← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 165

فتح العلام في دراسة أحاديث بلوغ المرام ط 4

محمد بن علي بن حزام البعداني

Полный текст (5 956 стр.). Показаны 5426–5465 · переход к 5431.

стр. 5426

خَيْرًا، أَنْ يُوفِيَ لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ، وَيُحَاطُ مِنْ وَرَائِهِمْ. (١) اهـ مسألة [٢١]: إذا تحاكم أهل الذمة للحاكم المسلم ؟ • من أهل العلم من يقول: يجب على الحاكم أن يحكم بينهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة:٤٩]، وهذا قول ابن عباس (٢)، ومجاهد، وعكرمة، والحسن، وقتادة، والسُّدِّي، وعمر بن عبدالعزيز، وهو قول الشافعي، والحنفية، وعزاه القرطبي للجمهور. • وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنَّ الإمام مخير بين الحكم بينهم والإعراض عنهم؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة:٤٢] الآية. وهذا قول الشعبي، والنخعي، والزهري، وسعيد بن جبير، وهو مذهب أحمد، ومالك، وقول للشافعي، وعزاه البغوي للجمهور. وأجاب الأولون بأنَّ آية التخيير منسوخة بالآية التي ذكروها. وأُجيب بأنه لا نسخ مع عدم وجود التعارض بين الآيتين؛ فإنَّ الأمر بالحكم بما أنزل الله لا ينافي التخيير؛ فإنه إذا اختار الحكم حَكَم بينهم بما أنزل الله.

стр. 5427

والصحيح القول الثاني، والله أعلم. (١) تنبيه: إذا تحاكم مسلمٌ وذمِيٌّ؛ وجب الحكم بينهم بلا خلاف عند أهل العلم، ذكر ذلك الشوكاني في «فتح القدير» وغيره. مسألة [٢٢]: تمكينهم من شراء المصاحف . قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٣/ ٢٥١): وَلَا يَجُوزُ تَمْكِينُهُ مِنْ شِرَاءِ مُصْحَفٍ، وَلَا حَدِيثِ رَسُولِ الله ﷺ وَلَا فِقْهٍ؛ فَإِنْ فَعَلَ فَالشِّرَاءُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَتَضَمَّنُ ابْتِذَالَهُ. اهـ مسألة [٢٣]: تصديرهم في المجالس، وبدؤهم بالسلام . قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٣/ ٢٥١): وَلَا يَجُوزُ تَصْدِيرُهُمْ فِي الْمَجَالِسِ، وَلَا بَدَاءَتَهُمْ بِالسَّلَامِ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: «لَا تَبْدَءُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى بِالسَّلَامِ، وَإِذَا لَقِيتُمْ أَحَدَهُمْ فِي الطَّرِيقِ؛ فَاضْطَرُّوهُمْ إلَى أَضْيَقِهَا». أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ (٢)، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إنَّا غَادُونَ غَدًا، فَلَا تَبْدَءُوهُمْ بِالسَّلَامِ، وَإِنْ سَلَّمُوا عَلَيْكُمْ، فَقُولُوا: وَعَلَيْكُمْ». (٣)

стр. 5428

مسألة [٢٤]: قوله للذمي: كيف أصبحت. ونحوها . • قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٣/ ٢٥٢): قَالَ أَبُو دَاوُد: قُلْت لِأَبِي عَبْدِ الله: تَكْرَهُ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلذِّمِّيِّ: كَيْفَ أَصْبَحْت؟ أَوْ كَيْفَ حَالُك؟ أَوْ كَيْفَ أَنْتَ؟ أَوْ نَحْوَ هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، هَذَا عِنْدِي أَكْثَرُ مِنْ السَّلَامِ. اهـ • وذهب شيخ الإسلام إلى جواز ذلك؛ لأنَّ السلام يتضمن الإكرام، والدعاء أيضًا. قال الإمام ابن عثيمين ﵀ (٨/ ١٣): وينبغي أن يُقال: إذا كانوا يفعلون بنا ذلك؛ فلنفعله بهم، أو كان هذا لمصلحة، كالتأليف لقلوبهم؛ فلنفعله بهم، أو كان ذلك خوفًا من شرهم؛ فلنفعله بهم. اهـ

стр. 5429

بَعْضُ المَسَائِلِ المُتَعَلِّقَةِ بِالهُدْنَةِ الهُدنة: مأخوذة من الهدون، وهو السكون، والمراد به الصلح بين المسلمين، والكفار على أن يكف كل منهما عن الآخر، ويسمى موادعة، وصُلحًا، وهدنة. وتجوز المهادنة بدون مال، وتجوز بمقابل مال يدفعه الكفار. (١) مسألة [١]: هل تجوز الهدنة بمقابل مال يدفعه المسلمون للكفار ؟ ذكر أهل العلم أنَّ هذا لا يجوز؛ لأنه إذلال للإسلام والمسلمين، وذكروا أنه لا يجوز إلا في حال ضرورة شديدة، كأن يخشى من ذُلٍّ أعظم منه؛ فيجوز للضرورة. (٢) تنبيه: ليس لأحد أن يعقد الهدنة غير الإمام، وليس للإمام أن يعقد الهدنة إلا لمصلحة المسلمين. (٣) مسألة [٢]: هل يشترط في عقد الهدنة أن يكون مقيدًا بزمن ؟ • اشترط ذلك بعض أهل العلم، وهو قول جماعة من الحنابلة، والشافعية، واختاره ابن قدامة؛ لأنَّ عقده مطلقًا يؤدي إلى ترك الجهاد في سبيل الله؛ ولأنَّ المسلمين قد يجدون قوة على عدوهم، فيمنعهم العقد. • وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى صحة العقد مؤقتًا، ومطلقًا، وهو قول جماعة

стр. 5430

من الشافعية، والحنابلة، واختار ذلك شيخ الإسلام، وابن القيم رحمة الله عليهما. واستدلوا على ذلك بأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قد صالح أهل قريظة وغيرهم مطلقًا. وقولهم: (يؤدي إلى ترك الجهاد) ليس بصحيح؛ لأنَّه وإن كان مطلقًا، فنحن لا نقول بأنه يجوز أن يشترط جعله لازمًا، بل يكون عقدًا جائزًا إذا أردنا الخروج منه نبذنا إليهم العهد كما قال الله تعالى: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١ - ٥]. فهؤلاء هم المعاهدون لغير مدة، وأما الذين لهم مدة، فقال فيهم: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ [التوبة:٤]. وعليه فالعهد المطلق لا يجوز أن يجعل لازمًا، والعهد المؤقت يجوز أن يجعل لازمًا، ويجوز أن يجعل جائزًا على الصحيح، ومنعه بعضهم. (١) تنبيه: إذا عقد المسلمون مع المشركين هدنة منعوا منهم أنفسهم، وأهل ذمتهم، وأما إذا عدا عليهم أهل حرب آخرين؛ لم تمنعهم منهم. (٢)

