مسألة [٨]: إذا بلغ الصبي بعد أن صلَّى، فهل تلزمه إعادة الصلاة ؟
• ذهب جمهور العلماء إلى وجوب إعادة الصلاة عليه؛ لأنَّ الأَوْلَى في حَقِّهِ نافلة، ولأنه وجد سبب الوجوب، فيشبه ما إذا صلى قبل الوقت؛ فإنها تلزمه الإعادة بعد الوقت، وقاسوها على الحج.
• وذهب الشافعي وأصحابه إلى أنه لا يلزمه إعادتها؛ لأنه قد أدى وظيفة الوقت وصلَّى كما أُمِرَ، وقد اختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية، وبعض الحنابلة.
ورجَّحَ هذا القول الشيخ ابن عثيمين، فقال: والرَّاجح أنه لا يعيد الصوم، ولا الصلاة؛ لأنه صلَّى وصام على الوجه الذي قد أُمِرَ، فسقط عنه الطلب بالفعل، ويؤيد هذا أنه يقع كثيرًا، ولم يحفظ عن الصحابة أنهم يأمرون من بلغ في أثناء الوقت بالإعادة. اهـ
قال النووي ﵀: والجواب عن المصلي قبل الوقت أنه غير مأمور به، ولا مندوب إليه، ولا مأذون فيه، بخلاف مسألتنا. اهـ
والجواب عن قياسهم بالحج: أنَّ الحج غير مأمور به كالصلاة؛ فإنه يضرب على تركها، والله أعلم، وهذا القول هو الصواب، وبالله التوفيق. (١)
مسألة [٩]: هل تجب الصلاة على النائم ؟
قال المرداوي ﵀ في «الإنصاف» (١/ ٣٦٤): أما النائم؛ فتجب الصلاة عليه إجماعًا. اهـ
стр. 562
ويدل عليه قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من نسي صلاة، أو نام عنها، فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها»، (١) ولو لم تجب عليه حال نومه، لم يجب عليه قضاؤها، كالمجنون، وَمِثْلُ النائمِ السَّاهِي.
مسألة [١٠]: هل تجب الصلاة على المغْمَى عليه وتلزمه الصلاة إذا أفاق ؟
• فيها ثلاثة أقوال:
الأول: أنَّ المغمى عليه كالنائم، فإذا أفاق صلَّى جميع ما فاته، وهذا مذهب أحمد، وطائفة من أصحابه، وجاء عن عمار ﵁، وفي إسناده لؤلؤة، امرأة مجهولة.
الثاني: لا يصلي إذا أفاق إلا ما كان وقتها باقيًا، وهو قول طاوس، والحسن، محمد بن سيرين، والزهري، وربيعة، وأبي ثور، ومالك، والشافعي، وأحمد في رواية، واختارها بعض الحنابلة؛ لأنه فاقدٌ لعقله، وشعوره، فأشبه المجنون، وهو مذهب ابن حزم الظاهري.
وصح عن ابن عمر كما في «الأوسط» لابن المنذر، أنه مرض أيامًا، لم يعقل الصلاة، ثم صحَّ وعقل، فلم يقض ما فاته. أخرجه من طريقين عن معمر، عن أيوب، عن نافع، عنه.
قال أيوب: ومرض ابن سيرين أيامًا لم يعقل الصلاة فلم يقض ما فاته.
وثبت عن أنس ﵁ عند ابن المنذر أنه أغمي عليه؛ فلم يقض صلاته.
стр. 563
الثالث: يصلي إذا فاته خمس صلوات، فأقل، ولا يصلي إذا فاته أكثر من ذلك، وهو قول أبي حنيفة.
قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الثاني هو الأقرب إلى الصواب، وهو ترجيح الشيخ ابن عثيمين، والشيخ ابن باز؛ وذلك لأنَّ المغمى عليه يفارق النائم بأن النائم إذا نُبِّهَ انْتَبَهَ، ولأنه قد يطول أيامًا، وأشهرًا، والله أعلم. (١)
مسألة [١١]: المجنون هل تجب عليه الصلاة ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٢/ ٥٠): والمجنون غير مكلف، ولا يلزمه قضاء ما ترك في حال جنونه؛ إلا أن يفيق في وقت الصلاة، فيصير كالصبي يبلغ، ولا نعلم في ذلك خلافًا.
ثم استدل بحديث: «رُفِعَ القلم عن ثلاثة: المجنون حتى يعقل، ... ».اهـ
مسألة [١٢]: هل تجب الصلاة على من زال عقله بشرب المسكر ؟
قال ابن حزم ﵀ في «المحَلَّى» (٢٧٨): وأما من سكر حتى خرج وقت الصلاة، أو نام عنها، أو نسيها حتى خرج وقتها، ففرض على هؤلاء خاصة أن يصلوها أبدًا، قال الله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء:٤٣]، فلم يبح الله تعالى للسكران أن يصلي حتى يعلم ما يقول، وقال رسول الله ﷺ : «إنه ليس في النوم تفريط، إنما التفريط في اليقظة، فإذا نسي أحدكم
стр. 564
صلاة، أو نام عنها؛ فليصلها إذا ذكرها»، وهذا كله إجماعٌ متيقن. اهـ
مسألة [١٣]: هل تجب الصلاة على الحائض، والنفساء ؟
قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٣/ ٨): أما الحائض، والنفساء؛ فلا صلاة عليهما، ولا قضاء بالإجماع. انتهى.
стр. 565
بَابُ الَمَوَاقِيْت
قال الصنعاني ﵀ في «سبل السلام» (١/ ٢٢٣): والمواقيت جمعُ ميقات، وهوالوقت الذي عينه الله لأداء هذه العبادة، وهو القدر المحدود للفعل من الزمان. اهـ
١٤٤ - عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «وَقْتُ الظُّهْرِ إذَا زَالَتِ الشَّمْسُ، وَكَانَ ظِلُّ الرَّجُلِ كَطُولِهِ مَا لَمْ يَحْضُرْ وَقْتُ العَصْرِ، وَوَقْتُ العَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ، وَوَقْتُ صَلَاةِ المَغْرِبِ مَا لَمْ يَغِبِ الشَّفَقُ وَوَقْتُ صَلَاةِ العِشَاءِ إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ الأَوْسَطِ، وَوَقْتُ صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ طُلُوعِ الفَجْرِ مَا لَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (١)
١٤٥ - وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ فِي العَصْرِ: «وَالشَّمْسُ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ». (٢)
١٤٦ - وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى: «وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ». (٣)
قبل الشروع في ذكر المسائل المتعلقة بالأحاديث أُضيف إلى هذه الأحاديث حديث جابر ﵁ عند النسائي (١/ ٢٥٥ - ٢٥٦):
قال: أَخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ وَاضِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا قُدَامَةُ يَعْنِي ابْنَ شِهَابٍ، عَنْ بُرْدٍ،
المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث
مسألة [١]: وقت الظهر .
قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٣/ ٢١): أجمعت الأمة على أن أول وقت الظهر زوال الشمس، نقل الإجماع فيه خلائق. اهـ
وقال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٢/ ٩): أجمع أهل العلم على أنَّ أول وقت الظهر إذا زالت الشمس، قاله ابن المنذر ﵀، وابن عبد البر، وقد تظاهرت الأخبار بذلك. اهـ (١)
مسألة [٢]: كيفية معرفة زوال الشمس .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٢/ ١٠): ومعنى زوال الشمس، ميلها عن كبد السماء، ويعرف ذلك بطول ظل الشخص، بعد تناهي قِصَرِهِ، فمن أراد معرفة ذلك؛ فليقدر ظل الشخص، ثم يصبر قليلًا، ثم يقدره ثانيًا؛ فإن كان دون الأول، فلم تَزُلْ، وإن زاد ولم ينقص؛ فقد زالت. اهـ
مسألة [٣]: آخر وقت الظهر .
