وقد صحَّ عن بعض الصحابة أنهم أفتوا بالكفارة، منهم: عُمر، وعائشة، وعبدالله بن عباس، وعبدالله بن عمر ﵃. (١)
• وذهب مالك، وأبو حنيفة في رواية إلى أنه يلزمه الوفاء بالنذر.
والصحيح القول الأول؛ لأنَّ هذا يمين بالنذر وليس نذرًا مطلقًا، والله أعلم. (٢)
مسألة [١٩]: الحلف بالطلاق، والعتاق .
• ذهب بعض أهل العلم إلى أنَّ فيه الكفارة، وهو قول طاوس، وبعض الحنابلة، والمالكية، واختاره شيخ الإسلام، وابن القيم، وقد تقدمت المسألة، ولله الحمد في كتاب الطلاق، وهذا هو الصحيح.
• وذهب الجمهور إلى وقوع الطلاق، والعتاق؛ إلا أبا ثور، فلم يقل بوقوع العتاق (٣)، ونقل ذلك عن ابن عمر ﵄، أعني القول بعدم وقوعه في العتاق، ونُقل عن ابن عمر، وابن عباس ﵃ القول بوقوعه (٤)، أعني العتاق، أما الطلاق فليس في الحلف به نصٌّ عن الصحابة، وقد ادعي الإجماع على وقوع الطلاق إذا حنث صاحب اليمين بالطلاق، والواقع وجود الخلاف، وممن ادعى الإجماع
стр. 5602
ابن المنذر ﵀ كما في «الأوسط» (١٢/ ١٣٤). (١)
مسألة [٢٠]: الحلف بالأمانة .
• لا يجوز الحلف بالأمانة، ولا ينعقد بها اليمين، وإن أضافها إلى الله فلا تكون يمينًا إلا بالنية، وهو مذهب الشافعي؛ لحديث: «من حلف بالأمانة؛ فليس منا». (٢)
• وعند الحنابلة، والحنفية تنعقد بها اليمين إن أضافها إلى الله بقوله: (بأمانة الله)؛ لأنها تصبح حلفًا بالصفة، وإذا أطلق ففيه وجهان للحنابلة.
تنبيه: الحلف بالأمانة شركٌ؛ لأنه حلف بغير الله كما تقدم، وإذا قال أحد التُّجَّار بالأمانة، وهو لا يقصد الحلف، وإنما يقصد أنه يتكلم بأمانة، وأنه يعامل صاحبه بأمانة لا بخيانة؛ فليس بحلف، وهو جائز، والأولى والأحوط تركه. (٣)
مسألة [٢١]: هل تنعقد اليمين إذا حلف بمخلوق ؟
الحلف بالمخلوق شركٌ، ولا تنعقد اليمين بذلك عند عامة أهل العلم، بل قال شيخ الإسلام ﵀: لا أعلم فيه مخالفًا. ونقل ابن قدامة ﵀ عن بعض الحنابلة أنَّ فيها كفارة إذا حلف بالرسول، وهو قولٌ ضعيفٌ باطل، وكذلك نقل الخلافَ شيخ الإسلام في موضعٍ آخر. (٤)
стр. 5603
١٣٦١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «يَمِينُك عَلَى مَا يُصَدِّقُك بِهِ صَاحِبُك» وَفِي رِوَايَةٍ: «اليَمِينُ عَلَى نِيَّةِ المُسْتَحْلِفِ». أَخْرَجَهُمَا مُسْلِمٌ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: التأويل في اليمين .
التأويل في اليمين هو التعريض بها، فيحلف ويوهم السامع أنه يحلف على شيء، وهو يحلف على شيء آخر؛ فإن كان الحالف مظلومًا جاز له ذلك دفعًا عن نفسه الظلم؛ لحديث: «إنما الأعمال بالنيات»، وحديث الباب محمول على من عليه حقٌّ، وهذا قول أحمد، وغيره.
وإن كان الحالف ظالمًا كالذي يستحلفه الحاكم على حقٍّ عنده، فهذا ينصرف يمينه إلى ظاهر اللفظ الذي عناه المستحلِف، ولا ينفع الحالف تأويله، وهو قول أحمد، والشافعي، قال ابن قدامة: لا نعلم فيه خلافًا. وقال النووي: وهذا مجمع عليه.
فإن كان الحالف غير ظالم ولا مظلوم؛ فله تأويله في مذهب أحمد، والشافعي، قال ابن قدامة: ولا نعلم في هذا خلافًا.
• وإن كان الحلف على حقٍّ عند غير الحاكم فالجمهور يقولون: اليمين على نية الحالف. وحملوا حديث الباب على ما إذا كان ذلك عند الحاكم.
стр. 5604
• وذهب مالك، وطائفة إلى أنَّ اليمين على نية المستحلِف، وإن لم تحصل المحاكمة؛ لحديث الباب، وهذا القول هو الصواب، والله أعلم. (١)
مسألة [٢]: هل العبرة بنية الحالف، أم بلفظه ؟
• ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنَّ العبرة بنية الحالف، وهذا مذهب أحمد، ومالك، والبخاري وغيرهم؛ لحديث: «إنما الأعمال بالنيات»، فلو حلف بلفظ عام يريد شيئًا خاصًّا؛ وقع اليمين على المخصوص، كأن يقول: (والله، لا آكل لحمًا بعد اليوم) يريد لحمًا بعينه، ومثل أن يطلق الوقت في اللفظ، وهو مقيد في نيته، كأن يقول: (والله، لا أدخل دار زيد) يريد في هذا الشهر. أو يريد: (ما دام مخاصمًا لي) أو ما أشبه ذلك.
أو يحلف على خاصٍّ ويريد العموم، كأن يقول: (والله، لا أشرب من فلانٍ ماءً) يريد أن يمتنع من جميع مَا لَهُ فيه عليه منة، أو يحلف أن لا يلبس ثوبًا من غزلها، يريد قطع منتها به، فيتعلق يمينه بالانتفاع به، أو بثمنه مما لها فيه منة عليه.
• وذهب الشافعي، وأبو حنيفة إلى أنه لا عبرة بالنية، والسبب فيما يخالف اللفظ؛ لأنَّ الحنث مخالفة ما عقد على اليمين، واليمين لفظه.
• ثم ذهب أحمد، ومالك إلى أنها إن عُدِمت النية؛ نُظِر إلى سبب الحلف وقرينة الحال؛ فإن عُدمت؛ فعرف اللفظ؛ فإن عدمت؛ فدلالة اللغة.