стр. 5431

مسألة [٣]: إذا نقض أهل الهدنة الصلح ؟ كان حكم الله ورسوله في قريظة حين نقضوا: أن تُقتل المقاتلة، وتُسبى الذرية، وتغنم أموالهم، وعلى هذا جرى أهل العلم فيهم، وللإمام أن يعفوَ إذا رأى مصلحة في ذلك كما فعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مع قريش. (١) مسألة [٤]: هل يصح أن يشترط رد من جاء منهم مسلمًا ؟ • أجاز ذلك جماعةٌ من أهل العلم، وهو مذهب الحنابلة، وجماعة من الشافعية؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قبله، ولا يجوز عندهم قبول هذا الشرط إلا للحاجة، أو تحقق المصلحة منه. • ومنع منه الحنفية، وبعض الشافعية، والصحيح ما تقدم، وشرط بعضُ الشافعية أن يكون له عشيرة. (٢) مسألة [٥]: هل يجوز اشتراط رد النساء المسلمات منهم ؟ لا يجوز ذلك عند أهل العلم؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة:١٠]. (٣)

стр. 5432

بَابُ السَّبَقِ وَالرَّمْيِ ١٣١٣ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: سَابَقَ النَّبِيُّ ﷺ بِالخَيْلِ الَّتِي قَدْ ضُمِّرَتْ، مِنَ الحَفْيَاءِ، وَكَانَ أَمَدُهَا ثَنِيَّةَ الوَدَاعِ، وَسَابَقَ بَيْنَ الخَيْلِ الَّتِي لَمْ تُضَمَّرْ مِنَ الثَّنِيَّةِ إلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ فِيمَنْ سَابَقَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١) زَادَ البُخَارِيُّ، قَالَ سُفْيَانُ: مِنَ الحَفْيَاءِ إلَى ثَنِيَّةِ الوَدَاعِ خَمْسَةُ أَمْيَالٍ، أَوْ سِتَّةٌ، وَمِنَ الثَّنِيَّةِ إلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ مِيلٌ. (٢) ١٣١٤ - وَعَنْهُ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سبَّق بَيْنَ الخَيْلِ، وَفَضَّلَ القُرَّحَ (٣) فِي الغَايَةِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُودَاوُد، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (٤) ١٣١٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا سَبَقَ إلَّا فِي خُفٍّ، أَوْ نَصْلٍ، أَوْ حَافِرٍ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالثَّلَاثَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (٥)

стр. 5433

١٣١٦ - وَعَنْهُ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ وَهُوَ لَا يَأْمَنُ أَنْ يُسْبَقَ فَلَا بَأْسَ بِهِ، فَإِنْ أَمِنَ فَهُوَ قِمَارٌ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُودَاوُد، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ. (١) ١٣١٧ - وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى المِنْبَرِ يَقْرَأُ: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾. «أَلَا إنَّ القُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلَا إنَّ القُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلَا إنَّ القُوَّةَ الرَّمْيُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (٢) المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث مسألة [١]: الأمور التي يُشرَع فيها الاستباق . المغالبات ثلاثة أقسام: ١) قسم محبوب، مُرضِي لله ورسوله، مُعين على تحصيل محابِّه، كالسِّباق بالخيل، والإبل، والرمي بالنشاب، ويدل عليه حديث ابن عمر ﵄،

стр. 5434

وحديث أبي هريرة ﵁ الَّلذَيْنِ في الباب، وكذا حديث عقبة. ٢) قسم مبغوض، مسخط لله ورسوله، موصل إلى ما يكرهه الله ورسوله، كسائر المغالبات التي توقع العداوة والبغضاء، وتصد عن ذكر الله، وعن الصلاة، كالنرد والشطرنج، وما أشبههما. ٣) قسم ليس فيه مضرة راجحة، ولا هو أيضًا متضمن لمصلحة راجحة يأمر الله تعالى بها، ورسوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؛ فهذا لا يحرم، ولا يؤمر به، كالصراع، والعَدْو، والسباحة، وأخذ الأثقال، ونحوها. (١) مسألة [٢]: الاستباق بلا عوض . يجوز الاستباق بغير عوض في القسمين الأول والثالث بلا خلاف عند أهل العلم، وأما القسم الثاني ففيه خلاف نذكره بعدُ إن شاء الله تعالى. (٢) مسألة [٣]: الاستباق بعوض . أما القسم الثاني فيحرم العوض فيه، وهو من الميسر، والقمار، سواء كان المال من أحدهما، أو من كليهما، أو من ثالث. قال ابن القيم ﵀ في «الفروسية» (١٣٨، ١٤٤): وهذا باتفاق المسلمين غير سائغ. اهـ

стр. 5435

وأما القسم الأول: فقد اتفق العلماء على جواز الرهان فيه في الجملة، واختلفوا في بعض الصور كما سيأتي بيانه إن شاء الله. والحجة في جواز العوض فيه حديث أبي هريرة ﵁ الذي في الباب: «لَا سَبَقَ إلَّا فِي خُفٍّ، أَوْ نَصْلٍ، أَوْ حَافِرٍ». فقوله: «سَبَقَ» بفتح الموحدة، والقاف هو المال الذي يُعطَاه السابق، والخف هو الإبل، والحافر هو الخيل، والنصل أُريد بها السِّهام، والمراد بذلك الاستباق بالخيل، والإبل، والانتضال بالسهام. • وأما القسم الثالث: فجمهور العلماء على عدم جوازها بعوض؛ لحديث أبي هريرة ﵁، ففيه حصر الجواز بثلاثة أمور، وقد تقدم، فما سواها لا يجوز، ويكون من الميسر، ومن أكل المال بالباطل، وهذا قول مالك، والشافعي، وأحمد وغيرهم. • وذهب أبو حنيفة، وبعض الشافعية إلى جوازها بالعوض؛ لأنَّ فيها مصلحة كالثلاث المذكورة. وأُجيب بأنَّ المصلحة في الثلاث مصلحة راجحة، مأمور بها، فلا يُقاس ما دونها عليها. وقول الجمهور هو الصواب، وهو ترجيح ابن القيم ﵀. (١) مسألة [٤]: المسابقة على البغال والحمير بعوض . • ذهب الجمهور إلى عدم جواز ذلك، وهو قول أحمد، ومالك، والشافعي في