• في هذه المسألة أقوال:
الأول: أنَّ آخر وقت الظهر هو مصير ظل كل شيء مثله، سوى الظل الذي يكون عند الزوال، وهو أول وقت العصر، وهو مذهب الشافعي، وأحمد، ومالك، والثوري، والأوزاعي، وغيرهم.
стр. 568
الثاني: أنَّ وقت الظهر يمتد إلى آخر وقت العصر، وهو قول عطاء، وطاوس.
الثالث: أنَّ وقت الظهر إلى أن يصير الظل مثله، وبعده قدر أربع ركعات وقت للظهر والعصر، ثم يتمحض الوقت للعصر، وهذا قول إسحاق، وأبي ثور، وابن جرير، والمزني.
الرابع: أنَّ وقت الظهر يمتد إلى أن يصير ظل كل شيء مثليه، وهو قول أبي حنيفة، وقد احْتُجَّ لأبي حنيفة بحديث ابن عمر ﵄ في «البخاري» (٢٢٦٨)، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «مَثَلُكُمْ وَمَثَلُ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ أُجَرَاءَ، فَقَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ غُدْوَةَ إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ؟ فَعَمِلَتْ الْيَهُودُ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ إِلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ عَلَى قِيرَاطٍ؟ فَعَمِلَتْ النَّصَارَى، ثُمَّ قَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ الْعَصْرِ إِلَى أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ عَلَى قِيرَاطَيْنِ؟ فَأَنْتُمْ هُمْ، فَغَضِبَتْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، فَقَالُوا: مَا لَنَا أَكْثَرَ عَمَلًا، وَأَقَلَّ عَطَاءً؟ قَالَ: هَلْ نَقَصْتُكُمْ مِنْ حَقِّكُمْ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فَذَلِكَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ».
قالوا: فهذا دليل على أنَّ وقت العصر أقل من وقت الظهر، ومن حين يصير ظل الشيء مثله إلى غروب الشمس هو ربع النهار، وليس بأقل من وقت الظهر، بل هو مثله.
والراجح هو القول الأول؛ لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص الذي في هذا الباب، وهو صنيع جبريل ﵇ حين صلى بالنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وأصحابه، وفيه: «ثم صلى الظهر حين كان ظل كل شيء مثله»، وفيه: «الوقت بين هذين».
стр. 569
ويدل على ذلك أيضًا حديث أبي قتادة ﵁ في «صحيح مسلم» (٦٨١) أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «أما إنه ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الأخرى»، وقد استدل من قال بأنَّ وقت الظهر يمتد إلى آخر وقت العصر، بأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- جمع بين الظهر، والعصر من غير خوف، ولا مطر.
والجواب عنه: أنَّ هذه رخصة لمن احتاج إلى ذلك، ففي الحديث نفسه: قيل لابن عباس: ما حمله على ذلك؟ قال: كي لا يحرج أمته. (١)
وأما استدلال أبي حنيفة؛ فقد أجاب عنه ابن القيم ﵀ في «أعلام الموقعين» (٢/ ٣٨٥)، فقال: وَيَا لِلَّهِ الْعَجَبُ، أَيُّ دَلَالَةٍ فِي هَذَا عَلَى أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ وَقْتُ الْعَصْرِ حَتَّى يَصِيرَ الظِّلُّ مِثْلَيْنِ بِنَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الدَّلَالَةِ؟ وَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ صَلَاةَ الْعَصْرِ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ أَقْصَرُ مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ إلَى وَقْتِ الْعَصْرِ، وَهَذَا لَا رَيْبَ فِيهِ. اهـ
وقال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٢/ ١٤): وَمَا احْتَجَّ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ لَا حُجَّةَ لَهُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: إلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ. وَفِعْلُهَا يَكُونُ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ، وَتَكَامُلِ الشُّرُوطِ، عَلَى أَنَّ أَحَادِيثَنَا قُصِدَ بِهَا بَيَانُ الْوَقْتِ، وَخَبَرُهُمْ قُصِدَ بِهِ ضَرْبُ المَثَلِ، فَالْأَخْذُ بِأَحَادِيثِنَا أَوْلَى، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ خَالَفَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي قَوْلِهِ هَذَا الْآثَارَ، وَالنَّاسَ، وَخَالَفَهُ أَصْحَابُهُ. اهـ. (٢)
стр. 570
مسألة [٤]: أول وقت العصر .
• ذهب جمهور العلماء إلى أنَّ آخر وقت الظهر هو أول وقت العصر متصلًا به بأدنى زيادة يزيد بها الظل على شخصه؛ لحديث جبريل، وفيه أنه صلى بالنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وأصحابه العصر باليوم الأول حين كان ظل كل شيء مثله، وباليوم الثاني صلَّى بهم العصر حين كان ظل كل شيء مثليه، ثم قال: «الوقت ما بين هذين».
• وذهب ربيعة إلى أنَّ وقت الظهر، والعصر من زوال الشمس.
• وذهب إسحاق، وابن المبارك إلى أنَّ آخر وقت الظهر هو أول وقت العصر، وبينهما وقتٌ مشتركٌ، واستدلوا بحديث جبريل، وفيه: «ثم صلى الظهر لوقت العصر بالأمس».
• وذهب أبو حنيفة إلى أنَّ أول وقت العصر هو مصير ظل كل شيء مثليه.
والراجح هو قول الجمهور؛ لحديث جبريل، وأما قول إسحاق، وابن المبارك، فيرده قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في حديث عبدالله بن عمرو ﵄ الذي في الباب: «ووقت الظهر ما لم يحضر وقت العصر»، وكذلك حديث أبي قتادة في «صحيح مسلم» (٦٨١) مرفوعًا: «أما إنه ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من لم يصل حتى يدخل وقت الصلاة الأخرى».
وقد رجَّح هذا القول ابن المنذر في «الأوسط»، أعني قول الجمهور.
وأما قول أبي حنيفة، فقد قال ابن المنذر ﵀ في «الأوسط» (٢/ ٣٣٠): وهو
стр. 571
قولٌ خالف صاحبه الأخبار الثابتة عن رسول الله ﷺ ، والنظر غير دال عليه، ولا نعلم أحدًا سبق قائلَ هذا القول إلى مقالته، وعدل أصحابه عن القول به، فبقي قوله منفردًا، لا معنى له. اهـ
وأما استدلال إسحاق، وابن المبارك بقوله في حديث جبريل: «لِوَقْتِ العَصْرِ بِالأَمْسِ».