وقول مالك، وأحمد هو الصواب. (٢)
стр. 5605
١٣٦٢ - وَعَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «وَإِذَا حَلَفْت عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْت غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِك وَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
وَفِي لَفْظِ لِلْبُخَارِيِّ: «فَائْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِك». (٢)
وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد: «فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِك ثُمَّ ائْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ». وَإِسْنَادُهَا صَحِيحٌ. (٣)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: الكفارة قبل الحِنْث، أم بعده ؟
• أكثر أهل العلم على أنَّ الكفارة في الأيمان تجوز قبل الحنث وبعده، سواء كانت صومًا، أو غيره، وهو قول الحسن، وابن سيرين، وربيعة، والأوزاعي، والثوري، وابن المبارك، وأحمد، ومالك، وإسحاق، وأبي عبيد، وأبي خيثمة
стр. 5606
وغيرهم. وثبت عن ابن عمر بإسناد صحيح عند ابن المنذر (١٢/ ٢١٩)، أنه كان يكفر أحيانًا بعد الحنث، وأحيانًا قبل الحنث. وعن ابن عباس أيضًا بإسناد صحيح، أنه أفتى امرأة حلفت أن تهدي ثوبها إن لبسته؛ فقال: لتكفر يمينها، ولتلبس ثوبها.
وعن عائشة ﵂ بإسناد صحيح، أنها أفتت امرأة جعلت مالها هديًا إن كلمت أخاها، فقالت عائشة: تكفر يمينها، وتكلم أخاها.
واستدل أصحاب هذا القول على ذلك بحديث عبدالرحمن بن سمرة الذي في الباب، وبنحوه عن أبي هريرة، وعدي بن حاتم عند مسلم (١٦٥٠، و ١٦٥١).
وبحديث أبي موسى في «الصحيحين» أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «إني إن شاء الله لا أحلف على يمين، فأرى غيرها خيرًا منها إلا كفَّرت عن يميني وأتيت الذي هو خير»، وفي رواية: «أتيت الذي هو خير، وكفرت عن يميني» (١)، وبقوله تعالى: ﴿تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم:٢].
• وقال أصحاب الرأي: لا تجزئ الكفارة قبل الحِنث؛ لأنه تقديم لها على سببها، فأشبه ما لو كفر قبل اليمين.
• وقال الشافعي: إذا كانت الكفارة بالصيام؛ فلا تجزئ قبل الحنث؛ لأنها عبادة بدنية، فلا تجزئ قبل سببها.
стр. 5607
وأجاب الجمهور بأنَّ سبب الكفارة هو اليمين مع الحنث، أو مع إرادة الحنث بدلالة الأدلة السابقة، وهو الصحيح، والله أعلم. (١)
تنبيه: قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٣/ ٤٨٣): فأما التكفير قبل اليمين فلا يجوز عند أحدٍ من العلماء؛ لأنه تقديم الحكم قبل سببه؛ فلم يجز كتقديم الزكاة قبل ملك النصاب، وكفارة القتل قبل الجرح. اهـ
مسألة [٢]: أيهما أفضل في الكفارة قبل الحنث أم بعده ؟
• مذهب أحمد أنهما سواء في الفضيلة؛ لأنَّ الأحاديث الواردة وردت بهذا وهذا.
• وذهب مالك، والثوري، والشافعي، وأحمد في رواية إلى تفضيل الكفارة بعد الحنث؛ خروجًا من الخلاف، ولحصول اليقين بإبراء الذمة، والقول الأول أقرب، والله أعلم. (٢)
стр. 5608
١٣٦٣ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَقَالَ: إنْ شَاءَ اللهُ فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: الاستثناء في اليمين .
ذكر أهل العلم أنَّ من استثنى في يمينه؛ فلا حنث عليه، واستدلوا بحديث الباب، ولأنَّ تعليقه بالمشيئة يدل على أنه لو لم يفعله فإن الله عزوجل لم يشأ ذلك، ونقل ابن قدامة عدم الخلاف في ذلك.
والاستثناء في اليمين له شروط:
أحدها: أن يكون الاستثناء متصلًا حقيقة، أو حكمًا.
• وهذا اشتراط جمهور العلماء، وأصحاب المذاهب الأربعة، وغيرهم؛ لظاهر حديث الباب، ولأنَّ جوازه منفصلًا يجعل الكفارة غير محتاج إليها.
стр. 5609
• وذهب أحمد في رواية إلى أنَّ الاستثناء يصح إن كان الفصل يسيرًا، وهو قول قتادة، والأوزاعي.
• وعن الحسن، وعطاء يصح ما دام في المجلس.
• وعن عطاء: يقدر بقدر الحلب.
• وعن مجاهد، وابن عباس: يصح الاستثناء ولو منفصلًا بدون تحديد.
والأثر عن ابن عباس أخرجه البيهقي (١٠/ ٤٨) بإسناد صحيح عنه أنه كان يرى الاستثناء ولو بعد سنة، ثم قرأ: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف:٢٣ - ٢٤]، قال: إذا ذكرت.
قال البيهقي ﵀: يحتمل أن يكون المراد به أن يكون مستعملًا للآية، وأن ذكر الاستثناء بعد حين في مثل ما وردت فيه الآية، لا فيما يكون يمينًا، والله أعلم. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله لهُ: يظهر أنَّ الفصل اليسير لا يضر؛ لحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «أن سليمان ﵇ قال: لأطوفن الليلة ... فقيل له: قل إن شاء الله ... » الحديث، أخرجه البخاري (٣٤٢٤)، ومسلم (١٦٥٤).
وجاء حديث عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه قال: «والله لأغزون قُريشًا» ثم سكت. ثم قال: «إن شاء الله»، وهو حديث ضعيفٌ، في إسناده: شريك، واختلف في وصله
стр. 5610
وإرساله. أخرجه أبو داود (٣٢٨٥)، والبيهقي (١٠/ ٤٧ - )، وغيرهما. (١)
مسألة [٢]: هل يشترط أن يتلفظ بالاستثناء ؟
عامة أهل العلم على اشتراط ذلك، قالوا: ولا ينفعه الاستثناء بقلبه، وهذا قول الحسن، والنخعي، ومالك، والثوري، والأوزاعي، والليث، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وأبي حنيفة، وابن المنذر.