стр. 5436

قول؛ وذلك لأنَّ الخيل هي التي تعد لجهاد الأعداء، وهي المقصود بقوله: «حافر». • وذهب أبو حنيفة، والشافعي في قول إلى جواز ذلك؛ لأنه يشملها اسم «حافر». وأجاب الجمهور بأنَّ إطلاق الحافر كان للمعهود والمتبادر إلى الذهن، وهو الخيل. قالوا: وما لحافر البغال، والحمير، والبقر دخول في ذلك ألبتة، ولم يسابق أحدٌ من السلف قط بحمار، ولا بغل، وما سوَّى الله بين الخيل، والحمير قط، لا في سهم الغنيمة، ولا في الغزو، ولا جعل الخير معقود في نواصيها بالأجر والغنيمة، وفي أمور أخرى. وقول الجمهور هو الصواب، وإليه يميل ابن القيم ﵀. (١) فائدة: المراد بـ «الخف» البعير؛ لأنه ذو خف، وألحق بعض الشافعية الفيل، وهو مذهب الحنفية؛ لأنه ذو خف، والجمهور على اختصاصه بالإبل، وهو الصحيح. (٢) مسألة [٥]: المسابقة بالسيف والرمح . • منعها بِعِوَضٍ مالك، وأحمد، وهو وجهٌ للشافعية؛ لحديث أبي هريرة ﵁: «لَا سَبَقَ إلَّا فِي خُفٍّ، أَوْ نَصْلٍ، أَوْ حَافِرٍ».

стр. 5437

• وأجازها أبو حنيفة، وبعض الشافعية؛ إلحاقًا لها بما ذُكِر في الحديث. والصحيح القول الأول. (١) مسألة [٦]: الباذل للعوض . أمَّا إذا كان الباذل للعوض هو ثالث غير المتسابقين، كالإمام أو غيره؛ فهذا جائز عند عامَّة أهل العلم. • وأما إذا كان الباذل أحدهما دون الآخر؛ فهو جائز عند جمهور العلماء، وهو قول أحمد، والشافعي، وإسحاق، والأوزاعي، وأصحاب الرأي، ومالك في رواية. واستدلوا بعموم حديث أبي هريرة ﵁: «لَا سَبَقَ إلَّا فِي خُفٍّ، أَوْ نَصْلٍ، أَوْ حَافِرٍ». • وخالف القاسم بن محمد، ومالك في رواية، فلم يجيزوا بذل السبق من أحد المتسابقين؛ لأنه ربما أخذ ماله بغير طيب نفس منه، ولأنه دائر بين الغنم والغرم دون صاحبه. ومالك ﵀ له تفاصيل في المسألة. انظر: «الفروسية» (ص ١٥٤ - ). وأُجيب بأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أطلق جواز السبق في الأشياء الثلاثة، ولم يخصه بباذلٍ خارج عنهما.

стр. 5438

قالوا: وقد التزم بذله عن كونه مغلوبًا، فيحل للغالب أكله بحكم التزامه الاختياري الذي لم يجبره عليه أحد؛ فهو كما لو نذر إن سلَّم الله غائبه أن يتصدق على فلان بكذا وكذا، فوجد الشرط؛ فإنه يلزمه إخراج ما التزمه، ويحل للآخر أكله، وإن كان عن غير طيب نفس منه. قالوا: والذي حرمه الشارع أن يكون مكرهًا على إخراج ماله، فأما إذا كان بذله، والتزمه باختياره؛ لم يدخل في الحديث. وقول الجمهور هو الصواب، وهو ترجيح شيخ الإسلام، وابن القيم. (١) • وأما إن كان العوض من المتسابقين كليهما، فذهب الجمهور إلى عدم جواز ذلك؛ إلا أن يدخل بينهما ثالث محلل، وهذا المحلل لا يخرج شيئًا؛ فإن سبقهما أخذ سبقهما، وإن سبقا معًا؛ أحرزا سبقهما، ولم يغرم المحلل شيئًا، وإن سبق المحلل مع أحدهما؛ اشترك هو والسابق في سبقه، وإن سبق أحد المتسابقين غير المحلل؛ أخذ العوض كاملًا. وحجة الجمهور حديث أبي هريرة ﵁ الذي في الباب، وقد تقدم بيان ما فيه. واستدلوا بما أخرجه ابن حبان في «صحيحه» (٤٦٨٩) من حديث ابن عمر ﵄ أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- سابق بين الخيل، وجعل بينهما سبقًا، وجعل بينهما محللًا، وقال: «لَا سَبَقَ إلَّا فِي حَافِرٍ، أَوْ نَصْلٍ»، وهو حديث ضعيف، في إسناده: عاصم ابن عمر العمري، وهو ضعيف، ومنهم من تركه.

стр. 5439

قال البخاري: منكر الحديث. وقال النسائي: ليس بثقة. وقال مرة: متروك. والحديث المذكور من جملة مناكيره كما في «الكامل» لابن عدي. قال الجمهور: وإذا دفع كل واحد من المتسابقين جُعلًا؛ صارا بين الغنم والغرم، وهذا هو الميسر، ولكن إذا دخل المحلل وُجِدَ احتمال ثالث، وهو أن يسبق المحلل فيأخذ جعليهما معًا، ولا يغرم شيئًا. • وذهب جماعة من أهل العلم إلى جواز المسابقة على عوضٍ يبذله المتسابقان بدون اشتراط دخول المحلل. وهذا قول جابر بن زيد، وثبت عن أبي عبيدة بن الجراح بإسناد حسن كما في «مسند أحمد» (١/ ٤٩) أنه قال: من يراهنني؟ فقال شاب: أنا إن لم تغضب. قال: فسابقه. قال: فرأيت عقيصتي أبي عبيدة تنقزان، وهو على فرسٍ خلفه عربي. قال ابن القيم ﵀ (ص ٥٨): والقول بالمحلل مذهبٌ تلقاه الناس عن سعيد ابن المسيب، وأما الصحابة فلا يُحفظ عن أحد منهم قط أنه اشترط المحلل، ولا راهن به مع كثرة تناضلهم ورهانهم، بل المحفوظ عنهم خلافه كما ذكر عن أبي عبيدة بن الجراح. وقال الجوزجاني ﵀ في كتابه «المترجم»: حدثنا أبو صالح هو محبوب بن موسى الفراء، حدثنا أبو إسحاق الفزاري، عن ابن عيينة، عن عمرو ابن دينار، قال: قال رجل عند جابر بن زيد: إنَّ أصحاب محمد كانوا لا يرون بالدخيل بأسًا. فقال: هم كانوا أعفَّ من ذلك. والدخيل عندهم هو المحلل، فينافيه ما نُقل عنهم أنهم لم يكونوا يرون به بأسًا، وفرق بين لا يرون به بأسًا، وبين

