المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث
معنى العقيقة:
العقيقة: هي الذبيحة التي تُذبح عن المولود، سُمِّيت بذلك من العَقِّ، وهو القطع؛ فإنَّ الذبيحة يُقطع حلقومها، والمَرِيء، والودجان.
وقيل: سميت بذلك؛ لأنَّ شعر المولود يحلق معها، فسميت باسم ما كان معه، أو سببه. (١)
مسألة [١]: حكم العقيقة .
• ذهب جمهور العلماء وعامتهم إلى استحباب العقيقة.
واستدلوا على ذلك بأحاديث الباب، واستدلوا على عدم الوجوب بحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عند أحمد (٢/ ١٨٢)، وأبي داود (٢٨٤٢): «من ولد له مولود فأحب أن ينسك عنه فعن الغلام شاتان، وعن الجارية شاة»، وهو حديث حسن.
• وذهب الحنفية إلى كراهتها؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- حين سئل عن العقيقة: «لا أحب العقوق».
وأُجيب عنهم بأنَّ في الحديث نفسه (كأنه كره الاسم) ثم قالوا له: إنما نسألك عن أحدنا يولد له. فقال: «من ولد له ولد؛ فأحب أن ينسك عنه فليفعل، عن الغلام شاتان .. .».
стр. 5569
• وذهب الحسن، وداود الظاهري إلى وجوب العقيقة؛ لحديث سمرة بن جندب، وهو قولٌ لبعض الحنابلة.
واحتجوا أيضًا بحديث سلمان بن عامر في «البخاري» (٥٤٧٢): «مع الغلام عقيقته، فأهريقوا عنه دمًا، وأميطوا عنه الأذى».
وقول الجمهور هو الصواب؛ لما تقدم. (١)
مسألة [٢]: هل يُكره التسمية بالعقيقة ؟
جاء في عدد من الأحاديث ذكر (العقيقة)، وفي الحديث المتقدم: «لا أحب العقوق».
قال ابن القيم ﵀ في «تحفة المودود» (٥٤): والتحقيق في الموضعين كراهة هجر الاسم المشروع من (العشاء، والنسيكة) والاستبدال به اسم (العقيقة، والعتمة) فأما إذا كان المستعمل هو الاسم الشرعي، ولم يهجر، وأطلق الآخر أحيانًا؛ فلا بأس بذلك، وعلى هذا تتفق الأحاديث، وبالله التوفيق. اهـ
مسألة [٣]: معنى قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «مُرْتَهَنٌ بِعَقِيقَتِهِ» .
• قال ابن القيم ﵀ في «تحفة المودود» (ص ٧٢ - ٧٤): وقد اختلف في معنى هذا الحبس والارتهان، فقالت طائفة: هو محبوس مرتهن عن الشفاعة لوالديه. كما قال عطاء، وتبعه عليه الإمام أحمد، وفيه نظر لا يخفى؛ فإن شفاعة الولد في
стр. 5570
الوالد ليست بأولى من العكس، وكونه والدًا له ليس للشفاعة فيه، وكذا سائر القرابات، والأرحام.
ثم ذكر الأدلة في أنَّ الشفاعة لا تكون إلا لمن أذن الله له، ورضي عنه، وعن المشفوع له.
ثم قال: فمن أين يقال إن الولد يشفع لوالده فإذا لم يعق عنه حبس عن الشفاعة له ولا يقال لمن لم يشفع لغيره إنه مرتهن ولا في اللفظ ما يدل على ذلك
ثم قال: وقد جعل الله سبحانه النسيكة عن الولد سببا لفك رهانه من الشيطان الذي يعلق به من حين خروجه إلى الدنيا وطعن في خاصرته فكانت العقيقة فداء وتخليصا له من حبس الشيطان له وسجنه في أسره ومنعه له من سعيه في مصالح آخرته التي إليها معاده. اهـ
وهذا القول الذي اختاره ابن القيم قولٌ قريب، واختاره الإمام ابن عثيمين.
قال ﵀ كما في «الشرح الممتع» (٧/ ٥٣٥): المعنى أنه محبوس عن الانطلاق والانشراح، وكذلك عن الحماية من الشيطان. اهـ
قلتُ: فيكون مثل تسمية الرجل عند الجماع، ولم يقل أحدٌ بوجوبها؛ فكذلك ههنا، وقد قيل: إن المقصود بالحديث التشبيه بالرهن؛ ليدل على الوجوب. وظاهره غير مقصود. (١)
стр. 5571
مسألة [٤]: العدد الذي يذبح في العقيقة .
• أكثر أهل العلم على أنه يُذبح عن الغلام شاتان مكافئتان، وعن الجارية شاة. وهذا قول ابن عباس، وعائشة (١)، وأحمد، والشافعي، وإسحاق، وأبي ثور وغيرهم.
واستدلوا على ذلك بحديث أم كرز الكعبية المذكور في الباب مع الشواهد التي ذكرناها.
• وذهب مالك، وأبو جعفر الصادق إلى أنه يذبح عنهما شاة، الذكر والأنثى.
واستدلوا بحديث ابن عباس ﵄ الذي في أول الباب، وهو حديث معل بالإرسال، واختلف فيه في ذكر العدد، وثبت هذا القول عن ابن عمر ﵄ بإسناد صحيح كما في «المصنَّفَين» و «الموطإِ»، وهو قول القاسم، وعروة، والزهري.
• ونقل عن الحسن، وقتادة إلى أنه لا يعق عن الجارية، ولعلهما تمسكا بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «كل غلام مرتهن بعقيقته»، والغلام اسم للذكر دون الأنثى.
والصحيح هو قول الجمهور، وأثر ابن عمر يدل على الإجزاء بواحدة، ويؤيده حديث سلمان بن عامر المتقدم، وحديث بريدة عند أبي داود (٢٨٤٣) بإسناد حسن، قال: كنا في الجاهلية إذا وُلِدَ لأحدنا غلام ذبح شاةً، ولطخ رأسه بدمها،
стр. 5572
فلما جاء الإسلام كنا نذبح شاة، ونحلق رأسه، ونلطخه بزعفران.
والأفضل شاتان لمن قدر، ومن لم يقدر فعلى استطاعته ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]، وقال -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إذا أمرتكم بأمر؛ فأتوا منه ما استطعتم»، والله أعلم. (١)
مسألة [٥]: الوقت الذي يستحب فيه الذبح للعقيقة ؟
• عامة أهل العلم على أنَّ المستحب أن يكون يوم سابع المولود من ولادته؛ لحديث سمرة بن جندب الذي في الباب.
