← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 165

فتح العلام في دراسة أحاديث بلوغ المرام ط 4

محمد بن علي بن حزام البعداني

Полный текст (5 956 стр.). Показаны 5461–5500 · переход к 5466.

стр. 5461

وجاء عن الحسن أنه قال بالجواز، وكأنه لم يبلغه الحديث، والصحيح هو القول الأول. (١) مسألة [٢]: مقدار النجس الذي يعتبر في كونها جلالة . • ذهب جماعة من أهل العلم إلى أنَّ المعتبر في ذلك أن يكون أكثر علفها نجسًا، وهو قول جمع من الشافعية، والحنابلة، والحنفية؛ لأنَّ وصف الجلالة فيها صيغة مبالغة. • وهناك وجهٌ للحنابلة أنها إذا أكلت كثيرًا صارت جلالة. • والأصح عند الشافعية أنها تصير جلالة إذا ظهر فيها نتن وريح النجاسة. ورجح الإمام صالح الفوزان حفظه الله القول الأول. قلتُ: ولا بأس باعتبار القول الأول والأخير، والله أعلم. (٢) مسألة [٣]: متى يزول النهي عن أكل الجلالة ؟ قال ابن قدامة ﵀: وَتَزُولُ الْكَرَاهَةُ بِحَبْسِهَا اتِّفَاقًا. اهـ يعني: وإطعامها أكلًا طاهرًا. واختلف العلماء في قدر مدة الحبس: • فمنهم من قال: ثلاثة أيام. وهو رواية عن أحمد، وهو قول أبي ثور، وقال به أبو حنيفة في الدجاج على سبيل الاستحباب.

стр. 5462

• وعن أحمد رواية: الدجاج والطير ثلاثًا، والشاة سبعًا، وما عدا ذلك أربعين. يعني الإبل، والبقر. • والأصح عند الشافعية تحديد ذلك بذهاب أثر النجاسة. وهذا أقرب، والله أعلم. (١) ١٣٢٧ - وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ -فِي قِصَّةِ الحِمَارِ الوَحْشِيِّ- فَأَكَلَ مِنْهُ النَّبِيُّ ﷺ . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (٢) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: حكم حمار الوحش . دلَّ الحديث على إباحة حمر الوحش، وهو مجمع عليه. (٣)

стр. 5463

١٣٢٨ - وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵄ قَالَتْ: نَحَرْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَرَسًا، فَأَكَلْنَاهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: حكم أكل الخيل . • تُباح لحوم الخيل عند عامة أهل العلم؛ لحديث الباب. • إلا أنَّ مالكًا كره ذلك، وكذلك الأوزاعي، وأبو عبيد؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل:٨]؛ ولفضائل الخيل. • وذهب أبو حنيفة إلى تحريم أكلها؛ للآية المتقدمة. والصحيح قول الجمهور؛ لحديث الباب، ولحديث جابر ﵁ المتقدم في أوائل الباب: «ورخَّص في الخيل»، ولكن الأفضل أن لا تؤكل إذا وجد غيرها لما لها من فضائل. (٢)

стр. 5464

١٣٢٩ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: أُكِلَ الضَّبُّ عَلَى مَائِدَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: حكم أكل الضب . قال النووي ﵀ في «شرح مسلم» (١٩٤٤): وَأَجْمَع الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الضَّبّ حَلَال لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ؛ إِلَّا مَا حُكِيَ عَنْ أَصْحَاب أَبِي حَنِيفَة مِنْ كَرَاهَته، وَإِلَّا مَا حَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاض عَنْ قَوْم أَنَّهُمْ قَالُوا: هُوَ حَرَام. وَمَا أَظُنّهُ يَصِحّ عَنْ أَحَد، وَإِنْ صَحَّ عَنْ أَحَد؛ فَمَحْجُوج بِالنُّصُوصِ، وَإِجْمَاع مَنْ قَبْله. اهـ

стр. 5465

١٣٣٠ - وَعَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ القُرَشِيِّ ﵁، أَنَّ طَبِيبًا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الضِّفْدَعِ يَجْعَلُهَا فِي دَوَاءٍ؟ فَنَهَى عَنْ قَتْلِهَا. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: حكم الضفدع . • جمهور العلماء على تحريم أكل الضفدع؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى عن قتلها، وما نُهِي عن قتله؛ فإنه لا يجوز أكله. • وذهب مالك إلى الجواز، وكأنه لم يبلغه هذا الحديث، والله أعلم. (٢) مسألة [٢]: الحيوانات البحرية . اتفق أهل العلم على إباحة السمك بأنواعه، واختلفوا في غيره من حيوانات البحر. • فمذهب مالك، وأحمد، والشافعي إباحة جميع حيوان البحر؛ إلا أنَّ الشافعي استثنى الضفدع، وزاد أحمد استثناء التمساح والحية. • وذهب أبو حنيفة إلى تحريم جميع حيوان البحر إلا السمك، وهو قول

стр. 5466

بعض الشافعية. • وهناك قول للشافعية، وقول في مذهب أحمد بإباحة السمك، وما له نظير مباح في البر. والحجة في هذه المسألة قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته»، وبأنَّ الأصل الإباحة حتى يأتي دليل في التحريم، وعليه فالصحيح قول مالك، والشافعي؛ غير أنَّ التمساح له أنياب يفترس بها، ويعيش في البر والبحر؛ فالأقرب المنع منه، والله أعلم. وقد رجَّح الإمام ابن عثيمين ﵀ جوازه. (١) مسألة [٣]: هل يُباح ما مات من هذه الحيوانات ؟ أما بالنسبة للسمك فتُباح ميتته بلا خلاف؛ إلا أنَّ أبا حنيفة لم يجوز السمك الذي يموت حتف أنفه بغير سبب، والصحيح جوازه، وهو قول الجمهور؛ لحديث: «أُحلت لنا ميتتان ودمان ... ». وأما غير السمك: فما كان منها لا يعيش إلا في الماء؛ فيجوز أيضًا عند الجمهور، وما كان منها يعيش في البر وفي البحر كالسلحفاة، والسرطان، والضفدع، والتمساح، وكلب البحر، وما شابهها؛ فبالنسبة للضفدع والتمساح فقد تقدم. • وأما غيرها فمذهب مالك، والشافعي جوازها.

стр. 5467

• ومذهب الحنابلة عدم الجواز إلا بالصيد، أو التذكية، واستثنى أحمد السرطان؛ لأنه لا دم له، وهذا أرجح، والله أعلم. (١) خلاصة لما تقدم بذكر بعض القواعد: ١) الأصل في الأطعمة -ومنها الحيوانات- الإباحة عند الجمهور، وهو الصحيح، فما لم يأت نصٌّ بتحريمه؛ فهو مباح. ٢) يحرم من الحيوان كل ذي ناب من السباع. ٣) يحرم من الطيور كل ذي مخلب منها. ٤) يحرم من الحيوانات والطيور ما كان متغذيًا بالنجاسة. ٥) ما نُهي عن قتله؛ حرم أكله. ٦) ما أُمر بقتله؛ حرم أكله أيضًا. ٧) ما عُلم بعينه ضرر؛ فهو مستخبث وحرام.