стр. 5440

أن يكون شرطًا في صحة العقد وحِلِّه؛ فهذا لا يُعرف عن أحد منهم ألبتة. قال: وقوله: (كانوا أعف من ذلك)، أي: كانوا أعف من أن يدخلوا بينهم في الرهان دخيلًا، كالمستعار؛ ولهذا قال جابر بن زيد رواي هذه القصة: إنه لا يحتاج المتراهنان إلى المحلل. حكاه الجوزجاني وغيره عنه. اهـ والأثر المتقدم أخرجه ابن منصور في «سننه» (٢٩٥٩) عن ابن عيينة به. وقال شيخ الإسلام ﵀ كما في «الفروسية» (ص ٦٠): ما علمت بين الصحابة خلافًا في عدم اشتراط المحلل. اهـ واستدل أصحاب هذا القول بعموم حديث أبي هريرة ﵁ الذي في الباب: «لَا سَبَقَ إلَّا فِي خُفٍّ ... »، فأطلق النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الجواز ولم يشترط ذلك بكون البذل من غيرهما، أو من أحدهما. واستدلوا بما أخرجه أحمد (٣/ ١٦٠) بإسناد حسن عن أنس ﵁، أنه سئل: أكنتم تراهنون على عهد رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم، لقد راهن رسول الله ﷺ على فرس يُقال له: سبْحة، فسبق الناس، فهش لذلك، وأعجبه. قالوا: ولو كان إخراج العوض من المتراهنين حرامًا، وهو قمار؛ لما حلَّ بالمحلل، كما لم يحل نكاح التحليل وبيع العينة؛ ولأنَّ العلة في التحريم التي ذكروها ما زالت موجودة مع دخول المحلل. وقد توسع ابن القيم ﵀ في تصويب القول بالجواز بدون محلل، وهو

стр. 5441

ترجيح شيخ الإسلام، وهو الصواب، والله أعلم. (١) فائدة: تراهن أبو بكر الصديق مع المشركين عند نزول الآية: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم:٣]. فقد أخرج أحمد (٢٧٦٩)، والترمذي (٣١٩١) بإسناد صحيح، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ الْمُسْلِمُونَ يُحِبُّونَ أَنْ تَظْهَرَ الرُّومُ عَلَى فَارِسَ، لِأَنَّهُمْ أَهْلُ كِتَابٍ، وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يُحِبُّونَ أَنْ تَظْهَرَ فَارِسُ عَلَى الرُّومِ، لِأَنَّهُمْ أَهْلُ أَوْثَانٍ، فَذَكَرَ ذَلِكَ الْمُسْلِمُونَ لِأَبِي بَكْرٍ، فَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : «أَمَا إِنَّهُمْ سَيَغلِبون» فَذَكَرَ ذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ لَهُمْ، فَقَالُوا: اجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ أَجَلًا، فَإِنْ ظَهَرُوا، كَانَ لَكَ كَذَا وَكَذَا، وَإِنْ ظَهَرْنَا، كَانَ لَنَا كَذَا وَكَذَا. فَجَعَلَ بَيْنَهُمْ أَجَلًا خَمْسَ سِنِينَ، فَلَمْ يَظْهَرُوا، فَذَكَرَ ذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: «أَلا جَعَلْتَهُ -أُرَاهُ قَالَ-: دُونَ الْعَشْرِ» -قَالَ: وَقَالَ سَعِيدٌ ابن جبير: الْبِضْعُ مَا دُونَ الْعَشْرِ - قَالَ: فَظَهَرَتِ الرُّومُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم: ٢]، قَالَ: فَغُلِبَتِ الرُّومُ ثُمَّ غَلَبَتْ بَعْدُ، قَالَ: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [الروم: ٤]، قَالَ: يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللهِ. • فذهب الجمهور إلى نسخ ذلك، فمنهم من قال بالآية: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ [المائدة:٩٠].

стр. 5442

وأُجيب عن ذلك بأنَّ غلبة الروم على فارس كانت بعد نزول الآية المذكورة، ولم ينه النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أبا بكر عن الرهان. • ومنهم من قال: منسوخ بالحديث: «لا سبق إلا في خف ... »، وهذا قول مالك، وأحمد، والشافعي، وأصحابهم. • وذهب أبو حنيفة، وشيخ الإسلام إلى أنه حديث محكم، وقالوا: هذا رهان على ما فيه ظهور أعلام الإسلام، وأدلته، وبراهينه كما راهن عليه الصديق؛ فهو من أحق الحق، وهو أولى بالجواز من الرهان على النضال، وسباق الخيل والإبل أدنى، وأثر هذا في الدين أقوى؛ لِأَن الدّين قَامَ بِالْحجَّةِ والبرهان، وبالسيف والسنان، والمقصد الأول إِقَامَته بِالْحجَّةِ وَالسيف منفذ. وهو ترجيح ابن القيم ﵀. (١) فائدة: المسابقة على حفظ القرآن، والحديث، والفقه وغيرها من العلوم النافعة، والإصابة في الأحكام والمسائل، هل تجوز بعوض؟ • أجازه أبو حنيفة، وشيخ الإسلام، وابن القيم، واستدلوا على ذلك بقصة أبي بكر المتقدمة. • ومنع من ذلك الجمهور؛ لما تقدم، وهذا أقرب لما في ذلك من توسع بدون دليل، ولم يفعله النبي ﷺ ، والصحابة رضوان الله عليهم، والله أعلم. (٢)