• إلا أنَّ مالكًا، والشافعي في قولٍ لا يعدَّان يوم الولادة من السبعة؛ إلا أن يولد قبل الفجر من ليلة ذلك اليوم.
والذي يظهر أنه يعد من السبعة، وهو قول الحنابلة، وغيرهم.
• فإن فات اليوم السابع؛ فاستحب الجمهور أن يذبح في السابع الثاني، وهو قول عطاء، وأحمد، وابن وهب، وإسحاق، والشافعي، ومالك؛ فإن فاته فالسابع الثالث.
واستدلوا على ذلك بأثر عن عائشة ﵂ أنها قالت: وليكن ذلك يوم السابع؛ فإن لم يكن ففي أربعة عشر؛ فإن لم يكن ففي إحدى وعشرين.
إلا أنَّ مالكًا لم يقل بالسابع الثالث.
стр. 5573
وأثر عائشة ﵂ أخرجه الحاكم (٤/ ٢٣٨ - ٢٣٩)، وضعَّفه الإمام الألباني ﵀ في «الإرواء» (٤/ ٣٩٥ - ٣٩٦)، وأعلَّه بالانقطاع، والإدراج.
وقد جاء في ذلك حديث مرفوع، أخرجه البيهقي (٩/ ٣٠٣) من طريق: إسماعيل بن مسلم، عن قتادة، عن عبدالله بن بريدة، عن أبيه مرفوعًا: «العقيقة تُذبح لسبع، ولأربع عشرة، ولإحدى وعشرين»، وإسماعيل بن مسلم شديد الضعف.
• وعند الحنابلة بعد الأسبوع الثالث اختلاف في اعتبار ذلك.
• وذهب الليث، وابن سيرين إلى عدم اعتبار الأسابيع؛ إلا الأسبوع الأول، وهو أقرب، والله أعلم.
قال ابن القيم ﵀ (ص ٦٣): والظاهر أنَّ التقييد بذلك استحباب، وإلا فلو ذبح عنه في الرابع، أو الثامن، أو العاشر، أو ما بعده؛ أجزأت، والاعتبار بالذبح لا بيوم الطبخ والأكل. اهـ (١)
مسألة [٦]: من لم يعق عنه حتى كَبُرَ ؟
جاء حديثٌ أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عقَّ عن نفسه بعد النبوة، وفي إسناده عبدالله بن محرر، وهو متروك، أخرجه عبدالرزاق (٤/ ٣٢٩)، وغيره من حديث أنس ﵁.
وله طريق أخرى عند الطبراني في «الأوسط» (٩٩٨)، وفيه: عبدالله بن
стр. 5574
المثنى، وهو ضعيفٌ، وقد تفرد به.
• فذهب عطاء، والحسن، وابن سيرين إلى أنَّ له أن يعق عن نفسه.
• وذهب أحمد إلى أنه لا يعق، وذلك لأنَّ هذا مستحب للوالد على ولده، وعليه أكثر الحنابلة. وقال مرةً: من فعله؛ لم أكرهه. ومرةً: من فعله؛ فحسن.
• وعن بعض الحنابلة وهو قول المالكية: لا يعق غير الأب، ولا يعق المولود عن نفسه إذا كبر، لأنها مشروعة في حق الأب، فلا يفعلها غيره.
• وللشافعية قولان في استحبابها، وعدم ذلك.
قال أبو عبد الله غفر الله لهُ: الذي يظهر -والله أعلم- عدم استحباب ذلك؛ لعدم وجود دليل صحيح يدل على ذلك. (١)
مسألة [٧]: إذا مات الطفل قبل اليوم السابع ؟
• مذهب الحنابلة، والشافعية أنها تستحب العقيقة عنه؛ لأنها تُشرع بالولادة؛ لحديث: «كلُّ غلام مرتهن بعقيقته»، وحديث: «مع الغلام عقيقته»، وعموم سائر الأحاديث.
• وذهب مالك، والحسن إلى عدم استحبابها عند ذلك؛ لحديث: «تذبح عنه يوم سابعه».
ورجَّح الإمام ابن عثيمين ﵀ القول الأول، وكذلك الإمام ابن باز ﵀ كما
стр. 5575
في «فتاوى اللجنة»، وهو الصواب، والله أعلم. (١)
فائدة: العقيقة أفضل من التصدق بثمنها، قاله أحمد، والشافعية، وابن المنذر، واختاره ابن القيم. (٢)
مسألة [٨]: هل تجزئ العقيقة بغير الغنم ؟
• ذهب الجمهور إلى الإجزاء، ثبت عن أنس ﵁، كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٨/ ٥٧) بإسناد لا بأس به، أنه كان ينحر الجزور.
وهو قول الحنابلة، والشافعية، والمالكية؛ لأنَّ الإبل، والبقر أعظم أجرًا من الشاة، ولحديث: «أهريقوا عليه دمًا»، واشترط أحمد أنها تُذبح كاملة بدون شرك.
• وذهب ابن حزم إلى عدم الإجزاء، وثبت عن حفصة بنت عبدالرحمن بن أبي بكر أنه قيل لها: هلَّا عققت جزورًا؟ قالت: معاذ الله، كانت عمتي عائشة تقول: على الغلام شاتان، وعلى الجارية شاة. أخرجه عبدالرزاق (٤/ ٣٢٨) بإسناد صحيح.
واستدل ابن حزم على ذلك بظاهر الأدلة، ففي كلها «شاة»، وحديث سلمان بن عامر مبيَّن بالأدلة الأخرى، وإلا فيقال: أهريقوا دم طائر. وبما شاءَ؛ للحديث المذكور، وهذا اختيار أبي الشيخ الأصبهاني، والبندنيجي من الشافعية.
قال أبو عبد الله غفر الله لهُ: الاقتصار على ما جاء في الحديث أولى، ومن عقَّ
стр. 5576
بجزور فأرجو أن يجزئه، والله أعلم. (١)
مسألة [٩]: شروط العقيقة .
• ذهب الجمهور إلى أنَّ العقيقة يُشترط فيها ما يُشترط في الأضاحي في السن، والخلو من العيوب؛ قياسًا على الهدي، والأضاحي.
• وذهب ابن حزم، والشوكاني إلى عدم اشتراط ذلك، وهو الصحيح؛ لعدم وجود دليل يدل على الاشتراط.
والأفضل بإجماعهم أن يستسمنها، وأن تكون خالية من العيوب.
ويستحب في الشاتين أن تكونا متماثلتين بمعنى: متقاربتين في السن، والحجم؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «متكافئتان».
• وذهب بعض أهل العلم إلى أنَّ العقيقة لا يكسر عظامها، وإنما تفرق تفريقًا، ثبت ذلك عن عائشة ﵂، كما في «مصنف ابن أبي شيبة»، وبه قال عطاء، وابن جريج، وأحمد، والشافعي.