فقد أجاب عنه ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٢/ ١٤)، فقال: وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : «لِوَقْتِ العَصْرِ بِالأَمْسِ»، أَرَادَ مُقَارَنَةَ الْوَقْتِ، يَعْنِي أَنَّ ابْتِدَاءَ صَلَاتِهِ الْيَوْمَ الْعَصْرَ مُتَّصِلٌ بِوَقْتِ انْتِهَاءِ صَلَاةِ الظُّهْرِ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي، أَوْ مُقَارِبٌ لَهُ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ بِهِ بَيَانَ الْمَوَاقِيتِ، وَإِنَّمَا تَبَيَّنَ أَوَّلُ الْوَقْتِ بِابْتِدَاءِ فِعْلِ الصَّلَاةِ، وَتَبَيَّنَ آخِرُهُ بِالْفَرَاغِ مِنْهَا، وَقَدْ بَيَّنَهُ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى ﷺ : «وَقْتُ الظُّهْرِ مَا لَمْ يَحْضُرْ وَقْتُ الْعَصْرِ». انتهى المراد. (١)
مسألة [٥]: آخر وقت العصر .
لآخر العصر وقتان: وقت اختياري، ووقت اضطراري.
فأما آخر الوقت الاختياري؛ فقيل: مصير ظل كل شيء مثليه. قال بذلك الشافعي، ومالك، والثوري، ورواية عن أحمد، وعزاه النووي في «شرح المهذب» (٣/ ٢٨) للجمهور، واستدلوا بحديث جبريل، ففيه أنه صلَّى العصر باليوم الثاني حين كان ظل كل شيء مثليه، ثم قال: «الوقت ما بين هذين»، وهذا ترجيح الشيخ
стр. 572
ابن باز كما في «فتاوى اللجنة» (٦/ ١١٣).
وقيل: آخر وقت العصر الاختياري هو اصفرار الشمس، وهذا القول هو المشهور عن أحمد، وهو قول الأوزاعي، وأبي ثور، وأبي يوسف، ومحمد، وأبي حنيفة، واستدلوا بحديث عبدالله بن عمرو بن العاص الذي في الباب، وفيه: «ووقت العصر ما لم تصفر الشمس»، وهذا القول هو ترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن مفلح، والشيخ عبدالرحمن السعدي.
قال الإمام ابن عثيمين ﵀ في «الشرح الممتع» (٢/ ١٠٢): وهذا في الغالب يزيد على مصير ظِلِّ كلِّ شيء مثليه، وهذه الزيادة تكون مقبولة؛ لأن الحديث في «صحيح مسلم»، ومن قول الرسول ﷺ ، ويمكن أن يُجاب عن حديث جبريل: بأنه ابتدأ الصَّلاة بالنبي ﷺ حين صار ظِلُّ كلِّ شيء مثليه، وأنها إذا صُلِّيت وانتُهيَ منها تكون الشمس قد اصفرَّت؛ ولاسيَّما في أيام الشتاء، وَقِصَر وقت العصر، وسواءٌ صَحَّ هذا الجمع أم لم يصحَّ؛ فإن الأخذ بالزَّائد متعيِّن؛ لأنَّ الأخذ بالزَّائد أخذٌ بالزَّائد والناقص، والأخذ بالناقص إلغاء للزائد، وعليه فنقول: وقت العصر إلى اصفرار الشمس. انتهى المراد.
قال أبو عبد الله غفر الله له: إذا وُجِدَت الصفرة قريبًا من مصير ظل الشيء مثليه؛ فالأمر سهل، وإلا فالراجح هو القول الثاني، والله أعلم. (١)
فائدة: قال ابن عبدالبر ﵀ كما في «المغني» (٢/ ١٦): أجمع العلماء على أن
стр. 573
من صلَّى العصر، والشمس بيضاء نقية؛ فقد صلَّاها لوقتها. اهـ
وأما وقت العصر الاضطراري؛ فهو من بعد الوقت الاختياري إلى غروب الشمس عند أهل العلم، والدليل على أنَّ هذا وقتٌ للعصر قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس؛ فقد أدرك العصر»، متفق عليه من حديث أبي هريرة ﵁. (١)
وقال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٢/ ١٧): وَلَا أَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا.
وقال ﵀ في «المغني» (٢/ ١٦): وَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْعَصْرِ عَنْ وَقْتِ الِاخْتِيَارِ لِغَيْرِ عُذْرٍ؛ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَخْبَارِ، وَرَوَى مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُد بِإِسْنَادِهِمَا، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ ﷺ يَقُولُ: «تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِينَ، تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِينَ، تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِينَ، يَجْلِسُ أَحَدُهُمْ حَتَّى إذَا اصْفَرَّتْ الشَّمْسُ، فَكَانَتْ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ، أَوْ عَلَى قَرْنَيْ شَيْطَانٍ، قَامَ، فَنَقَرَ أَرْبَعًا، لَا يَذْكُرُ الله فِيهَا إلَّا قَلِيلًا»، (٢) وَلَوْ أُبِيحَ تَأْخِيرُهَا؛ لَمَا ذَمَّهُ عَلَيْهِ، وَجَعَلَهُ عَلَامَةَ النِّفَاقِ. انتهى.
مسألة [٦]: أول وقت المغرب .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٢/ ٢٤): أَمَّا دُخُولُ وَقْتِ الْمَغْرِبِ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ؛ فَإِجْمَاعُ أَهْلِ الْعِلْمِ، لَا نَعْلَمُ بَيْنَهُمْ خِلَافًا فِيهِ، وَالْأَحَادِيثُ دَالَّةٌ عَلَيْهِ. اهـ
стр. 574
وقد نقل الإجماع أيضًا ابن المنذر في «الأوسط» (٢/ ٣٣٤)، والنووي في «شرح المهذب» (٣/ ٣٤)، وغيرهم.
مسألة [٧]: آخر وقت المغرب .
• ذهب أحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وداود، وابن المنذر، وأصحاب الرأي إلى أنَّ آخر وقت المغرب هو غروب الشفق.
واستدلوا بحديث عبد الله بن عمرو الذي في الباب: «ووقت المغرب ما لم يغب الشفق»، وأيضًا في حديث بريدة، وأبي موسى أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- علَّمَ رجلًا مواقيت الصلاة، فصلَّى المغرب في اليوم الثاني قبل غروب الشفق، ثم قال: «الوقت ما بين هذين».
وقد قال بهذا القول بعض الشافعية، وصححه النووي ﵀.
• وذهب الشافعي، ومالك، والأوزاعي، إلى أنه ليس لها إلا وقتٌ واحد عند مغيب الشمس؛ لأنَّ جبريل ﵇ صلَّاها بالنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في اليومين في وقت واحد.
• وذهب عطاء، وطاوس إلى أنَّ وقتها ممتد إلى الفجر، وقد تقدم ذكر مستندهم، والجواب عليه.
والراجح هو القول الأول، وأما حديث جبريل، وما أشبهه؛ فهو محمول على
стр. 575
الاستحباب والاختيار، وكراهة التأخير. (١)
مسألة [٨]: أول وقت العشاء .
أجمع أهل العلم على أنَّ أول وقت العشاء هو غيبوبة الشفق، قاله ابن المنذر، والنووي، وابن قدامة، واختلفوا في الشفق ما هو؟ وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى. (٢)
مسألة [٩]: آخر وقت العشاء .
له وقتان: وقتٌ اختياري، ووقت اضطراري.
أما الوقت الاختياري؛ ففيه قولان:
الأول: أنه إلى ثلث الليل، وهو قول مالك، ورواية عن أحمد، والشافعي، واستدلوا بحديث جبريل، وبحديث بريدة، وأبي موسى، وفي هذه الأحاديث أن صلاة العشاء صُلِّيَتْ في اليوم الثاني في ثلث الليل، ثم قال: «الصلاة ما بين هذين».