стр. 5443

مسألة [٧]: هل تجوز المغالبة في الشطرنج، والنرد، وشبههما بغير عوض ؟ • ذهب الجمهور إلى التحريم؛ لعموم الحديث: «من لعب بالنردشير؛ فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه» أخرجه مسلم (٢٢٦٠) من حديث بريدة ﵁ مرفوعًا. واستدلوا بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة:٩١]. قالوا: فهذه العلل للتحريم موجودة في اللعب بدون عوض، وهذا ترجيح شيخ الإسلام، وابن القيم. • وذهب الشافعي إلى كراهة الشطرنج إذا خلا عن العوض، وخرَّج بعض أصحابه ذلك قولًا في النرد، وهو تخريج غير صحيح، فقد نصَّ الشافعي على تحريم النرد، وإن خلا عن العوض. (١) تم كتاب الجهاد بفضل الملك الوهاب في يوم الإثنين الموافق (١٧/محرم/١٤٢٨) من هجرة المصطفى -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فلله الحمد والمنة

стр. 5444

كِتَابُ الأَطْعِمَةِ ١٣١٨ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «كُلُّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ فَأَكْلُهُ حَرَامٌ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (١) ١٣١٩ - وَأَخْرَجَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ بِلَفْظِ: نَهَى، وَزَادَ: «وَكُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ». (٢) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: تحريم ذوات الأنياب من السِّباع . المقصود بذي الناب عند الفقهاء، أي: حيوان له ناب، يتقوى به، ويعدو به على غيره، كالأسود، والفهود، والنمور، والذئاب، والكلاب وغيرها. (٣) • وذوات الأنياب من السباع محرمة عند الجمهور؛ لحديث ال باب . • وذهب بعض المالكية إلى الجواز مع الكراهة، ونُقل عن الشعبي، وسعيد بن جبير.

стр. 5445

واستدل لهذا القول بقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام:١٤٥]. والصحيح هو القول بالتحريم، وهو قول مالك في رواية؛ للحديث المتقدم، ومن خالفه فلعله لم يبلغه، والآية المتقدمة مخصوصة بأحاديث الباب، والله أعلم. (١) مسألة [٢]: حكم الضبع ؟ • ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى إباحته، وهو قول الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وصحَّ عن جماعة من الصحابة أنهم أباحوه، وجعلوا فيه شاة إذا صاده المحرم، منهم: عمر، وجابر، وعلي، وابن عباس ﵃. (٢) واستدلوا على ذلك بحديث جابر ﵁ أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أباح أكله، وصيده، وجعل فيه كبشًا، وسيأتي الحديث في هذا الباب، وهو حديث صحيح. • وذهب بعض الفقهاء إلى تحريمه، وهو قول أبي حنيفة، والثوري، ومالك في رواية؛ لأنه ذو ناب من السباع؛ فيشمله الحديث المتقدم. والصحيح القول الأول، والحديث المتقدم عامٌّ مخصوص بحديث جابر الذي أشرنا إليه، والله أعلم.

стр. 5446

وقيل: إن الضبع لا يعد سبعًا؛ لأنه لا يتعدى كالفهود، والنمور، والأسود وغيرها. وهذا غير صحيح، بل هو سبع، وإنما هو مخصوص كما تقدم. (١) مسألة [٣]: حكم الثعلب . • من أهل العلم من يراه مباحًا، وهو قول عطاء، وطاوس، وقتادة، والليث، والشافعي، وأحمد في رواية؛ لأنه لا يتقوى بنابه؛ ولأنه من الطيبات، وهو الأشهر عند المالكية، إلا أنهم يكرهونه. • وذهب بعض أهل العلم إلى تحريمه، وهو قول أحمد، وهو الأشهر عند أصحابه، وهو مذهب أبي حنيفة، ومالك في رواية؛ لأنه سبع، فيدخل في عموم الحديث المتقدم. وهذا القول هو الصحيح، وهو ترجيح الإمام الفوزان حفظه الله؛ لأنه سبع يعدو بنابه، ويفترس، وقولهم: (إنه من الطيبات)، أو قول بعضهم: (إنه يُفدى في الإحرام)؛ فهذا استدلال منهم بموضع الخلاف؛ فإنَّ ما ذكروه مترتب على كونه مباحًا، فكيف يُستدل بذلك؟!. (٢) مسألة [٤]: حكم الفيل ؟ • مذهب أحمد تحريم الفيل؛ لأنه ذو ناب، فيدخل في عموم الحديث؛ ولأنه مستخبث، وقال الحسن: هو مسخ. وهو مذهب الشافعي، وأبي حنيفة، والكوفيين.

стр. 5447

• وللشافعية وجهٌ شاذٌّ بإباحته كما ذكر النووي. • وذهب الشعبي إلى جوازه، ورجح ذلك ابن حزم؛ لأنه ليس بسبع، وهو قول المالكية؛ لعموم الآية: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام:١٤٥]. وهذا القول أقرب، والله أعلم. (١) مسألة [٥]: حكم الهر . • ذهب الجمهور إلى التحريم؛ لحديث الباب: «نهى عن كل ذي ناب من السِّباع»، وجاء حديث أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى عن أكل الهر، وهو حديث ضعيف. (٢) • وذهب المالكية إلى الكراهة، وأباحه الليث، وربيعة. • وهناك وجه للشافعية، والحنابلة بتحريم الإنسي وإباحة الوحشي كالحمار. والصحيح قول الجمهور، و هو ترجيح الإمام صالح الفوزان عافاه الله. (٣) مسألة [٦]: حكم الدب . • ذهب أحمد إلى أنه إن كان ذا نابٍ؛ يحرم.

стр. 5448

• وذهب الشافعية، والحنفية إلى التحريم؛ لحديث: «نهى عن كل ذي ناب من السباع»، وهو الصحيح. (١) مسألة [٧]: حكم القرد . قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٣/ ٣٢٠): وَلَا يُبَاحُ أَكْلُ الْقِرْدِ. وَكَرِهَهُ ابنُ عُمَرُ (٢)، وَعَطَاءٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَمَكْحُولٌ، وَالْحَسَنُ، وَلَمْ يُجِيزُوا بَيْعَهُ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا أَعْلَمُ بَيْنَ عُلَمَاءِ المُسْلِمِينَ خِلَافًا أَنَّ الْقِرْدَ لَا يُؤْكَلُ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ. وَرُوِيَ عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ لَحْمِ الْقِرْدِ. (٣) وَلِأَنَّهُ سَبُعٌ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ الْخَبَرِ، وَهُوَ مَسْخٌ أَيْضًا، فَيَكُونُ مِنْ الْخَبَائِثِ المُحَرَّمَةِ. اهـ قلتُ: قوله (وهو مسخ) ليس بصحيح، وإنما مسخ أقوام على أشكالهم؛ ففي «صحيح مسلم» (٢٦٦٣) عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إن الله لم يمسخ قومًا فيجعل لهم نسلًا». وقد استدل ابن حزم بكونه مسخ أقوام على أشكالها على أنها خبيثة محرمة، وهذا أولى مما ذكره ابن قدامة، والله أعلم. (٤)

