوا: تؤخذ من مجوس العجم دون مجوس العرب. وقال الحافظ ﵀: وحكى ابن التين عن عبدالملك أنها لا تقبل إلا من اليهود والنصارى فقط. اهـ والصحيح أنها تؤخذ منهم لما تقدم من الدليل. واختلف الفقهاء في المشركين عبدة الأوثان وسائر الكفار هل تقبل منهم الفدية أم لا؟ • فذهب أحمد، والشافعي إلى أنها لا تقبل منهم؛ لقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة:٥]، وقوله: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [التوبة:٣٦]، وقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله» الحديث، وخصَّ منهم أهل الكتاب بالآية المتقدمة، وكذا المجوس.

стр. 5335

• وذهب أبو حنيفة، وأحمد في رواية إلى أنها تقبل من جميع الكفار؛ إلا عبدة الأوثان من العرب؛ لأنهم يقرون على دينهم بالاسترقاق، فيقرون ببذل الجزية كالمجوس. • وذهب مالك، والأوزاعي، وفقهاء الشام إلى أنه تقبل الجزية من جميع الكفار إلا من ارتد. وهذا القول رجحه ابن القيم، والصنعاني، والشوكاني، واستدلوا بحديث بريدة الذي في الباب؛ فإنه عام يشمل جميع المشركين. قال ابن القيم ﵀ في «زاد المعاد» (٥/ ٩١): فَأَخْذُهَا مِنْهُمْ يعني المجوس دَلِيلٌ عَلَى أَخْذِهَا مِنْ جَمِيعِ المُشْرِكِينَ، وَإِنّمَا لَمْ يَأْخُذْهَا ﷺ مِنْ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَرَبِ؛ لِأَنّهُمْ أَسْلَمُوا كُلّهُمْ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ الْجِزْيَةِ؛ فَإِنّهَا نَزَلَتْ بَعْدَ تَبُوكَ، وَكَانَ رَسُولُ الله ﷺ قَدْ فَرَغَ مِنْ قِتَالِ الْعَرَبِ، وَاسْتَوْثَقَتْ كُلّهَا لَهُ بِالْإِسْلَامِ، وَلِهَذَا لَمْ يَأْخُذْهَا مِنْ الْيَهُودِ الّذِينَ حَارَبُوهُ؛ لِأَنّهَا لَمْ تَكُنْ نَزَلَتْ بَعْدُ، فَلَمّا نَزَلَتْ أَخَذَهَا مِنْ نَصَارَى الْعَرَبِ وَمِنْ المَجُوسِ، وَلَوْ بَقِيَ حِينَئِذٍ أَحَدٌ مِنْ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ بَذَلَهَا لَقَبِلَهَا مِنْهُ كَمَا قَبِلَهَا مِنْ عَبَدَةِ الصّلْبَانِ، وَالنّيرَانِ، وَلَا فَرْقَ، وَلَا تَأْثِيرَ لِتَغْلِيظِ كُفْرِ بَعْضِ الطّوَائِفِ عَلَى بَعْضٍ، ثُمّ إنّ كُفْرَ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ لَيْسَ أَغْلَظَ مِنْ كُفْرِ الْمَجُوسِ، وَأَيّ فَرْقٍ بَيْنَ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَالنّيرَانِ، بَلْ كُفْرُ المَجُوسِ أَغْلَظُ، وَعُبّادُ الْأَوْثَانِ كَانُوا يُقِرّونَ بِتَوْحِيدِ الرّبُوبِيّةِ وَأَنّهُ لَا خَالِقَ إلّا الله، وَأَنّهُمْ إنّمَا يَعْبُدُونَ آلِهَتَهُمْ لِتَقَرّبِهِمْ إلَى الله ، وَلَمْ يَكُونُوا يُقِرّونَ بِصَانِعَيْنِ لِلْعَالَمِ أَحَدُهُمَا: خَالِقٌ لِلْخَيْرِ. وَالآخَرُ: الشَّرُّ، كَمَا تَقُولُه المَجُوسُ، وَلَمْ يَكُونُوا يَسْتَحِلّونَ نِكَاحَ

стр. 5336

الْأُمّهَاتِ، وَالْبَنَاتِ، وَالْأَخَوَاتِ، وَكَانُوا عَلَى بَقَايَا مِنْ دِينِ إبْرَاهِيمَ صَلَوَاتُ الله وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ. وَأَمّا المَجُوسُ فَلَمْ يَكُونُوا عَلَى كِتَابٍ أَصْلًا، وَلَا دَانُوا بِدِينِ أَحَدٍ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ، لَا فِي عَقَائِدِهِمْ، وَلَا فِي شَرَائِعِهِمْ، وَالْأَثَرُ الّذِي فِيهِ أَنّهُ كَانَ لَهُمْ كِتَابٌ فَرُفِعَ وَرُفِعَتْ شَرِيعَتُهُمْ لَمّا وَقَعَ مَلِكُهُمْ عَلَى ابْنَتِهِ لَا يَصِحّ ألْبَتّةَ، وَلَوْ صَحّ لَمْ يَكُونُوا بِذَلِكَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ؛ فَإِنَّ كِتَابَهُمْ رُفِعَ، وَشَرِيعَتُهُمْ بَطَلَتْ؛ فَلَمْ يَبْقَوْا عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا. اهـ وهذا القول هو الراجح، وهو ترجيح الإمام ابن عثيمين ﵀. (١)

