تنبيه: قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٣/ ٢٧٨): وَلَوْ وَقَعَ الْحَيَوَانُ فِي الْمَاءِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَقْتُلُهُ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ رَأْسُهُ خَارِجًا مِنْ الْمَاءِ، أَوْ يَكُونَ مِنْ طَيْرِ الْمَاءِ الَّذِي لَا يَقْتُلُهُ الْمَاءُ، أَوْ كَانَ التَّرَدِّي لَا يَقْتُلُ مِثْلَ ذَلِكَ الْحَيَوَانِ، فَلَا خِلَافَ فِي إبَاحَتِهِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: «فَإِنْ وَجَدْته غَرِيقًا فِي الْمَاءِ؛ فَلَا تَأْكُلْهُ»؛ وَلِأَنَّ الْوُقُوعَ فِي الْمَاءِ وَالتَّرَدِّي إنَّمَا حُرِّمَ خَشْيَةَ أَنْ يَكُونَ قَاتِلًا أَوْ مُعِينًا عَلَى الْقَتْلِ. اهـ
مسألة [١٨]: إذا رمى طيرًا في الهواء، فسقط على الأرض، فمات، فهل يحل ؟
• مذهب الجمهور جوازه؛ لأنه صيد سقط بالإصابة سقوطًا لا يمكن الاحتراز عن سقوطه عليه، فيحل كما لو أصاب الصيد فسقط على جنبه، وهو قول الشافعي، وأحمد، وأصحاب الرأي.
• ومذهب مالك عدم الجواز؛ إلا أن تكون الجراحة مهلكة، أو يموت قبل سقوطه؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْمُتَرَدِّيَةُ﴾ [المائدة:٣]؛ ولأنه اجتمع مبيح وحاظر، فيغلب جانب الحظر.
والصحيح قول الجمهور؛ لما تقدم، إلا أنْ تكون الجراحة خفيفة يُعلم عدم حصول الموت منها. (١)
مسألة [١٩]: إذا رمى صيدًا، فقطع منه عضوًا، أو أكثر ؟
هذه المسألة لها ثلاثة أحوال:
стр. 5497
الحالة الأولى: أن يقطعه قطعتين، أو يقطع رأسه.
• فهذا حلال عند الجمهور، وهو مذهب الشافعي، وأحمد، وداود الظاهري، ومن التابعين عكرمة، والنخعي، وقتادة.
• وذهب أبو حنيفة إلى أنه يحل إذا كانت القطعتان متساويتين، أو التي مع الرأس أقل، أما إذا كانت التي مع الرأس أكثر؛ فإنها تحل وتحرم الأخرى؛ لحديث: «ما أُبِينَ من حيٍّ؛ فهو ميت».
وأجاب الجمهور بأنه جزء لا تبقى الحياة مع فقده، فيُباح كما لو تساوت القطعتان.
الحالة الثانية: أنْ يُبين منه عضوًا، وتبقى فيه حياة مستقرة، فالبائن محرم، سواء بقي الحيوان حيًّا، أو أدركه فَذَكَّاه، أو رماه بسهم آخر فقتله.
الحالة الثالثة: أن يبين منه عضوًا، ولا تبقى فيه حياة مستقرة.
• فمذهب أحمد في الأشهر عنه الإباحة، وهو قول الشافعي، وداود؛ لأنها حياة غير مستقرة؛ فهو كحياة المذكَّى، وهو قول عطاء، والحسن.
• وقال قتادة، وإبراهيم، وعكرمة: إن وَقَعا معًا؛ أكلهما، وإن مشى بعد قطع العضو؛ أكله، ولم يأكل ا لعضو.
• ومذهب أبي حنيفة عدم الجواز، وهو رواية عن أحمد؛ لحديث: «ما أُبين من الحي؛ فهو ميت».
стр. 5498
والصحيح القول الأول، والله أعلم.
قال ابن قدامة ﵀: قَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ الْحَسَنِ، أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بِالطَّرِيدَةِ بَأْسًا، كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ فِي مَغَازِيهِمْ، وَمَا زَالَ النَّاسُ يَفْعَلُونَهُ فِي مَغَازِيهِمْ. وَاسْتَحْسَنَهُ أَبُو عَبْدِ الله، قَالَ: وَالطَّرِيدَةُ الصَّيْدُ يَقَعُ بَيْنَ الْقَوْمِ، فَيَقْطَعُ ذَا مِنْهُ بِسَيْفِهِ قِطْعَةً، وَيَقْطَعُ الْآخَرُ أَيْضًا، حَتَّى يُؤْتَى عَلَيْهِ وَهُوَ حَيٌّ. قَالَ: وَلَيْسَ هُوَ عِنْدِي إلَّا أَنَّ الصَّيْدَ يَقَعُ بَيْنَهُمْ، لَا يَقْدِرُونَ عَلَى ذَكَاتِهِ، فَيَأْخُذُونَهُ قِطَعًا. اهـ (١)
مسألة [٢٠]: صيد المعراض .
المِعْرَاض: عود محدد، وربما جُعِل في رأسه حديدة.
• دلَّ حديث عدي بن حاتم على جواز ما أصابه بحده، فخرقه، وأما إذا أصابه بثقله، فلا يُباح؛ لأنه وقيذٌ، وهذا قول جمهور العلماء، وأصحاب المذاهب الأربعة.
• وذهب الأوزاعي وغيره من أهل الشام إلى جوازه مطلقًا، وإن قتل بعرضه، ولعله لم يبلغهم النصُّ في ذلك، والله أعلم.
• ومنع منه الحسن مطلقًا.
стр. 5499
والصحيح تفصيل الجمهور. (١)
تنبيه: السيف، والرمح، وغيرها من الأسلحة حكمها حكم المعراض.
مسألة [٢١]: إذا نصب أحبولة فيها حجر، أو شبكة، أو حديد ؟
• أما إذا أُصيب بالحجر، أو الحديد، أو غيرها بثقلها؛ فلا يُباح ذلك الصيد عند عامة أهل العلم؛ إلا ما نُقل عن الحسن أنه أجاز ذلك إذا سمَّى عند نصبها.
• وأما إذا أصابه بسلاح حادٍّ فقتله؛ فيُباح في مذهب أحمد، وهو قول الحسن، وقتادة.
• ومذهب الشافعي أنه لا يُباح؛ إلا أن يدرك ذكاته؛ لأنه لم يرم، فهو كما لو نصب سكينًا فذبحت شاة.