الثاني: أنه إلى نصف الليل، وهذا قول الثوري، وابن المبارك، وأبي ثور، وأصحاب الرأي، ورواية عن أحمد رجَّحَها جمعٌ من أصحابه، ورجَّحَ هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، ثم الشوكاني، والسعدي، واستدل هؤلاء بحديث عبد الله بن عمرو بن العاص الذي في الباب، وفيه: «ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل»، وبحديث أبي سعيد الخدري عند أحمد (٣/ ٥)، وأبي داود
стр. 576
٤٢٢ - ، وهو في «الصحيح المسند»، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أخَّرَ صلاة العشاء ذات ليلة إلى نصف الليل، ثم خرج، فصلَّاها، وقال: «لولا ضعف الضعيف، وسقم السقيم، وحاجة ذي الحاجة؛ لأخَّرْتُ هذه الصلاة إلى شطر الليل»، وجاء بنحوه عن جابر عند أبي يعلى (١٩٣٦)، وهو في «الصحيح المسند»، وبنحوه من حديث أنس في «الصحيحين». (١)
وهذا القول هو الراجح؛ لأنَّ فيه زيادة على القول الأول، وكما تقدم: من أخذ بالزائد؛ فقد أخذ بالزائد والناقص، ومن أخذ بالناقص؛ فقد ألغى الزائد.
وأما الوقت الاضطراري؛ فقد ذهب جمهور العلماء إلى أنه ممتدٌ إلى طلوع الفجر الصادق، واستدلوا بحديث أبي قتادة ﵁ في «صحيح مسلم» (٦٨١)، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «أما إنه ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الأخرى».
وقد ثبت عن أبي هريرة ﵁ في «مصنف ابن أبي شيبة» (١/ ٣٣٤)، و «شرح المعاني» للطحاوي (١/ ١٦٥)، أنه قال وقد سئل عن التفريط في الصلاة: أن يؤخرها حتى يدخل وقت الذي بعدها.
وجاء عن ابن عباس ﵄ عند ابن المنذر (٢/ ٣٤٥)، أنه قال: وقت العشاء إلى الصبح. وفي إسناده: ليث بن أبي سليم، وفيه ضعفٌ، ولكن يشهد له قول ابن عباس في الحائض، أنها إذا طهرت قبل الفجر صلَّتِ المغرب والعشاء، وفيه
стр. 577
ضعفٌ قد تقدم بيانه في [كتاب الحيض]؛ فالأثر حسنٌ عن ابن عباس ﵄، إن شاء الله.
قال الإمام النووي ﵀ في شرح حديث أبي قتادة المتقدم: فِي الْحَدِيث دَلِيل عَلَى اِمْتِدَاد وَقْت كُلّ صَلَاة مِنْ الْخَمْس حَتَّى يَدْخُل وَقْت الْأُخْرَى وَهَذَا مُسْتَمِرّ عَلَى عُمُومه فِي الصَّلَوَات إِلَّا الصُّبْح؛ فَإِنَّهَا لَا تَمْتَدّ إِلَى الظُّهْر، بَلْ يَخْرُج وَقْتهَا بِطُلُوعِ الشَّمْس؛ لِمَفْهُومِ قَوْله ﷺ : «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَة مِنْ الصُّبْح قَبْل أَنْ تَطْلُع الشَّمْس فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْح».اهـ
وقال الحافظ ﵀ تحت حديث رقم (٥٧٢): وعموم حديث أبي قتادة مخصوصٌ بالإجماع بالصبح. اهـ، وهذا القول رجَّحه شيخ الإسلام، والشوكاني، وغيرهما.
وجاءت عن مالك رواية كما في «بداية المجتهد»، وبعض الشافعية كأبي سعيد الاصطخري أنَّ وقت العشاء إلى نصف الليل، عملًا بظاهر حديث عبد الله ابن عمرو: «ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل».
ورجَّح هذا القول الإمام الألباني ﵀ في «تمام المنة»، وقالوا: حديث أبي قتادة مخصوصٌ بهذا الحديث كما خصص الفجر من عموم الحديث.
قال أبو عبد الله غفر الله له: الراجح -والله أعلم- هو القول الأول -أعني قول الجمهور-، وأما ما ذكره أهل القول الثاني؛ فيرُدُّ عليه حديث عائشة في «صحيح مسلم» قالت: اعتم النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ذات ليلة بالعشاء حتى ذهب عامة الليل، فخرج
стр. 578
فصلَّاها، وقال: «إنه لوقتها؛ لولا أن أشق على أمتي». (١)
وما أحسن استنباط ابن المنذر الذي ذكره في «الأوسط»، فقال: ففي قول النبي ﷺ : «لولا أن أشق على أمتي؛ لأخرت العشاء الى شطر الليل»، دليل على أن لا حرج على من أخرها إلى شطر الليل، وإذا كان خروجه إليهم بعد انتصاف الليل؛ فصلاته بعد شطر الليل، وإن كان كذلك، ثبت أن وقتها إلى طلوع الفجر، ويؤيد ذلك حديث أبي قتادة مَعَ أَنَّا قَدْ رُوِّيْنَا عن النبي ﷺ أنه اعتم ذات ليلة بالعشاء حتى ذهب عامة الليل. انتهى. (٢)
ثم أسند حديث عائشة المتقدم ذكره قريبًا.
مسألة [١٠]: أول وقت الفجر .
أجمع أهل العلم على أنَّ أول وقت صلاة الصبح هو طلوع الفجر الصادق، نقل الإجماع غيرُ واحدٍ من أهل العلم، منهم: ابن المنذر، وابن عبدالبر، والنووي، وابن قدامة، وغيرهم. (٣)
مسألة [١١]: آخر وقت الفجر .
للفجر وقتان: وقتُ اختيارٍ، ووقتُ اضطرارٍ، وعُذْرٍ؛ فوقت الاختيار مستمر إلى أن يسفر النهار؛ لحديث جبريل، وكذلك حديث بريدة، وأبي موسى في
стр. 579
«صحيح مسلم»، ويمتد بعده وقت الاضطرار إلى طلوع الشمس؛ لحديث أبي هريرة ﵁ في «الصحيحين»، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس؛ فقد أدرك الصبح»، (١) وقد خالف أبو حنيفة الجمهورَ في هذا الحديث، وقال: من أدرك ركعة، ثم طلعت الشمس؛ فلا يكون مدركًا للصبح، وأما إذا أدرك ركعة من العصر قبل الغروب؛ فقد أدركها.
قال ابن المنذر ﵀ في «الأوسط» (٢/ ٣٤٩): قد جعل النبي ﷺ من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس، ومن أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس، مدركًا للصلاتين، وجمع بينهما؛ فلا معنى لتفريق من فرق شيئين جمعت السنة بينهما، ولو جاز أن تفسد صلاة من جاء إلى وقت لا تحل الصلاة فيه، ألزم أن تفسد صلاة من ابتدأها في وقت لا تجوز الصلاة فيه، وليس فيما ثبت عن رسول الله ﷺ إلا التسليم له، وترك أن يحمل على القياس، والنظر. اهـ
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في «الفتح» (٥٧٩): وجمهور العلماء على أنَّ تأخير صلاة الفجر حتى يبقى منه مقدار ركعة قبل طلوع الشمس لغير ضرورة غير جائز، وقد نصَّ عليه أحمد، وحُكي جوازه عن إسحاق، وداود، وتقدم مثله في صلاة العصر. اهـ. (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث
ذكر المؤلف ﵀ هذه الأحاديث استدلالًا بها على أوقات الأفضلية لكل صلاة، وهاك الكلام على كل صلاة:
أولا: صلاة الظهر.