стр. 5337

١٢٦٨ - وَعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذَا أَرَادَ غَزْوَةً وَرَّى بِغَيْرِهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١) الحكم المستفاد من الحديث يُستحبُّ لقائد الجيش أن يوهم خروجه إلى مكانٍ وهو يقصد مكانًا آخر حتى لا يتأهب العدو فيأخذهم على غفلة، وذلك من الخداع المباح، وفي «الصحيحين» عن أبي هريرة، وجابر ﵄ أنَّ النبي ﷺ قال: «الحرب خدعة». (٢) قال الحافظ ﵀ في «الفتح» (٣٠٢٩): وَأَصْل الْخَدْع إِظْهَار أَمْر وَإِضْمَار خِلَافه. وَفِيهِ التَّحْرِيض عَلَى أَخْذ الْحَذَر فِي الْحَرْب، وَالنَّدْب إِلَى خِدَاع الْكُفَّار، وَأنَّ مَنْ لَمْ يَتَيَقَّظ لِذَلِكَ لَمْ يَأْمَن أَنْ يَنْعَكِس الْأَمْر عَلَيْهِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَاتَّفَقُوا عَلَى جَوَاز خِدَاع الْكُفَّار فِي الْحَرْب كَيْفَمَا أَمْكَنَ، إِلَّا أَنْ يَكُون فِيهِ نَقْضُ عَهْد أَوْ أَمَانٍ؛ فَلَا يَجُوز، قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ: الْخِدَاع فِي الْحَرْب يَقَع بِالتَّعْرِيضِ، وَبِالْكَمِينِ، وَنَحْو ذَلِكَ. وَفِي الْحَدِيث الْإِشَارَة إِلَى اِسْتِعْمَال الرَّأْي فِي الْحَرْب، بَلْ الِاحْتِيَاج إِلَيْهِ آكَد مِنْ الشَّجَاعَة، وَكَذَا وَقَعَ الِاقْتِصَار عَلَى مَا يُشِير إِلَيْهِ بِهَذَا الْحَدِيث، وَهُوَ كَقَوْلِهِ: «الحَجّ عَرَفَة»، قَالَ اِبْن المُنِير: مَعْنَى الْحَرْب خَدْعَة، أَيْ: الْحَرْب الْجَيِّدَة لِصَاحِبِهَا، الْكَامِلَة فِي مَقْصُودهَا، إِنَّمَا هِيَ المُخَادَعَة لَا المُوَاجَهَة؛ وَذَلِكَ لِخَطَرِ المُوَاجَهَة وَحُصُول الظَّفَر مَعَ المُخَادَعَة بِغَيْرِ خَطَر. اهـ

стр. 5338

١٢٦٩ - وَعَنْ مَعْقِلِ، أَنَّ النُّعْمَانِ بْنِ مُقَرِّنٍ ﵁ قَالَ: شَهِدْت رَسُولَ اللهِ ﷺ إذَا لَمْ يُقَاتِلْ أَوَّلَ النَّهَارِ أَخَّرَ القِتَالَ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ، وَتَهُبَّ الرِّيَاحُ، وَيَنْزِلَ النَّصْرُ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالثَّلَاثَةُ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ (١)، وَأَصْلُهُ فِي «البُخَارِيِّ». (٢) الحكم المستفاد من الحديث فيه أنَّ القائد للجيش يتحين الأوقات المناسبة للمعركة، وأوقات النشاط، كأول النهار وآخره، وكذلك في أوقات الصلوات، فيقع فيها الدعاء بالنصر، والظفر. (٣)

стр. 5339

١٢٧٠ - وَعَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ ﵁ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ [أَهْلِ] (١) الدَّارِ مِنَ المُشْرِكِينَ يُبَيَّتُونَ، فَيُصِيبُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ، فَقَالَ: «هُمْ مِنْهُمْ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (٢) ١٢٧١ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِرَجُلٍ تَبِعَهُ يَوْمَ بَدْرٍ: «ارْجِعْ فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (٣) ١٢٧٢ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى امْرَأَةً مَقْتُولَةً فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ، فَأَنْكَرَ قَتْلَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (٤) ١٢٧٣ - وَعَنْ سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «اقْتُلُوا شُيُوخَ المُشْرِكِينَ وَاسْتَبْقُوا شَرْخَهُمْ». رَوَاهُ أَبُودَاوُد، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ. (٥) المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث مسألة [١]: قتل النساء والصبيان . • ذهب الجمهور إلى جواز قتل النساء، والصبيان في البيات؛ عملًا بحديث