قال أبو عبد الله غفر الله لهُ: يشترط التسمية عند الرمي، والأمر في هذه المسألة متعذر؛ فالأقرب قول الشافعي، والله أعلم. (٢)
مسألة [٢٢]: الأمور التي يملك بها الصيد .
أحدها: أن يضبطه بيده، فيملكه، ولا يُشترط فيه قصد التملك، فلو أخذ صيدًا لينظر إليه؛ ملكه، وإن انفلت من يده لم يَزُلْ ملكه عنه؛ لأنه امتنع منه بعد ثبوت ملكه؛ فلم يزل عنه كما لو شردت عليه فرسه.
стр. 5500
الثاني: أن يجرحه جراحة مذففة، أو يرميه رمية مثخنة، بحيث يعجز عن العدو، أو الطيران، ويزول امتناعه.
الثالث: أن ينصب شبكة ونحوها للصيد، فيقع فيها صيد، فيملكه؛ مالم ينفلت الصيد من شبكته، أو يهرب مع الشبكة على وجهٍ يقدر على الامتناع. (١)
مسألة [٢٣]: هل يغسل موضع فم الكلب من الصيد ؟
• في ذلك وجهان للحنابلة، والشافعية.
والأقرب وجوب غسله، والله أعلم. (٢)
مسألة [٢٤]: إذا رمى شخصٌ الصيد، فأثبته، ثم رماه آخر فقتله ؟
أما الذي يملكه فهو الأول عند عامة العلماء، وأما إباحته؛ فإن كانت رمية الأول مهلكة؛ فهو مباح، وإن كانت رميته غير مهلكة؛ فينظر في رمية الثاني: إن وقعت في الحلق واللبة؛ فعليه أرش الذبح فقط، وإن كانت وقعت في غير الحلق واللبة؛ فعليه ضمانه؛ لأنه قتل ما هو مقدور عليه، والمقدرو عليه يُذبح ذبحًا، وهذا قول أصحاب المذاهب الأربعة وغيرهم. (٣)
стр. 5501
١٣٣٥ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ قَوْمًا قَالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ : إنَّ قَوْمًا يَأْتُونَنَا بِاللَّحْمِ، لَا نَدْرِي: أَذَكَرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ أَمْ لَا؟ قَالَ: «سَمُّوا اللهَ عَلَيْهِ أَنْتُمْ وَكُلُوهُ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: إذا أُهدِي لشخص لحم صيد، أو ذبيحة، ولا يدري أذُكِر اسم الله عليه، أم لا ؟
دلَّ حديث الباب على أنَّ من لم يَعْلَم أسُمِّيَ عليه أم لا؟ أنه يُباح له ذلك؛ لأنَّ المسلم الأصل فيه أنه يسمي عند الذبح، فقدم الظاهر من الحال على الأصل، والله أعلم. (٢)
مسألة [٢]: الصيد بالحجارة، والطين .
قال الخِرَقِي ﵀ في «مختصره»: ولا يؤكل ما قتل بالبندق، أو الحجر؛ لأنه موقوذ. اهـ
البندق: جمع بندقة، وهي عبارة عن طينة مدورة يُرمَى بها.
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٣/ ٢٩٥): يَعْنِي الْحَجَرَ الَّذِي لَا حَدَّ لَهُ، فَأَمَّا المُحَدَّدُ كَالصَّوَّانِ، فَهُوَ كَالْمِعْرَاضِ، إنْ قَتلَ بِحَدِّهِ؛ أُبِيحَ، وَإِنْ قَتلَ بِعَرْضِهِ أَوْ ثِقَلِهِ؛ فَهُوَ وَقِيذٌ لَا يُبَاحُ، وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ فِي المَقْتُولَةِ بِالْبُنْدُقِ: تِلْكَ المَوْقُوذَةُ. (١) وَكَرِهَ ذَلِكَ سَالِمٌ، وَالْقَاسِمُ، وَمُجَاهِدٌ، وَعَطَاءٌ، وَالْحَسَنُ، وَإِبْرَاهِيمُ، وَمَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ. وَرَخَّصَ فِيمَا قُتِلَ بِهَا ابْنُ المُسَيِّبِ. وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ عَمَّارٍ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى.
قال: وَلَنَا قَوْلُ الله تَعَالَى: ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾.انتهى المراد.
стр. 5504
١٣٣٧ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا تَتَّخِذُوا شَيْئًا فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: حكم صبر البهائم واتخاذها غرضًا .
دلَّ حديثُ الباب على تحريم ذلك، وكذلك حديث جابر ﵁ الذي سيأتي بعد حديثين: نهى رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أن يقتل شيء من الدواب صبرًا.
وفي «مسلم» (١٩٥٨) عن ابن عمر ﵄ أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لعن من اتخذ شيئًا فيه الروح غرضًا. وهذا وعيد شديد.
وإذا قتل الحيوان على هذه الطريقة؛ حَرُمَ أكله، نصَّ على ذلك أحمد، وإسحاق وغيرهما.
المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث
مسألة [١]: الحيوان المقدور عليه لا يحل إلا بالتذكية .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٣/ ٣٠١): فَأَمَّا الْمَقْدُورُ عَلَيْهِ مِنَ الأَنْعَامِ، فَلَا يُبَاحُ إلَّا بِالذَّكَاةِ، بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَتَفْتَقِرُ الذَّكَاةُ إلَى خَمْسَةِ أَشْيَاءَ: ذَابِحٍ، وَآلَةٍ، وَمَحَلٍّ، وَفِعْلٍ، وَذِكْرٍ. انتهى المراد.
مسألة [٢]: شروط الذابح .
يُشترط في الذابح أن يكون مسلمًا، أو كتابيًّا، وأن يكون عاقلًا.
وعلى ذلك فإن كان الذابح، أو الصائد مجوسيًّا؛ لم يحل صيده، ولا ذبيحته عند عامة أهل العلم؛ لأنَّ الله عزوجل قال: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة:٥].
• وخالف أبو ثور فأباح ذبائحهم واحتُجَّ له بحديث: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب» (١)، وهو حديث ضعيف، والمقصود به في الجزية.
مسألة [٣]: وهل يُباح صيد المجوسي للسمك، والجراد ؟
• جمهور العلماء على إباحته؛ لأنَّ ميتة السمك والجراد مباحة.
• وخالف مالك، والليث، فقالا بالتحريم في الجراد، وهو قول ضعيف.