قال ابن قدامة ﵀ «المغني» (١٣/ ٤٨٥ - ٤٨٦): ولا نعلم لهم مخالفًا؛ للحديث: «فقال إن شاء الله»؛ ولأنَّ اليمين لا تنعقد بالنية، فكذلك الاستثناء. اهـ
مسألة [٣]: هل يشترط أن يقصد الاستثناء ؟
اشترط أهل العلم أن يقصد الاستثناء، فلو جرى على لسانه بغير قصد؛ فلا يُعتبر به كما أن اليمين إن جرت على لسانه بغير قصد لم يعتبر بها، وهو قول الشافعي، وبعض الحنابلة، وهو مقتضى مذهب المالكية؛ لاعتبارهم النيات. (٢)
مسألة [٤]: هل يشترط أن يقصد الاستثناء من ابتداء اليمين ؟
• قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٣/ ٤٨٦): وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ حَتَّى يَقْصِدَهُ مَعَ ابْتِدَاءِ يَمِينِهِ، فَلَوْ حَلَفَ غَيْرَ قَاصِدٍ لِلِاسْتِثْنَاءِ، ثُمَّ عَرَضَ لَهُ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الْيَمِينِ فَاسْتَثْنَى؛ لَمْ يَنْفَعْهُ، وَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ هَذَا يُخَالِفُ عُمُومَ الْخَبَرِ؛ فَإِنَّهُ قَالَ: «مَنْ حَلَفَ فَقَالَ: إنْ شَاءَ الله؛ لَمْ يَحْنَثْ»، وَلِأَنَّ لَفْظَ
стр. 5611
الِاسْتِثْنَاءِ يَكُونُ عَقِيبَ يَمِينِهِ، فَكَذَلِكَ نِيَّتُهُ. اهـ
• وللشافعية في المسألة وجهان كما في «البيان» (١٠/ ٥١٣).
قال أبو عبد الله غفر الله لهُ: الصحيح أنه لا يُشترط قصده للاستثناء من البداية؛ بدليل حلف سليمان ﵇ الذي تقدمت الإشارة إليه.
مسألة [٥]: الاستثناء في الحلف بالطلاق والعتاق ؟
لا يقع الطلاق على الصحيح من قولي العلماء، وقد تقدمت المسألة في كتاب الطلاق. (١)
فائدة: إذا قال: (إن أراد الله) وأراد المشيئة؛ يحصل الاستثناء، قاله شيخ الإسلام. (٢)
مسألة [٦]: شروط وجوب الكفارة .
الشرط الأول: وهو أن يحلف مختارًا؛ فإن حلف مكرهًا؛ لم تنعقد يمينه على الصحيح، وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك.
الشرط الثاني: أن تكون اليمين منعقدة بأن تكون بصيغة يحصل الانعقاد بها كما تقدم أيضًا.
قال ابن عبدالبر ﵀: اليمين التي فيها الكفارة بإجماع المسلمين هي التي على
стр. 5612
المستقبل من الأفعال. اهـ
قال ابن قدامة ﵀: لا خلاف في هذا عند فقهاء الأمصار.
قال: وقال قوم: الحنث متى كان طاعة لم يوجب كفارة، وقال قوم: من حلف على فعل معصية فكفارتها تركها. اهـ
وجاء في ذلك حديث منكر عند أبي داود (٣٢٧٤) وغيره، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، مرفوعًا: «من حلف على يمين، فرأى غيرها خيرًا منها؛ فليدعها وليأت الذي هو خير؛ فإنَّ تركها كفارة»، وهو حديث منكر، انظر: «الضعيفة» (١٣٦٥). (١)
الشرط الثالث: الحِنْثُ في اليمين بأن يفعل ما حلف على تركه، أو يترك ما حلف على فعله مختارًا ذاكرًا.
فلو فعل ما حلف عليه مكرهًا؛ لم يحنث، وهذا يشمل ما إذا أُلْجِئَ عليه إلْجاءً، مثل من يحلف أن لا يدخل دارًا، فَحُمِلَ فَأُدْخِلَهَا، أو حلف ألا يخرج منها، فَأُخْرِج محمولًا، وعلى ذلك الجمهور، وأما مالك فقيده بأن يكون مربوطًا.
• ويشمل المكره ما إذا أُكره على ذلك بالضرب، والتهديد بالقتل ونحوه؛ فلا يحنثُ أيضًا، وفيه روايتان عن أحمد، وقولان للشافعي، والصحيح في مذهب أحمد عدم الحنث.
стр. 5613
• وذهب مالك، وأبو حنيفة إلى أنه يحنث؛ لأنَّ الكفارة لا تسقط بالشبهة فوجب مع الإكراه والنسيان.
والصحيح أنه لا يحنث؛ للأدلة الدالة على عدم مؤاخذة المكره. (١)
مسألة [٧]: إذا فعل ما حلف على تركه ناسيًا ؟
• من أهل العلم من قال: يحنث، سواء كان الحلف بالله، أو بطلاق، أو عتاق، وتلزمه الكفارة في اليمين المكفرة، وهو قول سعيد بن جبير، ومجاهد، والزهري، وقتادة، وربيعة، ومالك، وأصحاب الرأي، وأحمد في رواية؛ لأنَّ الكفارة لا تسقط بشبهة، فالنسيان شبهة، ولأنَّ الطلاق، والعتاق معلق بشرط فيقع عليه الطلاق والعتاق.
• وذهب بعضهم إلى أنه لا تلزمه الكفارة، ولا يحنث بها جميعًا، وهو قول عطاء، وعمرو بن دينار، وابن أبي نجيح، وأحمد في رواية، وإسحاق، وهو ظاهر مذهب الشافعي؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب:٥] ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦].
• وذهب أحمد في الرواية الأشهر إلى أنه لا يحنث إلا في الطلاق، والعتاق؛ فإنه يحنث، واختاره الخلال، والخرقي، وابن قدامة، وهو قول أبي عبيد، واستدلوا بأدلة الفريقين السابقة.
стр. 5614
والصحيح هو القول الثاني، والله أعلم. (١)
مسألة [٨]: إن فعل المحلوف عليه جاهلاً به ؟
حكمه حكم الناسي، والخلاف فيه كالخلاف في الذي قبله. (٢)
١٣٦٤ - وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: كَانَتْ يَمِينُ النَّبِيِّ ﷺ : «لَا، وَمُقَلِّبِ القُلُوبِ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (٣)
الحكم المستفاد من الحديث
يستفاد من الحديث المذكور أنَّ الحلف يكون بأسماء الله وصفاته، وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك في أوائل الباب، وكان تقديم هذا الحديث إلى أوائل الباب أولى، وبالله التوفيق.
стр. 5615
١٣٦٥ - وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا الكَبَائِرُ؟ فَذَكَرَ الحَدِيثَ، وَفِيهِ: «اليَمِينُ الغَمُوسُ»، وَفِيهِ: قُلْت: وَمَا اليَمِينُ الغَمُوسُ؟ قَالَ: «الَّذِي يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ هُوَ فِيهَا كَاذِبٌ». أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ (١). (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: هل في اليمين الغموس كفارة ؟
• ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا كفارة له، وهو قول ابن مسعود، أخرجه البيهقي عنه بإسناد صحيح، وقال بذلك سعيد بن المسيب، والحسن، ومالك، والأوزاعي، والثوري، والليث، وأحمد، وأبو عبيد، وأصحاب الحديث، وأصحاب الرأي من أهل الكوفة؛ لأنها يمين غير منعقدة فلا توجب الكفارة، كاللغو، أو يمين على ماضٍ، فأشبهت اللغو؛ وذلك لأنها لا توجب بِرًّا، ولأن الكفارة لا ترفع إثمها، فلا تُشرع فيها؛ لأنَّ ذلك من كبائر الذنوب.