стр. 5340

الصعب، وقوله: «هم منهم»، أي: في إباحة القتل تبعًا لا قصدًا إذا لم يمكن انفصالهم عمَّن يستحق القتل. • وذهب مالك، والأوزاعي إلى أنه لا يجوز قتل النساء والصبيان بحال، حتى ولو تترس أهل الحرب بالنساء والصبيان، أو تحصَّنوا بحصن أو سفينة، وجعلوا معهم النساء والصبيان؛ لم يجز رميهم، ولا تحريقهم. قال الحافظ ﵀: وَاتَّفَقَ الْجَمِيع كَمَا نَقَل اِبْن بَطَّال وَغَيْره عَلَى مَنْع الْقَصْد إِلَى قَتْل النِّسَاء وَالْوَلَدَانِ، أَمَّا النِّسَاء؛ فَلِضَعْفِهِنَّ، وَأَمَّا الْوِلْدَان؛ فَلِقُصُورِهِمْ عَنْ فِعْل الْكُفْر، وَلِمَا فِي اِسْتِبْقَائِهِمْ جَمِيعًا مِنْ الِانْتِفَاع بِهِمْ، إِمَّا بِالرِّقِّ، أَوْ بِالْفِدَاءِ فِيمَنْ يَجُوز أَنْ يُفَادَى بِهِ. اهـ وكذلك عند الجمهور الشيخ الفاني، والزمن، والأعمى، خلافًا للشافعي في قول، وابن المنذر، ولا خلاف في أنَّ من قاتل من هؤلاء قُتل. (١) مسألة [٢]: الاستعانة بالكفار في القتال . • منع من ذلك بعض أهل العلم، وهو قول بعض الحنابلة، وبعض الشافعية، والجوزجاني، وابن المنذر وغيرهم. واستدلوا على ذلك بحديث عائشة ﵂ المتقدم، وهو قول مالك. • وذهب الشافعي في الأصح عنه، وأحمد في رواية إلى جواز الاستعانة بهم ضد

стр. 5341

الكفار إذا احتيج إلى ذلك. واستدلوا على ذلك بأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- استعار من صفوان بن أمية دروعًا، واستعان به في معركة حنين (١)، وكان كافرًا لم يسلم بعدُ، وهو قول أبي حنيفة. واستدلوا أيضًا بقوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام:١١٩]. واستدلوا بحديث ذي مخبر ﵁، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «ستصالحون الروم صلحًا آمنًا، وتغزون أنتم وهم عدوًّا من ورائكم، فتنصرون وتغنمون» أخرجه أبو داود برقم (٢٧٦٧) بإسناد صحيح، ولم يذمهم على ذلك؛ فدل على الجواز، وهو محمول على الحاجة، أو الضرورة. واشترط هؤلاء أن يكون المستعان بهم ممن يؤمن منهم على المسلمين، وهو ترجيح ابن باز، وابن عثيمين، والوادعي ﵏. (٢)

стр. 5342

١٢٧٤ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁، أَنَّهُمْ تَبَارَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ، وَأَخْرَجَهُ أَبُودَاوُد مُطَوَّلًا. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: مشروعية المبارزة . قال أبو محمد بن قدامة ﵀ في «المغني» (١٣/ ٣٨): وَأَمَّا الْمُبَارَزَةُ، فَتَجُوزُ بِإِذْنِ الْأَمِيرِ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، إلَّا الْحَسَنَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَعْرِفْهَا، وَكَرِهَهَا. وَلَنَا أَنَّ حَمْزَةَ، وَعَلِيًّا، وَعُبَيْدَةَ بْنِ الْحَارِثِ بَارَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ بِإِذْنِ النَّبِيِّ ﷺ (٢)، وَبَارَزَ عَلِيٌّ عَمْرَو بْنَ عَبْدِ وُدٍّ فِي غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ فَقَتَلَهُ (٣). وَبَارَزَ مَرْحَبًا يَوْمَ خَيْبَر (٤). وَقِيلَ بَارَزَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ (٥)، وَبَارَزَهُ قَبْلَ ذَلِكَ عَامِرُ بْنُ الْأَكْوَعِ

стр. 5343

فَاسْتُشْهِدَ (١). وَبَارَزَ الْبَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ مَرْزُبَانَ الزَّأْرَةِ فَقَتَلَهُ، وَأَخَذَ سَلَبَهُ (٢). قال: وَلَمْ يَزَلْ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ يُبَارِزُونَ فِي عَصْرِ النَّبِيِّ وَبَعْدَهُ، وَلَمْ يُنْكِرْهُ مُنْكِرٌ؛ فَكَانَ ذَلِكَ إجْمَاعًا. اهـ (٣) مسألة [٢]: هل يُشترط إذن الأمير ؟ • اشترط ذلك أحمد، والثوري، وإسحاق، والأوزاعي؛ لأنَّ الإمام أعلم بفرسانه، وفرسان العدو، ومتى برز الإنسان إلى من لا يطيقه؛ كان معرضًا نفسه للهلاك، فيكسر قلوب المسلمين. • وذهب مالك، والشافعي، وابن المنذر إلى عدم اشتراط ذلك؛ لأنَّ من نقل عنهم المبارزة لم ينقل أنهم استأذنوا النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، والقول الأول أقرب، والله أعلم. (٤)

стр. 5344

مسألة [٣]: إذا خرج كافرٌ يطلب البِرازَ، هل يجوز أن يُرمَى ويُقتل ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٣/ ٤٠): إذَا خَرَجَ كَافِرٌ يَطْلُبُ الْبِرَازَ؛ جَازَ رَمْيُهُ وَقَتْلُهُ؛ لِأَنَّهُ مُشْرِكٌ لَا عَهْدَ لَهُ، وَلَا أَمَانَ لَهُ، فَأُبِيحَ قَتْلُهُ كَغَيْرِهِ، إلَّا أَنْ تَكُونَ الْعَادَةُ جَارِيَةً بَيْنَهُمْ أَنَّ مَنْ خَرَجَ يَطْلُبُ الْمُبَارَزَةَ لَا يُعْرَضُ لَهُ؛ فَيَجْرِي ذَلِكَ مَجْرَى الشَّرْطِ. اهـ