واستدلوا بأثر عائشة ﵂؛ ولأنَّ في ذلك تفاؤلًا بسلامة المولود.
• وذهب الزهري، ومالك إلى جواز تكسير عظامها كالأضاحي، والهدي، وهو الصحيح، وهو اختيار ابن حزم، والشوكاني. (٢)
стр. 5577
مسألة [١٠]: تلطيخ رأس الطفل من دم العقيقة .
• ذهب جمهور الفقهاء، والمحدثين إلى كراهة ذلك، وقالوا: كان هذا من عمل الجاهلية، ثم نسخه الإسلام، وأبطله.
ففي حديث بريدة ﵁ عند أبي داود (٢٨٤٣)، وغيره، قال: كنَّا في الجاهلية إذا ولد لأحدنا غلام ذبح له شاة، ولطخ رأسه بدمها، فلما جاء الإسلام كنا نذبح شاةً، ونحلق رأسه، ونلطخه بزعفران. وهو حديث حسن.
واستدلوا بحديث سلمان بن عامر: «فأهريقوا عنه دمًا، وأميطوا عنه الأذى».
• وذهب الحسن، وقتادة إلى استحباب تلطيخ رأس الطفل من دم العقيقة.
واستُدِلَّ لهذا القول بحديث: «ويحلق رأسه ويدمى»، وهذه الرواية تصحيف كما أبانه الإمام الألباني ﵀ في «الإرواء»، والمشهور في لفظ الحديث: «ويُسَمَّى» من التسمية.
والصحيح قول الجمهور. (١)
فائدة: يجزئ صاحب العقيقة توزيعها، وتفريق لحمها، والأفضل طباختها، والدعوة إليها، أو الإهداء منها مطبوخًا. (٢)
فائدة: بيع جلد العقيقة ورأسها، وسقطها فيه قولان في مذهب أحمد والأصح عن أحمد جواز بيعها، لكن مع الصدقة بثمنها، ورجَّح ابن قدامة عدم الجواز. (٣)
стр. 5578
مسألة [١١]: حلق شعر المولود يوم سابعه .
استحب أهل العلم أن يحلق شعر الغلام يوم سابعه؛ لحديث سمرة بن جندب ﵁ الذي في الباب.
وهل يحلق شعر الأنثى؟
• استحبه الشافعية، وبعض الحنابلة.
• والذي عليه أكثر الحنابلة أنَّ الحلق للذكر فقط، وهو ترجيح الإمام ابن باز ﵀، وظاهر اختيار الإمام ابن عثيمين ﵀. (١)
стр. 5579
فَصْلٌ فِي ذِكْرِ بَعْضِ المَسَائِلِ المُلْحَقَة
مسألة [١]: القَزَع .
في «الصحيحين» عن ابن عمر ﵄ أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى عن القزع.
والقَزَعُ: أن يحلق بعض رأس الصبي، ويُترك بعضه، والقزع أربعة أنواع:
الأول: أن يحلق من رأسه مواضع من ههنا، وههنا، مأخوذ من (تَقَزُّعِ السَّحَابِ) وهو تَقَطُّعُه.
الثاني: أن يحلق وسطه، ويترك جوانبه كما يفعله شمامسة النصارى.
الثالث: أن يحلق جوانبه، ويترك وسطه، كما يفعله كثير من الأوباش، والسقط.
الرابع: أن يحلق مُقَدَّمَه، ويترك مؤخره، وهذا كله من القزع. (١)
مسألة [٢]: التصدق بزنة الشعر وَرِقًا .
• استحب جمهور الفقهاء أن يتصدق بوزن الشعر فضة، وهو مذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة؛ لما جاء من طرقٍ أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمر فاطمة أن تتصدق بوزن شعر الحسن، والحسين من الفضة، وهو حديث حسن بمجموع طرقه، وقد حسَّنه الإمام الألباني ﵀ في «الإرواء» (١١٧٥). (٢)
стр. 5580
مسألة [٣]: تسمية المولود .
يُشرع تسميته في اليوم السابع، وتُشرع قبل ذلك، ولو في يوم ولادته، فقد سمَّى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ولدَه إبراهيم في يوم ولادته، وكذلك عبدالله بن أبي طلحة، وعبدالله بن الزبير، وغيرهما. (١)
وأحبُّ الأسماء إلى الله: عبدالله، وعبدالرحمن كما في «مسلم» عن ابن عمر ﵄ مرفوعًا، وهو قول الجمهور، وعن سعيد بن المسيب: أحبُّ الأسماء إليه أسماء الأنبياء، ورجَّح ابن القيم قول الجمهور (ص ١١٢).
ويستحبُّ للأب أن ينتقي لولده اسمًا حسنًا، ولا يجوز أن يعبد لغير الله، ويُكره ما فيه قبح، أو تزكية، أو ذم.
والتسمية حقٌّ للأب دون الأم.
قال ابن القيم ﵀: هذا مما لا نزاع فيه بين الناس.
قال: والأحاديث المتقدمة تدل على هذا، وهذا كما أنه يدعى لأبيه لا لأمه، قال تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب:٥].اهـ (٢)
مسألة [٤]: ختان المولود .
الخِتان: مصدر ختن يختن، وهو في حق الغلام قطع القلفة، والغرلة التي في أعلى الذكر، وفي الجارية قطع شيء يسير من الجلدة التي في أعلى فرجها، وشكلها
стр. 5581
كعُرفِ الديك.
والختان يسمى به موضع الختن، ومنه حديث: «إذا التقى الختانان؛ وجب الغسل»، فختان الرجل هو الحرف المستدير على أسفل الحشفة، وختان المرأة هي جلدة كعرف الديك فوق الفرج. (١)
مسألة [٥]: حكم الختان .
• ذهب جمعٌ من أهل العلم إلى وجوبه، وهو قول الشعبي، وربيعة، والأوزاعي، ويحيى الأنصاري، ومالك، والشافعي، وأحمد.
واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل:١٢٣]، والختان من ملته.
واستدلوا بحديث: «ألق عنك شعر الكفر، واختتن»، وهو حديث ضعيف جدًّا. (٢)
واستدلوا بقول ابن عباس ﵄ وهو صحيح عنه كما في «تحفة المودود»: الأقلف لا تقبل له صلاة، ولا تؤكل ذبيحته.
стр. 5582
وقالوا: الختان من أظهر الشعائر التي يفرق بها بين المسلم والنصراني؛ فوجب إظهارها.