стр. 5449

مسألة [٨]: ذو المخالب من الطيور . • الجمهور على تحريمها؛ لحديث الباب، فيدخل في ذلك الصقور، والنسور، والبازي، والعقاب، وما أشبهها. • وذهب مالك، والليث، والأوزاعي إلى أنه لا يحرم من الطير شيء، ولعلهم لم يبلغهم هذا الحديث. (١) تنبيه: ويحرم من الطيور ما يأكل الجيف، كالرُّخَم، وغراب البين. (٢)

стр. 5450

١٣٢٠ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ، وَأَذِنَ فِي لُحُومِ الخَيْلِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)، وَفِي لَفْظِ: وَرَخَّصَ. المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: حكم الحُمُر الأهلية . • عامة أهل العلم على تحريم الحمر الأهلية؛ لهذا لحديث، وقد رواه عدد من الصحابة، وقد اُكفِئَتِ القدور يوم خيبر بلحوم الحمر الأهلية. قال النووي ﵀ في «شرحه لمسلم» (١٩٣٦): اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الْمَسْأَلَة، فَقَالَ الْجَمَاهِير مِنْ الصَّحَابَة، وَالتَّابِعِينَ، وَمَنْ بَعْدهمْ بِتَحْرِيمِ لُحُومهَا؛ لِهَذِهِ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة الصَّرِيحَة، وَقَالَ اِبْن عَبَّاس: لَيْسَتْ بِحَرَامٍ. وَعَنْ مَالِك ثَلَاث رِوَايَات: أَشْهَرهَا أَنَّهَا مَكْرُوهَة كَرَاهِيَة تَنْزِيه شَدِيدَة. وَالثَّانِيَة: حَرَام. وَالثَّالِثَة: مُبَاحَة. وَالصَّوَاب التَّحْرِيم كَمَا قَالَهُ الْجَمَاهِير؛ لِلْأَحَادِيثِ الصَّرِيحَة. اهـ وقد وافق ابنَ عباس عكرمة، وأبو وائل، وجابر بن زيد. (٢) مسألة [٢]: حكم البغال . تحرُم البغال عند أهل العلم؛ لأنه نتاج الحمار مع أنثى الفرس. (٣)

стр. 5451

١٣٢١ - وَعَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى ﵁ قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ سَبْعَ غَزَوَاتٍ نَأْكُلُ الجَرَادَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: أكل الجراد . • يُباح أكل الجراد بالإجماع؛ إلا أنه إذا مات بسبب البرد، أو مات حتف أنفه بغير سبب فمنع منه مالك، وأحمد في رواية. • والجمهور على إباحته؛ لحديث: «أُحلت لنا ميتتان ودمان» (٢)، وهو الصحيح. (٣)

стр. 5452

١٣٢٢ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ -فِي قِصَّةِ الأَرْنَبِ- قَالَ: فَذَبَحَهَا فَبَعَثَ بِوَرِكِهَا إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَبِلَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: أكل الأرنب . • يُباح أكل الأرنب عند عامة أهل العلم؛ لحديث أنس ﵁ الذي في الباب، وحديث محمد بن صفوان أنه صاد أرنبين، فأمره النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بأكلهما. (٢) • ونُقِل عن عمرو بن العاص أنه قُدِّمَ إليه فلم يأكل منه. أخرجه عبدالرزاق (٤/ ٥١٧)، وفي إسناده رجل مبهم. (٣) فائدة: الوبر، واليربوع مُباحان عند جمهور العلماء. (٤)

стр. 5453

١٣٢٣ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ قَتْلِ أَرْبَعٍ مِنَ الدَّوَابِّ: النَّمْلَةِ، وَالنَّحْلَةِ، وَالهُدْهُدِ، وَالصُّرَدِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُودَاوُد، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: أكل الأربعة المذكورة . • ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى تحريم أكل الأربعة المذكورة، وهو قول جمعٍ من الحنابلة، والشافعية، وبعضهم ينقله إجماعًا في النملة، وفي غيرها، عزاه الصنعاني للجمهور. وهو الصحيح؛ للحديث المذكور. • واستثنى بعض أهل العلم ما يؤذي من النمل، فأجازوا قتله، وحملوا النهي على ما لا يؤذي. • وذهب مالك، وبعض الشافعية، والحنابلة إلى جواز أكل الهدهد، والصُّرد؛ لأنها ليست من ذوات المخالب. والصحيح القول الأول، والله أعلم. (٢) الصُّرَد: هو طائر ضخم الرأس والمنقار، أكبر من العصفور، فيه بياض وسواد، يصيد العصافير وصغار الطير، ويصرصر كالصقر وغذاؤه اللحم، مأواه

стр. 5454

الأشجار ورؤوس القِلاع، وأعلى الحصون، وهو نوع من أنواع الغِربَان. (١) فائدة: قال الفقهاء: ما نُهي عن قتله؛ حُرِّم أكله؛ لأنَّه لا يؤكل حتى يُقتل. وقالوا: وما أُمِر بقتله؛ حَرُمَ أكله أيضًا؛ لأنه لا يؤمر بقتله وهو مباح الأكل، وإلا لأُمِر بذبحه وأكله. ومن ذلك حديث: «خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ: الْعَقْرَبُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ»، وفي رواية: «والحية». مسألة [٢]: سائر الحشرات . قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٣١٦ - ٣١٧): فَمِنَ المُسْتَخْبَثَاتِ: الْحَشَرَاتُ كَالدِّيدَانِ، وَالْجُعَلَانِ، وَبَنَاتِ وَرْدَانَ، وَالْخَنَافِسِ، وَالْفَأْرِ، وَالْأَوْزَاغِ، وَالْحَرْبَاءِ، وَالْعَضَاةِ، وَالْجَرَاذِينَ، وَالْعَقَارِبِ، وَالْحَيَّاتِ. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ. قال: وَرَخَّصَ مَالِكٌ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَالْأَوْزَاعِيُّ فِي هَذَا كُلِّهِ، إلَّا الْأَوْزَاغَ؛ فَإِنَّ ابْنَ عَبْدِ الْبَرِّ قَالَ: هُوَ مُجْمَعٌ عَلَى تَحْرِيمِهِ. وَقَالَ مَالِكٌ: الْحَيَّةُ حَلَالٌ إذَا ذُكِّيَتْ. وَاحْتَجُّوا بِعُمُومِ الْآيَةِ المُبِيحَةِ. قال: وَلَنَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف:١٥٧]، وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : «خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالحَرَمِ: الْعَقْرَبُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ» (٢)، وَفِي حَدِيثٍ: «الحَيَّةُ» مَكَانَ: «الْفَأْرَةِ»، وَلَوْ كَانَتْ مِنْ الصَّيْدِ الْمُبَاحِ؛ لَمْ يُبَحْ قَتْلُهَا، وَلِأَنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾

стр. 5455

[المائدة:٩٥]، وَقَالَ: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة:٩٦]؛ وَلِأَنَّهَا مُسْتَخْبَثَةٌ، فَحُرِّمَتْ كَالْوَزَغِ، أَوْ مَأْمُورٌ بِقَتْلِهَا؛ فَأَشْبَهَتْ الْوَزَغَ. اهـ (١) مسألة [٣]: ضابط الاستخباث . • مذهب الحنابلة، والشافعية، والحنفية أنَّ ضابطه ما استخبثته النفس، وتعففت عن أكله. • ثم قال الشافعية: يرجع ذلك إلى العرب الذين هم سكان القرى، والريف دون أجلاف البوادي الذين يأكلون ما دبَّ ودرج من غير تمييز، وتعتبر عادة أهل اليسار، والثروة دون المحتاجين، وتعتبر حالة الخصب والرفاهية دون الجدب والشدة. • وقال الحنابلة: الذين تعتبر استتطابتهم هم أهل الحجاز من أهل الأمصار الذين نزل عليهم الكتاب، وخوطبوا به، وبالسنة، فرجع في مطلق ألفاظهما إلى عرفهم دون غيرهم، ولا يعتبر أهل البوادي؛ لأنهم للضرورة والمجاعة يأكلون ما وجدوا، ولهذا سئل بعضهم عما يأكلون؟ فقال: ما دبَّ ودرج، إلا أم حبين. فقال: لتهن أم حبين العافية. • وذهب مالك إلى أنَّ الطيبات هي ما أحل، والخبائث ما حُرِّمَ. قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (١٧/ ١٧٨ - ١٨١): وقد قال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء:١٦٠]، فعلم أن

стр. 5456

الطيب وصف للعين، وأن الله قد يحرمها مع ذلك عقوبة للعباد كما قال تعالى لما ذكر ما حرمه على بني إسرائيل: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [الأنعام:١٤٦]، وقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة:٤]، فلو كان معنى الطيب هو ما أحل؛ كان الكلام لا فائدة فيه، فَعُلم أن الطيب والخبيث وصف قائم بالأعيان. قال: وليس المراد به مجرد التذاذ الأكل؛ فإن الإنسان قد يلتذ بما يضره من السموم، وما يحميه الطبيب منه، ولا المراد به التذاذ طائفة من الأمم كالعرب، ولا كون العرب تعودته؛ فإن مجرد كون أمة من الأمم تعودت أكله وطاب لها، أو كرهته لكونه ليس في بلادها؛ لا يوجب أن يحرم الله على جميع المؤمنين ما لم تعتده طباع هؤلاء، ولا أن يحل لجميع المؤمنين ما تعودوه، كيف وقد كانت العرب قد اعتادت أكل الدم، والميتة، وغير ذلك، وقد حرمه الله تعالى، وقد قيل لبعض العرب: ما تأكلون؟ قال: ما دَبَّ ودرج إلا أم حبين. فقال: ليهن أم حبين العافية. ونفس قريش كانوا يأكلون خبائث حرمها الله، وكانوا يعافون مطاعم لم يحرمها الله، وفي «الصحيحين» عن النبى ﷺ أنه قدم له لحم ضب فرفع يده ولم يأكل، فقيل: أحرام هو يا رسول الله؟ قال: «لا، ولكنه لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه» (١)، فعلم أن كراهة قريش وغيرها لطعام من الأطعمة لا يكون موجبًا لتحريمه على المؤمنين من سائر العرب والعجم، وأيضًا فإن النبي ﷺ وأصحابه لم

стр. 5457

يحرم أحد منهم ما كرهته العرب، ولم يبح كل ما أكلته العرب، وقوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف:١٥٧] إخبار عنه أنه سيفعل ذلك، فأحل النبي ﷺ الطيبات وحرم الخبائث، مثل: كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير؛ فإنها عادية باغية، فإذا أكلها الناس، والغاذي شبيه بالمغتذي؛ صار في أخلاقهم شوب من أخلاق هذه البهائم، وهو البغي والعدوان، كما حرم الدم المسفوح؛ لأنه مجمع قوى النَّفْس الشهوية الغضبية، وزيادته توجب طغيان هذه القوى. قال: فالطيبات التي أباحها هي المطاعم النافعة للعقول والأخلاق، والخبائث هي الضارة للعقول والأخلاق. انتهى المراد. وقال ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٥٤٠): وهذا الوصف يعني ما كان نافعًا غير ضار فهو مباح قد دلَّ على تعلق الحكم به النص، وهو قوله: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾، فكل ما نفع؛ فهو طيب، وكل ما ضرَّ؛ فهو خبيث، والمناسبة الواضحة لكل ذي لب أنَّ النفع يناسب التحليل، والضرر يناسب التحريم. اهـ فالصحيح في هذه المسألة أنَّ الاستخباث ليس إلى النفوس، وإنما ما عُلِم ضرره؛ حُرِّم وكان خبيثًا، والله أعلم. (١)

стр. 5458

١٣٢٤ - وَعَنِ ابْنِ أَبِي عَمَّارٍ، قَالَ: قُلْت لِجَابِرٍ ﵁: الضَّبُعُ صَيْدٌ هِيَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْت: قَالَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ البُخَارِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ. (١) الحكم المستفاد من هذا الحديث دلَّ حديث الباب على أنَّ الضبع أكله حلال، وهو مُستثنًى من النهي عن كل ذي ناب من السباع. وقد تقدم ذكر هذه المسألة في دراسة الحديث الأول من هذا الباب.