стр. 5345

١٢٧٥ - وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ ﵁ قَالَ: إنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِينَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، يَعْنِي: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:١٩٥] قَالَهُ رَدًّا عَلَى مَنْ أَنْكَرَ عَلَى مَنْ حَمَلَ عَلَى صَفِّ الرُّومِ حَتَّى دَخَلَ فِيهِمْ. رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالحَاكِمُ. (١) الحكم المستفاد من الحديث في الحديث جواز دخول المسلم في صف الكفار للقتال، وذلك فيما إذا كان ذلك لفرط شجاعته، وظنه أنه يرهب العدو بذلك، أو يُجَرِّئ المسلمين عليهم، أو نحو ذلك من المقاصد الصحيحة. • وأماإذا كان مجرد تهور؛ فممنوع، لاسيما إذا ترتب على ذلك وهن المسلمين، وهذا قول الجمهور. (٢)

стр. 5346

١٢٧٦ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: حَرَّقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ وَقَطَّعَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: التحريق، والتخريب في أرض العدو . قال الحافظ ﵀ في «الفتح» (٣٠٢١): وَقَدْ ذَهَبَ الْجُمْهُور إِلَى جَوَاز التَّحْرِيق وَالتَّخْرِيب فِي بِلَاد الْعَدُوِّ، وَكَرِهَهُ الْأَوْزَاعِيُّ، وَاللَّيْث، وَأَبُو ثَوْر، وَاحْتَجُّوا بِوَصِيَّةِ أَبِي بَكْر لِجُيُوشِهِ أَنْ لَا يَفْعَلُوا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَأَجَابَ الطَّبَرِيُّ بِأَنَّ النَّهْي مَحْمُول عَلَى الْقَصْد لِذَلِكَ، بِخِلَافِ مَا إِذَا أَصَابُوا ذَلِكَ فِي خِلَال الْقِتَال كَمَا وَقَعَ فِي نَصْبِ الْمَنْجَنِيق عَلَى الطَّائِف، وَهُوَ نَحْو مَا أَجَابَ بِهِ فِي النَّهْي عَنْ قَتْل النِّسَاء وَالصِّبْيَان، وَبِهَذَا قَالَ أَكْثَر أَهْل الْعِلْم، وَنَحْو ذَلِكَ الْقَتْل بِالتَّغْرِيقِ. وَقَالَ غَيْره: إِنَّمَا نَهَى أَبُو بَكْر جُيُوشه عَنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّ تِلْكَ الْبِلَاد سَتُفْتَحُ، فَأَرَادَ إِبْقَاءَهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ. وَاللهُ أَعْلَم. اهـ وقال الصنعاني ﵀ في «السُّبُل»: وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ يعني أبا بكر ﵁ رَأَى المَصْلَحَةَ فِي بَقَائِهَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ عَلِمَ أَنَّهَا تَصِيرُ لِلْمُسْلِمِينَ، فَأَرَادَ بَقَاءَهَا لَهُمْ، وَذَلِكَ يَدُورُ عَلَى مُلَاحَظَةِ المَصْلَحَةِ. اهـ ونقل ابن قدامة ﵀ عدم الخلاف في جواز قطع ما يحتاج المسلمون لقطعه. (٢)

стр. 5347

١٢٧٧ - وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا تَغُلُّوا؛ فَإِنَّ الغُلُولَ نَارٌ وَعَارٌ عَلَى أَصْحَابِهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: معنى الغُلُول، وحكمه . قال الحافظ ﵀ في «الفتح» (٣٠٧٣): الْغُلُول: بِضَم الْمُعجَمَة وَالْلَام، أَي: الْخِيَانَة فِي الْمَغْنَم، قَالَ ابْن قُتَيبَة: سُمِي بِذَلِك؛ لأَن آخِذَه يَغُلُه فِي مَتَاعِه، أَي: يُخْفِيه فِيه. وَنَقَلَ الْنَووي الإِجْمَاع عَلى أَنَّه مِنَ الْكَبَائِر. اهـ ويدل على أنه من الكبائر حديث الباب، وحديث أبي هريرة ﵁ في «الصحيحين» أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال في رجل أخذ شملة غلولًا: «إنَّ الشملة لتلتهب عليه نارًا، أخذها من المغانم قبل أن تُقسم». (٢) وفي «البخاري» (٣٠٧٤)، عن عبدالله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: كان على ثقل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- رجل يُقال له كركرة، فمات، فقال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «هو في النار»،