وهذا القول ادُّعِي عليه إجماع الصحابة، وعدم الخلاف؛ لقول ابن مسعود: كُنَّا نعد من الذنب الذي لا كفارة له اليمين الغموس. فقيل له: وما اليمين الغموس؟ قال: اقتطاع الرجل مال أخيه باليمين الكاذبة.
قال الحافظ ﵀ في «الفتح»: ونقل محمد بن نصر في «اختلاف العلماء»، ثم
стр. 5616
ابن المنذر، ثم ابن عبدالبر اتفاق الصحابة على أنه لا كفارة في اليمين الغموس. اهـ ثم ذكر أثر ابن مسعود.
• وذهب بعض أهل العلم إلى وجوب الكفارة عليه، وهو قول عطاء، والزهري، والحكم، والأوزاعي، والشافعي، وعثمان البتي، وابن حزم؛ وذلك لأنه أحوج للكفارة من غيره، ولعموم الآية: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة:٨٩].
والصحيح -والله أعلم- هو القول الأول. (١)
مسألة [٢]: الحلف بالطلاق، أو العتاق، والنذر، والخروج من الإسلام كاذبًا ؟
قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٣٥/ ٣٢٥ - ٣٢٦): فإن كان قد حلف بهذه الأيمان غموسًا فمن أوجب الكفارة في اليمين الغموس، وقال: إن هذه الأيمان تكفر؛ فإنه يوجب فيها الكفارة.
قال: وأما من قال: اليمين الغموس أعظم من أن تكفر، فلهم قولان: أحدهما: أنَّ هذه يلزمه فيها ما التزمه من نذر، وطلاق، وعتاق، وكفر، وهذا قول طائفة من أصحاب أبي حنيفة، وأحمد، واحتجوا بقول النبي ﷺ : «من حلف بملة غير الإسلام كاذبًا؛ فهو كما قال»، وقالوا: يلزمه ما التزمه عقوبة له على كذبه وزجرًا
стр. 5617
لمن يحلف يمينًا كاذبة.
قال: والقول الثاني: وهو قول الأكثرين، أن لا يلزمه ما التزمه من كفر، وغيره، كما لا يلزمه ذلك في اليمين على المستقبل، وإنما قصد في كلا الموضعين اليمين؛ فهو لم يقصد إذا كان كاذبًا أن يكون كافرًا، ولا أنه يلزمه ما التزمه من نذر، وطلاق، وعتاق، وغير ذلك، كما لم يقصد إذا حنث في اليمين على المستقبل أن يلزمه ذلك، بل حقيقة كلامه ومقصوده هو اليمين في الموضعين، لكن هو في الموضعين قد أتى كبيرة من الكبائر بيمينه الغموس، فعليه أن يتوب إلى الله منها كما يتوب من غيرها من الكبائر، وإذا تاب من الذنب كان كمن لا ذنب له، ولا يصدر كفر، ولا نذر، ولا طلاق، ولا عتاق، بل إنما صدر منه الحلف بذلك، والله أعلم. انتهى بتصرف، وتلخيص يسير.
قال أبو عبد الله غفر الله لهُ: ظاهر كلام شيخ الإسلام أنه يرجح هذا القول، وهو الصحيح، والله أعلم.
فائدة: قال الحافظ ﵀ في «الفتح» (٦٦٧٥): سُمِّيَت الغموس بذلك لأنها تغمس صاحبها في الإثم، ثم في النار. اهـ
стр. 5618
١٣٦٦ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ قَالَتْ: هُوَ قَوْلُ الرَّجُلِ: لَا وَاللهِ، وَبَلَى وَاللهِ. أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ (١)، وَرَوَاهُ أَبُودَاوُد مَرْفُوعًا. (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: لغو اليمين .
لغو اليمين لها صور:
الأولى: أن يجري اليمين على لسانه بدون قصدٍ لليمين.
وهو الذي ذكرته عائشة، ونقله ابن قدامة ﵀ عن عمر، وعائشة، وابن عباس، وأبي هريرة ﵃ (٣)، وعطاء، والقاسم، وعكرمة، والحسن، والنخعي، والشعبي، وأحمد، والشافعي، ومالك، وقال: ولا نعلم في هذا خلافًا، ووجه ذلك
стр. 5619
قول الله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة:٨٩].
الثانية: أن يحلف على شيء يظنه كذلك، فيتبين الأمر على خلاف ذلك.
• فأكثر أهل العلم على أنه لغو لا كفارة فيه، وهو قول الحسن، والنخعي، ومجاهد، وسليمان بن يسار، وأحمد، ومالك، والأوزاعي، والثوري، وأصحاب الرأي.
واستدلوا على ذلك بالآية: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة:٢٢٥]، وهذه منها؛ ولأنها يمين غير منعقدة، فلم تجب فيها كفارة، كيمين الغموس؛ ولأنه غير قاصد للمخالفة، فأشبه ما لو حنث ناسيًّا.
• وذهب النخعي في رواية إلى أنَّ فيها الكفارة، وهو قولٌ للشافعي، ورواية عن أحمد؛ لأنه قصد اليمين وحنث.
والصحيح هو القول الأول، ويدل عليه أيضًا قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب:٥]، وقوله: ﴿لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦].
الثالثة: الحلف في الغضب المغلق الذي لا يشعر صاحبه باليمين، ولا يريده، نقله ابن جرير عن عطاء، وابن عباس (١)، ونصَّ عليه ابن حزم، وهو
стр. 5620
محمول على الغضب الشديد الذي يفقده الإرادة، فيكون بمعنى القسم الأول، والله أعلم. (١)
مسألة [٢]: الحلف على المستحيل .
كأن يحلف بأن يُحيي الميت، أو يجمع بين الضدين، أو يطير في الهواء، أو يمشي على الماء .. .
• فمذهب مالك، وبعض الحنابلة أنَّ يمينه لا تنعقد؛ لأنه كذب، أو لغو.
• وذهب الشافعي، وأبو يوسف، وبعض الحنابلة إلى أنها تنعقد اليمين، وتوجب الكفارة في الحال.
• وذهب بعض الحنابلة إلى أن ما كان مستحيلًا لذاته لا تنعقد به اليمين، وما كان مستحيلًا في العادة فتنعقد اليمين، ويلزمه الكفارة.