стр. 5468

فَصْل فِي ذِكْرِ بَعْضِ المَسَائِلِ المُلْحَقَةِ مسألة [١]: ما يُباح أكله وما لا يباح من الأعيان غير الحيوانات . يُباح من الأعيان ما كان طاهرًا نافعًا بإجماع أهل العلم. فأما ما كان نجسًا؛ فيحرم أكله عند أهل العلم؛ لأنه مأمور بالتنزه عن النجاسات، فكيف بأكلها؛ ولأنَّ فيها ضررًا، ويحرم ما كان متنجسًا كما حرمت الجلالة، وما كان فيه ضرر حُرِّم وإن كان طاهرًا، كالسموم والزجاج، والتراب. (١) مسألة [٢]: ما كان من الثمار، والزورع مَسْقِيًّا بالنجاسة ؟ • مذهب أحمد تحريمها كما حرمت الجلالة. • ومذهب الجمهور عدم التحريم؛ لأنَّ النجاسة تستحيل في باطنها، فتطهر بالاستحالة. وذهب الإمام ابن عثيمين إلى التحريم إذا ظهر أثر النجاسة بريح، أو طعمٍ، وأما إذا لم يظهر فيباح عنده؛ لأنَّ في ذلك نفعًا للأشجار وللأرض، وهذا هو الصحيح، والله أعلم. (٢)

стр. 5469

مسألة [٣]: الجبن المصنع بإنفحة البهائم . قال النووي ﵀ في «المجموع» (٩/ ٦٨): أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى جَوَازِ أَكْلِ الْجُبْنِ مَا لَمْ يُخَالِطْهُ نَجَاسَةٌ بِأَنْ يُوضَعَ فِيهِ إِنْفِحَةٌ (١) ذَبَحَهَا مَنْ لَا يَحِلُّ ذَكَاتُهُ. اهـ وقال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٣/ ٣٥٢): قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ الله الْجُبْنُ؟ قَالَ: يُؤْكَلُ مِنْ كُلٍّ. وَسُئِلَ عَنْ الْجُبْنِ الَّذِي يَصْنَعُهُ الْمَجُوسُ؟ فَقَالَ: مَا أَدْرِي. إلَّا أَنَّ أَصَحَّ حَدِيثٍ فِيهِ حَدِيثُ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ، قَالَ: سُئِلَ عُمَرُ عَنْ الْجُبْنِ، وَقِيلَ لَهُ: يُعْمَلُ فِيهِ الْإِنْفَحَةُ الْمَيِّتَةُ. فَقَالَ: سَمُّوا أَنْتُمْ، وَكُلُوا. رَوَاهُ أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ الْأَعْمَشِ. وَقَالَ: أَلَيْسَ الْجُبْنُ الَّذِي نَأْكُلُهُ عَامَّتُهُ يَصْنَعُهُ الْمَجُوسُ؟.اهـ وفي «فتاوى اللجنة الدائمة» (٢٢/ ٢٦٤ - ٢٦٥): لا حرج في أكل الأجبان المصنوعة من إنفحة البقر، ولا يجب السؤال عنها؛ فإنَّ المسلمين ما زالوا يأكلون من أجبان الكفار من عهد الصحابة، ولم يسألوا عن نوع الإنفحة، فإذا عُلِم يقينًا أنَّ هذه الإنفحة تستخدم من أبقار لم تذبح على الطريقة الشرعية؛ فإنه يحرم حينئذٍ تناولها. انتهى برئاسة الإمام ابن باز، ونيابة عبدالعزيز آل الشيخ، وعضويه صالح الفوزان، وبكر أبو زيد. قال ابن حزم في «المحلى» (٩/ ١٠): ولا يحل أكل جبن عقد بإنفحة ميتة؛

стр. 5470

لأنَّ أثرها ظاهر فيه، وهو عقدها له، وهكذا كل ما مُزِج بحرام. اهـ قلتُ: أورد البيهقي في «الكبرى» (١٠/ ٦) أحاديث مرفوعة أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أكل الجبن، ولم يسأل عنه، ولم يثبت منها شيء. وفي «مصنف عبدالرزاق» (٤/ ٥٣٩) بإسناد صحيح أنَّ ابن عمر ﵄ سئل عن الجبن الذي يصنعه المجوس؟ فقال: ما وجدته في سوق المسلمين اشتريته ولم أسأل عنه. وفي «الكبرى» للبيهقي (١٠/ ٦) عن ابن عمر ﵄ بإسناد صحيح أنه سئل عن الجبن؟ فقال: كُلْ ما صنع المسلمون، وأهل الكتاب. ومن طريق أخرى عنه صحيحة: سمِّ وكل. فقيل: إنَّ فيه ميتة. فقال: إن علمت أنَّ فيه ميتة فلا تأكله. وفي «مصنف عبدالرزاق» (٤/ ٥٤٠) بإسناد صحيح عن ابن عباس ﵄ أنه كان لا يرى بالجبن الذي تصنعه اليهود والنصارى بأسًا. قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢١/ ١٠٣ - ): وَأَمَّا لَبَنُ المَيْتَةِ وَإِنْفَحَتِهَا فَفِيهِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ لِلْعُلَمَاءِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّ ذَلِكَ طَاهِرٌ. كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَد. وَالثَّانِي: أَنَّهُ نَجِسٌ. كَقَوْلِ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَالرِّوَايَةِ الْأُخْرَى عَنْ أَحْمَد، وَعَلَى هَذَا النِّزَاعِ انْبَنَى نِزَاعُهُمْ فِي جُبْنِ المَجُوسِ؛ فَإِنَّ ذَبَائِحَ المَجُوسِ حَرَامٌ عِنْدَ جَمَاهِيرِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ وَقَدْ قِيلَ: إنَّ

стр. 5471

ذَلِكَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الصَّحَابَةِ، فَإِذَا صَنَعُوا جُبْنًا وَالْجُبْنُ يُصْنَعُ بِالْإِنْفَحَةِ كَانَ فِيهِ هَذَانِ الْقَوْلَانِ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّ جُبْنَهُمْ حَلَالٌ، وَأَنَّ إنْفَحَةَ المَيْتَةِ وَلَبَنَهَا طَاهِرٌ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ لَمَّا فَتَحُوا بِلَادَ الْعِرَاقِ أَكَلُوا جُبْنَ المَجُوسِ، وَكَانَ هَذَا ظَاهِرًا شَائِعًا بَيْنَهُمْ، وَمَا يُنْقَلُ عَنْ بَعْضِهِمْ مِنْ كَرَاهَةِ ذَلِكَ فَفِيهِ نَظَرٌ؛ فَإِنَّهُ مِنْ نَقْلِ بَعْضِ الْحِجَازِيِّينَ وَفِيهِ نَظَرٌ، وَأَهْلُ الْعِرَاقِ كَانُوا أَعْلَمَ بِهَذَا؛ فَإِنَّ المَجُوسَ كَانُوا بِبِلَادِهِمْ وَلَمْ يَكُونُوا بِأَرْضِ الْحِجَازِ. قال: وَأَيْضًا فَاللَّبَنُ وَالْإِنْفَحَةُ لَمْ يَمُوتَا، وَإِنَّمَا نَجَّسَهُمَا مَنْ نَجَّسَهُمَا؛ لِكَوْنِهِمَا فِي وِعَاءٍ نَجِسٍ فَيَكُونُ مَائِعًا فِي وِعَاءٍ نَجِسٍ؛ فَالتَّنْجِيسُ مَبْنِيٌّ عَلَى مُقَدِّمَتَيْنِ: عَلَى أَنَّ الْمَائِعَ لَاقَى وِعَاءً نَجِسًا. وَعَلَى أَنَّهُ إذَا كَانَ كَذَلِكَ صَارَ نَجِسًا. فَيُقَالُ أَوَّلًا: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمَائِعَ يَنْجُسُ بِمُلَاقَاةِ النَّجَاسَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ السُّنَّةَ دَلَّتْ عَلَى طَهَارَتِهِ لَا عَلَى نَجَاسَتِهِ. وَيُقَالُ ثَانِيًا: إنَّ الْمُلَاقَاةَ فِي الْبَاطِنِ لَا حُكْمَ لَهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ [النحل:٦٦]؛ وَلِهَذَا يَجُوزُ حَمْلُ الصَّبِيِّ الصَّغِيرِ فِي الصَّلَاةِ مَعَ مَا فِي بَطْنِهِ، وَاَللهُ أَعْلَمُ. قلتُ: وما رجحه شيخ الإسلام هو الصواب، والله أعلم. مسألة [٤]: الأكل من الميتة عند الاضطرار . أجمع العلماء على إباحة الأكل من الميتة، ومن سائر المحرمات إذا اضطر إليها.