стр. 5348

فذهبوا ينظرون إليه، فوجدوا عباءةً قد غلَّها. مسألة [٢]: إعادة الغلول . قال الحافظ ﵀ في «الفتح» (٣٠٧٣): قَالَ اِبْن الْمُنْذِر: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ عَلَى الْغَالِّ أَنْ يُعِيد مَا غَلَّ قَبْل الْقِسْمَة، وَأَمَّا بَعْدهَا فَقَالَ الثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَاللَّيْث، وَمَالك: يَدْفَع إِلَى الْإِمَام خُمُسه وَيَتَصَدَّق بِالْبَاقِي. وَكَانَ الشَّافِعِيُّ لَا يَرَى بِذَلِكَ، وَيَقُول: إِنْ كَانَ مَلَكَهُ؛ فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّق بِهِ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَمْلِكهُ؛ فَلَيْسَ لَهُ الصَّدَقَة بِمَالِ غَيْره. قَالَ: وَالْوَاجِب أَنْ يَدْفَعهُ إِلَى الْإِمَام كَالْأَمْوَالِ الضَّائِعَة. اهـ والقول بالصدقة هو مذهب أحمد أيضًا، ووجهه أنَّ الجيش قد تفرقوا، ولا يُعلم أشخاصهم، وأماكنهم، وهذا القول هو الصحيح فيما إذا لم يمكن معرفة الجيش وأفراده، وأما إذا أمكن؛ فيُعطَى كل فرد حقَّه، ولا وجه للصدقة كما قال الشافعي، والله أعلم. (١) مسألة [٣]: تحريق متاع الغال . جاء في ذلك حديث عند أبي داود (٢٧١٣)، والترمذي (١٤٦١) من حديث عمر ﵁ مرفوعًا: «إذا وجدتم الرجل قد غلَّ؛ فأحرقوا متاعه»، وعند أبي داود (٢٧١٥)، من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وأبا بكر، وعمر أحرقوا متاع الغال. والحديث الأول في إسناده: صالح بن محمد بن زائدة، ضعَّفه الأئمة، وقال

стр. 5349

البخاري: منكر الحديث، وأنكر حديثه هذا، وضعفه غير واحد، وأعله أبو داود بالوقف، فساق إسنادًا آخر من طريق صالح بن محمد أيضًا موقوفًا على الوليد بن هشام. والحديث الثاني أعله أبو داود بالوقف، وقال الحافظ: وهو الراجح. • وقد أخذ بذلك أحمد، وإسحاق، والأوزاعي، ومكحول، والحسن، فقالوا: يحرق متاعه إلا المصحف، وما فيه روح. • وذهب الجمهور إلى عدم التحريق، وهو قول مالك، والليث، والشافعي، والبخاري، وأصحاب الرأي. واستدلوا على ذلك بأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ثابت عنه عدم تحريق متاع الغال في أكثر من حديث، منها: حديث عبدالله بن عمرو بن العاص ﵄ عند البخاري، وآخر عنه عند أبي داود، وحديث أبي هريرة ﵁ في «الصحيحين» وقد تقدمت، وهذا القول هو الصواب، والله أعلم. (١)

стр. 5350

١٢٧٨ - وَعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى بِالسَّلَبِ لِلْقَاتِلِ. رَوَاهُ أَبُودَاوُد، وَأَصْلُهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ. (١) ١٢٧٩ - وَعَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ﵁ فِي قِصَّةِ قَتْلِ أَبِي جَهْلٍ قَالَ: فَابْتَدَرَاهُ بِسَيْفَيْهِمَا حَتَّى قَتَلَاهُ، ثُمَّ انْصَرَفَا إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَخْبَرَاهُ، فَقَالَ: «أَيُّكُمَا قَتَلَهُ؟ هَلْ مَسَحْتُمَا سَيْفَيْكُمَا؟» قَالَا: لَا، قَالَ فَنَظَرَ فِيهِمَا، فَقَالَ: «كِلَاكُمَا قَتَلَهُ»، سَلَبِهِ لِمُعَاذِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الجَمُوحِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (٢) المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين مسألة [١]: معنى السَّلَب . هو ما على المقاتل من ملبوس وغيره، والسَّلَب بفتح المهملة واللام. (٣) مسألة [٢]: من قتل رجلا من المشركين، فهل يستحق سَلَبَه ؟ أما استحقاق السلب في الجملة فلا خلاف فيه، كما قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٣/ ٦٣)، ولكن أهل العلم اشترطوا في استحقاق السلب شروطًا: الأول: أن يكون المقتول من المقاتلة الذين يجوز قتلهم، فأما إن قتل امرأة، أو صبيًّا، أو شيخًا فانيًا، أو ضعيفًا مهينًا، ونحوهم ممن لا يقاتل لم يستحق سَلَبَه،