стр. 5508
وأما الحيتان فمجمع على إباحتها. (١)
تنبيه: حكم سائر الكفار غير أهل الكتاب من عبدة الأوثان، والزنادقة حكم المجوسي في تحريم ذبائحهم، وكذا المرتد؛ إلا أنَّ إسحاق أجازها إذا ارتد للنصرانية واليهودية. (٢)
تنبيه آخر: طعام المجوس، وعبدة الأوثان غير الذبائح حلال عند أهل العلم؛ ما لم يختلط بمحرم، وممن قال بذلك الشعبي، والحسن، وأحمد وغيرهم. (٣)
مسألة [٤]: ذبيحة الكتابي .
تحل ذبيحة الكتابي بلا خلاف عند أهل العلم إذا سمَّى الله عليها ولم يذبحها لغير الله؛ لقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾، وخالف الشيعة، ولا يعتد بخلافهم. (٤)
مسألة [٥]: ذبيحة المجنون، والسكران، والصبي الذي لا يميز .
• مذهب الجمهور عدم صحة ذبيحتهم؛ لأنهم لا قصد لهم، وهو قول مالك، وأحمد، وابن المنذر، وداود، ووجهٌ للشافعية.
стр. 5509
• والأصح عند الشافعية صحة ذبيحتهم، وهو قول أبي حنيفة، كما لو قطع عنق شاة يظنها خشبة. والصحيح قول الجمهور. (١)
مسألة [٦]: ذبيحة المرأة، والصبي المميز .
تحل ذبيحتهم بالإجماع، نقله ابن المنذر، وابن قدامة وغيرهما، وقد استدلوا على ذبيحة المرأة بحديث كعب بن مالك الذي في الكتاب، وقد أُعِلَّ كما تقدم، ولكن يُغني عنه حديث جابر في «مسند أحمد» (٣/ ٣٥١) أنَّ امرأة دعت النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وأصحابه وذبحت لهم شاة. وهو في «الجامع الصحيح» لشيخنا ﵀ (٤/ ٢٦٤). (٢)
مسألة [٧]: ذبيحة الجنب، والحائض .
قال النووي ﵀ في «المجموع» (٩/ ٧٧): نقل ابن المنذر الاتفاق على إباحة ذبيحة الجنب.
قال: وإذا دلَّ القرآن على حِلِّ إباحة ذبيحة الكتابي مع أنه نجس؛ فالذي نفت السنة عنه النجاسة أولى.
قال: والحائض كالجنب. اهـ (٣)
مسألة [٨]: ذبيحة الأقلف، وهو من لم يُختن .
قال النووي ﵀ (٩/ ٧٨): مذهبنا أنه حلال، وبه قال جماهير العلماء. قال
стр. 5510
ابن المنذر: وبه قال عوام أهل العلم من علماء الأمصار.
قال: وبه نقول. قال: وقال ابن عباس: لا تؤكل. وهو إحدى الروايتين عن الحسن البصري، واحتج ابن المنذر والأصحاب بعموم قول الله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام:١١٨]، وبأنَّ الله تعالى أباح ذبائح أهل الكتاب، ومنهم الأقلف؛ فالمسلم أولى. اهـ
قلتُ: أثر ابن عباس ﵄ صحيح، أخرجه أحمد، والخلَّال كما في «تحفة المودود» (ص ١٩٥ - ١٩٦) بإسناد صحيح، وقال بذلك عكرمة، وأنكر الحسن ذلك.
مسألة [٩]: ذبيحة السارق، والغاصب .
قال النووي ﵀ في «المجموع» (٩/ ٧٨): مذهبنا إباحة أكل ذبيحة السارق، والغاصب، وسائر من تعدى بذبح مال غيره لصاحبها ومن أذن له صاحبها، وبه قال الزهري، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وربيعة، ومالك، وأبو حنيفة، والجمهور. وقال طاوس، وعكرمة، وإسحاق بن راهويه: يُكره. اهـ
مسألة [١٠]: الآلة التي يحصل بها الذبح ؟
• ذهب الجمهور إلى حصول الذبح ومشروعيته بكل محدد إلا الظفر، والسنّ، وسائر العظام.
واستدلوا بحديث رافع بن خديج الذي في الكتاب، وهو قول النخعي،
стр. 5511
والحسن بن صالح، والليث، والشافعي في الأصح في مذهبه، وأحمد في رواية، وإسحاق، وأبي داود، وداود الظاهري، وأبي ثور، ومالك في رواية.
• وذهب أحمد في الرواية الأخرى، ومالك كذلك، والشافعي في قول إلى جواز الذبح بالعظام غير السن؛ لعموم قوله: «ما أنهر الدم ... ».
• وذهب أبو حنيفة إلى جواز الذبح بالسن، والظفر إذا كانا منفصلين.
والصحيح القول الأول، والله أعلم. (١)
مسألة [١١]: لو ذبح بسكين مغصوب، أو مسروق ؟
قال النووي ﵀ في «المجموع» (٩/ ٨٢): يكره ذلك، وتحل الذبيحة بلا خلاف عندنا، قال العبدري: وبه قال العلماء كافة إلا داود، فقال: لا تحل. وهو رواية عن أحمد؛ لقوله ﷺ : «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا؛ فهو رد» رواه مسلم بهذا اللفظ من رواية عائشة ﵂، فيصير كأنه لم يوجد ذبح.
واحتج أصحابنا بقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة:٣]، وبقوله ﷺ في الحديث المذكور قريبًا: «ما أنهر الدم». والجواب عن حديث «من عمل عملًا» أنه يقتضي تحريم فعله ولا يلزم منه إبطال الذكاة، ولهذا لو ذبح بسكين حلال في أرض مغصوب أو توضأ بماء في أرض مغصوبة؛ فإنها تحصل الذكاة والوضوء بالإجماع. اهـ
стр. 5512
مسألة [١٢]: محل التذكية .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٣/ ٣٠٣): وَأَمَّا الْمَحِلُّ فَالْحَلْقُ وَاللَّبَّةُ، وَهِيَ الْوَهْدَةُ الَّتِي بَيْنَ أَصْلِ الْعُنُقِ وَالصَّدْرِ، وَلَا يَجُوزُ الذَّبْحُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَحِلِّ بِالْإِجْمَاعِ. اهـ
وجاء حديثٌ عند الدارقطني (٤/ ٢٨٣) عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «الذكاة في الحلق واللَّبَّة»، وفي إسناده سعيد بن سلام العطار، وهو كذاب وضاع.
وصحَّ عن ابن عباس ﵄ أنه قال: الذكاة في الحلق واللبة. أخرجه البيهقي (٩/ ٢٧٨).
