• ومذهب الشافعي أنها من السلب، وهذا هو الصحيح؛ لحديث سلمة بن الأكوع في «الصحيحين»: «له سلبه أجمع» وكان معه جمل.
• واختار الخِرقي، والخلال أنها ليست من السلب؛ لأنها اشبهت ما لو كانت عند غلامه. (١)
مسألة [٩]: سَلْبُ الكافرِ، وَتَرْكُهُ عاريًا ؟
• أجاز ذلك أحمد، والأوزاعي؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «له سلبه أجمع».
• وكره ذلك الثوري، وابن المنذر؛ لما فيه من كشف عوراتهم، وهذا القول أظهر، أعني أن يجعل عليهم ما يغطي عوراتهم. (٢)
مسألة [١٠]: من ادَّعى قتل كافرٍ ويريد سلبه، فعليه البينة .
قال الحافظ ﵀ في «الفتح» (٣١٤٢): قوله في هذا الحديث -حديث أبي قتادة- «له عليه بينة» مَفْهُومُهُ أَنَّهُ إِذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ لَا يُقْبَلُ، وَسِيَاقُ أَبِي قَتَادَةَ يَشْهَدُ لِذَلِكَ، وَعَنْ الْأَوْزَاعِيِّ يُقْبَلُ قَوْلُهُ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْطَاهُ لِأَبِي قَتَادَةَ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ. وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ فِي «مَغَازِي الْوَاقِدِيِّ» أَنَّ أَوْسَ بْنَ خَوْلِيٍّ شَهِدَ لِأَبِي قَتَادَةَ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ لَا يَصِحَّ؛ فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلِمَ أَنَّهُ الْقَاتِلُ بِطَرِيقٍ مِنْ الطُّرُقِ.
قال: وَنَقَلَ اِبْنُ عَطِيَّةَ عَنْ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الْبَيِّنَةَ هُنَا شَاهِدٌ وَاحِدٌ يُكْتَفَى بِهِ. اهـ
فِيهِ بَيْنَ النَّاسِ خِلَافًا. اهـ
واستدلوا على عدم الجواز بحديث: «لا يعذب بالنار إلا ربُّ النار».
قال ابن قدامة ﵀: فَأَمَّا رَمْيُهُمْ قَبْلَ أَخْذِهِمْ بِالنَّارِ؛ فَإِنْ أَمْكَنَ أَخْذُهُمْ بِدُونِهَا؛ لَمْ يَجُزْ رَمْيُهُمْ بِهَا؛ لِأَنَّهُمْ فِي مَعْنَى الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ، وَأَمَّا عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْهُمْ بِغَيْرِهَا، فَجَائِزٌ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ. وَرَوَى سَعِيدٌ بِإِسْنَادِهِ عَنْ صَفْوَانِ بْنِ عَمْرٍو، وَحَرِيزِ بْنِ عُثْمَانَ أَنَّ جُنَادَةَ بْنَ أُمَيَّةَ الْأَزْدِيَّ، وَعَبْدَ الله بْنَ قَيْسٍ الْفَزَارِيّ، وَغَيْرَهُمَا مِنْ وُلَاةِ الْبَحْرَيْنِ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ، كَانُوا يَرْمُونَ الْعَدُوَّ مِنْ الرُّومِ وَغَيْرِهِمْ بِالنَّارِ، وَيُحَرِّقُونَهُمْ، هَؤُلَاءِ لِهَؤُلَاءِ، وَهَؤُلَاءِ لِهَؤُلَاءِ. قَالَ عَبْدَ الله بْنَ قَيْسٍ: لَمْ يَزُلْ أَمْرُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى ذَلِكَ. اهـ
مسألة [٢]: تغريق الكفار .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٣/ ١٣٩): وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي فَتْحِ الْبُثُوقِ عَلَيْهِمْ؛ لِيُغْرِقَهُمْ، إنْ قُدِرَ عَلَيْهِمْ بِغَيْرِهِ؛ لَمْ يَجُزْ، إذَا تَضَمَّنَ ذَلِكَ إتْلَافَ النِّسَاءِ وَالذُّرِّيَّةِ، الَّذِينَ يَحْرُمُ إتْلَافُهُمْ قَصْدًا، وَإِنْ لَمْ يُقْدَرْ عَلَيْهِمْ إلَّا بِهِ؛ جَازَ، كَمَا يَجُوزُ الْبَيَاتُ الْمُتَضَمِّنُ لِذَلِكَ. اهـ
مسألة [٣]: إذا تترس الكفار بأناس مسلمين، فهل يجوز قتالهم ؟
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٥٤٦): وقد اتفق العلماء على أنَّ جيش الكفار إذا تترسوا بمن عندهم من أسرى
стр. 5359
المسلمين، وخيف على المسلمين الضرر إذا لم يقاتلوا؛ فإنهم يُقَاتَلُون، وإن أفضى ذلك إلى قتل المسلمين الذين تترسوا بهم، وإن لم يخف على المسلمين ففي جواز القتال المفضي إلى قتل هؤلاء المسلمين قولان مشهوران. اهـ
• ذهب أحمد في رواية، والأوزاعي، والليث إلى عدم جواز قتالهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح:٢٥].
• وذهب الشافعي، وأحمد في رواية إلى الجواز، وهو اختيار القاضي أبي يعلى حتى لا يؤدي ذلك إلى ترك جهاد الكفار، وذلك إذا كانت الحرب قائمة. (١)
стр. 5360
١٢٨٢ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ وَعَلَى رَأْسِهِ المِغْفَرُ، فَلَمَّا نَزَعَهُ جَاءَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: ابْنُ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الكَعْبَةِ، فَقَالَ: «اقْتُلُوهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: القصاص في الحرم، وإقامة الحدود، ومن جنى خارج الحرم، ثم لجأ إليه ؟
انظر هذه المسألة في [كتاب الحج] عند حديث (٧٢٢): «وإنما أُحِلَّت لي ساعةً من نهار».
مسألة [٢]: هل فُتِحت مكةُ صُلحًا، أم عنوة ؟
• ذهب جمهور العلماء إلى أنَّ مكة فُتحت عنوة.
واستدلوا على ذلك بحديث أنس ﵁ الذي في الباب، فقد دخل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لابسًا أداة الحرب، وكذلك قسَّم الجيش على ميمنة، وميسرة، وقلب، كشأن الغزوات.
واستدلوا بحديث: «وإنما أُحِلَّت لي ساعةً من نهار».