стр. 5351

قال ابن قدامة: لا نعلم فيه خلافًا. الثاني: أن يكون المقتول فيه منعة غير مُثخن بالجراح؛ فإن كان مثخنًا بالجراح فليس لقاتله شيء من سلبه. • هذا قول أحمد، والشافعي، وحريز بن عثمان، ومكحول؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قضى بسلب أبي جهل لمعاذ بن عمرو بن الجموح، ولم يعط ابن مسعود شيئًا. الثالث: أن يقتله، أو يجرحه بجراح تجعله في حكم المقتول، فأما إذا أسره؛ فلا يستحق بذلك حتى وإن قتله الإمام. وقال القاضي أبو يعلى الحنبلي: يستحق السلب بالأسر إذا قتله الإمام؛ لأنَّ الأسر أصعب من مجرد القتل. وصحح ابن قدامة عدم الاستحقاق، واستدل على ذلك بأسارى بدر، فقد قتل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عُقبة، والنضر بن الحارث، ولم يعط من أسرهم أسلابهم؛ ولأنَّ الأحاديث الواردة بالسلب فيها التنصيص أنه للقاتل. الرابع: أن يغرر بنفسه في قتله، فأما إن رماه بسهم من صف المسلمين، فقتله؛ فلا سلب له، وإن حمل جماعة من المسلمين على واحد فقتلوه؛ فالسلب في الغنيمة. هذا مذهب أحمد، والشافعي. • وذهب أبو ثور، وداود، وابن المنذر إلى أنَّ السلب لكل قاتل؛ لعموم الخبر، وهذا هو الصحيح، إلا أن لم يتبين القاتل؛ فيعمل بالمذهب الأول، إلا أن تطيب أنفسهم في أن يكون للمشاركين في قتله جميعًا، والله أعلم.

стр. 5352

الخامس: أن يقتله والحرب قائمة، سواء مقبلًا، أو مدبرًا، فأما إن انهزموا، ثم قتله؛ لم يستحق السلب. (١) مسألة [٣]: هل يُشترط في استحقاق السلب أن يقول الإمام: من قتل قتيلاً فله سلبه ؟ • مذهب الجمهور عدم اشتراط ذلك، بل يستحق القاتل السلب، قال ذلك الإمام أم لم يقل، وهو قول الأوزاعي، والليث، وأحمد، والشافعي، وإسحاق، وأبي عبيد وغيرهم. واستدلوا بحديث عوف بن مالك، وفيه: أنَّ القاتل أراد سلبه من خالد، فاستكثره خالد ولم يعطه، فقال له عوف: أما علمت أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قضى بالسلب للقاتل. ثم ارتفعوا إلى رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فأمر خالدًا أن يعطيه سلبه. أخرجه مسلم (١٧٥٣). واستدلوا بحديث أبي قتادة في قصة قتله المشرك في غزوة حنين، ثم أعطاه النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- السلب (٢)، ولم ينقل أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال ذلك قبل المعركة، وكذا حديث عبدالرحمن بن عوف الذي في الباب. • وقال مالك، وأبو حنيفة، وأحمد في رواية، والثوري: لا يستحقه إلا أن يقول الإمام ذلك. وعند مالك أنَّ الإمام لا يقول ذلك إلا بعد انقضاء الحرب؛

стр. 5353

واستدلوا بحديث أنس ﵁ عند أحمد (١٢٢٣٦)، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال يوم حنين: «من قتل كافرًا؛ فله سلبه» فقتل أبو طلحة عشرين رجلًا، فأخذ أسلابهم. وإسناده صحيح. قلتُ: القول الأول أقرب، والله أعلم. (١) فائدة: قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٣/ ٧٢): إذَا ثَبَتَ هَذَا؛ فَإِنَّ أَحْمَدَ قَالَ: لَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَأْخُذَ السَّلَبَ إلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ. وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَالشَّافِعِيُّ: لَهُ أَخْذُهُ بِغَيْرِ إذْنٍ؛ لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّهُ بِجَعْلِ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ ذَلِكَ، وَلَا يَأْمَنُ إنْ أَظْهَرَهُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يُعْطَاهُ. وَوَجْهُ قَوْلِ أَحْمَدَ: أَنَّهُ فِعْلٌ مُجْتَهَدٌ فِيهِ، فَلَمْ يَنْفُذْ أَمْرُهُ فِيهِ إلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ كَأَخْذِ سَهْمِهِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مِنْ أَحْمَدَ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِحْبَابِ؛ لِيَخْرُجَ مِنْ الْخِلَافِ، لَا عَلَى سَبِيلِ الْإِيجَابِ، فَعَلَى هَذَا إنْ أَخَذَهُ بِغَيْرِ إذْنٍ؛ تَرَكَ الْفَضِيلَةَ وَلَهُ مَا أَخَذَهُ. اهـ مسألة [٤]: هل يُخَمَّس السَّلب ؟ • من أهل العلم من قال: يخمس السلب. وهو قول الأوزاعي، ومكحول؛ لعموم الآية: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال:٤١]. • وقال إسحاق: يخمسه إذا استكثره. • وعن مالك رواية أنَّ الإمام يخير بين أن يخمسه، أو يدفعه لصاحبه بدون تخميس.

стр. 5354

• وذهب الجمهور إلى أنه لا يخمس؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يُنقَل عنه تخميس السَّلب كما في الأحاديث المتقدمة، بل صرح بعض الصحابة بذلك، ففي «سنن أبي داود» (٢٧٢١)، من حديث عوف بن مالك، وخالد بن الوليد أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يخمس السلب. وإسناده حسن، وهذا قول أحمد، والشافعي، ومالك، وابن المنذر، وابن جرير وغيرهم، وهو اختيار البخاري، وهو الصحيح. (١) تنبيه: السَّلَبُ يُخرَجُ من أصل الغنيمة عند الجمهور، وخالف مالك فقال: من خمس الخمس. والصحيح قول الجمهور. (٢) مسألة [٥]: إذا اشترك اثنان أو ثلاثة في القتل؛ فلمن السَّلَب ؟ إن كان أحدهما قد أثخن في الجرح، أو سبق بالطعن بما يوجب قتله عادة؛ فهو أحق بالسلب، وعليه حُمل حديث عبدالرحمن بن عوف في قضاء رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بسلب أبي جهل لمعاذ بن عمرو بن الجموح. وإن كان كلاهما قتله؛ فيشتركان في السلب على الصحيح، وهو قول القاضي، وأبي الخطاب، وهو مقتضى قول أبي ثور، وداود، وابن المنذر. (٣) مسألة [٦]: الأشياء التي تدخل في السلب . يدخل في السلب كل ما كان لابسًا له من الثياب، وكذا المنطقة، والمغفر،