وقالوا: يجوز كشف العورة له، فلو لم يجب؛ لما جاز ذلك؛ لعدم وجود ضرورة أخرى، أو مداواة. وكذلك يجوز للخاتن النظر للعورة، ولو لم يجب لما ارتكب فيه المحظور.
وقالوا: إن الأقلف تبقى فيه بعض النجاسات من البول، والمذي. وأشار إلى ذلك ابن عباس ﵄ بقوله: لا تُقبل له صلاة.
وقالوا: فيه إيلام للمختون، ويعرض الطفل للتلف، ويخرج الولي من ماله أجرة الخاتن، وثمن الدواء، ولا يضمن سرايته بالتلف، ولو لم يكن واجبًا؛ لما جاز ذلك.
• وذهب بعضهم إلى أنه سنة غير واجب، وهو قول الحسن، وأبي حنيفة، وبعض الشافعية، وبعض المالكية، وابن أبي موسى الحنبلي.
واستدلوا بحديث: «الختان سنة للرجال مكرمة للنساء». (١)
стр. 5583
وقالوا: لم يأمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كل من أسلم بالختان، وقد قرنه النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بالمسنونات بحديث: «الفطرة خمس ... ».
وقالوا: المقصود بالآية: ﴿اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ في التوحيد، وأما حديث: «ألق عنك شعر الكفر، واختتن»؛ فهو ضعيف.
وقالوا: ليس كل ما كان من الشعائر يجب، فهناك شعائر لا تجب، كالتلبية، وسوق الهدي.
وقالوا: كونه معرض لفساد طهارته إنما يُلام عليه إن كان ذلك باختياره.
وقالوا: كشف العورة جائز، وإن لم يكن واجبًا لإقامة السنة.
وأجاب الجمهور عن أدلة هؤلاء بأنَّ حديث: «الختان سنة للرجال» ضعيف، وليس فيه دلالة؛ لأنَّ السنة بمعنى الطريقة، ويؤيده أنَّ ابن عباس ﵄ كان يرى وجوب الختان؛ مع أنه ممن قال بذلك.
وأما اقترانه بالمسنونات؛ فدلالة الاقتران ضعيفة، ولا تسليم في أنَّ ما اقترن به ليس واجبًا. وأما كونه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يأمر من أسلم بذلك؛ فلكونه كان أمرًا معروفًا عن المسلمين.
وأما قولكم عن الملة: (هي التوحيد) فغير صحيح، بل الملة هي الدين.
ولم يسلموا لهم ببقية الأجوبة.
• وذهب الإمام أحمد في رواية عنه إلى وجوبه على الرجال، وإلى كونه سنة
стр. 5584
للنساء.
ورجَّح هذا القول الإمام ابن عثيمين في «الشرح الممتع»؛ لأنَّ المرأة لا تتأثر طهارتها بعدم ختانها بخلاف الرجل، وهذا القول هو الصحيح، والله أعلم. (١)
مسألة [٦]: وقت الختان .
في «صحيح البخاري» (٦٢٩٩) عن سعيد بن جبير قال: سئل ابن عباس: مثل من أنت حين قبض النبي ﷺ ؟ قال: أنا يومئذ مختون. وكانوا لا يختنون الرجل حتى يدرك.
• فذهب الجمهور إلى أنه يجب قبل البلوغ، وليس في تحديده قبل ذلك شيء إنما هو أقوال لأهل العلم.
قال ابن القيم ﵀ في «تحفة المودود» (ص ١٨٤ - ): وقال ابن المنذر في ذكر وقت الختان: وقد اختلفوا في وقت الختان، فكرهت طائفة أن يختن الصبي يوم سابعه، كره ذلك الحسن البصري، ومالك بن أنس خلافًا على اليهود، وقال الثوري: هو خطر. قال مالك: والصواب في خلاف اليهود، قال: وعامة ما رأيت الختان ببلدنا إذا أثغر. وقال أحمد بن حنبل: لم أسمع في ذلك شيئًا. وقال الليث بن سعد: الختان للغلام ما بين السبع سنين إلى العشرة. قال ابن المنذر: ليس في هذا الباب شيء يثبت، وليس لوقوع الختان خبر يرجع إليه، ولا سنة تستعمل، فالأشياء على الإباحة، ولا يجوز حظر شيء منها إلا بحجة، ولا نعلم مع من منع
стр. 5585
أن يختن الصبي لسبعة أيام حجة. اهـ
والصحيح قول أحمد، وابن المنذر، والأفضل تعجيله في الشهر الأول؛ لأنه لا يحصل للطفل فيه ضرر كبير، والله أعلم. (١)
стр. 5586
كِتَابُ الأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ
١٣٥٩ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ أَدْرَكَ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ فِي رَكْبٍ، وَعُمَرُ يَحْلِفُ بِأَبِ يهِ، فَنَادَاهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَلَا إنَّ اللهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، فَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللهِ، أَوْ لِيَصْمُتْ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
١٣٦٠ - وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: «لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، وَلَا بِأُمَّهَاتِكُمْ، وَلَا بِالأَنْدَادِ، وَلَا تَحْلِفُوا إلَّا بِاللهِ، وَلَا تَحْلِفُوا بِاللهِ إلَّا وَأَنْتُمْ صَادِقُونَ». (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين
مع ذكر مجموعة من المسائل الملحقة
الأَيْمَانُ: جَمْعُ يَمِيْنٍ، وهو القسم والحلف، ويراد به تأكيد الشيء بذكر مُعَظَّمٍ بصيغة مخصوصة. (٣)
مسألة [١]: حكم اليمين .
قد يكون واجبًا، أو مستحبًّا، أو محرمًا، أو مكروهًا، أو مباحًا.
стр. 5587
مثال اليمين الواجب:
اليمين عند الحاكم؛ لدفع الظلم عن شخص معيَّنٍ، فلو ادُّعِيَ على مال يتيم دعوة باطلة، وتوجه اليمين على وليه، فيجب عليه اليمين.
فضابطها: أن ينجي بها إنسانًا من الهلكة، أو يدفع عنه أو عن عرضه، أو ماله، أو يدفع بها عن نفسه، مثل أن يُدَّعَى عليه القتل، وهو بريءٌ.
واليمين المستحب:
هو الذي تتعلق به مصلحة من إصلاح بين متخاصمين، أو إزالة حقد من قلب مسلم عن الحالف، أو غيره، أو دفع شر.
واليمين المحرمة:
إذا كانت على فعل محرَّمٍ، أو على ترك واجبٍ، أو كانت اليمين على شيء هو فيه كاذب.
واليمين المكروهة:
هو الحلف على فعل مكروه، أو ترك مندوب، قال تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [البقرة:٢٢٤].