قال ابن قدامة ﵀: ولا نعلم في استحباب تعجيل الظهر في غير الحر، والغيم خلافًا.
قال الترمذي: وهو الذي اختاره أهل العلم من أصحاب رسول الله ﷺ ومن بعدهم. اهـ
قلتُ: والأدلة على تعجيلها كثيرة، منها: حديث أبي برزة الذي في الباب، وفيه: «كان يصلي الهاجرة حين تدحض الشمس»، وحديث جابر الذي في الباب، وفيه: «كان يصلي الظهر بالهاجرة»، وكلاهما اختصره المؤلف. (١)
ثانيًا: صلاة العصر.
• ذهب جمهور العلماء إلى استحباب تعجيلها، واستدلوا بأدلة كثيرة منها: حديث أبي برزة الذي في الباب، وحديث جابر الذي في الباب، وفيه: «ويصلي العصر، والشمس نقية»، ومنها: حديث رافع بن خديج ﵁ في «الصحيحين»، (٢) وبنحوه في «مسلم» (٣) عن أنس، قال: كان النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يصلي العصر، ثم تنحر
стр. 582
الجزور، فتقسم عشر قسم، ثم نأكل لحمًا نضيجًا قبل غروب الشمس.
• وذهب أصحاب الرأي إلى أفضلية تأخير العصر إلى آخر وقتها المختار، وروي ذلك عن طاوس، وأبي قلابة، وابن سيرين، وابن شبرمة، وليس معهم دليل على ذلك، والله أعلم. (١)
ثالثًا: صلاة المغرب.
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٢/ ٤١): وأما المغرب؛ فلا خلاف في استحباب تقديمها في غير حال العذر، وهو قول أهل العلم من أصحاب رسول الله ﷺ ، ومن بعدهم، قاله الترمذي.
قلتُ: ويدل على ذلك حديث رافع بن خديج الذي في الباب، وحديث جابر ﵁ الذي في الباب -واختصره المؤلف-، وفيه: «وكان يصلي المغرب إذا وجبت الشمس».
وحديث سلمة بن الأكوع ﵁ في «صحيح مسلم»، (٢) أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- «كان يصلي المغرب إذا غربت الشمس، وتوارت بالحجاب».
وفعل جبريل لها في اليومين في وقت واحد دليلٌ على تأكد استحباب تقديمها.
قال ابن المنذر ﵀ في «الأوسط» (٢/ ٣٦٩): أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن التعجيل بصلاة المغرب أفضل، وكذلك نقول. انتهى.
стр. 583
رابعًا: صلاة العشاء.
• ذهب الجمهور إلى استحباب تأخيرها لمن كان منفردًا، أو لجماعة راضين بذلك، ولا يشق عليهم.
واستدلوا بحديث عائشة ﵂ الذي في الباب، وفيه: «إنه لوقتها؛ لولا أن أشق على أمتي»، وقد جاء بنحوه عن ابن عباس، وابن عمر، وأنس ﵃، وكلها في «الصحيحين»، وتقدم حديث أبي سعيد ﵁ في آخر وقت العشاء.
وأما مع المشقة، فلا يستحب تأخيرها؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لولا أن أشق ... »، وقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «ومَنْ وَلِيَ من أمر أمتي شيئًا، فشقَّ عليهم، فاشقق عليه»، (١) وعند ذلك ينبغي للإمام أن يراعي اجتماع المصلين، وعدم ذلك؛ لما في حديث جابر ﵁: إذا رآهم اجتمعوا، عجَّلَ، وإذا رآهم أبطأوا، أَخَّرَ.
• وقد حُكِي عن الشافعي أنه ذهب إلى استحباب تعجيل العشاء؛ لحديث: «أول الوقت رضوان الله ... »، وهو حديث ضعيفٌ، سيأتي بيانه إن شاء الله.
والراجح هو قول الجمهور. (٢)
خامسًا: صلاة الفجر.
• ذهب جمهور العلماء إلى أنَّ التغليس بها أفضل، وهو قول أحمد، ومالك، والشافعي، وإسحاق، واستدلوا بأدلة منها: حديث أبي برزة الذي في الباب، وكذلك حديث جابر في الباب -واختصره المؤلف-، وفيه: «والصبح كان النبي
стр. 584
- ﷺ يصليها بغلس»، وحديث عائشة ﵂: «كان رسول الله ﷺ يصلي الصبح، فتنصرف النساء متلفعات بمروطهن، ما يَعْرِفهن أحد من الغلس»، متفق عليه. (١)
• وذهب الحنفية، والثوري، إلى أنَّ الأفضل الإسفار؛ لما روى رافع بن خديج ﵁، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «اسفروا بالصبح؛ فإنه أعظم لأجوركم». (٢)
وقد أجاب الجمهور عن هذا الحديث بجوابين:
الأول: أنَّ المراد به تأخيرها حتى يتبين طلوعُ الفجر، وينكشف يقينًا، من قولهم: (أسفرت المرأة)، إذا كشفت وجهها.
وهذا الجواب نقله الترمذي عن الشافعي، وأحمد، وإسحاق، عَقِبَ الحديث المذكور.
الثاني: أنَّ المراد الأمر بتطويل القراءة فيها حتى يخرج من الصلاة مُسْفِرًا، وارتضى هذا الجواب الإمام الألباني ﵀ في «الإرواء». (٣)
стр. 585
١٥٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إذَا اشْتَدَّ الحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ؛ فَإِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: الإبراد بصلاة الظهر عند اشتداد الحر .
• ذهب جمهور العلماء إلى استحباب الإبراد، واستدلوا بحديث أبي هريرة ﵁ المذكور في الباب، وقد جاء أيضًا عن أبي ذر ﵁ في «الصحيحين»، (٢) وعن أنس، وأبي سعيد، وابن عمر ﵃، وثلاثتها في «البخاري». (٣)
وقد ادَّعى الكرماني الإجماع على عدم الوجوب، وتعقَّبه الحافظ في حكاية الإجماع بأن عياضًا، وغيره قد نقلوا عن قومٍ الوجوبَ؛ لظاهر الأحاديث.
• وذهب بعضهم إلى أنَّ التعجيل أفضل مطلقًا، واستدلوا بحديث خبَّاب بن الأَرَت في «صحيح مسلم» (٦١٩)، قال: شكونا إلى رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- حرَّ الرَّمْضَاء، فلم يشكنا. وقالوا في حديث الباب: معنى «أبردوا»، أي: مأخوذٌ من برد النهار، وهو أوله، فالمراد به أن يُصَلَّى الظهر في أول وقته، وهو عند الزوال.
وأجاب الجمهور: بأنَّ هذا تأويلٌ مُتَكَلَّفٌ، وفيه تَعَسُّفٌ، وأما حديث خبَّاب؛ فقد أجابوا عنه بأجوبة، فمنهم من قال: إنه منسوخٌ، ومنهم من قال: إن حديث
стр. 586
خبَّاب للرخصة، وحديث الباب للاستحباب، ومنهم من عكس، وأحسن الأجوبة، وهو الذي اعتمده الحافظ ابن حجر، ثم الصنعاني رحمة الله عليهما، أنَّ الذي شكوه شدةَ الرمضاء في الأَكُف والجِبَاه، وهذه لا تذهب عن الأرض إلا آخر الوقت، أو بعد آخره.