واستدلوا بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- للأنصار: «أترون إلى أوباش قريش، احصدوهم حصدًا حتى توافوني على الصفا»، وقال: «من دخل دار أبي سفيان؛ فهو آمن، ومن أغلق بابه؛ فهو آمن، ومن ألقى السلاح؛ فهو آمن»، أخرجه مسلم برقم (١٧٨٠) عن
стр. 5361
أبي هريرة ﵁.
وأيضًا فإن خالد بن الوليد قاتل عند دخوله، وقتل جماعةً منهم. (١)
• وذهب الشافعي، وأحمد في رواية إلى أنها فتحت صلحًا؛ لأنَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يقسمها بين الغانمين كما قسم خيبر، ولو فُتِحت عنوة؛ لملكها الغانمون برباعها، ودورها، وكانوا أحق بها من أهلها، وجاز إخراجهم منها.
وأجاب ابن القيم ﵀ عن ذلك بأنَّ الأرض لا تجري مجرى الغنائم، بل الإمام مخير بين قسمتها بين الغانمين، أو وقفها على جميع المسلمين، أو قسمة البعض ووقف البعض على حسب المصلحة.
قال: ورسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قد فعل الأقسام الثلاثة؛ فإنه قَسَمَ أرض قريظة، والنضير، وترك قسمة مكة، وقسم بعض خيبر، وترك بعضها؛ لما ينوبه من مصالح المسلمين. اهـ
قلتُ: ويحتمل أن يكون رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مَنَّ على أهلها وترك لهم دورهم، وأموالهم، هذا وينبغي أن لا يغفل عن كون أكثر أهل مكة أسلموا في ذلك الوقت؛ فعصمت أموالهم، وبالله التوفيق. (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث
مسألة [١]: أسير الكفار ما يُصنَع به ؟
• جمهور العلماء على أنَّ الإمام يتخيَّر فيه بالأصلح للمسلمين، بين أربعة أمور: قتله، أو استرقاقه، أو فدائه، أو المنِّ عليه؛ لأنَّ هذه الأمور كلها فعلها رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فقد قتل بني قُريظة، وقتل عقبة بن أبي معيط، والنضر بن الحارث في بدر، وآخرين، واسترقَّ جماعةً في كثير من غزواته، وفدى الأسارى يوم بدر، ومَنَّ على أبي العاص بن الربيع، وثمامة بن أثال، وقد قال تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد:٤].
• وذهب أبو حنيفة إلى وجوب القتل، أو الاسترقاق؛ لقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة:٥]، وزاد مالك: أو يفادي.
• وعن مالك في المَنِّ روايتان: إحداهما: بعدم الجواز؛ لأنه ليس فيه مصلحة للمسلمين. والثانية: الجواز، كقول الجمهور.
والصحيح قول الجمهور، والله أعلم. (١)
مسألة [٢]: النساء والصبيان .
ذكر الفقهاء أنَّ من سُبِيَ من النساء والصبيان صار رقيقًا بالسبي، ونصَّ الإمام أحمد أنه يجوز فداء النساء بأسارى المسلمين، ولا يجوز فداؤهن بالمال.
стр. 5364
قلتُ: ويدل على جواز فداء النساء بأسارى المسلمين حديث سلمة بن الأكوع ﵁، في «صحيح مسلم» (١٧٥٥)، أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بعث بامرأةٍ من أهل الشرك كانت أسرت، بعث بها إلى أهل مكة، ففدى بها ناسًا من المسلمين كانوا أُسِروا بمكة. (١)
مسألة [٣]: إذا أسلم الأسير ؟
أما إسلام الكافر قبل أسره؛ فإنه ينفعه بخلاصه من الرق، ولا سبيل عليه، ولا يجوز أسره.
• وأما إذا أسلم بعد أسره؛ فإنه يصير رقيقًا، ويزول التخيير بين الأربعة الأمور في مذهب أحمد، وقول للشافعي.
• وعن الشافعي قولٌ أنه يزول القتل، ويتخير الثلاث الباقية؛ لحديث عمران ابن حصين أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فادى رجلين مسلمين برجل مشرك، وكان هذا المشرك قد قال: إني مسلم. أخرجه مسلم (١٦٤١).
• وعن بعض الحنابلة جواز المن مع الاسترقاق؛ لأنه إذا جاز المن على الأسير المشرك؛ فعلى الأسير المسلم من باب أولى.
وهذا القول جيد، وحديث عمران محمول إما على أنَّ الرجل لم يصدق في إسلامه، أو يحمل على أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- رأى منه قوة وصدقًا؛ بحيث إنه لا يتضرر
стр. 5365
بالرجوع إلى قومه، ويمكنه الرجوع إلى المسلمين، والله أعلم. (١)
مسألة [٤]: إن سأل الأسارى من أهل الكتاب تخليتهم مقابل دفع الجزية ؟
• قال جماعةٌ من الفقهاء: لا يجوز ذلك في نسائهم، وذراريهم؛ لأنهم صاروا غنيمة بالسبي، وأما الرجال؛ فيجوز ذلك فيهم في مذهب أحمد، ولا يزول التخيير الثابت فيهم، ومذهب أحمد هو الصحيح.
• وقال أصحاب الشافعي: يحرم قتلهم كما لو أسلموا.
وأُجيب بأنه بدل لا تلزم الإجابة إليه؛ فلم يحرم قتلهم كعبدة الأوثان. (٢)
تنبيه: الرقيق والمال الْمُفْدَى به سبيله سبيل الغنمية، يُخمَّس، ثم يقسم بلا خلاف. (٣)
مسألة [٥]: بيع الرقيق الكافر من الكفار .
• منع من ذلك الحسن، وأحمد؛ لأنَّ بقاءه بين المسلمين يعرضه ظاهرًا للإسلام.
• وأجاز ذلك الشافعي، وأبو حنيفة؛ لأنه كافر، والأصل في البيع الجواز؛ مالم يأت دليل بالتحريم، وهذا القول أظهر، والله أعلم. (٤)
стр. 5366
مسألة [٦]: من أسر أسيرًا، فهل له قتله بنفسه ؟
ذكر أهل العلم أنه ليس له قتله بنفسه؛ إلا أن يخشى منه، أو يمتنع من الانقياد له، أو ما أشبه ذلك، وإلا فيرفعه إلى الإمام والقائد، ويتخير فيه بما يراه مصلحة للإسلام والمسلمين. (١)
١٢٩٢ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُنَفِّلُ بَعْضَ مَنْ يَبْعَثُ مِنَ السَّرَايَا لِأَنْفُسِهِمْ خَاصَّةً، سِوَى قِسْمَةِ عَامَّةِ الجَيْشِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث
الغنيمة: مأخوذة من الغُنْم، وهو الربح والفضل.