وجاء عن عمر ﵁ أنه قال ذلك، وفي إسناده: فرافصة الحنفي، وهو مجهول الحال، ولا يُعلم له سماع من عمر ﵁.
قال ابن قدامة ﵀ (١٣/ ٣٠٣): وَإِنَّمَا نَرَى أَنَّ الذَّكَاةَ اخْتَصَّتْ بِهَذَا الْمَحِلِّ؛ لِأَنَّهُ مَجْمَعُ الْعُرُوقِ، فَتَنْفَسِحُ بِالذَّبْحِ فِيهِ الدِّمَاءُ السَّيَّالَةُ، وَيُسْرِعُ زُهُوقَ النَّفْسِ، فَيَكُونُ أَطْيَبَ لِلَّحْمِ، وَأَخَفَّ عَلَى الْحَيَوَانِ. اهـ
وأما حديث أبي العُشَرَاء عن أبيه، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- سئل: ما تكون الذكاة إلا في الحلق واللَّبة؟ فقال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لو طعنت في فخذها لأجزأت عنك» (١)؛ فهو حديث ضعيف، أبو العشراء مجهول، وأبوه لا يعرف في غير هذا الحديث.
стр. 5513
مسألة [١٣]: إذا توحش الحيوان الإنسي، فلم يقدر على ذبحه، أو تردى في محل عجز عن ذبحه، وعقره في محل الذكاة ؟
قال النووي ﵀ في «المجموع» (٩/ ١٢٦): إذا توحش الحيوان الإنسي المأكول، فلم يقدر عليه، كالبعير النَّاد، أو الشاة، أو البقرة، أو تردى في بئر وعجز عن عقره في محل الذكاة، فمذهبنا أنَّ كلَّ موضع من بدنه محل لذكاته، فحيث جرحه فقتله؛ حل أكله، وبه قال جمهور العلماء، منهم: علي بن أبي طالب، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس (١)،
وطاوس، وعطاء، والشعبي، والحسن البصري، والأسود بن يزيد، والحكم، وحماد، والنخعي، والثوري، وأبو حنيفة، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، والمزني، وداود. وقال سعيد بن المسيب، وربيعة، والليث بن سعد، ومالك: لا يحل إلا بذكاته في موضع الذبح، وهو الحلق واللَّبة، ولا يتغير موضع الذكاة بتوحشه وترديه. اهـ
دليل الجمهور على ذلك حديث رافع بن خديج في «الصحيحين» أنَّ بعيرًا ندَّ فحبسه رجل بسهم، فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنَّ لهذه البهائم أوابد كأوابد الوحش، فما ندَّ عليكم منها فاصنعوا به هكذا». (٢)
стр. 5514
قال أحمد: لعلَّ مالكًا لم يسمع حديث رافع بن خديج. (١)
مسألة [١٤]: ما يُشترط قطعه لحصول الذكاة ؟
قال ابن المنذر ﵀: أجمع أهل العلم على أنه إذا قطع بما يجوز الذبح به، وسمَّى، وقطع الحلقوم، والمَرِيء، والودجين، وأسال الدم؛ حصلت الذكاة، وحلَّت الذبيحة. اهـ
قلتُ: واختلفوا هل يشترط قطع الأربعة أم لا؟
• فمذهب الشافعي أنه يُشترط قطع الحلقوم، والمَرِيء، والودجين، وهو قول الليث، وداود، وأحمد في رواية، ومالك في رواية، وأبي يوسف في رواية، وأبي ثور.
واستدلوا بحديث أبي هريرة، وابن عباس ﵄ قالا: قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لا تأكلوا الشريطة؛ فإنها ذبيحة الشيطان»، قال: وهي التي تُذبَح فيقطع الجلد، ولا تفري الأوداج، ثم تترك حتى تموت.
وهو حديث ضعيفٌ، أخرجه أبو داود (٢٨٢٦)، وأحمد (٢٦١٨)، وغيرهما، وفي إسناده: عمرو بن عبدالله الصنعاني، وهو ضعيف، وقد أنكر عليه هذا الحديث.
• وقال أبو حنيفة: يُعتبر قطع الحلقوم، والمريء، والودجين، ولا يُشترط
стр. 5515
المريء. ونُقل عن الليث.
• وذهب الشوكاني ﵀ في «السيل» إلى اشتراط إنهار الدم؛ لحديث رافع بن خديج، وإن لم تقطع جميع الأوداج، ورجَّح الفوزان اشتراط ثلاثة، ورجَّح ابن عثيمين اشتراط قطع الودجين. (١)
فائدة: الحُلْقُوم هو مجرى النَّفَس، والمَرِيء مجرى الطعام، والودجان هما عرقان في صفحتي العُنُق يحيطان بالحلقوم، أو المريء، ويسمَّى الجميع بالأوداج الأربعة.
مسألة [١٥]: إذا تمادى في الذبح حتى يبلغ النخاع ؟
• قال النووي ﵀ في «المجموع» (٩/ ٩١): النَّخْعُ أن يعجل الذابح، فيبلغ بالذبح إلى النخاع، ومذهبنا أنَّ هذا الفعل مكروه، والذبيحة حلال. قال ابن المنذر: وقال ابن عمر: لا تؤكل. (٢) وبه قال نافع، وكرهه إسحاق، وقال مالك: لا أحب أن يتعمَّد ذلك.
وكرهت طائفة الفعل، وأباحت الأكل، وبه قال النخعي، والزهري، والشافعي، وأبو حنيفة، وأحمد، وأبو ثور. قال ابن المنذر: بقول هؤلاء أقول. قال: ولا حجة لمن منع أكلها بعد الذكاة. اهـ
стр. 5516
مسألة [١٦]: إذا ذبحت الذبيحة من القفا ؟
• ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى إباحة الذبيحة بشرط أن يأتي على الأوداج وما زالت الذبيحة حيَّة، وهذا مذهب الشافعي، وأحمد في رواية، وأبي ثور، والثوري، وأبي حنيفة، ونُقل عن إسحاق.
• وذهب جماعةٌ إلى عدم جواز أكله، وهو قول مالك، وداود الظاهري، وجماعة من أصحابه؛ لأنَّ الموت يسرع إليه قبل الوصول إلى الأوداج.
• وذهب بعضهم إلى أنه يحل إن لم يتعمد، وهو قول أحمد، وإسحاق، وسعيد ابن المسيب بشرط أن يصل إلى الأوداج، وهي حية.
