← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 165

فتح العلام في دراسة أحاديث بلوغ المرام ط 4

محمد بن علي بن حزام البعداني

Полный текст (5 956 стр.). Показаны 5391–5430 · переход к 5396.

стр. 5391

١٢٩٦ - وَعَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الجَرَّاحِ ﵁ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «يُجِيرُ عَلَى المُسْلِمِينَ بَعْضُهُمْ». أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَحْمَدُ، وَفِي إسْنَادِهِ ضَعْفٌ. (١) ١٢٩٧ - وَلِلطَّيَالِسيِّ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ: «يُجِيرُ عَلَى المُسْلِمِينَ أَدْنَاهُمْ». (٢) ١٢٩٨ - وَفِي «الصَّحِيحَيْنِ» عَنْ عَلِيٍّ ﵁: «ذِمَّةُ المُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ». (٣) زَادَ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ: «وَيُجِيرُ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ». (٤) ١٢٩٩ - وَفِي «الصَّحِيحَيْنِ» مِنْ حَدِيثِ أُمِّ هَانِئٍ: «قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْت». (٥) المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث المقصود بالأمان في هذا الباب هو تأمين الكافر على ماله، ونفسه من

стр. 5392

المسلمين، ويشمل أولاده الصغار. ويصح الأمان من كل مسلمٍ، بالغٍ، عاقلٍ، مختارٍ، ذكرٍ أو أنثى؛ لدلالة أحاديث الباب على ذلك. (١) مسألة [١]: أمان الكافر . لا يصح تأمين الكافر وإن كان ذميًّا؛ لحديث الباب: «يُجِيرُ عَلَى المُسْلِمِينَ الرَّجُلُ مِنْهُم» و «يُجِيرُ عَلَى المُسْلِمِينَ أَدْنَاهُمْ». (٢) مسألة [٢]: أمان الصبي . أما إذا كان غير مميز؛ فلا يصح تأمينه بلا خلاف. • واختلفوا في الصبي المميز، فصحح تأمينَه مالك، وأحمد في رواية؛ لعموم الأحاديث. • وأبطل تأمينَه الشافعي، وأبو حنيفة، وأحمد في رواية؛ لأنَّ الصبي مولَّى عليه، وكثير من تصرفاته وعقوده لا تنفذ؛ فكذلك ههنا، ولأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ذكره مع المجنون، وقيد رفع القلم عنه «حتى يبلغ». وهذا هو الصحيح، والله أعلم. (٣) تنبيه: أمان المجنون لا يصح بغير خلافٍ. (٤)

стр. 5393

مسألة [٣]: هل يصح أمان العبد ؟ • على ذلك عامة أهل العلم، وهو الصحيح؛ لعموم الأحاديث خلافًا لأبي حنيفة، وأبي يوسف. (١) تنبيه: للإمام أن يعمم التأمين لأهل بلدة من الكفار، بخلاف غيره من آحاد المسلمين؛ فليس له ذلك؛ لأنَّ فيه تعديًّا في حق الإمام. (٢) مسألة [٤]: تأمين من جاء أسيرًا من الكفار . • للإمام أن يؤمنه؛ لأنَّ له أن يمنَّ عليه، فمن باب أولى التأمين، وليس لأحد من المسلمين أن يؤمنه؛ لأنَّ الخيار في الأسير إلى الإمام، وهو قول أحمد، والشافعي وغيرهما. • وصحح التأمين الأوزاعي، وأبو الخطاب الحنبلي. وقول أحمد، والشافعي أقرب، والله أعلم. (٣) مسألة [٥]: إذا ادَّعى مسلمٌ أنه أمَّن كافرًا قبل أن يؤسر ؟ إذا جاء مسلم، فشهد على نفسه بأنه قد أمن هذا الأسير قبل أن يؤسر؛ يُقبل قوله عند أحمد، والأوزاعي، وهو الصحيح، وخالف الشافعي فلم يقبل قوله؛ لأنها شهادة

стр. 5394

على فعل نفسه. وأُجيب عنه بحديث المرضعة التي شهدت على نفسها أنها أرضعت عقبة والتي تزوجها، فأمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بالفراق، والله أعلم. (١) مسألة [٦]: ما حكم التأمين للكافر ؟ إن طلب الكافر الأمانَ ليسمع القرآن، ويتعرف على الإسلام؛ وجب تأمينه بلا خلاف؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة:٦]، وإن كان يريد الفساد؛ فلا يجوز تأمينه، وإن كان يريد التجارة، أو النزهة، أو غير ذلك؛ فيُشرع تأمينه إذا وُجِدت مصلحة، وأُمِنَ الضرر من ذلك، والله أعلم. (٢) مسألة [٧]: من أُمِّنَ في دار الإسلام، هل تؤخذ منه جزية ؟ • مذهب أحمد -وهو الصحيح- أنه على ما أُمِّنَّ؛ فإنْ أُمِّن بمقابل جزية؛ أُخذت عليه، وإن أُمِّن بغير مقابل؛ لم تؤخذ عليه، وللإمام أن يؤمن بمقابل وغير مقابل حسب المصلحة. • وقال الأوزاعي، وأبو الخطاب، والشافعي: لا يؤمنه إلا بجزية. وقيد ذلك الشافعي بما إذا أمنه سنة. (٣)

стр. 5395

مسألة [٨]: إذا أُمِّنَ الكافر في دار المسلمين، ثم سافر، وبقيت له أموال بين المسلمين ؟ • يبقى التأمين في ماله، ولا يؤخذ، بل يرسل إليه؛ فإن مات أُرسِل إلى وارثه عند أحمد، والمزني، والشافعي في قول. • وعند أبي حنيفة، والشافعي في قول يبطل الأمان، ويأخذه المسلمون. والقول الأول أقرب، والله أعلم. (١) مسألة [٩]: إذا دخل الكافر دار الإسلام بغير أمان ؟ الإمام مُخَيَّرٌ فيه بين أن يقتله، أو يمن عليه، أو يسترقه، أو يفادي به، وإن زعم الكافر أنه أراد أن يستأمن؛ لم يقبل قوله، وإن زعم أنه رسول؛ لم يقبل قوله إلا بقرينة، كأن يكون حاملًا لرسالة. وإن زعم أنه جاء لتجارة فينظر؛ فإن كان العرف والعادة جرت بينهم بأنَّ من دخل لتجارة لم يتعرض له؛ فيُقبل قوله إذا كان له بينة، أو قرينة على قوله، وإن لم تكن العادة جرت بينهم بذلك؛ فلا ينفعه ذلك، وأمره إلى الإمام كما تقدم. وإن ضلَّ الطريق، فدخل بلاد الإسلام، فقيل: هو لمن أخذه. وقيل: هو فَيءٌ. وهذا أقرب، والله أعلم. (٢)

стр. 5396

تنبيه: يحصل التأمين بأي لفظ يدل عليه، كقوله: (أمنتك) (أجرتك) (لا بأس عليك) (لا تخف على نفسك) وما أشبه ذلك. وإذا قال له: (قف، ألق سلاحك) فلا يُعَدُّ تأمينًا إن لم تكن عادة، أو عرف بأنَّ ذلك تأمين. (١)

стр. 5397

١٣٠٠ - وَعَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «لَأُخْرِجَنَّ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ العَرَبِ، حَتَّى لَا أَدَعَ إلَّا مُسْلِمًا». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: إخراج اليهود، والنصارى، والمشركين من جزيرة العرب . في «الصحيحين» عن ابن عباس ﵄ أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «أخرجوا المشركين من جزيرة العرب». (٢) وفي «مسند أحمد» (٦/ ٢٧٥) عن عائشة ﵂ قالت، قال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لايجتمع في جزيرة العرب دينان»، وإسناده حسن. فنصَّ أهل العلم على وجوب إخراج المشركين. • لكن خصَّ أحمد، والشافعي الإخراج من الحجاز فقط، والحجاز يشمل المدينة، ومكة، وخيبر، وينبع، وفدك، ومخاليفها، وما والاها، وسُمِّي حجازًا؛ لأنه يحجز بين تهامة ونجد. واستدلوا على التخصيص بحديث أبي عبيدة بن الجراح في «مسند أحمد» (١/ ١٩٦) مرفوعًا: «أخرجوا يهود الحجاز، وأهل نجران من جزيرة العرب»، وإسناده صحيح.