وهي في اللغة: ما يناله الرجل، أو الجماعة بسعي، ومنه قول الشاعر:
وقد طَوَّفْتُ في الآفاق حتى ... رضيت من الغنيمة بالإياب
والمقصود به ههنا: هو مال الكفار الذي يظفر به المسلمون على وجه الغلبة والقهر.
مسألة [١]: المستحق للغنيمة .
يستحق الغنيمة كل من شهد الوقعة، ثبت ذلك عن عمر بن الخطاب ﵁ كما في «سنن البيهقي» (٩/ ٥٠)، ولا يُعلم في ذلك خلاف. (٢)
مسألة [٢]: ما يستحقه الراجل والفارس .
أما الرَّاجل فيستحق سهمًا بلا خلاف.
• وأما الفارس فيستحق ثلاثة أسهم عند الجمهور؛ لحديث ابن عمر ﵄ الذي في الباب، لاسيما برواية أبي داود، وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد
стр. 5369
وغيرهم، وهو الصحيح.
• وقال أبو حنيفة: يستحق سهمين فقط. واستدل على ذلك بأدلة غير صريحة في ذلك، وبعضها ضعيفة. (١)
تنبيه: ذهب أبو حنيفة إلى أنَّ الاعتبار بدخول الحرب؛ فإن دخل فارسًا؛ فله سهم فارس، وإن نفق فرسُه قبل القتال، وإن دخل راجلًا؛ فله سهم الراجل، وإن استفاد فرسًا فقاتل عليه. وخالفه الجمهور فقالوا: كل من شهد الوقعة على حالة يعطى عليها. واستدلوا بأثر عمر المتقدم: الغنيمة لمن شهد الوقعة. (٢)
تنبيه آخر: لا فرق عند الجمهور بين الفرس العربي، والبرذون، والهجين، وهو الصحيح؛ لعدم وجود دليل صحيح يفرق بينهما. (٣)
مسألة [٣]: هل يُسْهَم للرجل بأكثر من فرس ؟
• الجمهور على أنه لا يسهم له إلا بفرس؛ لأنَّ هذا هو الوارد عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ولم يرد الإسهام للرجل بأكثر من فرس؛ ولأنَّ القتال إنما يكون على فرس واحد.
• وأجاز أحمد الإسهام بفرسين، ولم يجز بأكثر من ذلك؛ لأنه محتاج إلى آخر، ومستغني عن غيره.
وقول الجمهور أقرب، و الله أعلم. (٤)
стр. 5370
مسألة [٤]: هل يسهم لمن قاتل على البعير سهمًا لبعيره ؟
• ذكر بعض الحنابلة أنه يسهم له سهمين سهمًا له، وسهمًا لبعيره.
• وعامة أهل العلم على أنه يسهم له سهم راجل.
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٣/ ٩٠): قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ أَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ مَنْ غَزَا عَلَى بَعِيرٍ، فَلَهُ سَهْمُ رَاجِلٍ. كَذَلِكَ قَالَ الْحَسَنُ، وَمَكْحُولٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ أَنَّهُ أَسْهَمَ لِغَيْرِ الْخَيْلِ مِنْ الْبَهَائِمِ. اهـ
قال ابن قدامة ﵀ في (١٣/ ٩٠): وَمَا عَدَا الْخَيْلَ وَالْإِبِلَ، مِنْ الْبِغَالِ، وَالْحَمِيرِ، وَالْفِيَلَةِ وَغَيْرِهَا، لَا يُسْهَمُ لَهَا بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَإِنْ عَظُمَ غَنَاؤُهَا، وَقَامَتْ مَقَامَ الْخَيْلِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُسْهِمْ لَهَا، وَلَا أَحَدٌ مِنْ خُلَفَائِهِ، وَلِأَنَّهَا مِمَّا لَا يَجُوزُ الْمُسَابَقَةُ عَلَيْهِ بِعِوَضٍ؛ فَلَمْ يُسْهَمْ لَهَا، كَالْبَقَرِ. اهـ (١)
مسألة [٥]: من مات قبل حيازة الغنائم، فهل يستحق ورثته نصيبه ؟
• من أهل العلم من يقول: إن مات الغازي قبل حيازة الغنيمة؛ فلا يسهم له، وإن مات بعد حيازة الغنيمة؛ فسهمه لورثته، وهذا مذهب أحمد وأصحابه؛ وذلك لأنَّ ملك المسلمين لها يحصل بحيازتها.
• وقال جماعة من أهل العلم: من حضر القتال؛ أسهم له، سواءٌ مات قبل حيازة الغنيمة أو بعدها، وهذا قول الشافعي، وأبي ثور، ومالك، والليث، وهذا
стр. 5371
القول أقرب والله أعلم، كما أنه يغنم من حضر، ولو لم يشارك كأن يكون حارسًا.
• وقال أبو حنيفة: إن كان في دار الإسلام؛ فيستحق من الغنيمة إن مات بعد الإحراز، وإن كان في دار الكفر؛ فيستحق إن مات بعد القسمة. (١)
مسألة [٦]: إذا كان مع المسلمين نسوة، فهل يعطين من الأسهم ؟
• عامة أهل العلم على أنَّ المرأة لا يسهم لها سهم كامل، بل تُعطى شيئًا من الغنيمة بدون تقدير، ويرجع ذلك إلى اجتهاد الإمام.
واستدلوا على ذلك بما رواه مسلم في «صحيحه» (١٨١٢) عن ابن عباس ﵄ قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يغزو بالنساء، فيداوين الجرحى ويحذين من الغنيمة، وأما سهم؛ فلم يضرب لهن.
• ونقل عن بعضهم أنه أفتى بأنَّ النساء يسهم لهن، ولا دليل لهم فيما نعلم، أعني دليلًا صحيحًا، صريحًا في ذلك، والله أعلم. (٢)
مسألة [٧]: هل يسهم للعبد ؟
• الجمهور على أنه لا يسهم للعبد أيضًا، وإنما يرضخ له كذلك، وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.
واستدلوا على ذلك بحديث عمير مولى آبي اللحم، قال: شهدت خيبر مع
стр. 5372
ساداتي، فكلموا فيَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فأُخبِر أني مملوك، فأمر لي بشيء من خرثي المتاع. أخرجه أبو داود (٢٧٣٠) بإسناد صحيح.
وفي حديث ابن عباس ﵄ في «مسلم» (١٨١٢): لم يكن لهم سهم معلوم العبد، والمرأة إلا أن يُحْذَيَا من غنائم القوم.