والقول الأول هو ظاهر اختيار العثيمين ﵀، ويظهر لي أنَّ عليه الكفارة؛ لأنه يمين صادر من القلب، وهو غير قادر على فعله؛ فعليه الكفارة، والله أعلم. (٢)
مسألة [٣]: إذا حلف شخص ليفعلن فلانٌ كذا، فأحنثه ولم يفعل ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٣/ ٥٠٢): فَإِنْ قَالَ: وَاَلله، لَيَفْعَلَنَّ فُلَانٌ كَذَا، أَوْ لَا يَفْعَلُ. أَوْ حَلَفَ عَلَى حَاضِرٍ، فَقَالَ: وَاَلله، لَتَفْعَلَنَّ كَذَا. فَأَحْنَثَهُ، وَلَمْ
стр. 5621
يَفْعَلْ، فَالْكَفَّارَةُ عَلَى الْحَالِفِ. كَذَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ (١)، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ، وَعَطَاءٌ، وَقَتَادَةُ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَهْلُ الْعِرَاقِ، وَالشَّافِعِيُّ؛ لِأَنَّ الْحَالِفَ هُوَ الْحَانِثُ، فَكَانَتْ الْكَفَّارَةُ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ كَانَ هُوَ الْفَاعِلَ لِمَا يُحْنِثُهُ، وَلِأَنَّ سَبَبَ الْكَفَّارَةِ إمَّا الْيَمِينُ، وَإِمَّا الْحِنْثُ، أَوْ هُمَا، وَأَيُّ ذَلِكَ قُدِّرَ فَهُوَ مَوْجُودٌ فِي الْحَالِفِ. اهـ
وهذا القول -وجوب الكفارة- اختاره الإمام ابن باز، والإمام ابن عثيمين، والشيخ الغديان، والشيخ عبدالرزاق عفيفي رحمة الله عليهم، وعزاه شيخ الإسلام كما في «مجموع الفتاوى» (١/ ٢٠٦) لعامة الفقهاء. واختار شيخ الإسلام ﵀ أنه لا يجب عليه الكفارة في ذلك.
فقال ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٣٥/ ٣٠٧ - ٣٠٨): اليمين المتضمنة حضًّا أو منعًا لنفسه، كقوله: (لأفعلن، ولا أفعل) فيها معنى الطلب والخبر، وكذلك الوعد والوعيد، بخلاف الخبر المحض كقوله: «والذي نفسي بيده لينزلن فيكم ابن مريم حكمًا عدلًا، وإماما مقسطًا»، أو: والله، ليقدمن الركب. فإن هذا إخبار محضٌ بأمر سيكون كما يخبر عن الماضي بمثل ذلك، وبخلاف الطلب المحض كقوله لغيره: (افعل) أو (بالله افعل) ونحو ذلك إذا لم يكن منه إلا مجرد الطلب، وهو لا يدري أيطيعه أم يعصيه، ولهذا لا يحسن الاستثناء في هذا الضرب، ولا كفارة فيه؛ لعدم المخالفة؛ فإنه طلب محض مؤكدٌ بالله، كقوله: (سألتك بالله إلا ما فعلت) أو (سألتك بالله لا تفعل)، فأما إذا كان المحضوض أو
стр. 5622
الممنوع ممن يغلب على ظنه موافقته له كعبده وزوجته وولده؛ فهو كنفسه فيها معنى الطلب والخبر؛ فإنه لكونه مطيعًا له في العادة جرى مجرى طاعة نفسه لنفسه، فطلب الفعل منهما طلبًا قرنه بالإخبار عن كونه. اهـ
وقال ﵀ (٣٣/ ٢٢٥): في حنثه نزاع بين العلماء، والأقوى أنه لا يحنث، والله أعلم. اهـ
واختار هذا القول الشوكاني ﵀ كما في «السيل» (ص ٦٨٦)؛ لأنه فعل ليس في مقدوره. والصحيح فيما يظهر لي قول الجمهور؛ لأنه يمين منعقد من القلب فيدخل في عموم الآية المتقدمة. (١)
مسألة [٤]: إذا قال: سألتك بالله لتفعلن كذا ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٣/ ٥٠٢): وَإِنْ قَالَ: أَسْأَلُك بِاَلله لَتَفْعَلَنَّ. وَأَرَادَ الْيَمِينَ؛ فَهِيَ كَاَلَّتِي قَبْلَهَا. وَإِنْ أَرَادَ الشَّفَاعَةَ إلَيْهِ بِاَلله، فَلَيْسَ بِيَمِينٍ، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا. اهـ. (٢)
قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «الفتاوى» (١/ ٢٠٦): وأما قوله: (سألتك بالله أن تفعل كذا) فهذا سؤال وليس بقسم، وفي الحديث: «ومن سألكم بالله فأعطوه»، ولا كفارة عليه إذا لم يُجب سؤاله. اهـ
стр. 5623
قلتُ: إن أراد اليمين فعليه الكفارة، ومن لم يرد اليمين فليس عليه شيء، والله أعلم.
مسألة [٥]: حكم إبرار القسم ؟
• ذهب الجمهور إلى استحباب إبرار القسم؛ لحديث البراء ﵁ في «الصحيحين»: أمرنا رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بسبعٍ ... ، وذكر منها: «إبرار المقسم»، وحملوا الأمر على الاستحباب بدلالة حديث أبي بكر الصديق ﵁ عند أن حلف على النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أن يخبره ما الذي أخطأ من تعبير الرؤيا، فقال: «لا تقسم» متفق عليه عن ابن عباس ﵄.
• وقال بعض الحنابلة بالوجوب إذا لم يكن عليه ضرر، وحملوا حديث أبي بكر ﵁ أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- امتنع لما علم من الضرر فيه، أو علم أنَّ المصلحة بخلاف ذلك. واختار هذا القول شيخ الإسلام ﵀ كما في «الاختيارات». (١)
стр. 5624
١٣٦٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إنَّ للهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١)، وَسَاقَ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ الأَسْمَاءَ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ سَرْدَهَا إدْرَاجٌ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ. (٢)
الحكم المستفاد من الحديث
في هذا الحديث بيان أنَّ من أسماء الله تسعة وتسعين اسمًا من حفظها، وعمل بمقتضاها دخل الجنة.
وليس في هذا الحديث حصر لأسماء الله في هذا العدد، ويدل على ذلك حديث ابن مسعود ﵁ عند أحمد وغيره في دعاء الكرب، وفيه: «وأسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي ... » الحديث، وهو حديث حسن.
стр. 5625
والمراد من ذكر هذا الحديث في هذا الباب أنَّ الحالف يحلف باسم من أسماء الله، أو بصفة من صفاته.
وقد تقدم ذكر ذلك في أول الباب، وكان ذكر هذا الحديث في أوائل الباب أفضل.