والقول الأول هو أقرب الأقوال، والله أعلم، ولا يحصل ذلك إلا بسرعة التذكية، وهو ترجيح الإمام صالح الفوزان عافاه الله، كما لو أدرك أكيلة السبع، والمتردية، والنطيحة. (١)
مسألة [١٧]: لو أبان إنسان رأس البهيمة بالسيف قاصدًا تذكيتها ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٣/ ٣٠٨): وَلَوْ ضَرَبَ عُنُقَهَا بِالسَّيْفِ فَأَطَارَ رَأْسَهَا؛ حَلَّتْ بِذَلِكَ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فَقَالَ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا ضَرَبَ رَأْسَ بَطَّةٍ أَوْ شَاةٍ بِالسَّيْفِ يُرِيدُ بِذَلِكَ الذَّبِيحَةَ؛ كَانَ لَهُ أَنْ يَأْكُلَهُ. وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: تِلْكَ ذَكَاةٌ وَحِيَّةٌ. (٢)
стр. 5517
وَأَفْتَى بِأَكْلِهَا عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ (١)، وَبِهِ قَالَ الشَّعْبِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيُّ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لِأَبِي عَبْدِ الله فِيهَا قَوْلَانِ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا مُبَاحَةٌ؛ لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ قَطْعُ مَا تَبْقَى الْحَيَاةُ مَعَهُ مَعَ الذَّبْحِ، فَأُبِيحَ، كَمَا ذَكَرْنَا مَعَ قَوْلِ مَنْ ذَكَرْنَا قَوْلَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ مِنْ غَيْرِ مُخَالِفٍ. اهـ
قلتُ: والجواز مذهب الشافعية أيضًا. (٢)
مسألة [١٨]: قطع عضو من الشاة قبل أن تبرد بعد الذبح ؟
• قال النووي ﵀ في «المجموع» (٩/ ٩١ - ): مذهبنا أنَّ الفعل مكروه، والعضو المقطوع حلال، وبه قال مالك، وأبو حنيفة، وأحمد، وإسحاق. قال ابن المنذر: وكره ذلك عطاء. قال: وقال عمرو بن دينار: ذلك العضو ميتة. وقال عطاء: ألق ذلك العضو. اهـ
قلتُ: الصحيح قول الجمهور؛ لأنَّ الشاة أصبحت بذبحها مذكاة ذكاة شرعية فيلحق الحكم جميع أعضائها، والله أعلم. (٣)
стр. 5518
مسألة [١٩]: إذا ذبح الذبيحة فقطع أوداجها، فلم تخرج الروح حتى وقعت في الماء، أو تردت ؟
• مذهب الجمهور أنها مباحة -وهو الصحيح- لأنَّ الموت قد حصل بالذبح.
• وعن أحمد رواية: لا تؤكل؛ لاحتمال أنها ماتت بغير الذبح.
والصحيح قول الجمهور، والله أعلم. (١)
مسألة [٢٠]: إذا أدرك ذكاة المنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، وما أكل السبع ؟
• إذا أدركها وهي في حالة يحتمل أن تعيش أو لا تعيش؛ فتُباح بالذكاة عند جمهور العلماء.
• ونُقل عن مالك أنها لا تباح إلا إن علم أنها ستعيش.
• وعن أبي حنيفة رواية: إن علم أنها تعيش يومًا أو أكثر.
والصحيح قول الجمهور؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾.
وأما إن أدركها ولها حركات خفيفة كحركات المذبوح.
• فمذهب مالك، والشافعي أنها لا تحل؛ لأنها بحكم الميت كالمذبوح.
• ومذهب أحمد، وإسحاق، وداود الظاهري، وأبي حنيفة في رواية، والثوري،
стр. 5519
ونُقل عن مالك أنها تحل ما دام الروح فيها، ويعلم ذلك بحركتها، وخروج الدم عند ذبحها، ونُقل نحو ذلك عن علي، وأبي هريرة ﵄ (١)، والشعبي، والحسن، وقتادة. قال علي: إن أدركتها وهي تحرك يدًا، أو رجلًا؛ حَلَّت. وهذا القول هو الصحيح، والله أعلم. (٢)
مسألة [٢١]: ذبح ما ينحر، ونحر ما يذبح ؟
قال النووي ﵀ في «المجموع» (٩/ ٩٠): السنة ذبح البقر والغنم، ونحر الإبل، فلو خالف وذبح الإبل، ونحر البقر والغنم؛ جاز. هذا مذهبنا وبه قال أبو حنيفة، وأحمد وجمهور العلماء. قال ابن المنذر: قال بهذا أكثر أهل العلم، منهم: عطاء، وقتادة، والزهري، والثوري، والليث بن سعد، وأبو حنيفة، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وقال مالك: إن ذبح البعير من غير ضرورة، أو نحر الشاة من غير ضرورة؛ كره أكلها، وإن نحر البقر فلا بأس. قال ابن المنذر: وأجمع الناس على أن من نحر الإبل، وذبح البقر والغنم؛ فهو مصيب. قال: ولا أعلم أحدًا حَرَّم أكل بعير مذبوح أو بقرة وشاة منحورين. قال: وإنما كره مالك ذلك كراهة تنزيه، وقد يكره الإنسان الشيء ولا يحرمه. وذكر القاضي عياض عن مالك رواية بالكراهة، ورواية بالتحريم، ورواية بإباحة ذبح المنحور دون نحر المذبوح. ونقل العبدري عن داود أنه قال: إذا ذبح الإبل، ونحر البقر؛ لم يؤكل. وهو محجوج بإجماع
стр. 5520
من قبله. اهـ (١)
مسألة [٢٢]: سلخ الحيوان قبل أن يبرد ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٣/ ٣١٠): ويكره سلخ الحيوان قبل أن يبرد؛ لأنَّ فيه تعذيبًا للحيوان؛ فهو كقطع العضو. اهـ
تنبيه: إذا قطع من الحيوان شيئًا وفيه حياة مستقرة؛ فهو ميتة.
مسألة [٢٣]: الذبح بسكين حاد ؟
كره أهل العلم للذابح أن يذبح بسكين غير حاد؛ لأنَّ في ذلك تعذيبًا للحيوان، وفي حديث الباب: «إنَّ اللهَ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ ... » الحديث.
قالوا: ويُكره أن يَسُنَّ السكين والحيوان يبصره؛ لما في حديث ابن عباس ﵄ أنَّ رجلًا أضجع شاةً، ثم جعل يحد شفرته، فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أتريد أن تميتها موتات؟ هلا حددت شفرتك قبل أن تضجعها» أخرجه الحاكم (٤/ ٢٣١)، وهو في «الصحيح المسند» (٦٥٩).