وما ذهب إليه الجمهور هو الصواب.
• ثم اختلف الجمهور بينهم في الإبراد، فمنهم من خصَّهُ بالجماعة، فأما المنفرد؛ فالتعجيل في حَقِّهِ أفضل، وهذا قول أكثر المالكية، ومنهم من خصَّهُ بالبلد الحار، وهو قول الشافعي، ومنهم من خصَّه بما إذا كانوا ينتابون المسجد من بعد، فلو كانوا مجتمعين، أو يمشون في ظِلٍّ؛ فالأفضل التعجيل.
• وذهب أحمد، وإسحاق، والحنفية، وابن المنذر إلى استحباب الإبراد عند اشتداد الحر مطلقًا، وسواءٌ كانوا جماعة، أو أفرادًا، وسواءٌ كانوا في بلد حارة، أم لا، وسواءٌ كانوا مجتمعين، أو متفرقين.
وهذا القول هو الراجح؛ لعموم حديث الباب، وقد جاء في حديث أبي ذَرٍّ، أنهم كانوا في سفر، ومعلوم أنهم كانوا في سفرهم مجتمعين، ومع ذلك أمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بالإبراد. والله أعلم. (١)
مسألة [٢]: الإبراد بصلاة الجمعة في شِدَّة الحرِّ .
• ذهب جمهور العلماء إلى أنَّ الجمعة يُستحب تعجيلها في كل وقت بعد الزوال من غير إبراد، وحديث الباب مخصوصٌ بالجمعة؛ لحديث سلمة بن الأكوع في
стр. 587
«الصحيحين» قال: كُنَّا نصلي الجمعة مع رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ثم ننصرف وليس للحيطان ظِلٌّ يُسْتَظَلُّ به. وفي لفظ: كُنَّا نُجَمِّعُ مع رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ثم نرجع نتتبع الفيء. (١)
قال ابن قدامة ﵀: ولم يبلغنا أنه أخَّرَها، بل كان يُعَجِّلُها، حتى قال سهل ابن سعد: ما كُنَّا نَقِيل، ولا نتغدى إلا بعد الجمعة. أخرجه البخاري، ولأنَّ السنة التبكير بالسعي إليها ويجتمع الناس لها فلو أخَّرَها؛ لتأذَّى الناس بتأخير الجمعة. اهـ، والحديث الذي ذكره في «مسلم» (٢) أيضًا. (٣)
١٥٣ - وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَصْبِحُوا بِالصُّبْحِ؛ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِأُجُورِكُمْ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ. (٤)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
• استدل الحنفية بهذا الحديث على أنَّ الإسفار بالفجر أفضل، بمعنى الدخول فيه بإسفار.
• وخالفهم الجمهور، فقالوا: الأفضل الدخول في الفجر بغلس وهو الصواب وقد تقدم بيان أدلتهم، وبيان الرد على الحنفية فيما استدلوا فيه تحت حديث رقم (١٥١).
стр. 588
١٥٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الصُّبْحِ رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ، وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ العَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ العَصْرَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
١٥٥ - وَلِمُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ نَحْوُهُ، وَقَالَ: «سَجْدَةً» بَدَلَ «رَكْعَةً». ثُمَّ قَالَ: وَالسَّجْدَةُ إنَّمَا هِيَ الرَّكْعَةُ. (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين
مسألة [١]: من أدرك من الصبح أو من العصر ركعة قبل خروج الوقت .
دلَّ حديث الباب على أنَّ من أدرك ركعة من العصر قبل غروب الشمس أو من الصبح قبل طلوع الشمس فقد أدرك الصلاة وقد نُقِلَ الإجماع على ذلك في العصر.
وأما في الصبح؛ فقد خالف الأحناف، وقد تقدم الرد عليهم؛ فإنَّ حجتهم في ذلك بأنَّ الشمس إذا طلعت صار في وقت نهي عن الصلاة فيه، وهذا باطلٌ؛ لمصادمته للنص المذكور في الباب، وكما أنهم أجازوا ذلك في العصر مع أنه يصلي إحدى الركعتين أيضًا في وقت النهي، يلزمهم أن يُجَوِّزُوا ذلك في الصبح، هذا والنهي إنما هو عن النافلة المطلقة، فأما الفرائض؛ فَتُصلَّى في كل وقت بدليل أن قبل طلوع الشمس وقتُ نهيٍ أيضًا، ولا يمنع من فعل الفجر فيه، وحكم غير الفجر، والعصر في هذه المسألة كحكم الفجر، والعصر. (٣)
стр. 589
مسألة [٢]: هل يدرك الرجل الصلاة بإدراك ما دون الركعة قبل خروج الوقت ؟
• في هذه المسألة قولان:
الأول: أنه يُعدُّ مُدْرِكًا للصلاة بإدراك جزء منها، وهذا قول أبي حنيفة، وقول للشافعي، ورواية عن أحمد، واستدلوا بحديث عائشة الذي في الباب، وكذلك بحديث أبي هريرة الذي في الباب؛ فقد جاءت في رواية عند البخاري بلفظ: «من أدرك سجدة».
الثاني: أنه لا يُعَدُّ مدركًا للصلاة إلا بإدراك ركعة كاملة بركوعها، وسجودها، وهذا قول الجمهور، وهو رواية عن أحمد، وقول للشافعي، واستدلوا بحديث أبي هريرة الذي في الباب، وقد عزاه إلى الجمهور الحافظ في «الفتح» شرح حديث (٥٧٩)، وهو مذهب مالك، واختاره ابن عبد البر، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وهو ترجيح الشيخ محمد بن إبراهيم، والشيخ السعدي.
وأما استدلالهم بحديث: «من أدرك سجدة ... ».
فقد أجاب عنه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، كما في «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٣٦٣)، فقال: وليس في هذا حُجَّة؛ لأنَّ المراد بالسجدة الركعة، كما قال ابن عمر: حفظت من رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- سجدتين قبل الظهر، وسجدتين بعدها. (١) ونظائرها متعددة. اهـ
قلتُ: ومع ذلك فدليلهم أخصُّ من دعواهم؛ فإن الدليل يدل على إدراك
стр. 590
الصلاة بإدراك سجدةٍ، وهم قالوا: يدرك الصلاة بإدراك جزءٍ منها، والله المستعان، والراجح قول الجمهور. (١)
مسألة [٣]: إذا ترك الصلاة عمدًا بغير عذر حتى خرج وقتُها فهل له أن يقضيها ؟
• ذهب جمهور العلماء إلى أنَّ من أخَّرَ الصلاة بغير عذر حتى خرج وقتُها، يأثم إثمًا كبيرًا، وعليه أن يقضيها بعد خروج وقتها؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «فَدَيْنُ الله أحقُّ أن يُقْضى»، (٢) وقالوا: إذا كان النائم، والناسي يجب عليهما أن يصليا، مع أنهما معذوران؛ فالمتعمد أولى أن يجب عليه القضاء؛ لأنه غير معذورٍ.