стр. 5626
١٣٦٨ - وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ صُنِعَ إلَيْهِ مَعْرُوفٌ فَقَالَ لِفَاعِلِهِ: جَزَاكَ اللهُ خَيْرًا فَقَدْ أَبْلَغَ فِي الثَّنَاءِ». أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (١)
الحكم المستفاد من الحديث
في هذا الحديث الحث على شكر المعروف ولو بالدعاء المذكور، وليس في هذا الحديث تعلق بهذا الباب، بل موضعه في [كتاب الجامع].
وقد أشار إلى ذلك المغربي، ثم الصنعاني في «شرح البلوغ».
стр. 5627
فَصْل فِي مَسَائِلَ تَتَعَلّقُ بِكَفَّارَةِ الْيَمِيْنِ
فائدة: كفارة الأيمان من تيسير الله عزوجل على هذه الأمة، فأما الذين من قبلنا فقد كانوا إذا حلفوا على شيء لزمهم، قال تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ﴾ [آل عمران:٩٣]، وقال تعالى لأيوب ﵇: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص:٤٤].
وقد كان الأمر كذلك قبل نزول آية الكفارة، ففي «صحيح البخاري» (٤٦١٤)، عن عائشة ﵂ أنَّ أبا بكر كان لا يحنث في يمينه حتى أنزل الله كفارة اليمين، فقال: لا أحلف على شيء أرى خيرًا منه إلا قبلت رخصة الله، وكفَّرت عن يميني. (١)
مسألة [١]: هل تقتضي اليمين الإيجاب والتحريم ؟
قال شيخ الإسلام ﵀ (٣٥/ ٣٣٢): وقد تنازع الفقهاء في اليمين هل تقتضي إيجابًا وتحريمًا ترفعه الكفارة، أو لا تقتضي ذلك؟ أو هي موجبة لذلك لولا ما جعله الشرع مانعًا من هذا الاقتضاء؟ على ثلاثة أقوال، أصحها الثالث. اهـ
стр. 5628
مسألة [٢]: كفارة اليمين .
الأصل فيها قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة:٨٩].
وقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرًا منها ... » الحديث.
وأجمع العلماء على أنَّ الحالف مخيَّرٌ بين إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة؛ فإن لم يقدر على ذلك، أو لم يجد؛ فينتقل إلى صيام ثلاثة أيام لظاهر الآية.
وقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الحالف الواجد الإطعام، أو الكسوة، أو الرقبة لا يجزئه الصوم إذا حنث في يمينه. (١)
مسألة [٣]: أوصاف المساكين المستحقين .
الأول: أن يكونوا مساكين، وهم الصنفان اللذان تُدفع إليهم الزكاة المذكوران في أول أصنافها في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة:٦٠]، وتقدم في الزكاة تعريفهما.
الثاني: أن يكونوا أحرارً؛ فلا يجزئ دفعها إلى عبد؛ لأنَّ العبد مملوك لغيره،
стр. 5629
فَدَفْعُهَا إليه دَفْعٌ لسيده.
• وأما المكاتب فلا يجوز في مذهب أحمد، ومالك، والشافعي.
• وقال بعض الحنابلة: يجوز دفعها للمكاتب، لحاجته أشبه المسكين.
وأجاب الأولون بأنَّ الله تعالى جعله في الزكاة صنفًا غير صنف المساكين، وليس هو في معنى المساكين؛ لأنَّ حاجته غير حاجتهم، فالمسكين يدفع إليه لتتم كفايته، والمكاتب إنما يأخذه لفكاك رقبته.
والذي يظهر أنَّ المكاتب يكون غالبًا مسكينًا أيضًا؛ فإنْ لم يكن له ما يسد حاجته زائدًا على ما يؤديه لسيده فيعطَى من الكفارة، والله أعلم. (١)
الثالث: أن يكونوا مسلمين.
• اشترط ذلك الجمهور، وهو قول الحسن، والنخعي، والأوزاعي، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي عبيد، فلا يجوز عندهم دفعها لكافرٍ، وحملوا الآية على المسلمين.
• وقال أبو ثور، وأبو حنيفة: يجوز دفعها إلى الذمي؛ لدخوله في اسم المساكين، ولأنه من أهل دار الإسلام، وهو قول ابن حزم.
قلتُ: قول الجمهور أقرب؛ قياسًا على الزكاة. (٢)
стр. 5630
الرابع: أن يكونوا قد أكلوا الطعام.
• فإن كان طفلًا لم يطعم؛ لم يجز الدفع إليه، وهو قول مالك، وأحمد في رواية.
• وذهب الشافعي، وأحمد في رواية، وأصحاب الرأي إلى أنه يجوز الدفع إليه، ويقبضها عنه وليه، ويصرف الكفارة إلى ما يحتاج إليه مما تتم به كفايته، ولا يشترط الأكل عندهم.
والصحيح القول الأول؛ لقوله تعالى: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة:٨٩]، وهذا يقتضي أكلهم له. (١)
مسألة [٤]: مقدار ما يخرجه الحالف في كفارة اليمين من الطعام .
• اختلف الفقهاء في تحديد ذلك، فمنهم من يقول: صاع.
• ومنهم من يقول: نصف صاع.
• ومنهم من يقول: مدٌّ من البر، ونصف صاع من غيره.
وأشرنا إلى ذلك في كفارة المجامع أهله من كتاب الصوم.
والصحيح عدم التحديد، بل يدفع لكل مسكين ما يشبعه، والظاهر أنه لا ينقص من المد؛ لأنه أقل ما ورد تحديده.
وقد ثبت عن ابن عباس، وزيد بن ثابت ﵄ الفتوى بأن المد من الحنطة يجزئ.
стр. 5631
وأفضل من ذلك أن يغدِّيهم، أو يعشيهم.
• وهو قول ابن سيرين، والحسن، والأوزاعي، وأبي عبيد، وأحمد في رواية.
• وقال بعضهم: يجمع لهم الغداء والعشاء وهو قول الحسن أيضًا، وقتادة، والشعبي، ومالك، وأبي ثور، وأصحاب الرأي، والله أعلم. (١)
مسألة [٥]: هل يجزئ إخراج القيمة في كفارة اليمين ؟
• جمهور العلماء على عدم الإجزاء، وهو قول مالك، وأحمد، والشافعي، واختاره ابن المنذر.
• وذهب أبو حنيفة، والأوزاعي إلى الإجزاء؛ لأنَّ القصد دفع الحاجة، ويحصل ذلك بالقيمة.
واستدل الجمهور بالآية، فالله أمر بثلاثة أمور يتخير الحالف فيها، قالوا: ولو كانت القيمة تجزئ؛ ما كان في التخيير بين هذه الثلاثة فائدة؛ ولكان يجزئه أن يكسوَ بمقدار الإطعام.