وكرهوا أن يذبح شاة والأخرى تنظر إليها. (٢)
مسألة [٢٤]: توجيه الذبيحة عند ذبحها إلى القبلة .
• قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٣/ ٣٠٥): وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَقْبِلَ بِهَا الْقِبْلَةَ، وَاسْتَحَبَّ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَعَطَاءٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ،
стр. 5521
وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَكَرِهَ ابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ سِيرِينَ أَكْلَ مَا ذُبِحَ لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ. وَقَالَ سَائِرُهُمْ: لَيْسَ ذَلِكَ مَكْرُوهًا؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ يَذْبَحُونَ لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ، وَقَدْ أَحَلَّ الله ذَبَائِحَهُمْ. اهـ
قلتُ: أثر ابن عمر إسناده صحيح كما في «مصنف عبدالرزاق» (٤/ ٤٨٩).
وجاء في ذلك حديث مرفوع أخرجه أبو داود (٢٧٩٥)، والبيهقي (٩/ ٢٨٥، ٢٨٧) من حديث جابر ﵁، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ضحَّى بكبشين، فلما وجههما قال: «وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض ... »، وهو حديث ضعيفٌ، في إسناده عنعنة محمد بن إسحاق، وأبو عياش المعافري المصري، وهو مجهول الحال.
قال الشوكاني ﵀ في «السيل الجرار» (ص ٧١٣): ليس على هذا -الاستحباب- دليل لا من كتاب، ولا من سنة، ولا من قياس، وما قيل من أنَّ القول بندب الاستقبال في الذبح قياس على الأضحية؛ فليس بصحيح؛ لأنه لا دليل على الأصل حتى يصلح للقياس عليه، بل النزاع فيه كائن كما هو كائن في الفرع، والندب حكم من أحكام الشرع؛ فلا يجوز إثباته إلا بدليل تقوم به الحجة. اهـ
قلتُ: مَنْ وجَّه إلى القبلة كما فعل ابن عمر ﵄؛ فلا بأس عليه، وأما كراهية ذبحها لغير القبلة؛ فقول ضعيف.
стр. 5522
مسألة [٢٥]: حكم الجنين الذي في بطن الذبيحة .
إذا خرج حيًّا؛ فيجب أن يُذَكَّى بغير خلاف عند أهل العلم.
وأما إن خرج ميتًا، أو بحياة غير مستقرة كحركة المذبوح، ففيه خلاف عند أهل العلم.
• فذهب جمعٌ من العلماء إلى أنه حلال، سواء أشعر، أم لم يشعر، وهذا مذهب أحمد، والشافعي، وإسحاق، ومحمد بن الحسن، وأبي يوسف.
واستدلوا على ذلك بحديث أبي سعيد الذي في الباب، وهو قول سعيد بن المسيب، وابن المنذر.
• وذهبَ جمعٌ من العلماء إلى أنه إن خرج وقد أشعر؛ فذكاته ذكاة أمه، فقيدوا ذلك بما إذا أشعر، أو أوبر، وهذا قول ابن عمر ﵄، وهو صحيح عنه، و هو قول الحسن، وقتادة، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، والزهري.
واستدلوا على ذلك بما أخرجه عبدالرزاق (٤/ ٥٠٠) عن ابن عيينة، عن الزهري، عن عبدالله بن كعب بن مالك، قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: إذا أشعر الجنين؛ فذكاته ذكاة أمه. وإسناده صحيح.
وهذا القول مذهب مالك، والليث، وأبي ثور، والحسن بن صالح.
• وذهب أبو حنيفة، وزُفر إلى أنه لا يحل إلا أن يخرج حيًّا فيذكَّى؛ لأنه نفس وحيوان ينفرد بحياته؛ فوجب تذكيته.
стр. 5523
قال ابن المنذر ﵀: لا نعلم أحدًا خالف إلى أن جاء أبو حنيفة فحرمه. اهـ والصحيح هو القول الأول، وهو ترجيح الإمام صالح الفوزان حفظه الله وعافاه. (١)
مسألة [٢٦]: حكم التسمية على الذبيحة ؟
• اختلف أهل العلم في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:
الأول: أنَّ التسمية واجبة وشرط، ولا تحل الذبيحة إلا بالتسمية، وإن نسي فلا تحل أيضًا، وهو قول ابن سيرين، والشعبي، ونافع، وأبي ثور، وداود الظاهري، وأحمد في رواية، واختاره شيخ الإسلام ﵀.
واستدل هؤلاء بالآية: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام:١٢١]، وحديث الباب: «ما أنهر الدم، وذُكِر اسم الله عليه؛ فكُلْ».
الثاني: أنَّ التسمية شرط في حق الذاكر دون الناسي، فإذا نسي التسمية؛ حلَّت الذبيحة، وهذا قول مالك، وأبي حنيفة، والمشهور في مذهب الحنابلة، وعزاه النووي للجمهور.
واستدلوا على ذلك بحديث ابن عباس ﵄ الذي في الباب، وبحديث: «إن الله وضع عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه» (٢)، وصح هذا القول عن ابن عباس ﵄، وقال به ابن المسيب، وعطاء، وطاوس، والحسن، وآخرون،
стр. 5524
وقال هؤلاء: قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ يدل على وجوبها على الذاكر؛ لأنَّ الناسي لا يفسق بذلك.
الثالث: أنَّ التسمية على الذبيحة مستحب لا واجب، وهو مذهب الشافعي، ورواية عن أحمد، وبعض المالكية.
واستدلوا بالحديث المرسل الذي في آخر الباب، وبقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾، ولم يذكر التسمية، وبقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة:٥]، ولم يشترط التسمية، وبحديث عائشة ﵂: «لا ندري أذكروا اسم الله عليه، أم لا ... ».
وأجابوا عن الآية أنَّ المراد بها الذبح للأصنام، والأنصاب، كقوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة:٣]، أو محمولة على الميتة.
والصحيح في هذه المسألة هو وجوب التسمية مطلقًا؛ فإن نسي؛ فلا تؤكل، وذلك لقوة أدلته، ولأنَّ رفع الإثم عن الناسي لا يدل على حل ذبيحته إن نسي التسمية.
وأما حمل الآية على ما ذبح للأصنام، أو حملها على الميتة؛ فهو تخصيص لعموم الآية بدون مخصص.