стр. 5472

• ويجب عليه الأكل ليدفع عن نفسه الهلاك في مذهب أحمد، ووجه لأصحاب الشافعي وهو قول مسروق؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:١٩٥]. • وعن أحمد رواية، وهو وجهٌ لأصحاب الشافعي أنَّ ذلك ليس بواجب عليه؛ لأنَّ ذلك رخصة، وله أن يأخذ العزيمة. والقول الأول أقرب، والله أعلم. (١) مسألة [٥]: هل له أن يأكل حتى يشبع ؟ يُباح للمضطر أكل ما يسد الرمق بالإجماع، ويحرم عليه ما زاد على الشبع بالإجماع. • وفي الشبع قولان: الأول: لا يُباح له ذلك. وهو الأظهر في مذهب أحمد، وهو قول أبي حنيفة، ورواية عن مالك، وقول للشافعي؛ لأنه استثنى من الآية ما اضطر إليه، فإذا اندفعت الضرورة لم يحل الأكل. الثاني: يُباح له الشبع. وهو قول للشافعي، ورواية عن أحمد، ومالك؛ لأنه إذا أخذ ما يسد الرمق عاودته الضرورة عن قرب فيجد المشقة في ذلك. والقول الأول هو الصواب، وهو تصويب الإمام ابن عثيمين؛ لقوله تعالى:

стр. 5473

﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ [البقرة:١٧٣]، أي: غير مريد تناوله، ولا متجاوز بقدر الضرورة؛ ولأنه محرم فيباح أقل مقدار يسد الضرورة، وأما كونه قد يحتاجه؛ فإنَّ له أن يتزود معه إذا عاودت الضرورة؛ عاود الأكل. (١) تنبيه: التزود من الميتة جائز في مذهب أحمد، ومالك، وهو الصحيح، وعن أحمد رواية بعدم جواز ذلك. (٢) مسألة [٦]: الأكل من بستان الغير . • جمهور العلماء على عدم جواز ذلك إلا للضرورة كالميتة. • وأجازه الإمام أحمد للحاجة، وإن لم تكن ضرورة؛ لحديث عبدالله بن عمرو ابن العاص في «مسند أحمد» وغيره أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «من أصاب بفيه من ذي حاجة غير متخذ خبنة؛ فلا شيء عليه». (٣) وهذا القول أقرب، وهو مقيد بالحاجة، وبأن لا يتخذ خبنة، وبقي أمر ثالث، وهو أن يناديَ صاحب البستان ثلاثًا قبل أن يأكل؛ فإن أجابه استأذنه؛ لما ثبت في «مسند أحمد» (٣/ ٨) من حديث أبي سعيد الخدري أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «إذا أتى أحدكم حائطًا، فأراد أن يأكل؛ فليُنادِ: يا صاحبالحائط، ثلاثًا؛ فإن أجابه، وإلا فليأكل، وإذا مرَّ أحدكم بإبل، فأراد أن يشرب من ألبانها؛ فليُنادِ: يا صاحب

стр. 5474

الإبل، أو: يا راعي الإبل؛ فإن أجابه، وإلا فليشرب». وجاء من حديث الحسن عن سمرة أخرجه أبو داود (٢٦١٩)، والترمذي (١٢٩٦)، وفيه: «ماشية»، وهو حسن بشاهده الذي قبله. (١) تنبيه: الزرع له حكم الثمر في رواية عن أحمد، وهو الأظهر، وعنه رواية بخصوصه في الثمار. مسألة [٧]: الشرب من لبن ماشية الغير . • مذهب أحمد، وإسحاق جواز ذلك للحاجة بعد أن ينادي صاحبها ثلاثًا؛ للحديث المتقدم. • ومذهب الجمهور المنع؛ لحديث ابن عمر ﵄ مرفوعًا: «لا يحلبنَّ أحدكم ماشية غيره إلا بإذنه ... »، أخرجه البخاري برقم (٢٤٣٥)، ومسلم برقم (١٧٢٦). وقول أحمد، وإسحاق أقرب، والله أعلم. (٢) مسألة [٨]: إذا وجد ميتة وطعامًا للغير ؟ • من أهل العلم من قال: يقدم الميتة. وهو قول سعيد بن المسيب، وزيد بن أسلم، وأحمد، وأبي حنيفة، و الشافعي؛ لأنَّ تحريم الميتة حق لله، وتحريم طعام الغير من حق المخلوق، وحقوق الله مبنية على التسامح.

стр. 5475

• وذهب مالك، والشافعي في قول، وهو وجهٌ للحنابلة إلى تقديم طعام الغير ما لم يكن صاحبه مضطرًّا إليه كاضطرار الآخر. وهذا القول أقرب؛ لأن طعام الغير ليس محرمًا لذاته كالميتة، وإنما محرم لكونه حق الغير، ويستطيع المضطر أن يعوض صاحبه عنه، والله أعلم. (١) مسألة [٩]: إذا اضطر إلى طعام الغير وليس له مال، فهل يلزم صاحب الطعام أن يعطيه بلا عوض ؟ • جمهور العلماء على أنَّ له الامتناع من البذل حتى يشتريه بثمن مثله في الذمة. • وقال بعض أصحاب داود: يجوز للمضطر أن يأكل منه قدر ما تزول به الضرورة، ولا ضمان عليه في ذلك. وأجاب الجمهور بأنَّ الذمة كالمال، ولو كان معه مال لم يلزم صاحب الطعام بذله مجانًا، وكذلك إذا أمكن الشراء في الذمة. (٢) تنبيه: إذا لم يعطه صاحب الطعام مع استغنائه عنه بثمن المثل؛ فله أن يأخذه قهرًا. (٣) مسألة [١٠]: إذا وجد المضطر آدميًّا ميتًا ؟ • مذهب الشافعية جواز الأكل منه؛ للاضطرار.