والصحيح قول الجمهور، والله أعلم. (٢)
تنبيه: لا تجوز الكفارة لمن يجب عليه أن ينفق عليهم، ومن كان يمنع من الزكاة يمنع من الكفارة. (٣)
стр. 5632
مسألة [٦]: هل يُشترط في المساكين أن يكون عددهم عشرة ؟
• اشترط ذلك الجمهور؛ لظاهر الآية.
• وأجاز أبو حنيفة، والأوزاعي دفعها إلى واحد، وقال أبو حنيفة: يكرر عليه عشرة أيام. والصحيح قول الجمهور. (١)
مسألة [٧]: من عجز عن العشرة المساكين ؟
• كأن يجد خمسة فقط، فمذهب أحمد، والثوري أنه يكرر عليهم لإكمال العشرة.
• ومذهب مالك، والشافعي، وأحمد في رواية إلى أنه لا يجزئه إلا إكمال العدد، ورجَّح ابن قدامة الإجزاء؛ لأنه موضع تعذر فيه إكمال العشرة، فجاز التكرار؛ لأنه في معناه مع التعذر.
قال أبو عبد الله غفر الله لهُ: يكمل العدد من موضع آخر، وإن بَعُدَ؛ إلا أن يشق عليه. (٢)
مسألة [٨]: إن فرق بين العشرة ؟
كأن يطعم بعضهم اليوم، والبعض غدًا، وهكذا فيجزئ بلا خلاف. قاله ابن قدامة. (٣)
стр. 5633
مسألة [٩]: إذا دفعها إلى من يظنه فقيرًا، فبان غنيًّا ؟
• قال بعضهم: لا تجزئه؛ لأنه لم يضعها عند مستحقها، وهو قول الشافعي، وأبي يوسف، وأبي ثور، وأحمد في رواية، وابن المنذر.
• وذهب بعضهم إلى أنها تجزئه، وهو قول أبي حنيفة، ومحمد بن الحسن، وأحمد في رواية؛ لأنَّ ذلك مما يخفى غالبًا، قال تعالى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ [البقرة:٢٧٣]، والصحيح القول الأول؛ لأنه لم يضعها حيث أمره الله . (١)
مسألة [١٠]: مقدار ما يكسى كل مسكين ؟
• من أهل العلم من قال: يدفع لكل مسكين ما يجزئه الصلاة فيه. قاله مالك، وأحمد، والنخعي.
• ومنهم من قال: يجزئ كل ما يقع عليه اسم كسوة، وهو قول الشافعي، والثوري، والأوزاعي، والظاهرية، فيجزئ عندهم العمامة، وعند الشافعية خلافٌ في القلنسوة.
قال أبو عبد الله غفر الله لهُ: أطلق الله الكسوة، وليس هناك تحديد شرعي، وعليه فيرجع إلى المعنى اللغوي، فيكون القول الأخير هو الأقرب، وهو اختيار ابن المنذر ﵀، والله أعلم. (٢)
стр. 5634
مسألة [١١]: هل يجوز إعتاق الطفل في الرقبة ؟
• ذهب إلى الإجزاء الحسن، وعطاء، والزهري، وجماعة من الحنابلة، والشافعي، والظاهرية، وابن المنذر، وهو الصحيح؛ لعموم الآية.
• وذهب الشعبي، ومالك، وإسحاق إلى أنه يجزئ إذا صلَّى وصام.
• وقيده جماعة من الحنابلة إذا بلغ السابعة.
والصحيح القول الأول، ولا دليل على القيد المذكور. (١)
مسألة [١٢]: إعتاق الجنين .
• الجمهور على عدم الإجزاء؛ لأنه لم تثبت له أحكام الدنيا بعد.
• وقال أبو ثور: يجزئ؛ لأنه آدمي مملوك. والصحيح قول الجمهور. (٢)
مسألة [١٣]: هل يجزئ عتق المكاتب ؟
• ذهب بعضهم إلى الجواز مطلقًا، وهو قول أبي ثور، وأحمد في رواية.
• وذهب بعضهم إلى عدم الإجزاء مطلقًا، و هو قول الشافعي، ومالك، وأبي عبيد، وأحمد في رواية؛ لأنَّ عتقه مستحق بسبب آخر.
• وقال بعضهم: إن كان قد ادَّى من كتابته شيئًا؛ فلا يجزئ، وإلا أجزأ، وهو قول أحمد، والليث، والأوزاعي، وإسحاق، وأبي حنيفة.
стр. 5635
قال أبو عبد الله غفر الله لهُ: الصحيح هو الإجزاء مطلقًا؛ لأنه ما زال عبدًا. (١)
مسألة [١٤]: هل يجزئ المدبر ؟
• ذهب جماعةٌ إلى الإجزاء -وهو الصحيح- وهو قول أحمد، والشافعي، وأبي ثور، وابن المنذر، وقال بذلك طاوس؛ لأنه ما زال عبدًا يجوز بيعه، وإهداؤه؛ فيجوز عتقه.
• وذهب مالك، والأوزاعي، وأبو عبيد، وأصحاب الرأي إلى عدم الإجزاء؛ لأنَّ عتقه مستحق بسبب آخر، والصحيح ما تقدم. (٢)
تنبيه: هناك مسائل تتعلق بالرقبة تقدم ذكرها في (كفارة المجامع أهله في نهار رمضان)، وفي (كفارة الظِّهار).
مسألة [١٥]: ما هي العيوب التي لا يجزئ معها عتق الرقبة ؟
قال الإمام ابن المنذر ﵀ في «الأوسط» (١٢/ ١٩٩): أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن من العيوب التي تكون في الرقاب ما يجزئ، ومنها ما لا يجزئ، فمما أجمعوا على أنه لا يجزئ: إذا كان أعمى، أو مقعدًا، أو مقطوع اليدين، وأشلهما، أو الرجلين، كذلك قال مالك، والشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي.
• وقال الأوزاعي: لا يجزئ الأعمى، والمقعد.
стр. 5636
وأجمع كل هؤلاء الذين ذكرت، أن الأعور يجزئ، والعرج الخفيف.
• واختلفوا في العرج الشديد؛ فقال مالك: إن كان عرجًا شديدًا لم يجزئ.
• وقال الشافعي: يجزئ العرج الخفيف.
• وقال أصحاب الرأي: يجزئ أقطع إحدي اليدين، أو إحدى الرجلين. ولا يجوز ذلك في قول مالك، والشافعي، وأبي ثور.
قال أبو بكر: فلما أجمعوا أن من العيوب ما يجزئ، ومنها ما لا يجزئ، ورأيت قصد عامتهم في ذلك العمل، رأيت أن يجزئ ما لا يضر من هذه العيوب إضرارًا بينًا، وما أضر به إضرارًا بينًا لا يجزئ، والله أعلم.
قلتُ: وبقول ابن المنذر ﵀ أقولُ.