стр. 5398

• وذهب مالك إلى وجوب إخراجهم من جزيرة العرب كاملة، وهي ما أحاطت البحار بها، يعني بحر الهند، وبحر فارس، وبحر القلزم، وبحر الشام، والفرات، أو ما بين عدن إلى أطراف الشام، وما بين جدة والعراق. واستدل مالك بالأحاديث المتقدمة. ورجَّح ذلك الصنعاني، وردَّ على استدلال الشافعي، وأحمد بأنَّ ذكر بعض أفراد العام لا يلزم منه التخصيص، وهذا القول هو الصحيح. ويُردُّ على استدلالهم أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في حديثهم أمر بإخراج يهود نجران، وهم لم يقولوا بذلك، ورجح الشوكاني أيضًا قول مالك. (١) تنبيه: الممنوع من بقائهم هو الاستيطان، أما إذا دخلوا لعملٍ، أو تجارةٍ؛ فجائزٌ إذا لم يكن في ذلك مفسدة. (٢) مسألة [٢]: دخولهم الحرمين . لا يجوز عند أهل العلم تمكين الكفار من دخول الحرمين؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة:٢٨]. قال العلماء: أطلق المسجد وأراد الحرم كاملًا؛ لقوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾،

стр. 5399

أي: فقرًا؛ وذلك بتأخر تجارتهم، وجلبهم عن الحرم، ولم يكونوا يدخلون التجارة إلى المسجد. • وأجاز أبو حنيفة دخولهم إلا للاستيطان، كدخولهم للحجاز، وهو قول باطلٌ مخالفٌ للنص. (١)

стр. 5400

١٣٠١ - وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: كَانَتْ أَمْوَالُ بَنِي النَّضِيرِ مِمَّا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِمَّا لَمْ يُوجِفْ عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ، فَكَانَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ خَاصَّةً، فَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَةٍ، وَمَا بَقِيَ يَجْعَلُهُ فِي الكُرَاعِ (١) وَالسِّلَاحِ، عُدَّةً فِي سَبِيلِ اللهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (٢) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: معنى الفيء ومصرفه . هو ما أخذ على الكفار بحق بدون حرب، وقتال، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الحشر:٧]. ويُستفاد من الآية أنَّ الفيء لا تخميس فيه، وأنه يصرف لمن ذكر في هذه الآية، وكذا الآيات التي بعدها، وهي قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * ... وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا

стр. 5401

تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:٨ - ١٠]. وأخرج أبو عبيد في كتابه «الأموال» (ص ٣٠٥) بإسناد صحيح عن عمر ﵁، أنه قرأ الآيات السابقة، ثم قال: استوعبت هذه الآية الناس، فلم يبق أحد من المسلمين إلا له حقٌّ فيها، أو حظٌّ، إلا بعض من تملكون من أرقائكم، وإن عشت إن شاء الله؛ لَيُؤْتَيَنَّ كل مسلم حقه، أو قال: حظه، حتى يأتي الراعي بسرو حمير لم يعرق فيه جبينه. اهـ قال ابن القيم ﵀ في «زاد المعاد» (٥/ ٨٥ - ٨٦) بعد أن ذكر الآيات السابقة: فَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنّ مَا أَفَاءَ عَلَى رَسُولِهِ بِجُمْلَتِهِ لِمَنْ ذَكَرَ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ، وَلَمْ يَخُصّ مِنْهُ خُمُسَهُ بِالْمَذْكُورِينَ، بَلْ عَمّمَ وَأَطْلَقَ وَاسْتَوْعَبَ، وَيُصْرَفُ عَلَى الْمَصَارِفِ الْخَاصّةِ، وَهُمْ: أَهْلُ الْخُمُسِ، ثُمّ عَلَى الْمَصَارِفِ الْعَامّةِ وَهُمْ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ وَأَتْبَاعُهُمْ إلَى يَوْمِ الدِّيْنِ، فَاَلّذِي عَمِلَ بِهِ هُوَ وَخُلَفَاؤُهُ الرّاشِدُونَ هُوَ الْمُرَادُ مِنْ هَذِهِ الْآيَاتِ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ ﵁ فِيمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ ﵀ وَغَيْرُهُ عَنْهُ: مَا أَحَدٌ أَحَقّ بِهَذَا الْمَالِ مِنْ أَحَدٍ، وَمَا أَنَا أَحَقّ بِهِ مِنْ أَحَدٍ، وَاَلله مَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَحَدٌ إلّا وَلَهُ فِي هَذَا الْمَالِ نَصِيبٌ، إلّا عَبْدٌ مَمْلُوكٌ، وَلَكِنّا عَلَى مَنَازِلِنَا مِنْ كِتَابِ الله، وَقَسَمِنَا مِنْ رَسُولِ الله ﷺ ، فَالرّجُلُ وَبَلَاؤُهُ فِي الْإِسْلَامِ، وَالرّجُلُ وَقِدَمُهُ فِي الْإِسْلَامِ، وَالرّجُلُ وَغِنَاؤُهُ (١) فِي الْإِسْلَامِ، وَالرّجُلُ وَحَاجَتُهُ، وَوَالله لَئِنْ بَقِيَتْ لَهُمْ لَيَأْتِيَنّ الرّاعِيَ بِجَبَلِ صَنْعَاءَ حَظّهُ مِنْ هَذَا الْمَالِ