• وذهب بعضهم إلى أنه يسهم له، وليس لهم على ذلك دليل صحيح. (١)
مسألة [٨]: هل يسهم للصبي، أم يرضخ له ؟
• أكثر أهل العلم على أنه يرضخ له، ولا يسهم له، وهو قول الثوري، والليث، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، وأبي ثور؛ لأنه ليس من أهل القتال؛ فلم يسهم له كالعبد، ولم يثبت أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قسم لصبي، بل كان لا يجيزهم في القتال.
• وقال مالك: يسهم له إذا قاتل وأطاق ذلك، ومثله قد بلغ القتال، كالرجل.
• وقال القاسم، وسالم في الصبي يُغزَى به: ليس له شيء.
قال أبو عبد الله غفر الله لهُ: إن شارك في المعركة كما يشارك الرجال؛ أُسِهم له كما قال مالك وإلا فيُرضخ له كما قال الجمهور، والله أعلم. (٢)
مسألة [٩]: هل يسهم للكافر إذا غزا مع المسلمين بإذن إمامهم ؟
• من أهل العلم من قال: يسهم له. وهو قول الزهري، والثوري، والأوزاعي،
стр. 5373
وأحمد، وإسحاق.
واستدلوا على ذلك بحديث من مراسيل الزهري، أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- استعان بناس من اليهود في حربه، فأسهم لهم. أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٣٩٥)، ومن طريقه البيهقي (٩/ ٥٣)؛ ولأنَّ الكفر نقص في الدين، فلم يمنع استحقاق السهم كالفسق.
• وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنه يرضخ له، ولا يسهم له، وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد في رواية، وأبي حنيفة؛ لأنه من غير أهل الجهاد، فلم يسهم له كالعبد.
وأُجيب بأنَّ العبد نقصه في دنياه وأحكامه، والكافر نقصه في دينه كما سبق. والقول الأول أقرب، والله أعلم. (١)
تنبيه: لا يبلغ بالرضخ للفارس سهم فارس، ولا للراجل سهم راجل، كما لا يبلغ بالتعزير الحد، وللحاكم تفضيل بعض أهل الرضخ على بعض باختلاف أعمالهم. (٢)
مسألة [١٠]: هل يؤخذ الرضخ من أصل الغنيمة، أم بعد التخميس ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٣/ ٩٩): وَفِي الرَّضْخِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ مِنْ أَصْلِ الْغَنِيمَةِ؛ لِأَنَّهُ اُسْتُحِقَّ بِالْمُعَاوَنَةِ فِي تَحْصِيلِ الْغَنِيمَةِ، فَأَشْبَهَ أُجْرَةَ
стр. 5374
النَّقَّالِينَ وَالْحَافِظِينَ لَهَا. وَالثَّانِي: هُوَ مِنْ أَرْبَعَةِ الْأَخْمَاسِ؛ لِأَنَّهُ اُسْتُحِقَّ بِحُضُورِ الْوَقْعَةِ، فَأَشْبَهَ سِهَامَ الْغَانِمِينَ. وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ كَهَذَيْنِ. اهـ
والقول الثاني أقرب، والله أعلم.
مسألة [١١]: إذا قاتل العبد على فرس لسيده ؟
• مذهب أحمد أنَّ السيد يستحق سهم الفرس.
• ومذهب أبي حنيفة، والشافعي أنه لا يسهم للفرس؛ لأنه تحت من لا يسهم له؛ فلم يسهم له.
وقول أحمد أقرب، والله أعلم؛ لأن سهم الفرس يجري، ولو كان عند غير صاحب الفرس. (١)
تنبيه: من لحق بالجيش بعد انتهاء المعركة لم يستحق من الغنيمة، وإن كان مددًا. (٢)
تنبيه آخر: من بعثه الأمير لمصلحة الجيش، فلم يحضر الغنيمة؛ أُسهِم له أيضًا. (٣)
فائدة: يجوز قسمة الغنائم في دار الحرب عند الجمهور خلافًا لأصحاب الرأي القائلين: لا تقسم إلا في دار الإسلام. (٤)
стр. 5375
مسألة [١٢]: إذا أخرج من الجيش سرية فغنمت ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٣/ ١٣١): الْجَيْشُ إذَا فَصَلَ غَازِيًا، فَخَرَجَتْ مِنْهُ سَرِيَّةٌ أَوْ أَكْثَرُ، فَأَيُّهُمَا غَنِمَ؛ شَارَكَهُ الْآخَرُ فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمْ: مَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَاللَّيْثُ، وَحَمَّادٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. اهـ
• ثم نقل خلافًا عن النخعي. (١)
مسألة [١٣]: إذا سبوا لم يفرق بين الوالدة وولدها .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٣/ ١٠٨): أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ التَّفْرِيقَ بَيْنَ الْأُمِّ وَوَلَدِهَا الطِّفْلِ غَيْرُ جَائِزٍ. هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ فِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَالْأَوْزَاعِيِّ فِي أَهْلِ الشَّامِ، وَاللَّيْثِ فِي أَهْلِ مِصْرَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ فِيهِ. وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رَوَى أَبُو أَيُّوبَ، قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: «مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ وَالِدَةٍ وَوَلَدِهَا؛ فَرَّقَ الله بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحِبَّتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». (٢) اهـ
• وأما التفريق بين الأب وولده الطفل؛ فيحرم أيضًا في مذهب أحمد، والشافعي، وأصحاب الرأي؛ لأنه أحد الأبوين، فأشبه الأم.
• ومذهب مالك، والليث جواز التفريق، وقال به بعض الشافعية؛ وذلك لأنَّ الأب ليس من أهل الحضانة، وهو قول غير صحيح، ودليلهم فيه نزاع. (٣)
стр. 5376
تنبيه: إذا كبر الولد جاز التفريق على الصحيح، وعليه جمهور العلماء. واختلف في تحديد الكبر.
• فمنهم من قال: إذا أثغر. وهو قول مالك، وقال الأوزاعي، والليث: إذا استغنى عن أمه. ونحوه عن أبي ثور.
• وقال أحمد، وسعيد بن عبدالعزيز، والشافعي في قول، وأصحاب الرأي: يجوز التفريق إذا بلغ؛ لأنه قبل البلوغ مُوَلَّى عليه، فأشبه الطفل. وهذا القول أقرب، والله أعلم. (١)
مسألة [١٤]: التفريق بين الأخوين والأختين .
• مذهب الحنابلة، وأصحاب الرأي التحريم؛ لحديث علي ﵁ وقد تقدم في البيوع برقم (٧٩٦) أنه باع أخوين، ففرق بينهما، فنهاه النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وأمره بارتجاعهما.