وأما قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾، أي: إذا توفرت شرائطه المشروعة عند المسلمين؛ ولذلك فإنه لا يُباح صيدهم إن لم تتوفر شروط إباحة
стр. 5525
الصيد المتقدمة؛ فكذلك ههنا.
وأما حديث عائشة فظاهره يفيد الوجوب؛ لأنَّ الصحابة فهموا أنه لابد من التسمية، وخشوا أن لا تكون وجدت من أولئك؛ لحداثة إسلامهم، فأمرهم بما يخصهم من التسمية عند الأكل، وإجراء أحكام المسلمين على السداد والصحة حتى يظهر ويعلم خلاف ذلك. وقد رجَّح القول بالوجوب مطلقًا الإمام ابن عثيمين، والإمام الوادعي رحمهما الله، والإمام الفوزان حفظه الله.
ورجَّح الإمام ابن باز ﵀ القول الثاني، وهو اختيار البخاري؛ لأثر ابن عباس ﵄، ولا يُعلم له مخالف، ولقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام:١٢١].
والذي يظهر أنَّ قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ لا يفيد ما استدلوا به؛ لأنه ليس بحكم على الفاعل بالفسق إنما هو حكم على الأكل مما لم يذكر اسم الله عليه، فتأمل ذلك، والله أعلم. (١)
مسألة [٢٧]: وقت التسمية على الذبيحة .
قال الإمام صالح الفوزان حفظه الله وعافاه في كتابه «الأطعمة» (ص ١٣٤): وقتها عند الجميع وقت الذبح؛ لأنه لا يتحقق معنى ذكر اسم الله تعالى على الذبيحة إلا إذا كان وقت الذبح، ويجوز تقديمها عليه بزمن يسير لا يمكن التحرز عنه. اهـ (٢)
стр. 5526
مسألة [٢٨]: ذبيحة الكتابي بغير تسميةٍ لله ؟
ذبيحة الكتابي لها أحوال:
الحالة الأولى: أن يسمي الله عليها؛ فهي مباحة عند عامة أهل العلم؛ لقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة:٥]، وخالف من لا يُعتَدُّ بخلافه من الشيعة.
الحالة الثانية: أن يعلم أنه أهلَّ بها لغير الله.
• فمذهب الجمهور أنها لا تحل؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة:٣].
• وذهب مجاهد، ومكحول، وعطاء إلى جواز ذلك. قالوا: لأنَّ الله أباح ذبائحهم، وقد علم أنهم سيفعلون ذلك.
وقول الجمهور هو الصحيح، وقالوا: أحلَّ الله طعام أهل الكتاب إذا اجتمعت فيه شروط الحل عند المسلمين بأن ينهر الدم، ويذكر اسم الله عليه.
الحال الثالثة: أن يجمع بين اسم الله، واسم غيره، وظاهر النصوص أنها لا تؤكل أيضًا؛ لدخولها فيما أُهِل لغير الله به.
الحال الرابعة: أن يعلم أنه سكت؛ فلم يسمِّ الله ولا غيره.
• فالجمهور على إباحة ذبيحته كما ذكر ذلك النووي؛ للآية: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾.
• ومذهب أحمد أنها لا تحل إذا ترك التسمية عمدًا.
стр. 5527
• ومذهب أبي ثور أنها لا تحل إذا ترك التسمية مطلقًا. وهذا هو الأقرب؛ للأدلة المتقدم ذكرها في المسألة السابقة، والله أعلم. (١)
تنبيه: إذا لم يعلم أَسَمَّوا الله عليها، أم لا؟ فتؤكل عند جمهور العلماء؛ لحديث عائشة ﵂: «إن ناسًا يأتوننا باللحم ... ». (٢)
مسألة [٢٩]: ضابط الكتابي الذي تؤكل ذبيحته .
• هو من تدَيَّنَ بدين أهل الكتاب، وإن كان أبواه غير كتابيين على الصحيح، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، واختاره شيخ الإسلام، وابن القيم.
• وذهب الحنابلة، والشافعية إلى أنَّ من كان أبواه غير كتابيين؛ فلا تحل ذبيحته، ومثله إن كان أبوه غير كتابي، ولهم خلاف فيما إذا كانت أُمُّه غير كتابية. (٣)
تنبيه: ذبيحة الأخرس صحيحة بالإجماع، ويسمي بإشارته إلى السماء، ونحو ذلك. (٤)
стр. 5528
بَابُ الأَضَاحِي
الأضاحي: جمعُ أُضحية، وفيها ضم الهمزة وكسرها.
ويُقال: ضَحيَّة، وجمعها ضحايا. ويُقال: أضحاة، وجمعها أَضْحىً، وضحَّى بالشاة ذبحها ضُحى النحر. هذا هو الأصل، وقد تُستعمل التضحية في جميع أوقات أيام النحر. (١)
حنيفة، والأوزاعي، والثوري، ومالك في رواية، أوجبوها على غير الحاج بمنى إذا كان موسرًا، وزاد أبو حنيفة، ومالك إذا كان مقيمًا.
ودليل الوجوب حديث أبي هريرة، وجندب ﵄ اللذين في الباب، وحديث البراء: عندي عناق، أيجزيء عني؟. (١)
• وذهب جمهور العلماء إلى الاستحباب المؤكد، وهو قول سعيد بن المسيب، وعطاء، وعلقمة، والأسود، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي يوسف، وأبي ثور، والمزني، وداود، وابن المنذر.
ودليلهم على عدم الوجوب حديث أم سلمة في «صحيح مسلم» (١٩٧٧)، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «إذا دخلت العشر، وأراد أحدكم أن يضحي؛ فلا يمس من شعره شيئًا»، وفي رواية: «فليمسك من شعره، وأظفاره». فقوله: «وأراد» دليل على عدم الوجوب؛ لأنه جعل التضحية مفوضة لإرادته.
واستدلوا على ذلك بأنه ثبت بإسناد صحيح عن أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وأبي مسعود الأنصاري ﵃ أنهم كانوا يتركون الأضحية مع القدرة عليها حتى لا يظن الناس وجوبها، أخرجه البيهقي وغيره.
وهذا القول يظهر أنه أقرب -والله أعلم- لأنَّ حديث أبي هريرة ﵁ الراجح وقفه، وحديث جندب فيه أَمْرُ من ضَحَّى قبل الصلاة بأن يذبح أخرى مكانها؛ ليبين لهم أنَّ الأولى لا تجزيء في الأضحية.