стр. 5402

وَهُوَ يَرْعَى مَكَانَهُ. (١) فَهَؤُلَاءِ الْمُسَمّوْنَ فِي آيَةِ الْفَيْءِ هُمْ الْمُسَمّوْنَ فِي آيَةِ الْخُمُسِ، وَلَمْ يَدْخُلْ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ وَأَتْبَاعُهُمْ فِي آيَةِ الْخُمُسِ؛ لِأَنّهُمْ الْمُسْتَحَقّونَ لِجُمْلَةِ الْفَيْءِ، وَأَهْلُ الْخُمُسِ لَهُمْ اسْتِحْقَاقَانِ: اسْتِحْقَاقٌ خَاصّ مِنْ الْخُمُسِ، وَاسْتِحْقَاقٌ عَامّ مِنْ جُمْلَةِ الْفَيْءِ؛ فَإِنّهُمْ دَاخِلُونَ فِي النّصِيبَيْنِ. قال: وَكَمَا أَنّ قِسْمَتَهُ مِنْ جُمْلَةِ الْفَيْءِ بَيْنَ مَنْ جُعِلَ لَهُ لَيْسَ قِسْمَةَ الْأَمْلَاكِ الّتِي يَشْتَرِكُ فِيهَا الْمَالِكُونَ كَقِسْمَةِ الْمَوَارِيثِ، وَالْوَصَايَا، وَالْأَمْلَاكِ الْمُطْلَقَةِ، بَلْ بِحَسْبِ الْحَاجَةِ، وَالنّفْعِ، وَالْغِنَاءِ فِي الْإِسْلَامِ، وَالْبَلَاءِ فِيهِ، فَكَذَلِكَ قِسْمَةُ الْخُمُسِ فِي أَهْلِهِ؛ فَإِنّ مَخْرَجَهُمَا وَاحِدٌ فِي كِتَابِ الله وَالتّنْصِيصُ عَلَى الْأَصْنَافِ الْخَمْسَةِ يُفِيدُ تَحْقِيقَ إدْخَالِهِمْ، وَأَنّهُمْ لَا يَخْرُجُونَ مِنْ أَهْلِ الْفَيْءِ بِحَالٍ، وَأَنّ الْخُمُسَ لَا يَعْدُوهُمْ إلَى غَيْرِهِمْ، كَأَصْنَافِ الزّكَاةِ لَا تَعْدُوهُمْ إلَى غَيْرِهِمْ، كَمَا أَنّ الْفَيْءَ الْعَامّ فِي آيَةِ الْحَشْرِ لِلْمَذْكُورِينَ فِيهَا لَا يَتَعَدّاهُمْ إلَى غَيْرِهِمْ؛ وَلِهَذَا أَفْتَى أَئِمّةُ الْإِسْلَامِ كَمَالِكٍ، وَالْإِمَام أَحْمَدَ وَغَيْرِهِمَا أَنّ الرّافِضَةَ لَا حَقّ لَهُمْ فِي الْفَيْءِ؛ لِأَنّهُمْ لَيْسُوا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ، وَلَا مِنْ الْأَنْصَارِ، وَلَا مِنْ الّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الّذِي سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَاخْتِيَارُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيّةَ، وَعَلَيْهِ يَدُلّ الْقُرْآنُ، وَفِعْلُ رَسُولُ الله ﷺ وَخُلَفَائِهِ الرّاشِدِينَ. اهـ

стр. 5403

مسألة [٢]: هل يشترط تعميم الأصناف المستحقة للخمس، وللفيء، وتعميم أفرادهم ؟ • قال ابن القيم ﵀ في «زاد المعاد» (٥/ ٨٦ - ٨٧): وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي آيَةِ الزَّكَاةِ، وَآيَةِ الْخُمُسِ، فَقَالَ الشّافِعِيُّ: تَجِبُ قِسْمَةُ الزّكَاةِ وَالْخُمُسِ عَلَى الْأَصْنَافِ كُلّهَا، وَيُعْطِي مِنْ كُلّ صِنْفٍ مَنْ يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْجَمْعِ. وَقَالَ مَالِكٌ ﵀، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ: بَلْ يُعْطِي فِي الْأَصْنَافِ الْمَذْكُورَةِ فِيهِمَا، وَلَا يَعْدُوهُمْ إلَى غَيْرِهِمْ، وَلَا تَجِبُ قِسْمَةُ الزّكَاةِ، وَلَا الْفَيْءُ فِي جَمِيعِهِمْ. وَقَالَ الْإِمَام أَحْمَدُ، وَأَبُو حَنِيفَةَ بِقَوْلِ مَالِكٍ ﵏ فِي آيَةِ الزّكَاةِ، وَبِقَوْلِ الشّافِعِيّ ﵀ فِي آيَةِ الْخُمُسِ. قال ابن القيم ﵀: وَمَنْ تَأَمّلَ النّصُوصَ، وَعَمَلَ رَسُولِ الله ﷺ ، وَخُلَفَائِهِ؛ وَجَدَهُ يَدُلّ عَلَى قَوْلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ؛ فَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ جَعَلَ أَهْلَ الْخُمُسِ هُمْ أَهْلُ الْفَيْءِ، وَعَيّنَهُمْ؛ اهْتِمَامًا بِشَأْنِهِمْ، وَتَقْدِيمًا لَهُمْ، وَلمَّا كَانَتْ الْغَنَائِمُ خَاصّةً بِأَهْلِهَا لَا يَشْرُكُهُمْ فِيهَا سِوَاهُمْ نَصّ عَلَى خُمُسِهَا لِأَهْلِ الْخُمُسِ، وَلَمّا كَانَ الْفَيْءُ لَا يَخْتَصّ بِأَحَدٍ دُونَ أَحَدٍ جَعَلَ جُمْلَتَهُ لَهُمْ وَلِلْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَتَابِعِيهِمْ، فَسَوّى بَيْنَ الْخُمُسِ وَبَيْنَ الْفَيْءِ فِي الْمَصْرِفِ، وَكَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَصْرِفُ سَهْمَ الله وَسَهْمَهُ فِي مَصَالِحِ الْإِسْلَامِ، وَأَرْبَعَةَ أَخْمَاسِ الْخُمُسِ فِي أَهْلِهَا، مُقَدِّمًا لِلْأَهَمّ فَالْأَهَمّ، وَالْأَحْوَجِ فَالْأَحْوَجِ، فَيُزَوّجُ مِنْهُ عُزّابَهُمْ، وَيَقْضِي مِنْهُ دُيُونَهُمْ، وَيُعِينُ ذَا الْحَاجَةِ مِنْهُمْ، وَيُعْطِي عَزَبَهُمْ حَظًّا، وَمُتَزَوّجَهُمْ حَظّيْنِ، وَلَمْ يَكُنْ هُوَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ

стр. 5404

خُلَفَائِهِ يَجْمَعُونَ الْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَأَبْنَاءَ السّبِيلِ وَذَوِي الْقُرْبَى وَيَقْسِمُونَ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِ الْفَيْءِ بَيْنَهُمْ عَلَى السّوِيّةِ، وَلَا عَلَى التّفْضِيلِ، كَمَا لَمْ يَكُونُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ فِي الزّكَاةِ، فَهَذَا هَدْيُهُ وَسِيرَتُهُ، وَهُوَ فَصْلُ الْخُطّابِ، وَمَحْضُ الصّوَابِ. اهـ

стр. 5405

١٣٠٢ - وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ خَيْبَرَ، فَأَصَبْنَا فِيهَا غَنَمًا، فَقَسَمَ فِينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ طَائِفَةً، وَجَعَلَ بَقِيَّتَهَا فِي المَغْنَمِ. رَوَاهُ أَبُودَاوُد، وَرِجَالُهُ لَا بَأْسَ بِهِمْ. (١) الحكم المستفاد من الحديث هذا الحديث من ضمن مجموع الأدلة التي تدل على تنفيل الإمام بعض أفراد الجيش ببعض الغنيمة. وقد تقدم الكلام على هذه المسائل، وبيان مذاهب العلماء في ذلك.

стр. 5406

١٣٠٣ - وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إنِّي لَا أَخِيسُ بِالعَهْدِ، وَلَا أَحْبِسُ الرُّسُلَ». رَوَاهُ أَبُودَاوُد وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: قتل الرسول بين القومين . دلَّ الحديث على عدم جواز قتل الرسل، وجرى العمل على ذلك قبل الإسلام وبعده. وقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لرجلٍ مرتَدٍّ رسولًا لمسيلمة: «لولا أنك رسول؛ لقتلتك»، أخرجه أبو داود (٢٧٦٢)، والنسائي في «الكبرى» (٨٦٧٥)، وغيرهما، عن عبدالله ابن مسعود ﵁، بإسناد صحيح.