• ومذهب مالك، والشافعي، والليث، وابن المنذر الجواز؛ لأنها قرابة لا تمنع قبول الشهادة؛ فلم يحرم التفريق كقرابة ابن العم.
والقول الأول أصح، والله أعلم. (٢)
تنبيه: يجوز التفريق بين سائر الأقارب غير من ذُكِر. (٣)
стр. 5377
مسألة [١٥]: من سُبِيَ من أطفال المشركين .
إما أن يُسبى منفردًا عن أبويه؛ فهذا يصير مسلمًا بالإجماع.
• وإماأن يسبى مع أبويه؛ فهذا تبع لأبويه عند الجمهور.
• وخالف الأوزاعي، فحكم بإسلامه تبعًا لمالكه.
والصحيح قول الجمهور؛ لحديث: «ما من مولود إلا ويولد على الفطرة؛ فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه» (١)، وحديث سئل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عن أولاد المشركين؟ فقال: «هم من آبائهم». (٢)
• وإما أن يسبى مع أحد أبويه، فمذهب أحمد، والأوزاعي الحكم بإسلامه تبعًا لمالكه، وتغليبًا له على أحد الأبوين.
• ومذهب الشافعي، وأبي حنيفة أنه تبع لوالده ووالدته؛ للحديثين السابقين.
• ومذهب مالك أنه إن أسر الأب؛ فالطفل تبع له كما يتبعه في النسب، وإن أسرت الأم؛ فالطفل يحكم بإسلامه.
قلتُ: مذهب الشافعي ﵀ أقرب، والله أعلم. (٣)
مسألة [١٦]: إذا أسلم الحربي وله أطفال، وأموال ؟
إذا أسلم في دار الحرب؛ حقن دمه، وأولاده الصغار، وعصم ماله.
стр. 5378
• وإن كان في دار الإسلام وماله وأولاده في دار الحرب؛ عُصم كذلك عند الجمهور، خلافًا لأبي حنيفة، وكذلك إن كان له أرض؛ لم تُغنم عند الجمهور، خلافًا لأبي حنيفة. (١)
تنبيه: الذين قد بلغوا لهم أحكام أنفسهم، ولا يحكم لهم بحكم آبائهم. (٢)
مسألة [١٧]: إذا أسلم عبد، أو أمة لحربي ؟
إن انتقلوا إلى دار الإسلام؛ صاروا أحرارًا عند عامة أهل العلم؛ لحديث أبي بكرة ﵁ حين أسلم ولحق بالمسلمين، فسأل أهله رسولَ الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أن يرده إليهم، فقال: «هو طليق الله، وطليق رسوله». (٣)
وإن لم يلتحقوا بدار الإسلام، ومكثوا في دار الحرب، فلا يزالوا في الرق. (٤)
مسألة [١٨]: إذا أخذ الكفار مال مسلم، ثم غنمه المسلمون ؟
إذا أدرك صاحب المتاع متاعه قبل قسمة الغنائم؛ رد إليه عند عامة أهل العلم، خلافًا للزهري، وعمرو بن دينار، والحسن؛ لحديث ابن عمر ﵄ في «صحيح البخاري» (٣٠٦٧) أنه حصل له ذلك، فرده عليه النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.
стр. 5379
وأما إذا لم يدركه حتى قسم، ففيه ثلاثة أقوال:
الأول: لا حقَّ له فيه. وهو قول سلمان بن ربيعة، وعطاء، والنخعي، والليث، وأحمد، ونُقل عن عمر ﵁ (١).
الثاني: صاحبه أحق به بالثمن الذي حسب على من أخذه، وكذلك إن بيع، ثم قسم ثمنه؛ فهو أحق به بالثمن، وهذا قول مالك، والثوري، والأوزاعي، وأحمد في رواية، وأبي حنيفة، وجاء في ذلك حديث عن ابن عباس ﵄ عند الدارقطني (٤/ ١١٤ - ١١٥)، وهو شديد الضعف، في إسناده: الحسن بن عمارة، وهو متروك.
الثالث: صاحبه أحق به قبل القسمة، وبعدها، وبعد القسم يعوض صاحب السهم سهمه من خمس المصالح. وهو قول الشافعي وابن المنذر، وهو الصحيح. (٢)
فائدة: إذا غنم المسلمون من المشركين شيئًا عليه علامة للمسلمين، ولم يعلم صاحبه؛ فهو غنيمة في مذهب أحمد، والثوري، والأوزاعي. وقال الشافعي: يوقف حتى يجيء صاحبه.
والقول الأول أقرب، وإذا كان مكتوبًا عليه (حُبِّس في سبيل الله) فيُعاد إلى الحبس. (٣)
стр. 5380
مسألة [١٩]: هل يملك الكفار أموال المسلمين بالقهر ؟
• من أهل العلم من قال: يملكونها. وهو قول مالك، وأبي حنيفة، والقاضي أبي يعلى؛ لأنَّ القهر سبب يملك به المسلم مال الكافر، فيملك الكافر به مال المسلم كالبيع.
• ومنهم من يقول: لا يملكونها. وهو قول الشافعي، وأحمد في ظاهر مذهبه؛ لأنه مال معصوم طرأت عليه يد عادية؛ فلم يملك بها كالغصب، ولأنَّ من لا يملك رقبة غيره بالقهر لم يملك ماله به كالمسلم مع المسلم.
والمسلم يملك مال الكافر بطريقة شرعية، والكافر يأخذه بيد متعدية؛ فافترق الأمران، فالصحيح قول أحمد، والشافعي. (١)
مسألة [٢٠]: إذا أسلم الكافر بعد أن أتلف مال المسلم ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٣/ ١٢٢): وَلَا أَعْلَمَ خِلَافًا فِي أَنَّ الْكَافِرَ الْحَرْبِيَّ إذَا أَسْلَمَ، أَوْ دَخَلَ إلَيْنَا بِأَمَانٍ، بَعْدَ أَنْ اسْتَوْلَى عَلَى مَالِ مُسْلِمٍ فَأَتْلَفَهُ، أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ ضَمَانُهُ، وَإِنْ أَسْلَمَ وَهُوَ فِي يَدِهِ؛ فَهُوَ لَهُ بِغَيْرِ خِلَافٍ فِي الْمَذْهَبِ. انتهى المراد.