• وذهب ابن حزم في «المحلَّى»، ونقله عن جمعٍ من الصحابة، والتابعين إلى أنه لا يستطيع القضاء، وهو مذهب الحُميدي، وبعض الشافعية، وبعض الحنابلة، منهم: الجوزجاني، وأبو محمد البربهاري، وابن بطة، ورُوي عن الحسن، واختاره شيخ الإسلام كما في «الإنصاف»؛ لأنَّ الله قد جعل للصلاة وقتًا محدودًا، وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق:١]، ولا فرق بين من صلَّاها قبل وقتها، وبين من صلَّاها بعد وقتها؛ لأنَّ كليهما صلَّى قبل الوقت، وأيضًا فإنَّ القضاء إيجاب شرع، والشرع لا يجوز لغير الله تعالى على لسان رسوله، ولو جاز أداؤها في غير وقتها؛ لما كان لتحديده ﵇ آخر وقتها معنى، وكذلك لو
стр. 591
صحَّ في غير ذلك الوقت؛ لما كان ذلك الوقت وقتًا له.
واستدل ابن حزم لهذا القول بحديث: «من فاتته صلاة العصر، فكأنما وتر أهله وماله»، (١) فدلَّ على أنَّ ما فات؛ فلا سبيل إلى إدراكه، ولو أدرك، أو أمكن أن يدرك؛ لما فات، كما لا تفوت المنسية أبدًا.
وقد رجَّح هذا القول الإمام ابن القيم، ونقله عنه الإمام الألباني في «الصحيحة» (١/ ١٠٠ - وما بعدها)، واستدل له بحديث أبي هريرة الذي في الباب: «من أدرك ركعة من العصر ... »، وفي رواية: «فليُتِمَّ صلاته».
قال الإمام الألباني ﵀ في «الصحيحة» (١/ ١٠٠): ومعنى قوله ﷺ : «فليتم صلاته»، أي: لأنه أدركها في وقتها، وصلَّاها صحيحةً، وبذلك برئت ذمته، وإنه إذا لم يدرك الركعة، فلا يتمها؛ لأنها ليست صحيحة؛ فليست مبرئة للذمة، ولا يخفى أن مثله، وأولى منه من لم يُدْرِك من صلاته شيئًا قبل خروج الوقت، أنه لا صلاة له، ولا هي مبرئة لذمته، أي: أنه إذا كان الذي لم يدرك الركعة لا يؤمر بإتمام الصلاة، فالذي لم يدركها إطلاقًا أولى أن لا يؤمر بها.
ثم ردَّ الإمام الألباني ﵀ على قياسهم بالنائم، والناسي، فقال: إنه قياسٌ خاطئٌ، بل لعله مِنْ أفسدِ قياسٍ على وجه الأرض؛ لأنه من باب قياس النقيض على نقيضه، وهو فاسدٌ بَدَاهةً؛ إذ كيف يصح قياس غير المعذور على المعذور، والمتعمد على الساهي، ومن لم يجعل الله له كفارة على من جعل الله له كفارة؟!
стр. 592
ثم نقل الإمام الألباني كلامًا نفيسًا لابن القيم راجعه من المصدر المذكور، وهذا القول هو الراجح، وهو الذي رجَّحه شيخنا الوالد مقبل الوادعي ﵀.
وأما استدلال بعضهم بالحديث: «فدين الله أحق أن يقضى»؛ فهو استدلالٌ في غير مكانه؛ لأنه مُطالبٌ بتلك العبادة في الوقت الذي وقَّتَهُ الله لها، فإذا خرج ذلك الوقت، لم يَعُد مُطَالبًا بها، بل يكون قد فرَّطَ، وأَثِمَ إثمًا عظيمًا، والله المستعان، وبالله التوفيق. (١)
стр. 593
فَصْلٌ فِي ذِكْرِ بَعْضِ المَسَائِلِ المُلْحَقَةِ
مسألة [١]: إذا أدرك المكَلَّفُ جزءًا من أول الوقت، ثم طرأ عليه مانعٌ من جنونٍ، أو إغماء، أو حيضٍ، أو نفاس .
• في هذه المسألة ثلاثة أقوال:
الأول: إذا أدرك جزءًا من أول وقتها؛ فعليه القضاء، وهذا مذهب أحمد.
الثاني: لا يستقر القضاء إلا بِمُضِي زمن يمكن فعلها فيه، ولا يجب القضاء بدون ذلك، وهو قول الشافعي، وإسحاق.
الثالث: أنه ليس عليه القضاء، وهو قول ابن سيرين، والأوزاعي، والظاهرية، وابن حزم، وأبي حنيفة، وغيرهم، وهذا القول هو الراجح، وانظر ما تقدم في [باب الحيض] من كتابنا هذا.
مسألة [٢]: إذا أسلم الكافر، أو أفاق المجنون، أو بلغ الصبي قبل طلوع الفجر، أو قبل غروب الشمس .
• في المسألة قولان تقدم ذكرهما في [كتاب الحيض] في مسألة ما إذا طهرت الحائض قبل غروب الشمس، أو قبل طلوع الفجر، والراجح أنه ليس عليهم إلا صلاة العصر، أو صلاة العشاء.
стр. 594
مسألة [٣]: من أخَّر الصلاة عن أول وقتها ثم مات .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٢/ ٤٥): وَإِنْ أخَّرَ الصَّلَاةَ عَنْ أَوَّلِ وَقْتِهَا بِنِيَّةِ فِعْلِهَا، فَمَاتَ قَبْلَ فِعْلِهَا؛ لَمْ يَكُنْ عَاصِيًا؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا يَجُوزُ لَهُ فِعْلُه، وَالْمَوْتُ لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِ؛ فَلَا يَأْثَم بِه. اهـ
مسألة [٤]: تعجيل ما يُستحب تأخيرها والعكس .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٢/ ٤٥): وَلَا يَأْثَمُ بِتَعْجِيلِ الصَّلَاةِ الَّتِي يُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُهَا، وَلَا بِتَأْخِيرِ مَا يُسْتَحَبُّ تَعْجِيلُهُ، إذَا أَخَّرَهُ عَازِمًا عَلَى فِعْلِهِ، مَا لَمْ يَخْرُجْ الْوَقْتُ، أَوْ يَضِقْ عَنْ فِعْلِ الْعِبَادَةِ جَمِيعِهَا.
ثُمَّ قَالَ ﵀: فَإِنْ أَخَّرَ غَيْرَ عَازِمٍ عَلَى الْفِعْلِ، أَثِمَ بِذَلِكَ التَّأْخِيرِ الْمُقْتَرِنِ بِالْعَزْمِ، وَإِنْ أَخَّرَهَا بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ مِنْ الْوَقْتِ مَا يَتَّسِعُ لِجَمِيعِ الصَّلَاةِ، أَثِمَ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الرَّكْعَةَ الْأَخِيرَةَ مِنْ جُمْلَةِ الصَّلَاةِ، فَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهَا عَنْ الْوَقْتِ، كَالْأُولَى. انتهى
مسألة [٥]: الذي يصلي الصلاة قبل وقتها .
قال الإمام ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٢/ ٤٦): وَمَنْ صَلَّى قَبْلَ الْوَقْتِ، لَمْ تُجْزِئْهُ صَلَاتُهُ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، سَوَاءٌ فَعَلَهُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً، كُلَّ الصَّلَاةِ، أَوْ بَعْضَهَا، وَبِهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي مُوسَى أَنَّهُمَا أَعَادَا الْفَجْرَ؛ لِأَنَّهُمَا صَلَّيَاهَا قَبْلَ الْوَقْتِ، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي مُسَافِرٍ صَلَّى الظُّهْرَ قَبْلَ الزَّوَالِ، يُجْزِئُهُ، وَنَحْوَهُ قَالَ الْحَسَنُ،
стр. 595
وَالشَّعْبِيُّ. انتهى المراد.