стр. 5476

• ومنع منه مالك، وأحمد، وأصحاب الظاهر. (١) مسألة [١١]: حكم الضيافة . • مذهب أحمد، والليث وجوبها يومًا وليله؛ لحديث أبي شريح مرفوعًا: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر؛ فليكرم ضيفه جائزته» قالوا: وما جائزته؟ قال: «يومه، وليلته، والضيافة ثلاثة أيام؛ فما كان وراء ذلك؛ فهو صدقة»، أخرجه البخاري برقم (٦٠١٩)، ومسلم في [كتاب اللقطة] رقم (١٤). وفي «مسند أحمد» (٤/ ١٣٠)، و «سنن أبي داود» (٣٧٥٠)، من حديث المقدام بن معدي كرب قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «ليلة الضيف حقٌّ واجبٌ؛ فإن أصبح بفنائه؛ فهو دين عليه، إن شاء اقتضى، وإن شاء ترك». وإسناده صحيح. وما زاد على اليوم والليلة؛ فهو متأكد الاستحباب إلى ثلاثة أيام، وما زاد على ذلك؛ فهو صدقة. • وعن أحمد رواية بوجوبها على أهل القرى دون الأمصار. • وأما الجمهور فذهبوا إلى الاستحباب، واحتجوا بأنَّ هذا مال مسلم لا يحل إلا بطيب نفس منه، وحملوا الأحاديث الواردة بأنها محمولة على الاستحباب، ومكارم الأخلاق. وهو قول مالك، والشافعي، وأبي حنيفة.

стр. 5477

وقول الجمهور ضعيف، والصحيح قول أحمد، والليث، وكيف يكون للاستحباب بعد قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر؛ فليكرم ضيفه»، وقوله: «حقٌّ واجب»، وقوله: «فهو دين عليه». (١) فائدة: قيل لأحمد: إن ضافَ الرجلَ ضيفٌ كافرٌ يضيفه؟ قال: قال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «ليلة الضيف حق واجب على كل مسلم»، وهذا الحديث بَيِّنٌ، دلَّ على أن المسلم والمشرك يضاف، وأنا أراه كذلك. فائدة أخرى: عن أحمد رواية: أنَّ الضيف إذا نزل بقوم ولم يضيفوه؛ فله أن يأخذ من أموالهم بقدر ضيافته، وإن لم يعلموا؛ لحديث عقبة بن عامر ﵁ قال: قلنا: يا رسول الله، إنك تبعثنا فننزل بقوم لا يقروننا. قال: «إذا نزلتم بقوم، فأمروا لكم بما ينبغي للضيف، فاقبلوا؛ فإن لم يفعلوا فخذوا منهم حقَّ الضيف الذي ينبغي لهم»، أخرجه البخاري برقم (٢٤٦١)، ومسلم برقم (١٧٢٧). وهو ظاهر تبويب البخاري: [باب قصاص المظلوم] من كتاب المظالم. (٢)

стр. 5478

بَابُ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ الصيد: مصدر صاد يصيد صيدًا، ويطلق على اقتناص الحيوان، سواء كان بريًّا أو بحريًّا، متوحشًا أم غير متوحش، حلالًا أم حرامًا. ويُطلق أيضًا على المصيد. والمراد به شرعًا: اقتناص حيوان حلال متوحش طبعًا غير مقدور عليه. (١)

стр. 5479

١٣٣١ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنِ اتَّخَذَ كَلْبًا، إلَّا كَلْبَ مَاشِيَةٍ، أَوْ صَيْدٍ أَوْ زَرْعٍ، انْتُقِصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١) ١٣٣٢ - وَعَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إذَا أَرْسَلْت كَلْبَك فَاذْكُرِ اسْمَ اللهِ؛ فَإِنْ أَمْسَكَ عَلَيْك فَأَدْرَكْته حَيًّا فَاذْبَحْهُ، وَإِنْ أَدْرَكْته قَدْ قَتَلَ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ فَكُلْهُ، وَإِنْ وَجَدْت مَعَ كَلْبِك كَلْبًا غَيْرَهُ وَقَدْ قَتَلَ فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنَّك لَا تَدْرِي أَيَّهُمَا قَتَلَهُ، وَإِنْ رَمَيْت بِسَهْمِك فَاذْكُرِ اسْمَ اللهِ تَعَالَى، فَإِنْ غَابَ عَنْك يَوْمًا فَلَمْ تَجِدْ فِيهِ إلَّا أَثَرَ سَهْمِك فَكُلْ إنْ شِئْت، وَإِنْ وَجَدْته غَرِيقًا فِي المَاءِ فَلَا تَأْكُلْ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ؛ وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ. (٢) ١٣٣٣ - وَعَنْ عَدِيٍّ ﵁ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ صَيْدِ المِعْرَاضِ، فَقَالَ: «إذَا أَصَبْت بِحَدِّهِ فَكُلْ، وَإِذَا أَصَبْت بِعَرْضِهِ فَقَتَلَ فَإِنَّهُ وَقِيذٌ، فَلَا تَأْكُلْ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (٣) ١٣٣٤ - وَعَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إذَا رَمَيْت بِسَهْمِك، فَغَابَ عَنْك فَأَدْرَكْته، فَكُلْهُ، مَا لَمْ يُنْتِنْ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. (٤)

стр. 5480

المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث مسألة [١]: شروط إباحة الحيوان بالصيد . الشرط الأول: أن يكون الصائد ممن تباح ذبيحته. وهو المسلم، أو الكتابي العاقل؛ لأنَّ الاصطياد أُقِيم مقام الذكاة، والجارح آلة كالسكين، وعقره للحيوان بمنزلة إفراء الأوداج؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «فإنَّ أخذ الكلب ذكاته». الشرط الثاني: صلاحية الآلة للصيد، وهي نوعان: الأول: ما يُرْمَى به الصيد من كل محدد كالرماح، والسيوف، والسهام، وما جرى مجراها مما يجرح بِحدِّه كرصاص البنادق المعروفة اليوم. ويُشتَرط في المحدد ما يُشترط في آلة الذكاة من كونه يقتل بحدِّه، وكونه غير سنٍّ وظفر كما تقدم. الثاني: الجوارح. وهي الكواسب من السباع، والكلاب، والطير؛ لقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ [المائدة:٤]، فمنها ما يصيد بنابه كالكلب، والفهد، ومنها ما يصيد بمخلبه كالصقر، والبازي. ويُشترط في الجوارح أن تكون معلمة بدون خلاف؛ للآية المتقدمة، ولقوله

стр. 5481

-صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لأبي ثعلبة الخُشَني: «إذا أرسلت كلبك المعلم، وذكرت اسم الله؛ فكل، وإذا أرسلت كلبك غير المعلم، فأدركت ذكاته؛ فكل» أخرجه البخاري برقم (٥٤٧٨)، ومسلم برقم (١٩٣٠)، ويُعتبر في المعلَّم أمور: أحدها: إذا أرسله؛ استرسل. ثانيها: إذا زجره؛ انزجر. ثالثها: إذا أمسك لم يأكل. وهذا شرطٌ عند الجمهور خلافًا لمالك، وربيعة. رابعها: أن يتكرر منه ترك الأكل. • فمنهم من قال: ثلاث مرات. وهو قول جماعة من الحنابلة، وأبي يوسف، ومحمد. • ومنهم من قال: مرة. وهو قول بعض الحنابلة. • وقال أبو حنيفة: مرتين. • ولم يقدر أصحاب الشافعي عدد المرات، بل قدَّروه بما يصير به في العرف معلمًا. • وقد ذهب مالك، وربيعة إلى أنه لا يشترط في الكلب المعلم عدم الأكل؛ لحديث أبي ثعلبة الخشني، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إذا أرسلت كلبك المعلم، وذكرت اسم الله عليه؛ فكل وإن أكل» وأجاب الجمهور بأنَّ العادة في المعلم ترك الأكل؛ فاعتُبِر شرطًا كالانزجار