قلتُ: وما ذكره ﵀ هو حكاية عن مذهب الحنابلة، وقد خالف بعض الشافعية، والحنابلة فقالوا بإعادته، وهو أقرب لأنه لم يملكه بطريقة شرعية، وأما
стр. 5381
حديث: «من أسلم على شيء فهو له» فهو حديث ضعيف (١)،
ومع ذلك فليس معناه متناولاً ما نحن فيه، والله أعلم. (٢)
تنبيه: الكفار لا يملكون الحر من المسلمين بالاستيلاء بغير خلاف، قاله ابن قدامة. (٣)
مسألة [٢١]: حكم فداء أسارى المسلمين إذا أمكن .
• يجب فداء أسارى المسلمين إذا أمكن على الإمام من بيت المال، وإن لم يوجد؛ فيجب على المسلمين وجوبًا كفائيًّا، وهو قول الجمهور.
• وقال إسحاق: على بيت المال. ونحوه عن مالك.
والذي يظهر أنهما لم يريدا أنه لا يجب على المسلمين إذا لم يوجد بيت المال.
стр. 5382
ويدل على قول الجمهور حديث أبي موسى في «البخاري»: «فكُّوا العاني، وأطعموا الجائع، وعودوا المريض». (١)
مسألة [٢٢]: من فدى الأسير المسلم من الكفار، فهل يلزم الأسير أن يعطيه ماله ؟
ذكر أهل العلم أن ذلك إذا كان بإذن الأسير، وطلبه؛ لزمه أن يؤدي ذلك، ونقل ابن قدامة عدم الخلاف في ذلك.
• وإن كان بغير إذنه، وطلبه، فقال بعضهم: يلزمه أن يعطيه. وهو قول الحسن، والنخعي، والزهري، ومالك، والأوزاعي، وأحمد. وقال به الليث إذا كان موسرًا. قال: وإن كان معسرًا؛ فعلى بيت المال.
• وقال الثوري، والشافعي، وابن المنذر: لا يلزمه؛ لأنه متبرع بذلك.
والذي يظهر أنه إن كان قاصدًا الرجوع؛ فعلى بيت المال أن يعطيه، وإلا رجع على صاحبه، وإن كان فقيرًا لا يستطيع القضاء؛ وجب على المسلمين القادرين كفائيًا، وإن لم يكن قاصدًا الرجوع؛ فليس له أن يرجع، والله أعلم. (٢)
مسألة [٢٣]: أهل الحرب إذا استولوا على أهل ذمتنا، فسبوهم، ثم قُدر عليهم ؟
ذكر أهل العلم رحمة الله عليهم أنه يجب ردهم إلى ذمتهم، ولا يجوز استرقاقهم، ولا أخذ أموالهم؛ إلا أن يقاتلوا مع الكفار طواعية. (٣)
стр. 5383
فائدة: حُلي الجارية يُعتبر من الغنائم، ولا يُباع مع الجارية، ولا يلحقها لو قسمت الجارية لبعض القوم. (١)
مسألة [٢٤]: معنى التنفيل وحكمه .
النَّفْلُ: زيادة تُزاد على سهم الغازي، والنفل في الغزو على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: تنفيل السرية التي تخرج عن الجيش، فتغير على العدو ببعض ما يغنمون بعد إخراج الخمس.
• وعلى مشروعية ذلك عامة أهل العلم؛ إلا ما نقل عن عمرو بن شعيب أنه قال: لا نفل بعد رسول الله ﷺ . قالوا: ولعله يحتج بقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال:١]، فخصَّه بها.
وأجاب الجمهور بأحاديث الباب، وفعل بالتنفيل الصحابة من بعد النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.
ويدل على قول الجمهور حديث حبيب بن مسلمة ﵁ قال: شهدت النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نفَّل الربع في البدأة، والثلث في الرجعة.
ومعنى الحديث: أنَّ الإمام، أو نائبه إذا دخل دار الحرب غازيًا بعث بين يديه سرية تُغير على العدو، ويجعل لهم الربع بعد الخمس مما يغنمون، وإذا قفل بعث سرية تُغير، ويجعل لهم الثلث بعد الخمس؛ وذلك لأنَّ في الابتداء لم يكن الأعداء
стр. 5384
على استعداد كالإغارة وقت الرجوع.
واختلف العلماء هل التنفيل من الخمس، أم من غير الخمس؟
• فجماعة منهم على أنه من غير الخمس، وهو قول الحسن، والأوزاعي، وأحمد وأصحابه، ويدل على هذا القول حديث معن بن يزيد الذي في الكتاب: «لا نفل إلا بعد الخمس».
• وذهب سعيد بن المسيب، ومالك إلى أنه من الخمس.
• وقال الشافعي: من خمس الخمس. لحديث ابن عمر ﵄ الذي في الكتاب، وليس بصريح، وحديث معن نصٌّ في المسألة؛ فالعمل عليه، والله أعلم.
وهل للتنفيل حدٌّ؟
اختلف الفقهاء:
• فذهب الجمهور إلى أنه موكول إلى اجتهاد الإمام؛ إلا أنه لا يجاوز الثلث؛ لأنه أكثر ما ورد تنفيله عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.
• وقال الشافعي: موكول إلى اجتهاده، ولا حدَّ لأكثره.
والأقرب قول الجمهور. (١)
القسم الثاني: أن ينفل الإمامُ بعضَ الجيش لعَنائه، وبأسه، وبلائه، أو لمكروه تحمله دون سائر الجيش.
стр. 5385
أجاز ذلك أهل العلم، واستدلوا عليه بما في «صحيح مسلم» (١٨٠٧) أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في غزوة ذات قرد أعطى سلمة بن الأكوع سهمَ راجلٍ، وسهم فارس، وكان راجلًا.
وفي «مسلم» (١٧٥٥) أيضًا أنَّ أبا بكر نفَّل سلمة بن الأكوع امرأةً؛ لبلائه في تلك الغزوة، وذلك في عهد النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.
القسم الثالث: أن يشترط الإمام شيئًا من فعله نفَّله، كقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من قتل قتيلًا؛ فله سلبه» (١)، ومثله لو قال قائد الجيش: من طلع الحصن وفتحه؛ فله كذا، ومن قتل عشرة من الكافرين؛ فله كذا.
• وهذا جائز مشروع عند الجمهور.
• وكرهه مالك من أجل ألا يكون القتال من أجل ذلك.
وأجاب الجمهور بأن استحقاق الغنيمة وزيادة السهم للفارس، واستحقاق السلب لم يُمنَع، مع وجود الاحتمال المذكور. والصحيح قول الجمهور. (٢)
مسألة [٢٥]: مصرف خمس الغنيمة .
قال الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال:٤١].