стр. 5459

١٣٢٥ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ القُنْفُذِ فَقَالَ: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ الآيَةَ، فَقَالَ شَيْخٌ عِنْدَهُ: سَمِعْت أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: «خَبِيثَةٌ مِنَ الخَبَائِثِ»، [فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: إنْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ هَذَا، فَهُوَ كَمَا قَالَ] (١). أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُودَاوُد، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ. (٢) المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين مسألة [١]: حكم القنفذ . • مذهب الحنابلة، والحنفية تحريمه؛ لأنه مستخبثٌ، واستدلوا بحديث الباب. • ومذهب مالك، والشافعي، والليث، وأبي ثور إباحته؛ لأنَّ الأصل في الأطعمة الإباحة إلا ما حرم بدليل صحيح، ولا يوجد دليل صحيح على تحريم القنفذ، وهو الصحيح. ومثله في الخلاف (النيص) وهو حيوان أكبر من القنفذ قليلًا، ويُقارب حجمه الأرنب الكبير، ويأكل الزروع والخضروات، ويتميز عن القنفذ بأنه ينتفض ويقذف من شوكه ليصيب من يريد صيده. (٣)

стр. 5460

١٣٢٦ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الجَلَّالَةِ وَأَلْبَانِهَا. أَخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ إلَّا النَّسَائِيّ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: حكم الجلالة . الجلالة: هي التي تأكل العذرة والنجاسات، وفيها قولان: • الأول: أنه يحرم أكلها. وهو مذهب أحمد، والشافعي في قول؛ لظاهر حديث الباب. • الثاني: تُكره، وهو الأصح عند الشافعية، ورواية عن أحمد، والحنفية، وحملوا النهي على الكراهة.

стр. 5461

وجاء عن الحسن أنه قال بالجواز، وكأنه لم يبلغه الحديث، والصحيح هو القول الأول. (١) مسألة [٢]: مقدار النجس الذي يعتبر في كونها جلالة . • ذهب جماعة من أهل العلم إلى أنَّ المعتبر في ذلك أن يكون أكثر علفها نجسًا، وهو قول جمع من الشافعية، والحنابلة، والحنفية؛ لأنَّ وصف الجلالة فيها صيغة مبالغة. • وهناك وجهٌ للحنابلة أنها إذا أكلت كثيرًا صارت جلالة. • والأصح عند الشافعية أنها تصير جلالة إذا ظهر فيها نتن وريح النجاسة. ورجح الإمام صالح الفوزان حفظه الله القول الأول. قلتُ: ولا بأس باعتبار القول الأول والأخير، والله أعلم. (٢) مسألة [٣]: متى يزول النهي عن أكل الجلالة ؟ قال ابن قدامة ﵀: وَتَزُولُ الْكَرَاهَةُ بِحَبْسِهَا اتِّفَاقًا. اهـ يعني: وإطعامها أكلًا طاهرًا. واختلف العلماء في قدر مدة الحبس: • فمنهم من قال: ثلاثة أيام. وهو رواية عن أحمد، وهو قول أبي ثور، وقال به أبو حنيفة في الدجاج على سبيل الاستحباب.

стр. 5462

• وعن أحمد رواية: الدجاج والطير ثلاثًا، والشاة سبعًا، وما عدا ذلك أربعين. يعني الإبل، والبقر. • والأصح عند الشافعية تحديد ذلك بذهاب أثر النجاسة. وهذا أقرب، والله أعلم. (١) ١٣٢٧ - وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ -فِي قِصَّةِ الحِمَارِ الوَحْشِيِّ- فَأَكَلَ مِنْهُ النَّبِيُّ ﷺ . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (٢) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: حكم حمار الوحش . دلَّ الحديث على إباحة حمر الوحش، وهو مجمع عليه. (٣)

стр. 5463

١٣٢٨ - وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵄ قَالَتْ: نَحَرْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَرَسًا، فَأَكَلْنَاهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: حكم أكل الخيل . • تُباح لحوم الخيل عند عامة أهل العلم؛ لحديث الباب. • إلا أنَّ مالكًا كره ذلك، وكذلك الأوزاعي، وأبو عبيد؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل:٨]؛ ولفضائل الخيل. • وذهب أبو حنيفة إلى تحريم أكلها؛ للآية المتقدمة. والصحيح قول الجمهور؛ لحديث الباب، ولحديث جابر ﵁ المتقدم في أوائل الباب: «ورخَّص في الخيل»، ولكن الأفضل أن لا تؤكل إذا وجد غيرها لما لها من فضائل. (٢)

стр. 5464

١٣٢٩ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: أُكِلَ الضَّبُّ عَلَى مَائِدَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: حكم أكل الضب . قال النووي ﵀ في «شرح مسلم» (١٩٤٤): وَأَجْمَع الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الضَّبّ حَلَال لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ؛ إِلَّا مَا حُكِيَ عَنْ أَصْحَاب أَبِي حَنِيفَة مِنْ كَرَاهَته، وَإِلَّا مَا حَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاض عَنْ قَوْم أَنَّهُمْ قَالُوا: هُوَ حَرَام. وَمَا أَظُنّهُ يَصِحّ عَنْ أَحَد، وَإِنْ صَحَّ عَنْ أَحَد؛ فَمَحْجُوج بِالنُّصُوصِ، وَإِجْمَاع مَنْ قَبْله. اهـ

стр. 5465

١٣٣٠ - وَعَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ القُرَشِيِّ ﵁، أَنَّ طَبِيبًا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الضِّفْدَعِ يَجْعَلُهَا فِي دَوَاءٍ؟ فَنَهَى عَنْ قَتْلِهَا. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: حكم الضفدع . • جمهور العلماء على تحريم أكل الضفدع؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى عن قتلها، وما نُهِي عن قتله؛ فإنه لا يجوز أكله. • وذهب مالك إلى الجواز، وكأنه لم يبلغه هذا الحديث، والله أعلم. (٢) مسألة [٢]: الحيوانات البحرية . اتفق أهل العلم على إباحة السمك بأنواعه، واختلفوا في غيره من حيوانات البحر. • فمذهب مالك، وأحمد، والشافعي إباحة جميع حيوان البحر؛ إلا أنَّ الشافعي استثنى الضفدع، وزاد أحمد استثناء التمساح والحية. • وذهب أبو حنيفة إلى تحريم جميع حيوان البحر إلا السمك، وهو قول
следующие страницы →