стр. 5482

إذا زُجِر. وأما حديث أبي ثعلبة الخشني فقد أخرجه أبو داود (٢٨٥٢) من طريق: داود بن عمر، عن بسر بن عبيد الله، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي ثعلبة به. وداود بن عمرو حسن الحديث؛ إلا أنَّ له بعض الأخطاء، والحديث في «الصحيحين» من طريق: ربيعة بن يزيد الدمشقي وهو ثقة عن أبي إدريس الخولاني به، وليس فيه ذكر: «وإن أكل»، ورواه عن أبي إدريس أيضًا يونس بن سيف الكلاعي عند أحمد (٤/ ١٩٥) وأبي داود (٢٨٥٦)، والوليد بن عبدالرحمن ابن أبي مالك عند الترمذي (١٤٦٤)، وليس عندهم ذكر الأكل. وجاء الحديث عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده بزيادة: «وإن أكل» أخرجه أبو داود (٢٨٥٧)، وأحمد (٦٧٢٥) من طريق: حبيب المعلم عن عمرو بن شعيب به. لكن رواه النسائي (٧/ ١٩١) من طريق: عبيدالله بن الأخنس، عن عمرو بن شعيب به بدون ذكر الأكل، واختلف في إسناده. قال البيهقي ﵀ (٩/ ٣٣٨): وقد روى شعبة عن عبد ربه بن سعيد، عن عمرو بن شعيب، عن رجل من هُذيل أنه سأل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عن الكلب يَصطاد؟ فقال: «كل، أكل أو لم يأكل» فصار حديث عمرو بهذا معلولًا. وقال: (٩/ ٢٣٨): وحديث الشعبي عن عدي بن حاتم أصح من حديث

стр. 5483

داود بن عمرو الدمشقي، ومن حديث عمرو بن شعيب، والله أعلم. قال ابن كثير ﵀ في «تفسير المائدة» [آية:٤]: وتوسط آخرون، فقالوا: إنْ أكل عقب ما أمسكه؛ فإنه يحرم؛ لحديث عدي بن حاتم، وللعلة التي أشار إليها النبي ﷺ : «فإني أخاف أن يكون أمسك على نفسه»، وأما إن أمسكه، ثم انتظر صاحبه، فطال عليه، وجاع، فأكل منه لجوعه؛ فإنه لا يؤثر في التحريم، وحملوا على ذلك حديث أبي ثعلبة الخشني، وهذا تفريق حسن، وجمع بين الحديثين صحيح. اهـ الشرط الثالث: أن لا يأكل الكلب المعلم من الصيد. • وهو قول الجمهور كما تقدم. • وذهب مالك، وربيعة إلى عدم اشتراط ذلك، وهو رواية عن أحمد، وقول للشافعي؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة:٤]، وبحديث أبي ثعلبة، وعمرو بن شعيب المتقدمين. واستدل الجمهور بحديث عدي بن حاتم، وهو الصحيح، وتقدم الكلام على حديث أبي ثعلبة، وعمرو بن شعيب، وأما الآية فمجملة بينها حديث عدي بن حاتم ﵁. (١)

стр. 5484

مسألة [٢]: هل يُشترط في الصقر والبازي أن لا يأكل من الصيد ؟ • الأصح في مذهب الشافعي اشتراط ذلك؛ لما ورد في حديث عدي عند أبي داود (٢٨٥١): «فإن أكل الكلب، والبازي؛ فلا تأكل». • وذهب الجمهور إلى عدم اشتراط ذلك في جارحة الطير؛ لأنَّ جوارح الطير تعلم بالأكل، ويتعذر تعليمها بترك الأكل؛ فلم يقدح في تعليمها، بخلاف الكلب، والفهد. وأما الحديث الذي استدلوا به فقد تفرد بذكر زيادة: «البازي» مجالد الهمداني، وهو ضعيف؛ فزيادته منكرة؛ لمخالفته للثقات في ذكرها. وهذا قول النخعي، وحماد، والثوري، وأبي حنيفة وأصحابه، ومالك، وأحمد، والمزني وغيرهم، وهو الصحيح. (١) مسألة [٣]: إذا شرب الكلب دم الصيد، ولم يأكل منه ؟ • كرهه الشعبي، والثوري؛ لأنه في معنى الأكل. • وأباحه الجمهور، وهو قول أصحاب المذاهب الأربعة وغيرهم؛ لأنه خرج الأكل منه بالنص، وأما الدم فلم يأت نصٌّ في ذلك. وهو الأقرب؛ لأنه لم يأكل من الصيد. (٢)

стр. 5485

تنبيه: الصيود الماضية التي لم يأكل منها مباحة لا تحرم؛ لكونه أكل من صيد حادث عند عامة العلماء، خلافًا لأبي حنيفة حيث قال: يحرم جميع ما صاده قبل ذلك؛ لأنه تبين عدم تعليمه. وقوله ضعيف جدًّا. (١) الشرط الرابع: أن يرسل الجارحة على الصيد. • مذهب الجمهور اشتراط ذلك؛ فإن استرسل بنفسه، فقتل؛ لم يبح، وهو قول أصحاب المذاهب الأربعة، وربيعة، وأبي ثور، وابن المنذر وغيرهم؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إذا أرسلت ... »، ولأنَّ الإرسال قام مقام التذكية. • وذهب عطاء، والأوزاعي إلى أنه يُباح إن كان أخرجه للاصطياد. • وقال إسحاق: إذا سمَّى عند انفلاته؛ أبيح صيده. وقول الجمهور هو الصواب، وهو ترجيح العثيمين، والفوزان. (٢) مسألة [٤]: إذا سمَّى عند انفلاته، وزجره فزاد الكلب في عدوه ؟ • مذهب أحمد، وأبي حنيفة، ومالك في رواية أنه يحل، وهو قول إسحاق؛ لوجود النية، والتسمية والإغراء الذي أثر في عدو الكلب قبل الاصطياد. • وذهب الشافعي، ومالك في رواية إلى أنه لا يحل؛ لأنَّ الكلب استرسل بنفسه،

стр. 5486

وهو مانع، والإغراء مبيح، فيغلب جانب الحظر، ولأنَّ الإغراء يشترط أن يكون من حين الإرسال. ورجَّح الإمام ابن عثيمين، والإمام الفوزان القول الأول، والله أعلم. (١) الشرط الخامس: أن يجرح الصيد. وعليه: فإنْ أصابه بثقله فقتله، أو خنقه؛ فلا يباح عند أكثر العلماء، بل يصير موقوذًا. وقال الشافعي ﵀ في قولٍ له وهو الأصح عند أصحابه: إنه يباح؛ لأنه تشمله الآية ﴿مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾، ولم يفصل بين جرحه وعدم ذلك. وأُجيب عنه بأنه لم يذكر ذلك؛ لكون الكلب، والصقر، وما أشبهها من شأنها أن تجرح الصيد، وقد قال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في المعراض: «وإذا أصابه بعرضه؛ فإنه وقيذ، فلا تأكل»، وقد رجح ابن كثير ﵀ في تفسير المائدة [آية:٣] قول الجمهور، وتوسع في ذكر أدلة الشافعي ومناقشتها. (٢) الشرط السادس: أن يرسله على صيد يراه. قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٣/ ٢٦٥): فَإِنْ أَرْسَلَهُ وَهُوَ لَا يَرَى شَيْئًا،