стр. 5355

والبيضة، ويدخل فيه السلاح من السيف، والرمح، والسكين، وكذلك الدابة. • وعلى ذلك الجمهور، منهم: أحمد، والشافعي، والأوزاعي وغيرهم. ويدخل في السلب الحلي الذي يتحلى به؛ لأنه ملبوس له. • وخالف الشافعي في قول له، فقال: لا يدخل؛ لأنه لا يحتاج إليه في الحرب، والقول الأول أقرب، والله أعلم. (١) مسألة [٧]: المال الذي في مخبئه، أو عيبته، هل يدخل في السلب ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٣/ ٧٢): فَأَمَّا الْمَالُ الَّذِي مَعَهُ فِي كمرانه وَخَرِيطَتِهِ، فَلَيْسَ بِسَلَبٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْمَلْبُوسِ، وَلَا مِمَّا يَسْتَعِينُ بِهِ فِي الْحَرْبِ، وَكَذَلِكَ رَحْلُهُ وَأَثَاثُهُ، وَمَا لَيْسَتْ يَدُهُ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ لَيْسَ مِنْ سَلَبِهِ. وَبِهَذَا قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَمَكْحُولٌ، وَالشَّافِعِيُّ. اهـ قال أبو عبد الله غفر الله لهُ: كل ما كان معه في رحله، أو خيله أو ثيابه فهو من السلب، وما لم يكن تحت يده حينئذٍ؛ فليس من السلب، والله أعلم. (٢) مسألة [٨]: هل يدخل في السلب الدابة إن لم يكن راكبًا عليها ؟ إن كان القتل هو الذي استنزله من دابته، أو صرعه منها؛ فيستحقها، وإن كان ممسكًا بعنان دابته، فقتله، ففيه روايتان عن أحمد.

стр. 5356

• ومذهب الشافعي أنها من السلب، وهذا هو الصحيح؛ لحديث سلمة بن الأكوع في «الصحيحين»: «له سلبه أجمع» وكان معه جمل. • واختار الخِرقي، والخلال أنها ليست من السلب؛ لأنها اشبهت ما لو كانت عند غلامه. (١) مسألة [٩]: سَلْبُ الكافرِ، وَتَرْكُهُ عاريًا ؟ • أجاز ذلك أحمد، والأوزاعي؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «له سلبه أجمع». • وكره ذلك الثوري، وابن المنذر؛ لما فيه من كشف عوراتهم، وهذا القول أظهر، أعني أن يجعل عليهم ما يغطي عوراتهم. (٢) مسألة [١٠]: من ادَّعى قتل كافرٍ ويريد سلبه، فعليه البينة . قال الحافظ ﵀ في «الفتح» (٣١٤٢): قوله في هذا الحديث -حديث أبي قتادة- «له عليه بينة» مَفْهُومُهُ أَنَّهُ إِذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ لَا يُقْبَلُ، وَسِيَاقُ أَبِي قَتَادَةَ يَشْهَدُ لِذَلِكَ، وَعَنْ الْأَوْزَاعِيِّ يُقْبَلُ قَوْلُهُ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْطَاهُ لِأَبِي قَتَادَةَ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ. وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ فِي «مَغَازِي الْوَاقِدِيِّ» أَنَّ أَوْسَ بْنَ خَوْلِيٍّ شَهِدَ لِأَبِي قَتَادَةَ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ لَا يَصِحَّ؛ فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلِمَ أَنَّهُ الْقَاتِلُ بِطَرِيقٍ مِنْ الطُّرُقِ. قال: وَنَقَلَ اِبْنُ عَطِيَّةَ عَنْ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الْبَيِّنَةَ هُنَا شَاهِدٌ وَاحِدٌ يُكْتَفَى بِهِ. اهـ

стр. 5357

١٢٨٠ - وَعَنْ مَكْحُولٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَصَبَ المَنْجَنِيقَ عَلَى أَهْلِ الطَّائِف. أَخْرَجَهُ أَبُودَاوُد فِي «المَرَاسِيلِ»، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ. (١) ١٢٨١ - وَوَصَلَهُ العُقَيْلِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ عَنْ عَلِيٍّ ﵁. (٢) المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين مسألة [١]: تحريق العدو . أما العدو إذا قُدِر عليه؛ فلا يجوز تحريقه بالنار. قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٣/ ١٣٩): أَمَّا الْعَدُوُّ إذَا قُدِرَ عَلَيْهِ؛ فَلَا يَجُوزُ تَحْرِيقُهُ بِالنَّارِ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، وَقَدْ كَانَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ يَأْمُرُ بِتَحْرِيقِ أَهْلِ الرِّدَّةِ بِالنَّارِ. وَفَعَلَ ذَلِكَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ بِأَمْرِهِ (٣)، فَأَمَّا الْيَوْمَ فَلَا أَعْلَمُ