стр. 5386
• فذهب أحمد، والشافعي إلى أنَّ الخمس يقسم على خمسة أسهم: سهم لله ولرسوله يُصرف لمصالح المسلمين. وسهم لذوي القربى. وسهم لليتامى. وسهم للمساكين. وسهم لابن السبيل.
• وذهب مالك إلى أنَّ مصرفها إلى الإمام يجتهد فيه كيف شاء.
• وذهب أبو حنيفة إلى أنها تقسم ثلاثة أسهم: سهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لابن السبيل. وأما سهم الرسول فسقط بموته، وسهم ذوي القربى قال: المراد به القرابة الذين كانوا في عهد النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.
والصحيح قول أحمد، والشافعي؛ لظاهر الآية، والله أعلم. (١)
مسألة [٢٦]: سهم ذوي القربى .
ذووا القربى المراد بهم عند أكثر العلماء، والفقهاء، والمحدثين: بنو هاشم، وبنو المطلب؛ لحديث جبير بن مطعم في «صحيح البخاري» (٣١٤٠) أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قسم لهم من خمس خيبر، وقال: «هم بمنزلة واحدة». (٢)
ويستحقه الرجال، والنساء، والفقراء، والأغنياء.
مسألة [٢٧]: وهل يفضل الرجال على النساء ؟
• منهم من قال: للرجل ضعف الأنثى، كالميراث. وهو قول المزني، وأبي ثور، وبعض الحنابلة، وابن المنذر.
стр. 5387
قال الإمام ابن عثيمين ﵀: وقيل: يُقسم بينهم بحسب الحاجة؛ لأنه يعلم أن من مقاصد الشرع دفع الحاجات، لكن خُصَّ ذوي القربى؛ لأنهم أحق الناس بمثل هذه الغنيمة. ثم استقرب ﵀ هذا القول، وهو الصحيح.
ثم قال: فإن كانوا كلهم سواء في الغنى أو في الحاجة؛ أعطيناهم بالتساوي. اهـ
قال ابن القيم ﵀ في «زاد المعاد» (٥/ ٨١): وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ يَقْسِمِهُ بَيْنَهُم عَلَى السَّوَاءِ بَيْنَ أَغْنِيَائِهِمْ وَفُقَرَائِهِمْ، وَلَا كَانَ يَقْسِمُهُ قِسْمَةَ الْمِيرَاثِ لِلذّكَرِ مِثْلُ حَظّ الْأُنْثَيَيْنِ، بَلْ كَانَ يَصْرِفُهُ فِيهِمْ بِحَسْبِ الْمَصْلَحَةِ وَالْحَاجَةِ، فَيُزَوّجُ مِنْهُ عَزَبَهُمْ، وَيَقْضِي مِنْهُ عَنْ غَارِمِهِمْ، وَيُعْطِي مِنْهُ فَقِيرَهُمْ كِفَايَتَهُ، وَفِي «سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ» عَنْ عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: وَلَّانِي رَسُولُ الله ﷺ خُمُسَ الْخُمُسِ، فَوَضَعْتُهُ مَوَاضِعَهُ حَيَاةَ رَسُولِ الله ﷺ ، وَحَيَاةَ أَبِي بَكْرٍ ﵁، وَحَيَاةَ عُمَرَ ﵁. (١) وَقَدْ اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنّهُ كَانَ يُصْرَفُ فِي مَصَارِفِهِ الْخَمْسَةِ، وَلَا يَقْوَى هَذَا الِاسْتِدْلَالُ؛ إذْ غَايَةُ مَا فِيهِ أَنّهُ صَرَفَهُ فِي مَصَارِفِهِ الّتِي كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَصْرِفُهُ فِيهَا، وَلَمْ يَعْدُهَا إلَى سِوَاهَا، فَأَيْنَ تَعْمِيمُ الْأَصْنَافِ الْخَمْسَةِ بِهِ؟ وَاَلّذِي يَدُلّ عَلَيْهِ هَدْيُ رَسُولِ الله ﷺ ، وَأَحْكَامُهُ أَنّهُ كَانَ يَجْعَلُ مَصَارِفَ الْخُمُسِ كَمَصَارِفِ الزّكَاةِ، وَلَا يَخْرُجُ بِهَا عَنْ الْأَصْنَافِ الْمَذْكُورَةِ، لَا أَنّهُ يَقْسِمُهُ بَيْنَهُمْ كَقِسْمَةِ الْمِيرَاثِ، وَمَنْ تَأَمّلَ سِيرَتَهُ وَهَدْيَهُ حَقّ التّأَمّلِ لَمْ يَشُك فِي ذَلِكَ. اهـ (٢)
стр. 5388
مسألة [٢٨]: سهم الصَّفِي .
كان للنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- سهم الصَّفي، وهو شيء يختاره من المغنم قبل القسمة، كالجارية، والعبد، والثوب، والسيف ونحوه، وهو ثابت للنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عند أهل العلم، ويدل على ذلك حديث عائشة ﵂ عند أبي داود (٢٩٩٤) بإسناد صحيح، قال: كانت صفية من الصَّفي. وحديث صحابي مبهم أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كتب إلى زهير ابن أقيش: «إنكم إن شهدتم أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمدًا رسول الله، وأديتم الزكاة، وأديتم الخمس من المغنم، وسهم الصفي أنتم آمنون بأمان الله ورسوله» رواه أبو داود (٢٩٩٩) بإسناد صحيح، وهما في «الصحيح المسند» لشيخنا ﵀.
وهذا خاصٌّ للنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عند عامة أهل العلم إلا أبا ثور، فقال: للإمام أن يأخذه على نحو ما كان يأخذ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.
قال ابن المنذر ﵀: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا سَبَقَ أَبَا ثَوْرٍ إِلَى هَذَا الْقَوْل. اهـ
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٩/ ٢٩١ - ): وَأَمَّا انْقِطَاعُهُ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ ؛ فَثَابِتٌ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ قَبْلَ أَبِي ثَوْرٍ وَبَعْدَهُ، وَكَوْنِ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ لَمْ يَأْخُذُوهُ، وَلَا ذَكَرَهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ، وَلَا يُجْمِعُونَ عَلَى تَرْكِ سُنَّةِ النَّبِيِّ ﷺ .اهـ
• وعلى ذلك عامة أهل العلم، ولا يُشترط عندهم إذن الإمام، خلافًا للزهري في اشتراط ذلك. (١)
مسألة [٢]: استخدام الدواب، والأسلحة المغنومة أثناء المعركة .