стр. 5487

وَلَا يُحِسُّ بِهِ، فَأَصَابَ صَيْدًا؛ لَمْ يُبَحْ. وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُرْسِلْهُ عَلَى الصَّيْدِ، وَإِنَّمَا اسْتَرْسَلَ بِنَفْسِهِ. وَهَكَذَا إنْ رَمَى سَهْمًا إلَى غَرَضٍ، فَأَصَابَ صَيْدًا، أَوْ رَمَى بِهِ إلَى فَوْقِ رَأْسِهِ فَوَقَعَ عَلَى صَيْدٍ فَقَتَلَهُ؛ لَمْ يُبَحْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ بِرَمْيِهِ عَيْنًا، فَأَشْبَهَ مَنْ نَصَبَ سِكِّينًا، فَانْذَبَحَتْ بِهَا شَاةٌ. اهـ الشرط السابع: التسمية عند إرساله. • ذهب جمهور العلماء إلى اشتراط التسمية؛ لحديث عدي بن حاتم، وأبي ثعلبة. • وخالف الشافعي فقال بالاستحباب، وسنذكر إن شاء الله أدلته عند الكلام على التسمية في الذبيحة. ثم اختلف الجمهور على أقوال: • فمنهم من قال: هي شرطٌ مطلقًا على الذاكر والناسي في حالة إرسال الجارح، أو حالة إرسال السهم. وهذا قول الشعبي، وأبي ثور، وداود، وأحمد. • وذهب مالك، وأبو حنيفة إلى أنه إن نسي التسمية فله الأكل؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه» (١)، وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦]. • وعن أحمد رواية عدم اشتراطه في الناسي يرمي السهم؛ لأنه يشبه الذبح.

стр. 5488

والصحيح أنَّ التسمية شرطٌ للذاكر والناسي، ولا يُباح الصيد لمن نسي التسمية، وهو ترجيح الإمام ابن عثيمين ﵀. (١) مسألة [٥]: كيفية التسمية . • ذكر أهل العلم أنه يقول: (باسم الله)، ولا يقوم غيرها من الذكر مقامها، كالتهليل، والتعظيم، والتسبيح، وهذا قول أحمد، والشافعي. • ومذهب الحنفية، والمالكية جواز أي ذكر لله؛ لأنه يكون قد ذكر اسم الله عليها. وأجاب أحمد، والشافعي أنَّ السنة قد بينت التسمية عند الذبيحة بقوله: (باسم الله)؛ فكذلك في الصيد. وهذا هو الصحيح. • وأجاز بعض الفقهاء أن يزيد: (والله أكبر) كما ثبت عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في الأضحية، والأولى الاقتصار على (باسم الله). • واستحبَّ الشافعي زيادة الصلاة على النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وكذا أبو إسحاق بن شاقلا. • ومذهب أحمد، والليث عدم مشروعية ذلك، وهو الصحيح. (٢)

стр. 5489

فائدة: قال الإمام ابن عثيمين ﵀ (٦/ ٣٨٠): الصحيح جواز إضافة كلمة (اسم) إلى اسم آخر (كالرحمن، والعزيز، والجبار) وما أشبه ذلك؛ لأنَّ قوله (باسم الله) أي: باسم هذا المسمى، فإذا أُضيفت كلمة اسم إلى ما يختص بالله عزوجل فلا فرق بين لفظ الجلالة (الله) وغيرها. انتهى بتصرف. مسألة [٦]: جوارح الطير، والسباع غير الكلب . • الصيد بجوارح الطير والسباع التي تقبل التعلم ويمكن الاصطياد بها جائز، كالكلب عند عامة أهل العلم، كالفهود، والصقور، والبازي. • وحُكي عن ابن عمر ﵄، ومجاهد أنه لا يجوز الصيد إلا بالكلب، ونحوه عن سعيد بن جبير. واستدل الجمهور بعموم الآية؛ لأنها من الجوارح، وقوله: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة:٤] قيل: إنها حال من الجوارح، أي: وما علمتم من الجوارح حال كونهن مكلبات للصيد، وذلك أن تقتنصه بمخالبها، أو أنيابها. وقيل: إنه حال من الضمير في قوله: ﴿عَلَّمْتُمْ﴾؛ فيكون من التكليب، أي: الإغراء، وجمعه وحثه على الشيء. وأما أثر ابن عمر ﵄ فقد أخرجه ابن جرير في تفسيره لسورة المائدة [آية:٤]، وعبدالرزاق (٨٥١٩)، وابن أبي شيبة (٥/ ٣٦٥)، وفي إسناده عنعنة ابن

стр. 5490

جريج. والصحيح قول الجمهور. (١) مسألة [٧]: هل يباح صيد الكلب الأسود البهيم ؟ • مذهب الحسن، والنخعي، وقتادة، وأحمد، وإسحاق عدم إباحة صيده؛ لأنه مأمور بقتله، فلا يجوز اقتناؤه، فكيف يُباح صيده؟!. • ومذهب مالك، والشافعي، والحنفية جواز صيده؛ لعموم الآية، ولا يلزم من الأمر بقتله أن لا يباح صيده. والصحيح القول الأول، والآية مخصوصة بالحديث، والله أعلم. (٢) مسألة [٨]: إن أدرك الصيد وفيه حياة مستقرة ؟ • إن لم يتسع الوقت لتذكيته؛ يحل عند الجمهور. • وخالف أبو حنيفة، فقال: لا يحل؛ لأنه قد تعلقت به الذكاة؛ فهو كما لو اتَّسَع الوقت، فتوانى في ذبحه، فمات. والصحيح قول الجمهور؛ لأنه معذورٌ غير مفرط. وأما ما لم تكن فيه حياة مستقرة، كحركة المذبوح، فيباح عند الجميع بدون تذكية. وأما إذا أُصيب الصيد بجرح يعيش به طويلًا، فلم يذكه حتى مات؛ فلا يباح

стр. 5491

عند عامة العلماء. (١) مسألة [٩]: إذا لم يجد ما يذبحه به، وفيه حياة مستقرة ؟ • أكثر العلماء على أنه لا يحل إلا بذبحه؛ لأنه أصبح مقدورًا عليه. • وذهب الحسن، والنخعي، وأحمد في رواية إلى أنه يرسل الكلب عليه مرة أخرى؛ ليُجهِز عليه. وصحح ابن قدامة قول الجمهور؛ لأنه حيوان لا يُباح بغير التذكية إذا كان معه آلة الذكاة، فلم يبح بغيرها إذا لم يكن معه آلة كسائر المقدور على تذكيته. قال: وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَحْمُولَةٌ عَلَى مَا يُخَافُ مَوْتُهُ إنْ لَمْ يَقْتُلْهُ الْحَيَوَانُ أَوْ يُذَكَّى؛ فَإِنْ كَانَ بِهِ حَيَاةٌ يُمْكِنُ بَقَاؤُهُ إلَى أَنْ يَأْتِيَ بِهِ مَنْزِلَهُ، فَلَيْسَ فِيهِ اخْتِلَافٌ أَنَّهُ لَا يُبَاحُ إلَّا بِالذَّكَاةِ؛ لِأَنَّهُ مَقْدُورٌ عَلَى تَذْكِيَتِهِ. اهـ (٢) مسألة [١٠]: إذا وجد مع كلبه كلبًا آخر عند الصيد ؟ ذكر أهل العلم أنه لا يُباح الصيد إلا إن تيقن أنَّ كلبه هو الذي اصطاده منفردًا، أو شاركه الآخر، والآخر كلب صيد تمت فيه شروط إباحة الصيد. وأما إذا لم يكن كلبًا معلمًا تمت فيه الشروط، ولم يتيقن أنَّ كلبه انفرد به فلا