стр. 5358

فِيهِ بَيْنَ النَّاسِ خِلَافًا. اهـ واستدلوا على عدم الجواز بحديث: «لا يعذب بالنار إلا ربُّ النار». قال ابن قدامة ﵀: فَأَمَّا رَمْيُهُمْ قَبْلَ أَخْذِهِمْ بِالنَّارِ؛ فَإِنْ أَمْكَنَ أَخْذُهُمْ بِدُونِهَا؛ لَمْ يَجُزْ رَمْيُهُمْ بِهَا؛ لِأَنَّهُمْ فِي مَعْنَى الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ، وَأَمَّا عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْهُمْ بِغَيْرِهَا، فَجَائِزٌ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ. وَرَوَى سَعِيدٌ بِإِسْنَادِهِ عَنْ صَفْوَانِ بْنِ عَمْرٍو، وَحَرِيزِ بْنِ عُثْمَانَ أَنَّ جُنَادَةَ بْنَ أُمَيَّةَ الْأَزْدِيَّ، وَعَبْدَ الله بْنَ قَيْسٍ الْفَزَارِيّ، وَغَيْرَهُمَا مِنْ وُلَاةِ الْبَحْرَيْنِ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ، كَانُوا يَرْمُونَ الْعَدُوَّ مِنْ الرُّومِ وَغَيْرِهِمْ بِالنَّارِ، وَيُحَرِّقُونَهُمْ، هَؤُلَاءِ لِهَؤُلَاءِ، وَهَؤُلَاءِ لِهَؤُلَاءِ. قَالَ عَبْدَ الله بْنَ قَيْسٍ: لَمْ يَزُلْ أَمْرُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى ذَلِكَ. اهـ مسألة [٢]: تغريق الكفار . قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٣/ ١٣٩): وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي فَتْحِ الْبُثُوقِ عَلَيْهِمْ؛ لِيُغْرِقَهُمْ، إنْ قُدِرَ عَلَيْهِمْ بِغَيْرِهِ؛ لَمْ يَجُزْ، إذَا تَضَمَّنَ ذَلِكَ إتْلَافَ النِّسَاءِ وَالذُّرِّيَّةِ، الَّذِينَ يَحْرُمُ إتْلَافُهُمْ قَصْدًا، وَإِنْ لَمْ يُقْدَرْ عَلَيْهِمْ إلَّا بِهِ؛ جَازَ، كَمَا يَجُوزُ الْبَيَاتُ الْمُتَضَمِّنُ لِذَلِكَ. اهـ مسألة [٣]: إذا تترس الكفار بأناس مسلمين، فهل يجوز قتالهم ؟ قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٥٤٦): وقد اتفق العلماء على أنَّ جيش الكفار إذا تترسوا بمن عندهم من أسرى

стр. 5359

المسلمين، وخيف على المسلمين الضرر إذا لم يقاتلوا؛ فإنهم يُقَاتَلُون، وإن أفضى ذلك إلى قتل المسلمين الذين تترسوا بهم، وإن لم يخف على المسلمين ففي جواز القتال المفضي إلى قتل هؤلاء المسلمين قولان مشهوران. اهـ • ذهب أحمد في رواية، والأوزاعي، والليث إلى عدم جواز قتالهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح:٢٥]. • وذهب الشافعي، وأحمد في رواية إلى الجواز، وهو اختيار القاضي أبي يعلى حتى لا يؤدي ذلك إلى ترك جهاد الكفار، وذلك إذا كانت الحرب قائمة. (١)

стр. 5360

١٢٨٢ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ وَعَلَى رَأْسِهِ المِغْفَرُ، فَلَمَّا نَزَعَهُ جَاءَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: ابْنُ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الكَعْبَةِ، فَقَالَ: «اقْتُلُوهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: القصاص في الحرم، وإقامة الحدود، ومن جنى خارج الحرم، ثم لجأ إليه ؟ انظر هذه المسألة في [كتاب الحج] عند حديث (٧٢٢): «وإنما أُحِلَّت لي ساعةً من نهار». مسألة [٢]: هل فُتِحت مكةُ صُلحًا، أم عنوة ؟ • ذهب جمهور العلماء إلى أنَّ مكة فُتحت عنوة. واستدلوا على ذلك بحديث أنس ﵁ الذي في الباب، فقد دخل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لابسًا أداة الحرب، وكذلك قسَّم الجيش على ميمنة، وميسرة، وقلب، كشأن الغزوات. واستدلوا بحديث: «وإنما أُحِلَّت لي ساعةً من نهار». واستدلوا بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- للأنصار: «أترون إلى أوباش قريش، احصدوهم حصدًا حتى توافوني على الصفا»، وقال: «من دخل دار أبي سفيان؛ فهو آمن، ومن أغلق بابه؛ فهو آمن، ومن ألقى السلاح؛ فهو آمن»، أخرجه مسلم برقم (١٧٨٠) عن
следующие страницы →