واليمين المباحة:
مثل الحلف على فعل مباح، أو تركه، والحلف على الخبر بشيءٍ وهو صادق
стр. 5588
فيه، أو يظن أنه صادق فيه. (١)
تنبيه: كره أهل العلم الإكثار من الأيمان بدون حاجة، واستدل بعضهم على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة:٨٩]، وبعضهم استدل على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾ [القلم:١٠]. (٢)
تنبيه آخر: الحكم على اليمين بالكراهة، والإباحة، والتحريم لا ينافي أنَّ اليمين عبادة محبوبة إلى الله للتعظيم الحاصل بها؛ ولذلك فلا يجوز الحلف بغير الله، بل هو شرك بالله.
مسألة [٢]: الحلف على فعل طاعة، أو ترك معصية .
• ذهب الشافعية، وبعض الحنابلة إلى أنه مستحبٌّ؛ لأنَّ ذلك يدعوه إلى فعل الطاعات، وترك المعاصي.
• وذهب بعض الحنابلة إلى أنه لا يستحب؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وأصحابه لم يكونوا يفعلون ذلك في الأكثر الأغلب، ولا حث النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أحدًا عليه، ولا ندب إليه؛ ولأنه يجري مجرى النذر، وقد نهى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عن النذر وقال: «لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل». (٣). (٤)
стр. 5589
مسألة [٣]: الحلف على الحقوق عند الحاكم .
• كره ذلك الشافعية، وبعض الحنابلة؛ خشية أن يوافق قدرٌ بلاءً، فيقال: بيمينه.
• وأجاز ذلك جماعةٌ من الحنابلة؛ لأنه حقٌّ من حقوقه؛ فله أن يحلف على حقه، وهذا القول هو الصواب، والله أعلم. (١)
مسألة [٤]: الذي تصح منه اليمين .
تصح اليمين من كل مكلف مختار قاصد لليمين، فلا تصح اليمين من مجنون، ولا طفل.
واختلفوا هل تصح من المكره؟
• فأكثر الفقهاء على أنها لا تصح منه؛ لأنه غير مريد لليمين، وقد قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة:٢٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة:٨٩]، وهذا قول الشافعي، ومالك، وأحمد.
• وقال أبو حنيفة: تنعقد يمين المكره؛ لأنها يمين مكلف. وهو قولٌ ضعيف. والصحيح قول الجمهور.
واختلفوا هل تصح يمين السكران؟
على قولين تقدم ذكرهما في مسألة طلاق السكران.
стр. 5590
واختلفوا هل تصح يمين الكافر، أم لا؟
• فذهب الجمهور إلى صحة يمينه كما يصح نذره.
واستدلوا على صحة النذر بحديث عمر ﵁: إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام ... الحديث، وهو في «الصحيحين»، وهذا قول أحمد، والشافعي، وأبي ثور، وابن المنذر.
• وذهب الثوري، وأصحاب الرأي إلى أن يمينه لا تنعقد؛ لأنه ليس من أهل التكليف. والصحيح قول الجمهور.
واختلفوا هل تلزمه الكفارة إذا حنث؟
• فقال أحمد: تلزمه مطلقًا، سواء حنث قبل الإسلام، أو بعده.
• وعند الشافعي، وأبي ثور، وابن المنذر تلزمه إذا حنث بعد الإسلام. وهذا أقرب؛ لحديث: «الإسلام يهدم ما كان قبله». (١)
مسألة [٥]: الحلف بغير الله، وصفاته .
الحلف بغير الله تعالى شركٌ؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من حلف بغير الله؛ فقد أشرك»، (٢) وقد نهى عنه النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بأحاديث كثيرة متواترة، منها: حديث عمر، وعبدالرحمن بن سمرة اللذان في الباب.
стр. 5591
ويكون شركًا أكبر إن كان مُعَظِّمًا للمخلوق كتعظيمه لله، أو أشد. (١)
مسألة [٦]: اليمين المنعقدة .
إذا حلف الإنسان بالله؛ انعقدت يمينه بلا خلاف، وتنعقد بأسماء الله وصفاته، سواء كان الاسم مختصًّا بالله أم لا؟ وسواء كانت الصفة ذاتية أو فعلية.
فمن الأسماء المختصة بالله: (الله، والرحمن، والأول، والآخر، والحي الذي لا يموت، ورب العالمين) وما أشبه ذلك.
ومن الأسماء المشتركة: (العزيز، الرحيم، الملك، القادر، المؤمن) وغيرها.
ومن الصفات الذاتية: (عزة الله، وكبرياؤه، وجلاله، وعظمته، وعلمه، وحكمته، ووجهه ... ).
ومن الصفات الفعلية: (مجيء الله، ونزول الله إلى السماء الدنيا).
• والقول بجواز الحلف بالصفات الذاتية، والفعلية هو مذهب الشافعية، والحنابلة، وقال به بعض المالكية، وهو الصحيح؛ لورود ذلك في الكتاب والسنة.
• وذهب بعض المالكية إلى جواز الحلف بالصفات الذاتية دون الفعلية. (٢)
مسألة [٧]: قول الحالف: وحقِّ الله .
• مذهب الجمهور أنها يمين منعقدة؛ لأنَّ لله حقوقًا يستحقها لنفسه، من البقاء، والعظمة، والألوهية، والجلال، والعِزَّة، وقد اقترن عرف الاستعمال
стр. 5592
بالحلف بهذه الصفة، فتنصرف إلى صفة الله تعالى.
• وذهب أبو حنيفة إلى أنها غير منعقدة؛ لأنَّ حق الله طاعته، ومفروضاته، وليست صفة له. وهو قول اللجنة الدائمة (٢٣/ ٥٤).
والذي يظهر أنَّ الحالف على نيته؛ فإن قصد المعنى الأول؛ انعقدت يمينه، وإن قصد المعنى الثاني؛ لا تنعقد، والأول أقرب إلى ظاهر اللفظ. (١)
مسألة [٨]: قول الحالف: لعمر الله .
• مذهب الحنابلة، وأبي حنيفة أنها يمين منعقدة تُوجِب الكفارة؛ لأنَّ (العَمْر) بمعنى الحياة والبقاء؛ فهو من صفات الله.
• وقال الشافعي، وبعض الحنابلة: إن قصد اليمين؛ فهي يمين، وإلا فلا؛ لأنها يمين بتقدير محذوف.
والصحيح القول الأول، والله أعلم. (٢)
مسألة [٩]: قوله: لعمرك. و لعمري، وما أشبهه ؟
• لا يجوز عند الجمهور، ولا تنعقد يمينه عندهم؛ لأنه قسم بحياة مخلوق.