قال الخطابي ﵀ في «معالم السنن» (٢/ ٢٥٨): أما في حال الضرورة، وقيام الحرب؛ فلا أعلم بين أهل العلم اختلافًا في جواز استعمال سلاح العدو ودوابهم، فإذا انقضت الحرب؛ فإنَّ الواجب ردها في المغنم، فأما الثياب، والخرثي، والأدوات؛ فلا يجوز أن يستعمل شيء منها إلا أن يقول قائل: إذا احتاج إلى شيء منها حاجة ضرورةٍ؛ كان له أن يستعمله، مثل أن يشتد البرد، فيستدفي بثوب، ويتقوى به على المقام في بلاد العدو مرصدًا لقتالهم. وسئل الأوزاعي عن ذلك؟ فقال: لا يلبس الثوب للبرد إلا أن يخاف الموت. اهـ
قلتُ: ولا يشترط أن يخاف الموت، بل إذا اشتدت الحاجة؛ فلا بأس باستخدامه، وحديث رويفع ﵁، محمول على ما إذا لم توجد حاجة، والله أعلم. (٢)
المسلمين، ويشمل أولاده الصغار. ويصح الأمان من كل مسلمٍ، بالغٍ، عاقلٍ، مختارٍ، ذكرٍ أو أنثى؛ لدلالة أحاديث الباب على ذلك. (١)
مسألة [١]: أمان الكافر .
لا يصح تأمين الكافر وإن كان ذميًّا؛ لحديث الباب: «يُجِيرُ عَلَى المُسْلِمِينَ الرَّجُلُ مِنْهُم» و «يُجِيرُ عَلَى المُسْلِمِينَ أَدْنَاهُمْ». (٢)
مسألة [٢]: أمان الصبي .
أما إذا كان غير مميز؛ فلا يصح تأمينه بلا خلاف.
• واختلفوا في الصبي المميز، فصحح تأمينَه مالك، وأحمد في رواية؛ لعموم الأحاديث.
• وأبطل تأمينَه الشافعي، وأبو حنيفة، وأحمد في رواية؛ لأنَّ الصبي مولَّى عليه، وكثير من تصرفاته وعقوده لا تنفذ؛ فكذلك ههنا، ولأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ذكره مع المجنون، وقيد رفع القلم عنه «حتى يبلغ».
وهذا هو الصحيح، والله أعلم. (٣)
تنبيه: أمان المجنون لا يصح بغير خلافٍ. (٤)
стр. 5393
مسألة [٣]: هل يصح أمان العبد ؟
• على ذلك عامة أهل العلم، وهو الصحيح؛ لعموم الأحاديث خلافًا لأبي حنيفة، وأبي يوسف. (١)
تنبيه: للإمام أن يعمم التأمين لأهل بلدة من الكفار، بخلاف غيره من آحاد المسلمين؛ فليس له ذلك؛ لأنَّ فيه تعديًّا في حق الإمام. (٢)
مسألة [٤]: تأمين من جاء أسيرًا من الكفار .
• للإمام أن يؤمنه؛ لأنَّ له أن يمنَّ عليه، فمن باب أولى التأمين، وليس لأحد من المسلمين أن يؤمنه؛ لأنَّ الخيار في الأسير إلى الإمام، وهو قول أحمد، والشافعي وغيرهما.
• وصحح التأمين الأوزاعي، وأبو الخطاب الحنبلي.
وقول أحمد، والشافعي أقرب، والله أعلم. (٣)
مسألة [٥]: إذا ادَّعى مسلمٌ أنه أمَّن كافرًا قبل أن يؤسر ؟
إذا جاء مسلم، فشهد على نفسه بأنه قد أمن هذا الأسير قبل أن يؤسر؛ يُقبل قوله عند أحمد، والأوزاعي، وهو الصحيح، وخالف الشافعي فلم يقبل قوله؛ لأنها شهادة
стр. 5394
على فعل نفسه.
وأُجيب عنه بحديث المرضعة التي شهدت على نفسها أنها أرضعت عقبة والتي تزوجها، فأمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بالفراق، والله أعلم. (١)
مسألة [٦]: ما حكم التأمين للكافر ؟
إن طلب الكافر الأمانَ ليسمع القرآن، ويتعرف على الإسلام؛ وجب تأمينه بلا خلاف؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة:٦]، وإن كان يريد الفساد؛ فلا يجوز تأمينه، وإن كان يريد التجارة، أو النزهة، أو غير ذلك؛ فيُشرع تأمينه إذا وُجِدت مصلحة، وأُمِنَ الضرر من ذلك، والله أعلم. (٢)
مسألة [٧]: من أُمِّنَ في دار الإسلام، هل تؤخذ منه جزية ؟
• مذهب أحمد -وهو الصحيح- أنه على ما أُمِّنَّ؛ فإنْ أُمِّن بمقابل جزية؛ أُخذت عليه، وإن أُمِّن بغير مقابل؛ لم تؤخذ عليه، وللإمام أن يؤمن بمقابل وغير مقابل حسب المصلحة.
• وقال الأوزاعي، وأبو الخطاب، والشافعي: لا يؤمنه إلا بجزية. وقيد ذلك الشافعي بما إذا أمنه سنة. (٣)
стр. 5395
مسألة [٨]: إذا أُمِّنَ الكافر في دار المسلمين، ثم سافر، وبقيت له أموال بين المسلمين ؟
• يبقى التأمين في ماله، ولا يؤخذ، بل يرسل إليه؛ فإن مات أُرسِل إلى وارثه عند أحمد، والمزني، والشافعي في قول.
• وعند أبي حنيفة، والشافعي في قول يبطل الأمان، ويأخذه المسلمون.
والقول الأول أقرب، والله أعلم. (١)
مسألة [٩]: إذا دخل الكافر دار الإسلام بغير أمان ؟
الإمام مُخَيَّرٌ فيه بين أن يقتله، أو يمن عليه، أو يسترقه، أو يفادي به، وإن زعم الكافر أنه أراد أن يستأمن؛ لم يقبل قوله، وإن زعم أنه رسول؛ لم يقبل قوله إلا بقرينة، كأن يكون حاملًا لرسالة.
وإن زعم أنه جاء لتجارة فينظر؛ فإن كان العرف والعادة جرت بينهم بأنَّ من دخل لتجارة لم يتعرض له؛ فيُقبل قوله إذا كان له بينة، أو قرينة على قوله، وإن لم تكن العادة جرت بينهم بذلك؛ فلا ينفعه ذلك، وأمره إلى الإمام كما تقدم.
وإن ضلَّ الطريق، فدخل بلاد الإسلام، فقيل: هو لمن أخذه.
وقيل: هو فَيءٌ. وهذا أقرب، والله أعلم. (٢)