стр. 5407

١٣٠٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «أَيُّمَا قَرْيَةٍ أَتَيْتُمُوهَا فَأَقَمْتُمْ فِيهَا فَسَهْمُكُمْ فِيهَا، وَأَيُّمَا قَرْيَةٍ عَصَتِ اللهَ وَرَسُولَهُ؛ فَإِنَّ خُمُسَهَا للهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ هِيَ لَكُمْ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: معنى الحديث . المراد بالقرية الأولى في الحديث هي التي لم يوجف عليها المسلمون بخيل، ولا ركاب، بل أجلى عنها أهلها، أو صالحوا؛ فيكون سهمهم فيها، أي: حقهم من العطاء كما تقرر في الفيء. والمراد بالقرية الثانية ما أُخِذت عنوة؛ فتكون غنيمة يُخرَج منها الخمس، والباقي للغانمين. مسألة [٢]: الغنيمة التي لا تنقل، كالأراضي والدُّور ؟ • من أهل العلم من قال: تُقسم بين الغانمين كما تقسم سائر الأموال. وهذا مذهب الشافعي. واستدل على ذلك بعموم الآية: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال:٤١]، وبحديث أبي هريرة ﵁ الذي في الباب، وقد قسم النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أرضَ خيبر بين المقاتلين.

стр. 5408

• ومن أهل العلم من قال: يخير الإمام بين قسمتها، وبين وقفها على المسلمين، وضرب الخراج على من هي بيده. وهذا مذهب أحمد، والثوري، وابن المبارك. واستدلوا على الوقف بفعل عمر بن الخطاب ﵁، فقد قال ﵁ كما في «صحيح البخاري» (٣١٢٥): لولا آخر المسلمين ما فتحت قرية إلا قسمتها بين أهلها كما قسم النبي ﷺ خيبر. قالوا: ويشير إلى فعل عمر ﵁ قولُه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كما في «صحيح مسلم» (٢٨٩٦)، عن أبي هريرة ﵁: «مَنَعَتْ الْعِرَاقُ دِرْهَمَهَا وَقَفِيزَهَا، وَمَنَعَتْ الشَّامُ مُدْيَهَا وَدِينَارَهَا، وَمَنَعَتْ مِصْرُ إِرْدَبَّهَا وَدِينَارَهَا، وَعُدْتُمْ مِنْ حَيْثُ بَدَأْتُمْ، وَعُدْتُمْ مِنْ حَيْثُ بَدَأْتُمْ، وَعُدْتُمْ مِنْ حَيْثُ بَدَأْتُمْ»، وعليه فإذا وقفها؛ فإنه يعطيها أُناسًا يعملون بها، أو يسكنونها مقابل خراج يؤدونه إلى الإمام يصرفه للغانمين، وللمسلمين. • وذهب مالك إلى أنها تصير وقفًا بمجرد الفتح. • وذهب أبو حنيفة إلى أنه يجوز له إقرارها مع الكفار ويضرب عليهم خراجًا. والصحيح مذهب أحمد، واختاره الإمام ابن عثيمين ﵀، وهو ترجيح شيخ الإسلام، وابن القيم، والله أعلم. (١)

стр. 5409

بَابُ الْجِزْيَةِ وَالْهُدْنَةِ الجِزْية: هي اسم فِعلة، من جزى يجزي، وأصلها أخذ الشيء مقابل شيءٍ، والمراد بها ههنا أخذ مالٍ من أهل الذمة مقابل الكف عنهم، والتمكين لهم من سكنى دار المسلمين. والأصل فيها الكتاب، والسنة، والإجماع. أما من القرآن: فقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة:٢٩]. وأما من السنة: فأحاديث الباب التي ستأتي، وحديث بريدة الذي تقدم في أوائل الجهاد، وحديث المغيرة بن شعبة في «صحيح البخاري» (٣١٥٩) أنه قال: «أمرنا نبينا رسول ربنا أن نقاتلكم حتى تعبدوه وحده، أو تؤدوا الجزية». (١)

стр. 5410

١٣٠٥ - عَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخَذَهَا يَعْنِي الجِزْيَةَ مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١)، وَلَهُ طَرِيقٌ فِي «المُوَطَّأِ» فِيهَا انْقِطَاعٌ. (٢) ١٣٠٦ - وَعَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَنَسٍ، وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ خَالِدَ ابْنَ الوَلِيدِ إلَى أُكَيْدِرِ دُوْمَةِ، فَأَخَذُوهُ، فَحَقَنَ دَمَهُ، وَصَالَحَهُ عَلَى الجِزْيَةِ. رَوَاهُ أَبُودَاوُد. (٣) ١٣٠٧ - وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ قَالَ: بَعَثَنِي النَّبِيُّ ﷺ إلَى اليَمَنِ، فَأَمَرَنِي أَنْ آخُذَ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا، أَوْ عِدْلَهُ مَعَافِرِيًّا. أَخْرَجَهُ الثَّلَاثَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالحَاكِمُ. (٤)

стр. 5411

١٣٠٨ - وَعَنْ عَائِذِ بْنِ عَمْرٍو المُزَنِيِّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى». أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ. (١) ١٣٠٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَبْدَءُوا اليَهُودَ وَالنَّصَارَى بِالسَّلَامِ، وَإِذَا لَقِيتُمْ أَحَدَهُمْ فِي طَرِيقٍ فَاضْطَرُّوهُ إلَى أَضْيَقِهِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (٢) ١٣١٠ - وَعَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ وَمَرْوَانَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ عَامَ الحُدَيْبِيَةِ. فَذَكَرَ الحَدِيثَ بِطُولِهِ، وَفِيهِ: هَذَا مَا صَالَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِاللهِ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو: عَلَى وَضْعِ الحَرْبِ عَشْرَ سِنِينَ يَأْمَنُ فِيهَا النَّاسُ، وَيَكُفُّ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ. أَخْرَجَهُ أَبُودَاوُد (٣)، وَأَصْلُهُ فِي «البُخَارِيِّ». (٤)

стр. 5412

١٣١١ - وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ بَعْضَهُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ ﵁، وَفِيهِ: أَنَّ مَنْ جَاءَنَا مِنْكُمْ لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكُمْ، وَمَنْ جَاءَكُمْ مِنَّا رَدَدْتُمُوهُ عَلَيْنَا، فَقَالُوا: أَنَكْتُبُ هَذَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «نَعَمْ، إنَّهُ مَنْ ذَهَبَ مِنَّا إلَيْهِمْ فَأَبْعَدَهُ اللهُ، وَمَنْ جَاءَنَا مِنْهُمْ فَسَيَجْعَلُ اللهُ لَهُ فَرَجًا وَمَخْرَجًا». (١) ١٣١٢ - وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الجَنَّةِ وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا». أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ. (٢) المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث مسألة [١]: ممن تؤخذ الجزية ؟ تقدم الكلام على هذه المسألة عند حديث بريدة في أوائل كتاب الجهاد. (٣) مسألة [٢]: مقدار الجزية التي تؤخذ . • ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى تقديرها، وهو قول مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد في رواية. • واختلفوا في التقدير: فمنهم من قال: على الغني ثمانية وأربعون درهمًا. والمتوسط: أربعة وعشرون درهمًا. والْمُقِلّ: اثنا عشر درهمًا. وهذا قول أبي