قال: واختلفوا في الأخرس؛ فقالت طائفة: لا يجزئ. كذلك قال الشافعي، وأبو ثور. وقال أصحاب الرأي: يجزئ. انتهى.
قلتُ: والصحيح الإجزاء؛ لأنه ينتفع به في أمور كثيرة.
قال ابن المنذر: وقال مالك والأوزاعي، والشافعي، وأصحاب الرأي: لا يجزئ المجنون يعتق عن الرقاب الواجبة، واختلفوا فيمن يُجن، ويُفيق: فكان الشافعي يقول: يجزئ. وقال مالك: لا يجزئ. قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾.
стр. 5637
ولا يجوز عند مالك عتق من عتق إلى سنين. ويجزئ ذلك عند الشافعي، وكذلك نقول.
قلتُ: أما عن الكفارة الواجبة؛ فلا يجزئ أن يعتقه إلى سنين، بل يجب عليه أن يعتقه في الحال، وأما العتق المستحب؛ فيشرع له أن يعتقه إلى سنين، والله أعلم.
مسألة [١٦]: هل يُشترط التتابع في صوم الثلاثة الأيام ؟
• ذهب بعض أهل العلم إلى اشتراط ذلك، وهو قول النخعي، والثوري، وإسحاق، وأبي عبيد، وأبي ثور، وأحمد، وأصحاب الرأي، وقال به عطاء، ومجاهد، وعكرمة وغيرهم.
واستدلوا على ذلك بقراءة ابن مسعود، وأُبي بن كعب: ﴿فصيام ثلاثة أيام متتابعات﴾ (١)، قالوا: وهذا إن لم يكن قرآنًا فلا أقل من أن يكون تفسيرًا من النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، أو فتوى؛ فتكون رواية عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يحتج بها.
• وذهب جماعة من أهل العلم إلى عدم اشتراط التتابع، وهو قول مالك، والشافعي في الأشهر من مذهبه.
واستدلوا بإطلاق الآية: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة:٨٩]، وأجابو عن قراءة ابن مسعود وأبي بن كعب أنها لم تثبت قرآنًا؛ لعدم تواترها، ويحتمل أن تكون قراءة قد
стр. 5638
نُسِخت؛ لأنَّ المصحف أثبت على العرضة الأخيرة.
وهذا القول هو الصحيح، وإن كان التتابع أفضل، وهو ترجيح الإمام ابن باز، والإمام الوادعي، وغيرهما، والله أعلم. (١)
تنبيه: ذهب الجمهور إلى أنَّ العبد كفارته الصوم فقط، والذي يظهر أنه إن ملكه السيد، وأذن له بالإطعام، والكسوة؛ وجب عليه ذلك، وقال الجمهور: يجزئه ذلك. (٢)
مسألة [١٧]: ضابط من يجب عليه الإطعام، ومن يجوز له الانتقال إلى الصوم ؟
• ذهب بعض أهل العلم إلى أنه يعتبر في عدم الواجد أن لا يجد فاضلًا عن قوته، وقوت عياله، يومه وليلته قدرًا يُكَفِّرُ به، وهذا قول أحمد، وإسحاق، وأبي عبيد، وابن المنذر، وابن حزم.
• وقال الشافعي: من جاز له الأخذ من الزكاة لحاجته وفقره؛ أجزأه الصيام؛ لأنه فقير.
• وعن النخعي: إذا كان مالكًا لعشرين درهمًا؛ فله الصيام.
• وقال سعيد بن جبير: إذا لم يملك إلا ثلاثة دراهم كَفَّرَ بها.
• وقال الحسن: درهمين. وهذان القولان نحو القول الأول.
стр. 5639
قال أبو عبد الله غفر الله لهُ: قول الشافعي هو الصواب، والله أعلم. (١)
مسألة [١٨]: إن ملك ما يكفر به، وعليه دين يستغرقه ؟
إن كان مُطَالبًا بالدين؛ لم يكن واجدًا، وله أن يصوم.
• وإن لم يكن مطالبًا بالدين ففي ذلك روايتان عن أحمد: أحدهما: إنه لا يجزئه الصوم، وعليه العتق، أو الإطعام، أو الكسوة؛ لأنه يملك ما يكفر به. والثانية: أنه يجزئه الصوم؛ لأنه غير مالك في الحكم لما يكفر به؛ فإنه مدين بدين يستغرق هذا المال. وهذا القول أقرب، والله أعلم. (٢)
مسألة [١٩]: إن كان له مال غائب، أو دين يرجو وفاءه ؟
• مذهب الشافعي، وأحمد أنه لا يكفر بالصيام؛ لأنه مالك لما يكفر به.
• وذهب أبو حنيفة إلى أنَّ له أن يكفر بالصوم؛ لكونه غير واجد في ذلك الوقت، وهو قول بعض الحنابلة، وهذا القول أقرب، والله أعلم. (٣)
مسألة [٢٠]: من له دار، أو دابة، أو خادم لا غنى له عنها ؟
• ذكر أهل العلم أنه غير واجد، فيكفر بالصوم، وهو قول أصحاب المذاهب الأربعة؛ إلا أنَّ مالكًا، وأبا حنيفة قالوا في الخادم: يعتقه، ولا يجزئه الصوم.
والصحيح أنَّ الصوم يُجزِئُه، والله أعلم. (٤)
стр. 5640
مسألة [٢١]: هل يجزئه أن يطعم خمسة، ويكسو خمسة ؟
• ذهب إلى الإجزاء أحمد، والثوري، والحنفية؛ لأنه يقوم مقامه، فكما يجوز له أن يكسوَ عشرة بدل إطعام عشرة؛ فيجوز له أن يكسوَ البعض بدل إطعامهم.
• وذهب مالك، والشافعي، وابن حزم إلى أنه لا يجزئ؛ لأنها عبادة أمر بها على الوجه المذكور في الآية؛ فلا يضاف إليها قسم آخر.
والأقرب -والله أعلم- أنَّه يُجزِئُه، ولكن ينبغي أن يعمل بالقول الثاني؛ فهو أحوط، وأبرأ للذمة. (١)
مسألة [٢٢]: إذا أعتق نصفي عبدين ؟
• مذهب أحمد، وعُزِي لأكثر الفقهاء الإجزاء؛ لأنه في حكم من أعتق رقبة.
• وذهب بعض الحنابلة، وبعض الشافعية، وابن حزم إلى عدم الإجزاء؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة:٨٩]، وهذا لم يحرر رقبة.
• وقال بعض الشافعية: إن كانت الرقبة منصَّفَة، وحررها؛ أجزأ عنه.
والقول بعدم الإجزاء أقرب، والله أعلم. (٢)
مسألة [٢٣]: إن أعتق نصف رقبة، وأطعم خمسة مساكين ؟
هذا لا يجزئ عند أهل العلم.