• وقال الحسن: قوله: (لعمري) فيه كفارة.
والصحيح قول الجمهور، وما جاء من الأحاديث بهذا اللفظ محمول على أنه
стр. 5593
جرى على اللسان بغير إرادة للحلف، والله أعلم. (١)
مسألة [١٠]: حروف القسم .
أشهرها ثلاثة (الباء) وهي الأصل، وتدخل على المظهر، والمضمر جميعًا.
و (الواو) وهي بدل من الباء، وتدخل على المظهر دون المضمر لذلك، وهي أكثر استعمالًا.
و (التاء) وتدخل على لفظ الجلالة فقط عند الفقهاء، وزاد ابن مالك و (رب)، فقال في «أَلْفِيَّتِهِ»: والتَّاء لله ورب.
ومن حروف القسم: (الهمزة) مذكورة أو مقدرة، وتدخل على لفظ الجلالة (الله) كقولهم: (آلله لتفعلن كذا) فيقول: (آلله لأفعلن).
ومن حروف القسم: (الهاء) كقول أبي بكر: لا ها الله، لا يعمد إلى أسد من أسود الله، فيعطيك سَلَبَه. وغيره، وهذا نادر.
قيل: ومن حروف القسم اللام كقولهم: للهِ لا يُؤَخَّرُ الأجلُ. (٢)
مسألة [١١]: إذا قال: يمين الله، وأيم الله ؟
أيم: أصلها (أيمن)، فحُذِفت النون لكثرة الاستعمال، وهمزتها همزة وصل عند الأكثر، واليمين بها منعقد عند الجمهور، وعند الشافعي، إن قصد
стр. 5594
صاحبها اليمين.
وفي البخاري (٤٢٥٠)، ومسلم (٢٤٢٦) عن عبد الله بن عمر ﵄ لما أمَّر النبي ﷺ أسامة بن زيد، قال: «إن تطعنوا في إمارته، فقد طعنتم في إمارة أبيه من قبله، وايم الله لقد كان خليقا للإمارة، وإن كان من أحب الناس إلي، وإن هذا لمن أحب الناس إلي بعده».
وأخرج ابن المنذر (١٢/ ٩٥) بإسناد صحيح عن ابن عباس، وابن عمر ﵄ الحلف بها. (١)
مسألة [١٢]: الحلف بالقرآن، أو بآية منه .
• عامة العلماء على مشروعية ذلك، وأنها تنعقد اليمين بذلك؛ لأنَّ القرآن كلام الله وصفة من صفاته.
• وذهب الحنفية إلى أنها لا تنعقد، فمنهم من قال: هو مخلوق. ومنهم من قال: القسم به لا يعهد. وهو قولٌ باطلٌ بَيِّن البطلان. (٢)
تنبيه: لو حلف بالمصحف؛ انعقدت يمينه، وأجاز ذلك أحمد، وإسحاق؛ لأنَّ الحالف بالمصحف إنما قصد الحلف بالمكتوب فيه، وهو القرآن؛ فإنه بين دَفَّتَي المصحف بإجماع المسلمين. (٣)
стр. 5595
مسألة [١٣]: قوله: أقسم بالله. أحلف بالله. آليت بالله. أعزم بالله. أشهد بالله ؟
• هذه الألفاظ تُعَدُّ يمينًا عند أكثر الفقهاء.
قال ابن قدامة ﵀: هذا قول عامة الفقهاء لا نعلم فيه خلافًا.
قال: وسواء نوى اليمين، أو أطلق؛ لأنه لو قال: (بالله) ولم يقل: (أُقسم) ولا (أشهد)، ولم يذكر الفعل؛ كان يمينًا بتقدير الفعل قبله. اهـ
• وذهب الشافعي إلى أنَّ (أعزم بالله) و (أشهد بالله) لا تكون يمينًا إلا بالنية. والصحيح القول الأول. (١)
مسألة [١٤]: إن قال: أقسمت. أو آليت. أو حلفت. أو شهدت لأفعلَنَّ كذا ؟
• ذهب بعضُ أهل العلم إلى أنها يمين، سواء نوى اليمين، أم لا، وهذا قول النخعي، والثوري، وأبي حنيفة، وأحمد في رواية؛ لأنه قد ثبت لها عرف الشرع، والاستعمال.
فقد قال أبو بكر الصديق ﵁: أقسم عليك يا رسول الله، لتخبرني بما أصبت وما أخطأت. فقال: «لا تقسم» أخرجه أبو داود (٣٢٦٨) بإسناد صحيح عن ابن عباس ﵄، وأصله في «الصحيحين».
وأخرج ابن المنذر (١٢/ ١٠٧) بإسناد صحيح عن ابن عمر ﵄ قال:
стр. 5596
القسم يمين.
وأخرج أيضًا بإسناد صحيح عن ابن عباس ﵄، أنه كان يقرأ: ﴿للذي يقسمون من نسائهم﴾.
وقال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ * اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ [المنافقون:١ - ٢].
وقالت عاتكة بنت عبد المطلب عمةُ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-:
حلفتُ لئن عادوا لنصطلمنهم ... لجاءوا تردَّى حجرتيها المقانبُ
وقالت عاتكةُ بنت زيد بن عمرو بن نفيل:
فآليتُ لا تنفك عيني حزينة ... عليك ولا ينفك جلديَ أغبرا
• وذهب بعضهم إلى أنها يمين إذا نوى، وهذا قول مالك، وإسحاق، وأحمد في رواية، وابن المنذر؛ لاحتمال أنه لم يقصد اليمين بالله؛ ولأنَّ قوله (أشهد) لا يُستفاد منها اليمين بنفسها.
• وذهب الشافعي إلى أنها لا تُعَدُّ يمينًا؛ لأنها عُريت عن اسم الله، وصفته، وهو قول عطاء، والحسن، والزهري، وقتادة، وأبي عبيد.
قال أبو عبد الله غفر الله لهُ: الصحيح قول مالك، وإسحاق، والله أعلم. (١)
стр. 5597
مسألة [١٥]: قول الحالف: عهد الله. ميثاق الله ؟
• ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنَّ ذلك يمين منعقد يوجب الكفارة بالحنث، وهو قول الحسن، وطاوس، والشعبي، وقتادة، والحكم، والأوزاعي، ومالك، وأحمد؛ لأنَّ (عهدالله) يحتمل كلامه الذي أمرنا به، ونهانا، كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ﴾ [يس:٦٠]، وكلامه صفة له.
ويحتمل أنه استحقاقه لما تعبدنا به، وقد ثبت له عرف الاستعمال، فيجب أن يكون يمينًا بإطلاقه.
• وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يكون يمينًا إلا أن ينوي، وهو قول عطاء، والثوري، وأبي عبيد، وابن المنذر.
• وقال الشافعي: لا يكون يمينًا إلَّا أن ينوي اليمين بعهد الله الذي هو صفته، وهو بمعنى الذي قبله.
• وقال أبو حنيفة: ليس بيمين. ولعله ذهب إلى أنَّ العهد من صفات الفعل، فلا يكون الحلف به يمينًا كما لو قال: وخلْقِ الله، وهو قول ابن حزم.
والراجح هو القول الأول، والله أعلم. (١)
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٣/ ٤٦٣ - ٤٦٤): فَإِنْ قَالَ: عَلَيَّ عَهْدُ الله وَمِيثَاقُهُ لَأَفْعَلَنَّ. أَوْ قَالَ: وَعَهْدِ الله وَمِيثَاقِهِ لَأَفْعَلَنَّ. فَهُوَ يَمِينٌ، وَإِنْ قَالَ: وَالْعَهْدِ
стр. 5598
وَالْمِيثَاقِ لَأَفْعَلَنَّ. وَنَوَى عَهْدَ الله، كَانَ يَمِينًا؛ لِأَنَّهُ نَوَى الْحَلِفَ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ الله تَعَالَى. وَإِنْ أَطْلَقَ، فَقَالَ الْقَاضِي: فِيهِ رِوَايَتَانِ. اهـ
وقد رجَّح الإمام ابن باز، والفوزان، وعبدالعزيز آل الشيخ وغيرهم أنَّ ذلك يمين، أعني الحلف بعهد الله. (١)
مسألة [١٦]: الحلف بالخروج من الإسلام .
كقول الحالف: (هو يهودي إن فعل كذا) أو (هو نصراني، أو مجوسي، أو كافر)، أو نحو ذلك، أو (هو بريء من الإسلام إن لم يفعل كذا).
• فذهب بعض أهل العلم إلى أنَّ عليه في ذلك الكفارة إذا حنث، وهو قول عطاء، وطاوس، والحسن، والشعبي، والثوري، والأوزاعي، وإسحاق، وأصحاب الرأي، وأحمد في رواية، وعليه فتوى الإمام ابن باز، والفوزان، وعبدالعزيز آل الشيخ، وبكر أبو زيد، والغديان، وعليه التوبة والاستغفار.
وقال شيخ الإسلام ﵀ (٣٥/ ٢٧٤): ولهذا قال أكثر أهل العلم: إذا قال: هو يهودي، أو نصراني إن لم يفعل ذلك؛ فهي يمين بمنزلة قوله: والله لأفعلن؛ لأنه ربط عدم الفعل بكفره الذي هو براءته من الله، فيكون قد ربط الفعل بإيمانه بالله، وهذا هو حقيقة الحلف بالله. وقالوا: يدخل في عموم الأيمان ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة:٨٩].اهـ
стр. 5599
• وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنه لا كفارة فيها، وهو قول مالك، والشافعي، والليث، وأبي ثور، وابن المنذر، وأحمد في رواية؛ لأنه لم يرد في هذه اليمين نصٌّ، ولا هي في قياس المنصوص؛ فإنَّ الكفارة إنما وجبت في الحلف باسم الله تعظيمًا لاسمه، وإظهارًا لشرفه وعظمته، ولا تتحقق السوية.
واستدلوا على ذلك بحديث بريدة عند أحمد (٥/ ٣٥٥)، والنسائي (٧/ ٦)، وغيرهما، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «من قال: إني بريء من الإسلام؛ فإن كان كاذبًا فهو كما قال، وإن كان صادقًا؛ لم يعد إلى الإسلام سالمًا»، وهو حديث صحيح، وهو في «الصحيح المسند» لشيخنا الوادعي ﵀.
والقول الثاني عزاه ابن المنذر للأكثر، وهو اختيار ابن حزم، والشوكاني. (١)
مسألة [١٧]: إن حرَّم على نفسه ما أحلَّ الله له، فهل هو يمين مكفرة ؟
• ذهب أكثر الفقهاء إلى أنه يمين منعقد، وتكفر إذا حنث، وهو قول الحسن، وجابر ابن زيد، وعطاء، وقتادة، والحسن، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب العراق. وهذا قول جماعة من الصحابة كما تقدم ذكره في كتاب الطلاق، صحَّ عن ابن عباس، وابن عمر، وزيد بن ثابت، وجاء عن أبي بكر، وعمر، وابن مسعود، وعائشة ﵃ بأسانيد ضعيفة.
واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم:١]، وقوله: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم:٢]، وقالوا: هو يمين يدخل في عموم الآية:
стр. 5600
﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة:٨٩].
• وذهب مالك، والشافعي إلى أنه ليس بيمين، بل هو لغوٌ، ولا شيء عليه، وهذا قول مسروق، والشعبي، وأبي سلمة، وحميد بن عبدالرحمن، والظاهرية، والصنعاني كما في كتاب الطلاق.
والقول الأول رجحه شيخ الإسلام، وابن القيم، والإمام ابن باز، وابن عثيمين، والفوزان، وبكر أبو زيد، والغديان وغيرهم، وهو الصحيح، والله أعلم. (١)
مسألة [١٨]: الحلف بالنذر .
كأن يقول: عليَّ الحج لأفعلن كذا. وأرضي وقف لأفعلن كذا. ومالي صدقة إن لم أفعل كذا.
• فعامة أهل العلم على أنه يمين، ونقل شيخ الإسلام إجماع أهل العلم على أنَّ هذا يمين.
وهل يُكَفِّرُ أم لا؟
• ذهب أكثر العلماء إلى أنه مخير بين الوفاء بالنذر، والتكفير. واستدلوا بعموم الآيات: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة:٨٩]، وكذا في الحديث: «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها ... »، وهذا قول أحمد، والشافعي، والليث، وإسحاق، وغيرهم، ورجحه شيخ الإسلام، وابن القيم.
стр. 5601
وقد صحَّ عن بعض الصحابة أنهم أفتوا بالكفارة، منهم: عُمر، وعائشة، وعبدالله بن عباس، وعبدالله بن عمر ﵃. (١)
• وذهب مالك، وأبو حنيفة في رواية إلى أنه يلزمه الوفاء بالنذر.
والصحيح القول الأول؛ لأنَّ هذا يمين بالنذر وليس نذرًا مطلقًا، والله أعلم. (٢)
مسألة [١٩]: الحلف بالطلاق، والعتاق .
• ذهب بعض أهل العلم إلى أنَّ فيه الكفارة، وهو قول طاوس، وبعض الحنابلة، والمالكية، واختاره شيخ الإسلام، وابن القيم، وقد تقدمت المسألة، ولله الحمد في كتاب الطلاق، وهذا هو الصحيح.