стр. 5413

حنيفة، وأحمد في رواية. واستدلوا على ذلك بأنَّ هذا هو الوراد عن عمر ﵁. أخرجه ابن أبي شيبة (١٢/ ٢٤١)، والبيهقي (٩/ ١٩٦)، وأبو عبيد في «الأموال» (ص ٥٥ - )، وله طرق أحدها صحيح. • وقال مالك: هي في حق الغني أربعون درهمًا، أو أربعة دنانير، وفي حق الفقير عشرة دراهم، أو دينار. وصحَّ عن عمر التحديد بأربعة دنانير بغير هذا التفصيل. • وقال الشافعي: الواجب دينار. لحديث معاذ الذي في الكتاب. وقيل عنه: الدنيار أقله. • وذهب الثوري، وأبو عبيد، وأحمد في رواية إلى عدم التحديد، بل ذلك إلى اجتهاد الإمام، ويراعى أحوال أهل الذمة، وقدرتهم، وحاجة المسلمين. وهذا القول هو الصحيح وعليه يُحمل فعل عمر ﵁؛ بدليل أنه قد اختلف عنه التحديد كما تقدم، والله أعلم. (١) مسألة [٣]: وقت وجوب الجزية . • مذهب أحمد، والشافعي أنها تجب في آخر الحول؛ لأنه مال يتكرر بتكرر الحول؛ فوجب بآخره، كالزكاة. • وذهب أبو حنيفة إلى وجوبها في أوله؛ لقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾.

стр. 5414

وأجاب الأولون بأنَّ المقصود التزام إعطائها دون نفس الإعطاء؛ ولهذا يحرم قتالهم بمجرد التزام بذلها قبل أخذها. والقول الأول عزاه ابن القيم للأكثرين، ومن حجتهم أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لما ضرب الجزية على أهل الكتاب، والمجوس لم يطالبهم بها حين ضربها عليهم، ولا ألزمهم بأدائها في الحال وقت نزول الآية، بل صالحهم عليها، وكان يبعث رسله، وسعاته، فيأتون بالجزية والصدقة عند محلها، واستمرت على ذلك سيرة الخلفاء الراشدين من بعده. ومما يدل على هذا القول أنه إذا أسلم قبل انقضاء الحول؛ لم يُطالب بالجزية عند عامة أهل العلم، خلافًا لبعض الشافعية. (١) مسألة [٤]: هل يتعين في الجزية الذهب، والفضة ؟ ذكر أهل العلم أنَّ ذلك لا يتعين، واستدلوا بحديث معاذ بن جبل الذي في الكتاب، وممن نصَّ على ذلك الشافعي، وأحمد، وأبو عبيد. (٢) مسألة [٥]: الذي يتولى عقد الذمة، والهدنة . قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٣/ ٢١٣): وَلَا يَصِحُّ عَقْدُ الذِّمَّةِ وَالْهُدْنَةِ إلَّا مِنْ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَتَعَلَّقُ بِنَظَرِ الْإِمَامِ وَمَا يَرَاهُ مِنْ المَصْلَحَةِ؛ وَلِأَنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ عَقْدٌ مُؤَبَّدٌ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُفْتَاتَ

стр. 5415

بِهِ عَلَى الْإِمَامِ؛ فَإِنْ فَعَلَهُ غَيْرُ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ لَمْ يَصِحَّ. اهـ والفرق بين عقد الذمة والهدنة أنَّ عقد الذمة إقرار للكفار في البقاء في بلاد المسلمين مقابل دفع الجزية للمسلمين وهم صاغرون. وأما الهدنة فهو عقد بين المسلمين والكفار على أن لا يقاتل أحدهما الآخر، وكلٌّ في بلده. مسألة [٦]: الاشتراط على أهل الذمة ضيافة من مرَّ عليهم من المسلمين ؟ صحَّ عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه اشترط عليهم الضيافة (١)، وعليه فيصح أن يشترط عليهم ذلك. • ولا تجب عليهم إلا بالشرط على الصحيح في مذهب أحمد، وهو مذهب الشافعي. • وأوجب بعض الحنابلة عليهم الضيافة بدون شرط، والأول أقرب. (٢) مسألة [٧]: هل تفرض الجزية على الصبي، والمجنون، والمرأة ؟ ليس على هؤلاء جزية عند أهل العلم، وصح عن عمر كما في كتاب «الأموال» (٩٣) أنه كتب إلى أمراء الأجناد أن يقاتلوا في سبيل الله ... ، وأن يضربوا الجزية، ولا يضربوها على النساء والصبيان، ولا يضربوها إلى على من جرت

стр. 5416

عليه الموسى. ولا خلاف في ذلك بين أهل العلم، قاله ابن المنذر، وابن قدامة. (١) مسألة [٨]: من كان يُجَن ويفيق ؟ إن لم يضبط؛ اعتُبر على الأغلب. • وإن ضبط فمنهم من يعتبر الأغلب، وهو قول أبي حنيفة، وأحمد في رواية. • ومنهم من يلفق أيام إفاقته، ويؤخذ منه من الجزية بحسب ذلك، وهذا قول أحمد في رواية، وهو أقرب. (٢) مسألة [٩]: هل على الفقير العاجز عن التكسب جزية ؟ • أكثر أهل العلم على عدم وجوب الجزية عليه؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]. • وذهب الشافعي إلى وجوبها عليه؛ لأنَّ الحقوق لا تسقط بالإعسار، وتبقى في ذمته. وأُجيب بأنَّ حقوق الله تسقط بالإعسار بخلاف حقوق الناس، والله أعلم. (٣) تنبيه: مثل الفقير في الخلاف: الشيخ الفاني، والزمن، والأعمى، فالجمهور

стр. 5417

على عدم وجوب الجزية عليه؛ لأنه ليس بأهل للقتال، خلافًا للشافعي. (١) مسألة [١٠]: هل تجب الجزية على الرهبان ؟ أما إذا كانوا يخالطون الناس، وليسوا منعزلين عنهم؛ فتجب عليهم الجزية بالاتفاق، قاله ابن القيم. وأما إذا كانوا منعزلين عن الناس في كنائسهم، ففيه قولان: • الأول: ليس عليهم جزية. وهو القول الأشهر في مذهب أحمد، وقول للشافعي، ومحمد ابن الحسن؛ وذلك لأنهم لا يقاتلون، فأشبهوا الشيخ الفاني، والأعمى. • الثاني: عليهم الجزية. وهو الأشهر في مذهب الشافعي، وقول أحمد في رواية، وهو قول عمر بن عبدالعزيز؛ لدخولهم في عموم الأدلة؛ ولأنَّ لهم رأيًا وتدبيرًا، ولأنهم من رؤوسهم في الكفر، ومن المحرضين على القتال للمسلمين. وهذا القول أقرب، والله أعلم. (٢) مسألة [١١]: هل تؤخذ الجزية على العبد ؟ أما إذا كان سيده مسلمًا فلا تؤخذ منه بلا خلاف؛ لأنه يؤدي إلى إيجابها على سيده المسلم.