قال أبو عبد الله غفر الله له: والراجح قول الجمهور؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء:١٠٣].
وأما أثرا ابن عمر، وأبي موسى ﵃، فأخرجهما ابن المنذر (٢/ ٣٨٣)، وهما ثابتان، وأما أثر ابن عباس، فأخرجه ابن المنذر (٢/ ٣٨٤)، وفي إسناده: شريك القاضي، وهو ضعيفٌ سيء الحفظ، وسماك يرويه عن عكرمة، وروايته عنه مضطربة.
وهي كما يلي:
الوقت الأول، والثاني: عند طلوع الشمس، حتى ترتفع، وعند غروب الشمس، حتى تغيب، وأحاديث الباب تدل على ذلك، وقد جاء في حديث عمرو ابن عبسة في «صحيح مسلم» (٨٣٢): «فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار»، وكذلك قال في الغروب.
ويستمر هذا النهي حتى ترتفع الشمس قيد رمح، أي: في رأي العين، جاء مُقيدًا بهذا القيد في حديث عمرو بن عبسة عند أبي داود (١٢٧٧) بإسناد صحيح، وعلى هذا فالروايات التي فيها: «حتى تطلع»، أو: «حتى تشرق»، أو: «حتى تبرز»، مُقيدٌ بالارتفاع، كما في بعض الأحاديث.
قال النووي ﵀ بعد أن ذكر الروايات في هذا الباب: قال عياض: وهذا كله يُبَيِّنُ أنَّ المراد بالطلوع في الروايات الأخرى ارتفاعها، وإشراقها، وإضاءتها، لا مجرد ظهور قرصها، وهذا الذي قاله القاضي صحيح، مُتَعَيِّنٌ، لا عدول عنه للجمع بين الروايات. اهـ
• وهذا هو الذي قرره الشافعية، والحنابلة، وغيرهم. (١)
الوقت الثالث: حين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل، ويدل على هذا الوقت حديث عقبة بن عامر ﵁ الذي في الباب، وكذلك حديث عمرو بن عبسة في «صحيح مسلم» (٨٣٢)، وغيره، قال: «ثم صَلِّ؛ فإنَّ الصلاة مشهودة، محضورة،
стр. 598
حتى يستقل الظل بالرمح؛ فإنها حينئذ تُسْجَرُ جهنم، فإذا أقبل الفيء، فَصَلِّ».
• وقد ذهب جمهور أهل العلم إلى أنَّ هذا الوقت من الأوقات المنهي عن الصلاة فيها.
• وخالف الإمام مالك، فقال: ما أدركت أهل الفضل إلا وهم يجتهدون، ويصلون نصف النهار.
والراجح قول الجمهور.
الوقت الرابع، والخامس: من بعد صلاة الفجر إلى طلوع الشمس، ومن بعد صلاة العصر، حتى تغرب الشمس.
وهذا قول جمهور العلماء، وقد خالف ابن المنذر، وابن حزم فلم يجعلا بعد العصر من الأوقات المنهي عنها، ونقله ابن المنذر عن بعض الصحابة، والتابعين، واستدلوا بحديث علي بن أبي طالب عند أبي داود (١٢٧٤): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «لا تصلوا بعد العصر؛ إلا أن تصلوا والشمس مرتفعة»، وفي «صحيح مسلم» (٨٣٣)، عن عائشة أنها قالت: وَهِمَ عمرُ، إنما نهى رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أن يتحرى طلوع الشمس، وغروبها.
واستدلوا بحديث بلال، أخرجه أحمد (٦/ ١٢)، وهو في «الصحيح المسند»، قال: لم يكن يُنهى عن الصلاة إلا عند طلوع الشمس؛ فإنها تطلع بين قرني شيطان.
واستدلوا بحديث أنس بن مالك ﵁، عند ابن المنذر في «الأوسط»
стр. 599
(٢/ ٣٨٩)، والبزَّار (٦١٣)، بإسناد حسنٍ، مرفوعًا: «لا صلاة عند طلوع الشمس، ولا عند غروبها، وصلوا بين ذلك ما شئتم»، واللفظ لابن المنذر، واستدلوا بحديث أم سلمة، وعائشة ﵄، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يصلي ركعتين بعد العصر. متفق عليه. (١)
والراجح هو قول الجمهور؛ لحديث أبي سعيد الذي في الباب، وقد جاء عن أبي هريرة، وعمر، وجمعٍ من الصحابة في «الصحيحين»، وغيرهما.
وأما أدلتهم: فحديث علي بن أبي طالب ﵁، له طريقان: الطريق الأولى في إسنادها: وهب بن الأجدع، وهو مجهول حال، والطريق الأخرى أخرجها أحمد (١/ ١٣٠)، عن إسحاق بن يوسف، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي مرفوعًا به.
وهذا إسناد ظاهره الاحتجاج، ولكن إسحاق بن يوسف قد خالفه الحفاظ من أصحاب سفيان، فقد رواه وكيع، وعبد الرحمن بن مهدي، ومحمد بن كثير العبدي، وأبو خالد الأحمر، كما في «المسند الجامع» (١٣/ ٢١٥)، وأبو عامر العقدي كما في «إتحاف المهرة» (١١/ ٤٤٠)، وكذلك أبو نُعيم كما في «الإتحاف»، أيضًا كلهم رووه عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن عاصم، عن علي بلفظ: كان رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يصلي على إثر كل صلاة مكتوبة؛ إلا الفجر، والعصر. فرواية إسحاق بن يوسف تُعتبر شاذة غير محفوظة، والله أعلم.
стр. 600
وأما أحاديثهم الأخرى التي استدلوا بها؛ فليس فيها معارضة لأحاديث الجمهور، وإنما فيها التنصيص على بعض الأوقات التي شملتها أحاديث الجمهور، ولا يلزم من ذلك التخصيص، بل هو من باب التنصيص على بعض أفراد العام، فيزيدها تأكيدًا، وتنبيهًا.
وأما صلاة النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- للركعتين بعد العصر؛ فهو حُجَّةٌ عليهم لا لهم، ففي «الصحيحين» (١) عن أم سلمة، أنها رأت النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يصليهما، فأرسلت إليه الجارية تقول له: تقول لك أم سلمة: سمعتك تنهى عن الركعتين بعد العصر، ثم رأيتك تصليهما ... ، الحديث، وفيه أنه أخبرها أنه شُغِلَ عن الركعتين بعد الظهر، فقضاهما، والشاهد منه قولها: سمعتك تنهى عن هاتين الركعتين. فأقرها رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- على النَّهي، وأخبرها أنها كانت قضاءً، وكان النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إذا صلَّى صلاةً، أثبتها، فهاتان الركعتان من خصوصيات النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. (٢)
مسألة [٢]: هل النهي بعد الفجر، والعصر مُتَعَلِّقٌ بفعل الصلاة، أم بالوقت ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٢/ ٥٢٥): وَالنَّهْيُ عَنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ الصَّلَاةِ، فَمَنْ لَمْ يُصَلِّ أُبِيحَ لَهُ التَّنَفُّلُ، وَإِنْ صَلَّى غَيْرُهُ، وَمَنْ صَلَّى الْعَصْرَ؛ فَلَيْسَ لَهُ التَّنَفُّلُ، وَإِنْ لَمْ يُصَلِّ أَحَدٌ سِوَاهُ، لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا عِنْدَ مَنْ