• وذهب الجمهور إلى وقوع الطلاق، والعتاق؛ إلا أبا ثور، فلم يقل بوقوع العتاق (٣)، ونقل ذلك عن ابن عمر ﵄، أعني القول بعدم وقوعه في العتاق، ونُقل عن ابن عمر، وابن عباس ﵃ القول بوقوعه (٤)، أعني العتاق، أما الطلاق فليس في الحلف به نصٌّ عن الصحابة، وقد ادعي الإجماع على وقوع الطلاق إذا حنث صاحب اليمين بالطلاق، والواقع وجود الخلاف، وممن ادعى الإجماع
стр. 5602
ابن المنذر ﵀ كما في «الأوسط» (١٢/ ١٣٤). (١)
مسألة [٢٠]: الحلف بالأمانة .
• لا يجوز الحلف بالأمانة، ولا ينعقد بها اليمين، وإن أضافها إلى الله فلا تكون يمينًا إلا بالنية، وهو مذهب الشافعي؛ لحديث: «من حلف بالأمانة؛ فليس منا». (٢)
• وعند الحنابلة، والحنفية تنعقد بها اليمين إن أضافها إلى الله بقوله: (بأمانة الله)؛ لأنها تصبح حلفًا بالصفة، وإذا أطلق ففيه وجهان للحنابلة.
تنبيه: الحلف بالأمانة شركٌ؛ لأنه حلف بغير الله كما تقدم، وإذا قال أحد التُّجَّار بالأمانة، وهو لا يقصد الحلف، وإنما يقصد أنه يتكلم بأمانة، وأنه يعامل صاحبه بأمانة لا بخيانة؛ فليس بحلف، وهو جائز، والأولى والأحوط تركه. (٣)
مسألة [٢١]: هل تنعقد اليمين إذا حلف بمخلوق ؟
الحلف بالمخلوق شركٌ، ولا تنعقد اليمين بذلك عند عامة أهل العلم، بل قال شيخ الإسلام ﵀: لا أعلم فيه مخالفًا. ونقل ابن قدامة ﵀ عن بعض الحنابلة أنَّ فيها كفارة إذا حلف بالرسول، وهو قولٌ ضعيفٌ باطل، وكذلك نقل الخلافَ شيخ الإسلام في موضعٍ آخر. (٤)
стр. 5603
١٣٦١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «يَمِينُك عَلَى مَا يُصَدِّقُك بِهِ صَاحِبُك» وَفِي رِوَايَةٍ: «اليَمِينُ عَلَى نِيَّةِ المُسْتَحْلِفِ». أَخْرَجَهُمَا مُسْلِمٌ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: التأويل في اليمين .
التأويل في اليمين هو التعريض بها، فيحلف ويوهم السامع أنه يحلف على شيء، وهو يحلف على شيء آخر؛ فإن كان الحالف مظلومًا جاز له ذلك دفعًا عن نفسه الظلم؛ لحديث: «إنما الأعمال بالنيات»، وحديث الباب محمول على من عليه حقٌّ، وهذا قول أحمد، وغيره.
وإن كان الحالف ظالمًا كالذي يستحلفه الحاكم على حقٍّ عنده، فهذا ينصرف يمينه إلى ظاهر اللفظ الذي عناه المستحلِف، ولا ينفع الحالف تأويله، وهو قول أحمد، والشافعي، قال ابن قدامة: لا نعلم فيه خلافًا. وقال النووي: وهذا مجمع عليه.
فإن كان الحالف غير ظالم ولا مظلوم؛ فله تأويله في مذهب أحمد، والشافعي، قال ابن قدامة: ولا نعلم في هذا خلافًا.
• وإن كان الحلف على حقٍّ عند غير الحاكم فالجمهور يقولون: اليمين على نية الحالف. وحملوا حديث الباب على ما إذا كان ذلك عند الحاكم.
стр. 5604
• وذهب مالك، وطائفة إلى أنَّ اليمين على نية المستحلِف، وإن لم تحصل المحاكمة؛ لحديث الباب، وهذا القول هو الصواب، والله أعلم. (١)
مسألة [٢]: هل العبرة بنية الحالف، أم بلفظه ؟
• ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنَّ العبرة بنية الحالف، وهذا مذهب أحمد، ومالك، والبخاري وغيرهم؛ لحديث: «إنما الأعمال بالنيات»، فلو حلف بلفظ عام يريد شيئًا خاصًّا؛ وقع اليمين على المخصوص، كأن يقول: (والله، لا آكل لحمًا بعد اليوم) يريد لحمًا بعينه، ومثل أن يطلق الوقت في اللفظ، وهو مقيد في نيته، كأن يقول: (والله، لا أدخل دار زيد) يريد في هذا الشهر. أو يريد: (ما دام مخاصمًا لي) أو ما أشبه ذلك.
أو يحلف على خاصٍّ ويريد العموم، كأن يقول: (والله، لا أشرب من فلانٍ ماءً) يريد أن يمتنع من جميع مَا لَهُ فيه عليه منة، أو يحلف أن لا يلبس ثوبًا من غزلها، يريد قطع منتها به، فيتعلق يمينه بالانتفاع به، أو بثمنه مما لها فيه منة عليه.
• وذهب الشافعي، وأبو حنيفة إلى أنه لا عبرة بالنية، والسبب فيما يخالف اللفظ؛ لأنَّ الحنث مخالفة ما عقد على اليمين، واليمين لفظه.
• ثم ذهب أحمد، ومالك إلى أنها إن عُدِمت النية؛ نُظِر إلى سبب الحلف وقرينة الحال؛ فإن عُدمت؛ فعرف اللفظ؛ فإن عدمت؛ فدلالة اللغة.
وقول مالك، وأحمد هو الصواب. (٢)
стр. 5605
١٣٦٢ - وَعَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «وَإِذَا حَلَفْت عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْت غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِك وَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
وَفِي لَفْظِ لِلْبُخَارِيِّ: «فَائْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِك». (٢)
وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد: «فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِك ثُمَّ ائْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ». وَإِسْنَادُهَا صَحِيحٌ. (٣)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: الكفارة قبل الحِنْث، أم بعده ؟
• أكثر أهل العلم على أنَّ الكفارة في الأيمان تجوز قبل الحنث وبعده، سواء كانت صومًا، أو غيره، وهو قول الحسن، وابن سيرين، وربيعة، والأوزاعي، والثوري، وابن المبارك، وأحمد، ومالك، وإسحاق، وأبي عبيد، وأبي خيثمة