стр. 5492

يحل؛ للحديث الذي في الباب. (١) مسألة [١١]: إذا أرسل مجوسيٌّ كلبه مع كلب المسلم، فأصاباه جميعًا ؟ ذكر أهل العلم أنه لا يباح؛ لأنه اجتمع مبيحٌ وحاظرٌ، فيغلب جانب الحظر. • وإن ردَّ كلب المجوسي الصيد جهة كلب المسلم، فصاده كلب المسلم؛ جاز عند الجمهور. • وخالف أبو حنيفة، فقال: لا يحل؛ لأنَّ كلب المجوسي قد شارك وأعان في قتل الصيد. والصحيح قول الجمهور. (٢) تنبيه: وكذا يحرم إذا اشترك مع الكلب المعلم كلب معلم لم تكتمل فيه الشروط السابقة. مسألة [١٢]: إذا صاد المجوسي بكلب المسلم، وصاد المسلم بكلب المجوسي ؟ • جمهور العلماء على أنَّ العبرة بالمرسل لا بالكلب، فإذا أرسل المسلم كلبًا معلمًا؛ حل الصيد، سواء كان الكلب من تعليم المسلم، أو من تعليم المجوسي، وإذا صاد المجوسي بكلب المسلم؛ لم يحل، وهذا لا خلاف فيه. • وذهب بعض الفقهاء إلى أنه لا يباح صيد المسلم بكلب المجوسي، وهو

стр. 5493

قول أحمد في رواية. والصحيح قول الجمهور، والله أعلم. (١) مسألة [١٣]: إذا أرسل الصائد السهم، أو الجارحة على صيدٍ، فأصاب صيدًا غيرَه، أو آخرَ معه ؟ • مذهب الجمهور أنَّ الصيد حلال؛ لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة:٤]، وقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إذا أرسلت كلبك، وذكرت اسم الله؛ فكل مما أمسك عليك»، وهذا قول أحمد، والشافعي، وأبي حنيفة. • إلا أنَّ الشافعي قال في كلب الصيد: إن أخذ آخر في طريقه؛ حل، وإن عدا عن طريقه إليه؛ ففيه وجهان. • وقال مالك: إذا أرسل كلبه على صيد بعينه، فأخذ غيره؛ لم يُبح؛ لأنه لم يقصد صيده. وهو قول داود. وأجاب الجمهور بأنه لا يمكن تعليم الجارح اصطياد واحد بعينه دون واحد، فسقط اعتباره، ورجَّح الفوزان قول الجمهور، وهو الصواب، والله أعلم. (٢) مسألة [١٤]: إن أرسل سهمه، أو الجارح، ولا يرى صيدًا ؟ • مذهب مالك، والشافعي، وأحمد عدم جوازه؛ لأنَّ قصد الصيد شرط، ولا

стр. 5494

يصح القصد مع عدم العلم. • وأجازه الحسن، ومعاوية بن قرة؛ لعموم الآية. (١) مسألة [١٥]: من رمى شيئًا يظنه حجرًا، أو عدوًّا، أو خنزيرًا، فبان صيدًا ؟ • مذهب الشافعي، وأبي حنيفة جوازه؛ لعموم الآية: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾، والحديث: «وما صدت بقوسك وذكرت اسم الله عليه؛ فكل». • ولم يجزه الشافعي في الجارحة. • ومذهب مالك، وأحمد، ومحمد بن الحسن عدم جواز ذلك، واستثنى محمد بن الحسن إذا ظنه خنزيرًا، أو كلبًا؛ فأجازه. وحجة من لم يُجِزْ ذلك -وهو الأقرب- أنه لم يقصد الصيد؛ فهو كما لو رمى هدفًا، فأصاب صيدًا. (٢) مسألة [١٦]: إذا غاب الصيد عن عينه، ثم أدركه ومعه سهمه، أو كلبه ؟ • ذهب جماعة من أهل العلم إلى جواز ذلك وإباحته إذا لم يجد في الصيد إلا أثر سهمه، وهو قول الحسن، وقتادة، وأحمد في المشهور عنه، وهو قول مالك في رواية. • وقال مالك: إن أدركه من يومه؛ أكله. وعن أحمد رواية بنحوه.

стр. 5495

• ومذهب الشافعي، وداود تحريمه. • وقال أبو حنيفة: يُباح إن كان مستمرًّا في طلبه؛ فإن ترك طلبه؛ لم يبح. والصحيح هو القول الأول؛ لحديث عدي بن حاتم، وأبي ثعلبة ﵄. (١) مسألة [١٧]: إذا رمى الصيد فوقع في ماء، أو تردى من جبل ؟ أما إذا كانت الجراحة غير مهلكة، فلا خلاف في تحريمه؛ لأنه لا يُدْرَى أقتل بالجراحة، أم بالغرق والتردي؟ • وأما إن كانت الجراحة مهلكة كأن يقطع رأسه أو يبين حِشْوتَه، ففيه قولان: الأول: يُباح، ولا يضره الغرق، أو التردي. وهذا قول الشافعي، ومالك، والليث، وقتادة، وأبي ثور، وجماعة من الحنابلة؛ لأنه صار في حكم الميت في الذبح. الثاني: لا يُباح. وهو قول أحمد، وإسحاق، وعطاء، وربيعة، وأصحاب الرأي؛ لأنه يحتمل أنَّ الماء أعان على خروج روحه، فصار بمنزلة ما لو كانت الجراحة غير موجبة، ورجَّح هذا الفوزان. قلتُ: القول الأول أقرب؛ لأنه قد صار في حكم الميت، والله أعلم. (٢)