стр. 5532
وأما حديث البراء فلا حجة فيه؛ لأنَّ قوله: (أفيجزئ عني؟) تطلق على الإجزاء في الواجب، وفي المستحب. (١)
مسألة [٢]: الإمساك عن الشعر، والأظفار لمن أراد التضحية بعد دخول ذي الحجة ؟
• قال الإمام النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٨/ ٣٩٢): مذهبنا أنَّ إزالة الشعر، والظفر لمن أراد التضحية مكروه كراهة تنزيه حتى يضحي، وقال مالك، وأبو حنيفة: لا يكره. وقال سعيد بن المسيب، وربيعة، وأحمد، وإسحاق، وداود: يحرم. وعن مالك أنه يكره، وحكَى عنه الدارمي: يحرم في التطوع، ولا يحرم في الواجب.
قال: واحتج القائلون بالتحريم بحديث أم سلمة، واحتج الشافعي، والأصحاب عليهم بحديث عائشة أنها قالت: كنت أفتل قلائد هدي رسول الله ﷺ ، ثم يقلده، ويبعث به، ولا يَحْرُمُ عليه شيء أحله الله له حتى ينحر هديه. رواه البخاري ومسلم (٢)، وقال الشافعي: البعث بالهدي أكثر من إرادة التضحية؛ فدلَّ على أنه لا يحرم ذلك. اهـ
والصحيح هو التحريم، وهو ترجيح الصنعاني، والشوكاني، ثم الإمام الوادعي، والإمام ابن عثيمين ﵏، وحديث الشافعي في الهدي لا في الأضحية، وليس
стр. 5533
في الحديث تعيين اليوم الذي أرسل فيه الهدي، فتنبه!. (١)
مسألة [٣]: استحسان الأضحية، واستسمانها .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٣/ ٣٦٧): وَيُسَنُّ اسْتِسْمَانُ الْأُضْحِيَّةِ وَاسْتِحْسَانُهَا؛ لِقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:٣٢]، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَعْظِيمُهَا اسْتِسْمَانُهَا، وَاسْتِعْظَامُهَا وَاسْتِحْسَانُهَا. (٢) وَلِأَنَّ ذَلِكَ أَعْظَمُ لِأَجْرِهَا، وَأَكْثَرُ لِنَفْعِهَا. اهـ وهذا مجمع عليه كما قال النووي في «شرح مسلم» (١٩٦٦).
مسألة [٤]: وقت الأضحية .
• من أهل العلم من قال: يدخل وقت الأضحية إذا مضى بعد طلوع الشمس قدر صلاة العيد، وخطبتين. هذا قول الشافعي، وداود، وابن المنذر، وبعض الحنابلة، سواء كان مقيمًا، أو مسافرًا من أهل الأمصار، أو القرى، أو البوادي.
واستدلوا بحديث جندب ﵁، قالوا: والمقصود فيه التقدير بالزمان لا بفعل الصلاة.
• وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنَّ الوقت يدخل بعد صلاة الإمام وخطبته، وهو قول الحسن، وأحمد، وإسحاق، والأوزاعي؛ لحديث جندب ﵁، وبنحوه
стр. 5534
حديث أنس ﵁ في «الصحيحين». (١)
• وقال عطاء، وأبو حنيفة: يدخل وقتها في حق أهل الأمصار إذا صلَّى الإمام وخطب، وأما أهل القرى، والبوادي فوقتها في حقهم إذا طلع الفجر الثاني.
• وقال مالك: لا يجوز ذبحها إلا بعد صلاة الإمام، وخطبته وذبحه.
وجاء في ذلك حديث عند مسلم (١٩٦٤)، من حديث جابر بن عبدالله ﵁، أنَّ رجالًا تقدموا، فنحروا، وظنُّوا أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قد نحر، قال: فأمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- من كان نحر قبله أن يعيد بنحرٍ آخر، ولا ينحروا حتى ينحر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.
• وجمهور أهل العلم يرون أنَّ المراد بالحديث النهي عن التعجيل قبل الصلاة؛ لأنَّ في حديث جندب، وأنس ﵄ في «الصحيحين» تقييد ذلك بالصلاة، وهو الأقرب.
• والمشهور عن أحمد، وهو الصحيح في مذهبه تقييد ذلك بالصلاة فقط، وهو قول الثوري، وأبي حنيفة.
وقال ابن قدامة ﵀: وَالصَّحِيحُ إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى أَنَّ وَقْتَهَا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يُصَلَّى فِيهِ بَعْدَ الصَّلَاةِ؛ لِظَاهِرِ الْخَبَرِ، وَالْعَمَلُ بِظَاهِرِهِ أَوْلَى، فَأَمَّا غَيْرُ أَهْلِ الْأَمْصَارِ وَالْقُرَى، فَأَوَّلُ وَقْتِهَا فِي حَقِّهِمْ قَدْرُ الصَّلَاةِ وَالْخُطْبَةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ لَا صَلَاةَ فِي حَقِّهِمْ تُعْتَبَرُ؛ فَوَجَبَ الِاعْتِبَارُ بِقَدْرِهَا. اهـ
стр. 5535
وهذا القول هو الراجح، ولكنهم يعتبرون بقدر الصلاة فقط. (١)
مسألة [٥]: آخر وقت للأضحية .
• من أهل العلم من قال: وقت الأضحية إلى آخر يومين من أيام التشريق. وهو قول أحمد، ومالك، وأبي حنيفة، والثوري.
واستدلوا على ذلك بأنَّ هذا ورد عن الصحابة، عن عمر، وعلي، وابن عباس، وابن عمر، وأبي هريرة، وأنس بن مالك ﵃.
وفي هذه الآثار ضعفٌ؛ إلا أثر ابن عمر، وأنس بن مالك؛ فإنهما صحيحان.
واستدلوا على ذلك بأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى عن ادِّخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث، ولا يجوز الذبح في وقتٍ لا يجوز ادِّخار الأضحية إليه.
• وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنه يمتد إلى آخر أيام التشريق، وهو قول عطاء، والحسن، وعمر بن عبدالعزيز، ومكحول، والزهري، وهو قول الشافعي، وبعض الحنابلة، واختاره شيخ الإسلام، وابن القيم؛ لحديث جبير بن مطعم عند البيهقي (٩/ ٢٩٦)، وغيره: «كل أيام التشريق ذبح»، وهو حديث ضعيفٌ، في إسناده انقطاع، واضطراب.
واستدلوا على ذلك بأنَّ أيام التشريق متحدة الأحكام في الذكر، والأكل، والنهي عن صومها، ورمي الجمار، فتتحد في هذا الحكم.