стр. 5418

• وكذلك إن كان سيده كافرًا عند عامة أهل العلم. • وخالف أحمد في رواية، وأوجبها عليه. وقول الجمهور أقرب؛ لأنه يؤدي إلى أن يوجب على سيده جزيتان، ولأنَّ العبد مال لا يملك إلا بتمليك سيده؛ فيكون حاله كالفقير العاجز. (١) مسألة [١٢]: إذا أعتق العبد، هل تجب عليه الجزية ؟ • أكثر العلماء على وجوبها عليه من حينئذٍ؛ لأنه صار حُرًّا، وهو قول أصحاب المذاهب الأربعة وغيرهم. • ونُقل عن أحمد رواية أنه لا تجب عليه، وهو قول الشعبي، وقال به مالك إذا كان سيده مسلمًا؛ لأنَّ ذمته ذمة مواليه. والقول الأول هو الصحيح. (٢) مسألة [١٣]: إذا أسلم الذمي أثناء الحول أو بعده، فهل عليه الجزية ؟ • أما إن كان إسلامه أثناء الحول؛ فلا تجب عليه الجزية عند عامة أهل العلم. • وأما إن كان إسلامه بعد انتهاء الحول؛ فأوجبها عليه الشافعي، وأبو ثور، وابن المنذر؛ لأنه قد حل وقت وجوبها. • وذهب أكثر العلماء إلى عدم وجوبها عليه، وهو قول مالك، وأحمد، والثوري، وأبي عبيد، وأصحاب الرأي؛ لأنه قد صار مسلمًا، والجزية فيها

стр. 5419

إذلال للذمي. ورجَّح هذا القول ابن القيم، ونصره بكلام نفيس في «أحكام أهل الذمة»، ومما قاله: إنَّ الإسلام أعطى المؤلفة قلوبهم من الزكاة ليسلموا، فكيف يوجب على من أسلم دفع الجزية، وفي ذلك أيضًا تنفير عن الإسلام. (١) تنبيه: الاعتبار في أحكام أهل الكتاب بمن يدين بدينهم، لا بالأنساب. قال ابن القيم ﵀ في «أحكام أهل الذمة» (١/ ٦٥): وأخذ الجزية من أهل الكتاب وحِلُّ ذبائحهم ومناكحتهم مرتب على أديانهم لا على أنسابهم؛ فلا يكشف عن آبائهم هل دخلوا في الدين قبل المبعث أو بعده، ولا قبل النسخ والتبديل ولا بعده؛ فإن اللّه سبحانه أقرَّهم بالجزية، ولم يشرط ذلك، وأباح لنا ذبائحهم وأطعمتهم ولم يشرط ذلك في حلها، مع العلم بأن كثيرًا منهم دخل في دينهم بعد تبديله ونسخه، وكانت المرأة من الأنصار تنذر إن عاش لها ولد أن تهوده، فلما جاء الإسلامِ أرادوا منع أولادهمِ من المقام على اليهودية، وإلزامَهم بالإسلام، فأنزل اللّه تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة:٢٥٦]، فأمسكوا عنهم. (٢) ومعلوم قطعًا أنَّ دخولهم في دين اليهودية كان بعد تبديله، وبعد مجيء المسيح؛ ولم يسأل النبي ﷺ أحدًا ممن أقره بالجزية متى دخل آباؤه في الدين، ولا

стр. 5420

من كان يأكل هو وأصحابه من ذبائحهم من اليهود؟ ولا أحد من خلفائه ألبتة، وكيف يمكن العلم بهذا، أو يكون شرطًا في حل المناكحة، والذبيحة، والإقرار بالجزية، ولا سبيل إلى العلم به إلا لمن أحاط بكل شيء علمًا؟!. وأي شيء يتعلق به من آبائه إذا كان هو على دين باطل لا يقبله اللهُ؟. فسواء كان آباؤه كذلك أو لم يكونوا. والنبي ﷺ أخذ الجزية من يهود اليمن، وإنما دخلوا في اليهودية بعد المسيح في زمن تُبَّع، وأخذها رسول الله ﷺ وخلفاؤه من بعده من نصارى العرب، ولم يسألوا أحدًا منهم عن مبدإ دخوله في النصرانية هل كان قبل المبعث أو بعده، وهل كان بعد النسخ والتبديل أم لا؟ اهـ ثم ذكر ﵀ قول المخالف، ومستنده، وبيَّن خطأ ذلك والجواب عليه في كلام نفيس في كتابه المذكور (ص ٦٥ - ٧٥). فائدة على ما تقدم ذِكْره: فالصحيح في نصارى بني تغلب بن وائل بن ربيعة ابن نزار أنهم يُقرُّون بالجزية، وتؤكل ذبائحهم، وتُنكح نساؤهم كأهل الكتاب، وهم قوم من صميم العرب انتقلوا في الجاهلية إلى النصرانية، وقد فرض عمر ﵁ عليهم الجزية، فأبوا إلا أن تؤخذ منهم صدقة سنوية كالمسلمين، فصالحهم عمر على ذلك لَمَّا رأى المصلحة في ذلك، وأضعف عليهم الصدقة؛ فكان يأخذ عليهم الجزية باسم الصدقة. (١)

стр. 5421

مسألة [١٤]: إذا بذل أهل الذمة في جزيتهم خمرًا، أو خنزيرًا ؟ ذكر أهل العلم أنها لا تؤخذ منهم؛ لأنها لا تعتبر مالًا عند المسلمين، فيولون بيعها، ثم تؤخذ منهم، ونُقل ذلك عن عمر بن الخطاب ﵁، بإسناد صحيح أخرجه أبو عبيد في «الأموال» (١٢٨) (١٢٩). (١) مسألة [١٥]: أخذ نصف العشر على من دخل أرض المسلمين غير بلده لحاجة ؟ • للإمام أن يشترط على أهل الذمة أخذ نصف العشر مقابل دخولهم أراضي المسلمين لتجارة وغيرها كما فعل ذلك عمر بن الخطاب ﵁. • وخصَّه الشافعي فيمن دخل لتجارة يحتاج إليها. (٢) مسألة [١٦]: إحداث الكنائس وإبقاؤها في أمصار المسلمين . أمصار المسلمين على ثلاثة أقسام: القسم الأول: ما مصَّره المسلمون كالبصرة، والكوفة، وبغداد، وواسط، ومصر عقب فتحه عنوة، فهذه بلاد إسلام لا يجوز فيها إحداث كنيسة ولا إقرارها. القسم الثاني: ما مصَّره الكفار، ثم فتحه المسلمون عنوة، ففيه قولان لأهل العلم، وهما قولان في مذهب أحمد ووجهان للشافعي:

стр. 5422

أحدهما: أنه تقر فيه الكنائس الموجودة ولا تحدث أخرى. وحجتهم أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أقر يهود خيبر مع معابدهم، واحتجوا بأثر ابن عباس ﵄، وهو ثابتٌ عنه قال: أيما مصر مصرته العرب يعني المسلمين فليس للعجم يعني أهل الذمة أن يبنوا فيه كنيسة، ولا يضربوا فيه ناقوسًا، ولا يشربوا فيه خمرًا. وأيما مصر مصرته العجم، ففتحه الله على العرب؛ فإنَّ للعجم ما في عهدهم، وعلى العرب أن يوفوا بعهدهم، ولا يكلفوهم فوق طاقتهم. والقول الثاني: أنه لا يجوز إقرار كنيسة ولا بناؤها؛ لأنها صارت بلاد إسلام، فلا تقر فيها شعارات الكفر، وكما لا يجوز إبقاء الأمكنة التي هي شعار الفسوق كالخمارات؛ فكذلك هذا. ولأنَّ أمكنة البِيَعِ والكنائس قد صارت ملكًا للمسلمين، فتمكين الكفار من إقامة شعار الكفر فيها كَبِيَعِهِم وإجارتهم إياها، ولأنَّ الله تعالى أمر بالجهاد حتى يكون الدين كله له، وتمكينهم من إظهار شعار الكفر في تلك المواطن جعل الدين له ولغيره. قال ابن القيم ﵀: وهذا القول هو الصحيح. ثم قال: وفصل الخطاب أن يُقال: إن الإمام يفعل في ذلك ما هو الأصلح للمسلمين، فإن كان أخذها منهم أو إزالتها هو المصلحة -لكثرة الكنائس أو حاجة المسلمين إلى بعضها وقلة أهل الذمة- فله أخذها أو إزالتها بحسب المصلحة. وإن كان تركها أصلح -لكثرتهم وحاجتهم إليها وغنى المسلمين

стр. 5423

عنها- تركها. ثم قال: فبهذا التفصيل تجتمع الأدلة، وهو اختيار شيخنا، وعليه يدل فعل الخلفاء الراشدين ومن بعدهم من أئمة الهدى، وعمر بن عبد العزيز هدم منها ما رأى المصلحة في هدمه وأقر ما رأى المصلحة في إقراره. انتهى بتلخيص. القسم الثالث: ما فُتح صلحًا، وهو على حالتين: الأولى: أن يصالحهم على أنَّ لهم الأرض وعليهم الخراج، أو يصالحهم على مالٍ يبذلونه ولهم أرضهم، فلا يمنعون من إحداث ما يختارونه فيها؛ لأنَّ الدار لهم، ونقلوا أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- صالح أهل نجران على ذلك. الثانية: أن يصالحهم على أنَّ الأرض للمسلمين، ويدفعون الجزية؛ فالحكم على ما يقع الصلح معهم عليه، وينبغي للإمام أن يصالحهم كما فعل عمر ﵁، وهو أن لا يحدثوا كنيسة. وإذا رأى الإمام أن تهدم كنائسهم أيضًا؛ فلا بأس عليه في ذلك، والله أعلم. (١) مسألة [١٧]: إعادة بنائها وترميم ما فسد منها . إصلاح ما فسد منها يجوز حيث قلنا: يجوز إقرارها. • وأما إعادة بنائها فلا يجوز على الصحيح، وهو مذهب أحمد، والشافعي. • وذهب أبو حنيفة، وأحمد في رواية إلى أنه يجوز إعادة بنائها إذا انهدمت.

стр. 5424

والصحيح القول الأول، والله أعلم. (١) مسألة [١٨]: الشروط التي يُعقد لأهل الذمة بها . قال ابن قدامة ﵀: الْمَأْخُوذُ فِي أَحْكَامِ الذِّمَّةِ يَنْقَسِمُ خَمْسَةَ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: مَا لَا يَتِمُّ الْعَقْدُ إلَّا بِذِكْرِهِ، وَهُوَ شَيْئَانِ: الْتِزَامُ الْجِزْيَةِ، وَجَرَيَانُ أَحْكَامِنَا عَلَيْهِمْ؛ فَإِنْ أَخَلَّ بِذِكْرِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ. وَفِي مَعْنَاهُمَا تَرْكُ قِتَالِ المُسْلِمِينَ؛ فَإِنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ لَفْظَهُ، فَذِكْرُ المُعَاهَدَةِ يَقْتَضِيه. الْقِسْمُ الثَّانِي: مَا فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى المُسْلِمِينَ فِي أَنْفُسِهِمْ، وَهُوَ ثَمَانِي خِصَالٍ، وَذَلِكَ مِثْل: الزِّنَى بِمُسْلِمَةٍ، وَإِصَابَتُهَا بِاسْمِ نِكَاحٍ، وَفَتْنُ مُسْلِمٍ عَنْ دِينِهِ، وَقَطْعُ الطَّرِيقِ عَلَيْهِ، وَقَتْلُهُ، وَإِيوَاءُ جَاسُوسِ المُشْرِكِينَ، وَالمُعَاوَنَةُ عَلَى المُسْلِمِينَ بِدَلَالَةِ المُشْرِكِينَ عَلَى عَوْرَاتِهِمْ أَوْ مُكَاتَبَتِهِمْ. الْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَا فِيهِ غَضَاضَةٌ عَلَى المُسْلِمِينَ، وَهُوَ ذِكْرُ رَبِّهِمْ، أَوْ كِتَابِهِمْ أَوْ دِينِهِمْ، أَوْ رَسُولِهِمْ بِسُوءٍ. الْقِسْمُ الرَّابِعُ: مَا فِيهِ إظْهَارُ مُنْكَرٍ، وَهُوَ خَمْسَةُ أَشْيَاءَ: إحْدَاثُ الْبِيَعِ وَالْكَنَائِسِ وَنَحْوِهَا، وَرَفْعُ أَصْوَاتِهِمْ بِكُتُبِهِمْ بَيْنَ المُسْلِمِينَ، وَإِظْهَارُ الْخَمْرِ، وَالْخِنْزِيرِ، وَالضَّرْبُ بِالنَّوَاقِيسِ، وَتَعْلِيَةُ الْبُنْيَانِ عَلَى أَبْنِيَةِ المُسْلِمِينَ، وَالْإِقَامَةُ بِالْحِجَازِ، وَدُخُولُ الْحَرَمِ، فَيَلْزَمُهُمْ الْكَفُّ عَنْهُ، سَوَاءٌ شَرَطَ عَلَيْهِمْ أَوْ لَمْ يَشْرُطْ، فِي جَمِيعِ مَا فِي هَذِهِ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ.

стр. 5425

الْقِسْمُ الْخَامِسُ: التَّمَيُّزُ عَنِ المُسْلِمِينَ فِي أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ: لِبَاسِهِمْ، وَشُعُورِهِمْ، وَرُكُوبِهِمْ، وَكُنَاهُمْ. انتهى بتلخيص. (١) مسألة [١٩]: نقض أهل الذمة للعهد . إذا نقضوا الميثاق؛ جاز قتالهم، وإن حصل النقض من بعضهم؛ حلَّ قتل هؤلاء؛ فإن دافع عنهم أهل الذمة؛ فقد نقضوا العهد جميعًا، وإن نقض رجلٌ العهد؛ لم تحل امرأته وذريته للسبي إلا أن ينقضوا معه. وإن خِيف من أهل الذمة الخيانة والنقض، فنصَّ الشافعية، والحنابلة أنه لا يجوز أن ينبذ إليهم عهدهم؛ لأنَّ عقد الذمة لِحَقِّهم؛ بدليل أنَّ الإمام تلزمه إجابتهم إليه، بخلاف عقد الأمان والهدنة؛ فإنه لمصلحة المسلمين، ولأنَّ عقد الذمة مؤبد، وهو معاوضة. (٢) مسألة [٢٠]: حماية المسلمين لأهل الذمة من أهل الحرب . قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٣/ ٢٥٠): وَإِذَا عَقَدَ الذِّمَّةَ؛ فَعَلَيْهِ حِمَايَتُهُمْ مِنْ المُسْلِمِينَ، وَأَهْلِ الْحَرْبِ، وَأَهْلِ الذِّمَّةِ؛ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ بِالْعَهْدِ حِفْظَهُمْ، وَلِهَذَا قَالَ عَلِيٌّ ﵁: إنَّمَا بَذَلُوا الْجِزْيَةَ؛ لِتَكُونَ أَمْوَالُهُمْ كَأَمْوَالِنَا، وَدِمَاؤُهُمْ كَدِمَائِنَا. (٣) وَقَالَ عُمَرُ ﵁ فِي وَصِيَّتِهِ لِلْخَلِيفَةِ بَعْدَهُ: وَأُوصِيه بِأَهْلِ ذِمَّةِ المُسْلِمِينَ