стр. 5496

تنبيه: قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٣/ ٢٧٨): وَلَوْ وَقَعَ الْحَيَوَانُ فِي الْمَاءِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَقْتُلُهُ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ رَأْسُهُ خَارِجًا مِنْ الْمَاءِ، أَوْ يَكُونَ مِنْ طَيْرِ الْمَاءِ الَّذِي لَا يَقْتُلُهُ الْمَاءُ، أَوْ كَانَ التَّرَدِّي لَا يَقْتُلُ مِثْلَ ذَلِكَ الْحَيَوَانِ، فَلَا خِلَافَ فِي إبَاحَتِهِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: «فَإِنْ وَجَدْته غَرِيقًا فِي الْمَاءِ؛ فَلَا تَأْكُلْهُ»؛ وَلِأَنَّ الْوُقُوعَ فِي الْمَاءِ وَالتَّرَدِّي إنَّمَا حُرِّمَ خَشْيَةَ أَنْ يَكُونَ قَاتِلًا أَوْ مُعِينًا عَلَى الْقَتْلِ. اهـ مسألة [١٨]: إذا رمى طيرًا في الهواء، فسقط على الأرض، فمات، فهل يحل ؟ • مذهب الجمهور جوازه؛ لأنه صيد سقط بالإصابة سقوطًا لا يمكن الاحتراز عن سقوطه عليه، فيحل كما لو أصاب الصيد فسقط على جنبه، وهو قول الشافعي، وأحمد، وأصحاب الرأي. • ومذهب مالك عدم الجواز؛ إلا أن تكون الجراحة مهلكة، أو يموت قبل سقوطه؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْمُتَرَدِّيَةُ﴾ [المائدة:٣]؛ ولأنه اجتمع مبيح وحاظر، فيغلب جانب الحظر. والصحيح قول الجمهور؛ لما تقدم، إلا أنْ تكون الجراحة خفيفة يُعلم عدم حصول الموت منها. (١) مسألة [١٩]: إذا رمى صيدًا، فقطع منه عضوًا، أو أكثر ؟ هذه المسألة لها ثلاثة أحوال:

стр. 5497

الحالة الأولى: أن يقطعه قطعتين، أو يقطع رأسه. • فهذا حلال عند الجمهور، وهو مذهب الشافعي، وأحمد، وداود الظاهري، ومن التابعين عكرمة، والنخعي، وقتادة. • وذهب أبو حنيفة إلى أنه يحل إذا كانت القطعتان متساويتين، أو التي مع الرأس أقل، أما إذا كانت التي مع الرأس أكثر؛ فإنها تحل وتحرم الأخرى؛ لحديث: «ما أُبِينَ من حيٍّ؛ فهو ميت». وأجاب الجمهور بأنه جزء لا تبقى الحياة مع فقده، فيُباح كما لو تساوت القطعتان. الحالة الثانية: أنْ يُبين منه عضوًا، وتبقى فيه حياة مستقرة، فالبائن محرم، سواء بقي الحيوان حيًّا، أو أدركه فَذَكَّاه، أو رماه بسهم آخر فقتله. الحالة الثالثة: أن يبين منه عضوًا، ولا تبقى فيه حياة مستقرة. • فمذهب أحمد في الأشهر عنه الإباحة، وهو قول الشافعي، وداود؛ لأنها حياة غير مستقرة؛ فهو كحياة المذكَّى، وهو قول عطاء، والحسن. • وقال قتادة، وإبراهيم، وعكرمة: إن وَقَعا معًا؛ أكلهما، وإن مشى بعد قطع العضو؛ أكله، ولم يأكل ا لعضو. • ومذهب أبي حنيفة عدم الجواز، وهو رواية عن أحمد؛ لحديث: «ما أُبين من الحي؛ فهو ميت».

стр. 5498

والصحيح القول الأول، والله أعلم. قال ابن قدامة ﵀: قَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ الْحَسَنِ، أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بِالطَّرِيدَةِ بَأْسًا، كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ فِي مَغَازِيهِمْ، وَمَا زَالَ النَّاسُ يَفْعَلُونَهُ فِي مَغَازِيهِمْ. وَاسْتَحْسَنَهُ أَبُو عَبْدِ الله، قَالَ: وَالطَّرِيدَةُ الصَّيْدُ يَقَعُ بَيْنَ الْقَوْمِ، فَيَقْطَعُ ذَا مِنْهُ بِسَيْفِهِ قِطْعَةً، وَيَقْطَعُ الْآخَرُ أَيْضًا، حَتَّى يُؤْتَى عَلَيْهِ وَهُوَ حَيٌّ. قَالَ: وَلَيْسَ هُوَ عِنْدِي إلَّا أَنَّ الصَّيْدَ يَقَعُ بَيْنَهُمْ، لَا يَقْدِرُونَ عَلَى ذَكَاتِهِ، فَيَأْخُذُونَهُ قِطَعًا. اهـ (١) مسألة [٢٠]: صيد المعراض . المِعْرَاض: عود محدد، وربما جُعِل في رأسه حديدة. • دلَّ حديث عدي بن حاتم على جواز ما أصابه بحده، فخرقه، وأما إذا أصابه بثقله، فلا يُباح؛ لأنه وقيذٌ، وهذا قول جمهور العلماء، وأصحاب المذاهب الأربعة. • وذهب الأوزاعي وغيره من أهل الشام إلى جوازه مطلقًا، وإن قتل بعرضه، ولعله لم يبلغهم النصُّ في ذلك، والله أعلم. • ومنع منه الحسن مطلقًا.

стр. 5499

والصحيح تفصيل الجمهور. (١) تنبيه: السيف، والرمح، وغيرها من الأسلحة حكمها حكم المعراض. مسألة [٢١]: إذا نصب أحبولة فيها حجر، أو شبكة، أو حديد ؟ • أما إذا أُصيب بالحجر، أو الحديد، أو غيرها بثقلها؛ فلا يُباح ذلك الصيد عند عامة أهل العلم؛ إلا ما نُقل عن الحسن أنه أجاز ذلك إذا سمَّى عند نصبها. • وأما إذا أصابه بسلاح حادٍّ فقتله؛ فيُباح في مذهب أحمد، وهو قول الحسن، وقتادة. • ومذهب الشافعي أنه لا يُباح؛ إلا أن يدرك ذكاته؛ لأنه لم يرم، فهو كما لو نصب سكينًا فذبحت شاة. قال أبو عبد الله غفر الله لهُ: يشترط التسمية عند الرمي، والأمر في هذه المسألة متعذر؛ فالأقرب قول الشافعي، والله أعلم. (٢) مسألة [٢٢]: الأمور التي يملك بها الصيد . أحدها: أن يضبطه بيده، فيملكه، ولا يُشترط فيه قصد التملك، فلو أخذ صيدًا لينظر إليه؛ ملكه، وإن انفلت من يده لم يَزُلْ ملكه عنه؛ لأنه امتنع منه بعد ثبوت ملكه؛ فلم يزل عنه كما لو شردت عليه فرسه.

стр. 5500

الثاني: أن يجرحه جراحة مذففة، أو يرميه رمية مثخنة، بحيث يعجز عن العدو، أو الطيران، ويزول امتناعه. الثالث: أن ينصب شبكة ونحوها للصيد، فيقع فيها صيد، فيملكه؛ مالم ينفلت الصيد من شبكته، أو يهرب مع الشبكة على وجهٍ يقدر على الامتناع. (١) مسألة [٢٣]: هل يغسل موضع فم الكلب من الصيد ؟ • في ذلك وجهان للحنابلة، والشافعية. والأقرب وجوب غسله، والله أعلم. (٢) مسألة [٢٤]: إذا رمى شخصٌ الصيد، فأثبته، ثم رماه آخر فقتله ؟ أما الذي يملكه فهو الأول عند عامة العلماء، وأما إباحته؛ فإن كانت رمية الأول مهلكة؛ فهو مباح، وإن كانت رميته غير مهلكة؛ فينظر في رمية الثاني: إن وقعت في الحلق واللبة؛ فعليه أرش الذبح فقط، وإن كانت وقعت في غير الحلق واللبة؛ فعليه ضمانه؛ لأنه قتل ما هو مقدور عليه، والمقدرو عليه يُذبح ذبحًا، وهذا قول أصحاب المذاهب الأربعة وغيرهم. (٣)
следующие страницы →