стр. 5426

خَيْرًا، أَنْ يُوفِيَ لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ، وَيُحَاطُ مِنْ وَرَائِهِمْ. (١) اهـ مسألة [٢١]: إذا تحاكم أهل الذمة للحاكم المسلم ؟ • من أهل العلم من يقول: يجب على الحاكم أن يحكم بينهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة:٤٩]، وهذا قول ابن عباس (٢)، ومجاهد، وعكرمة، والحسن، وقتادة، والسُّدِّي، وعمر بن عبدالعزيز، وهو قول الشافعي، والحنفية، وعزاه القرطبي للجمهور. • وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنَّ الإمام مخير بين الحكم بينهم والإعراض عنهم؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة:٤٢] الآية. وهذا قول الشعبي، والنخعي، والزهري، وسعيد بن جبير، وهو مذهب أحمد، ومالك، وقول للشافعي، وعزاه البغوي للجمهور. وأجاب الأولون بأنَّ آية التخيير منسوخة بالآية التي ذكروها. وأُجيب بأنه لا نسخ مع عدم وجود التعارض بين الآيتين؛ فإنَّ الأمر بالحكم بما أنزل الله لا ينافي التخيير؛ فإنه إذا اختار الحكم حَكَم بينهم بما أنزل الله.

стр. 5427

والصحيح القول الثاني، والله أعلم. (١) تنبيه: إذا تحاكم مسلمٌ وذمِيٌّ؛ وجب الحكم بينهم بلا خلاف عند أهل العلم، ذكر ذلك الشوكاني في «فتح القدير» وغيره. مسألة [٢٢]: تمكينهم من شراء المصاحف . قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٣/ ٢٥١): وَلَا يَجُوزُ تَمْكِينُهُ مِنْ شِرَاءِ مُصْحَفٍ، وَلَا حَدِيثِ رَسُولِ الله ﷺ وَلَا فِقْهٍ؛ فَإِنْ فَعَلَ فَالشِّرَاءُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَتَضَمَّنُ ابْتِذَالَهُ. اهـ مسألة [٢٣]: تصديرهم في المجالس، وبدؤهم بالسلام . قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٣/ ٢٥١): وَلَا يَجُوزُ تَصْدِيرُهُمْ فِي الْمَجَالِسِ، وَلَا بَدَاءَتَهُمْ بِالسَّلَامِ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: «لَا تَبْدَءُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى بِالسَّلَامِ، وَإِذَا لَقِيتُمْ أَحَدَهُمْ فِي الطَّرِيقِ؛ فَاضْطَرُّوهُمْ إلَى أَضْيَقِهَا». أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ (٢)، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إنَّا غَادُونَ غَدًا، فَلَا تَبْدَءُوهُمْ بِالسَّلَامِ، وَإِنْ سَلَّمُوا عَلَيْكُمْ، فَقُولُوا: وَعَلَيْكُمْ». (٣)

стр. 5428

مسألة [٢٤]: قوله للذمي: كيف أصبحت. ونحوها . • قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٣/ ٢٥٢): قَالَ أَبُو دَاوُد: قُلْت لِأَبِي عَبْدِ الله: تَكْرَهُ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلذِّمِّيِّ: كَيْفَ أَصْبَحْت؟ أَوْ كَيْفَ حَالُك؟ أَوْ كَيْفَ أَنْتَ؟ أَوْ نَحْوَ هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، هَذَا عِنْدِي أَكْثَرُ مِنْ السَّلَامِ. اهـ • وذهب شيخ الإسلام إلى جواز ذلك؛ لأنَّ السلام يتضمن الإكرام، والدعاء أيضًا. قال الإمام ابن عثيمين ﵀ (٨/ ١٣): وينبغي أن يُقال: إذا كانوا يفعلون بنا ذلك؛ فلنفعله بهم، أو كان هذا لمصلحة، كالتأليف لقلوبهم؛ فلنفعله بهم، أو كان ذلك خوفًا من شرهم؛ فلنفعله بهم. اهـ

стр. 5429

بَعْضُ المَسَائِلِ المُتَعَلِّقَةِ بِالهُدْنَةِ الهُدنة: مأخوذة من الهدون، وهو السكون، والمراد به الصلح بين المسلمين، والكفار على أن يكف كل منهما عن الآخر، ويسمى موادعة، وصُلحًا، وهدنة. وتجوز المهادنة بدون مال، وتجوز بمقابل مال يدفعه الكفار. (١) مسألة [١]: هل تجوز الهدنة بمقابل مال يدفعه المسلمون للكفار ؟ ذكر أهل العلم أنَّ هذا لا يجوز؛ لأنه إذلال للإسلام والمسلمين، وذكروا أنه لا يجوز إلا في حال ضرورة شديدة، كأن يخشى من ذُلٍّ أعظم منه؛ فيجوز للضرورة. (٢) تنبيه: ليس لأحد أن يعقد الهدنة غير الإمام، وليس للإمام أن يعقد الهدنة إلا لمصلحة المسلمين. (٣) مسألة [٢]: هل يشترط في عقد الهدنة أن يكون مقيدًا بزمن ؟ • اشترط ذلك بعض أهل العلم، وهو قول جماعة من الحنابلة، والشافعية، واختاره ابن قدامة؛ لأنَّ عقده مطلقًا يؤدي إلى ترك الجهاد في سبيل الله؛ ولأنَّ المسلمين قد يجدون قوة على عدوهم، فيمنعهم العقد. • وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى صحة العقد مؤقتًا، ومطلقًا، وهو قول جماعة

стр. 5430

من الشافعية، والحنابلة، واختار ذلك شيخ الإسلام، وابن القيم رحمة الله عليهما. واستدلوا على ذلك بأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قد صالح أهل قريظة وغيرهم مطلقًا. وقولهم: (يؤدي إلى ترك الجهاد) ليس بصحيح؛ لأنَّه وإن كان مطلقًا، فنحن لا نقول بأنه يجوز أن يشترط جعله لازمًا، بل يكون عقدًا جائزًا إذا أردنا الخروج منه نبذنا إليهم العهد كما قال الله تعالى: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١ - ٥]. فهؤلاء هم المعاهدون لغير مدة، وأما الذين لهم مدة، فقال فيهم: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ [التوبة:٤]. وعليه فالعهد المطلق لا يجوز أن يجعل لازمًا، والعهد المؤقت يجوز أن يجعل لازمًا، ويجوز أن يجعل جائزًا على الصحيح، ومنعه بعضهم. (١) تنبيه: إذا عقد المسلمون مع المشركين هدنة منعوا منهم أنفسهم، وأهل ذمتهم، وأما إذا عدا عليهم أهل حرب آخرين؛ لم تمنعهم منهم. (٢)
следующие страницы →