وأجمع كل هؤلاء الذين ذكرت، أن الأعور يجزئ، والعرج الخفيف.
• واختلفوا في العرج الشديد؛ فقال مالك: إن كان عرجًا شديدًا لم يجزئ.
• وقال الشافعي: يجزئ العرج الخفيف.
• وقال أصحاب الرأي: يجزئ أقطع إحدي اليدين، أو إحدى الرجلين. ولا يجوز ذلك في قول مالك، والشافعي، وأبي ثور.
قال أبو بكر: فلما أجمعوا أن من العيوب ما يجزئ، ومنها ما لا يجزئ، ورأيت قصد عامتهم في ذلك العمل، رأيت أن يجزئ ما لا يضر من هذه العيوب إضرارًا بينًا، وما أضر به إضرارًا بينًا لا يجزئ، والله أعلم.
قلتُ: وبقول ابن المنذر ﵀ أقولُ.
قال: واختلفوا في الأخرس؛ فقالت طائفة: لا يجزئ. كذلك قال الشافعي، وأبو ثور. وقال أصحاب الرأي: يجزئ. انتهى.
قلتُ: والصحيح الإجزاء؛ لأنه ينتفع به في أمور كثيرة.
قال ابن المنذر: وقال مالك والأوزاعي، والشافعي، وأصحاب الرأي: لا يجزئ المجنون يعتق عن الرقاب الواجبة، واختلفوا فيمن يُجن، ويُفيق: فكان الشافعي يقول: يجزئ. وقال مالك: لا يجزئ. قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾.
стр. 5637
ولا يجوز عند مالك عتق من عتق إلى سنين. ويجزئ ذلك عند الشافعي، وكذلك نقول.
قلتُ: أما عن الكفارة الواجبة؛ فلا يجزئ أن يعتقه إلى سنين، بل يجب عليه أن يعتقه في الحال، وأما العتق المستحب؛ فيشرع له أن يعتقه إلى سنين، والله أعلم.
مسألة [١٦]: هل يُشترط التتابع في صوم الثلاثة الأيام ؟
• ذهب بعض أهل العلم إلى اشتراط ذلك، وهو قول النخعي، والثوري، وإسحاق، وأبي عبيد، وأبي ثور، وأحمد، وأصحاب الرأي، وقال به عطاء، ومجاهد، وعكرمة وغيرهم.
واستدلوا على ذلك بقراءة ابن مسعود، وأُبي بن كعب: ﴿فصيام ثلاثة أيام متتابعات﴾ (١)، قالوا: وهذا إن لم يكن قرآنًا فلا أقل من أن يكون تفسيرًا من النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، أو فتوى؛ فتكون رواية عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يحتج بها.
• وذهب جماعة من أهل العلم إلى عدم اشتراط التتابع، وهو قول مالك، والشافعي في الأشهر من مذهبه.
واستدلوا بإطلاق الآية: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة:٨٩]، وأجابو عن قراءة ابن مسعود وأبي بن كعب أنها لم تثبت قرآنًا؛ لعدم تواترها، ويحتمل أن تكون قراءة قد
стр. 5638
نُسِخت؛ لأنَّ المصحف أثبت على العرضة الأخيرة.
وهذا القول هو الصحيح، وإن كان التتابع أفضل، وهو ترجيح الإمام ابن باز، والإمام الوادعي، وغيرهما، والله أعلم. (١)
تنبيه: ذهب الجمهور إلى أنَّ العبد كفارته الصوم فقط، والذي يظهر أنه إن ملكه السيد، وأذن له بالإطعام، والكسوة؛ وجب عليه ذلك، وقال الجمهور: يجزئه ذلك. (٢)
مسألة [١٧]: ضابط من يجب عليه الإطعام، ومن يجوز له الانتقال إلى الصوم ؟
• ذهب بعض أهل العلم إلى أنه يعتبر في عدم الواجد أن لا يجد فاضلًا عن قوته، وقوت عياله، يومه وليلته قدرًا يُكَفِّرُ به، وهذا قول أحمد، وإسحاق، وأبي عبيد، وابن المنذر، وابن حزم.
• وقال الشافعي: من جاز له الأخذ من الزكاة لحاجته وفقره؛ أجزأه الصيام؛ لأنه فقير.
• وعن النخعي: إذا كان مالكًا لعشرين درهمًا؛ فله الصيام.
• وقال سعيد بن جبير: إذا لم يملك إلا ثلاثة دراهم كَفَّرَ بها.
• وقال الحسن: درهمين. وهذان القولان نحو القول الأول.
стр. 5639
قال أبو عبد الله غفر الله لهُ: قول الشافعي هو الصواب، والله أعلم. (١)
مسألة [١٨]: إن ملك ما يكفر به، وعليه دين يستغرقه ؟
إن كان مُطَالبًا بالدين؛ لم يكن واجدًا، وله أن يصوم.
• وإن لم يكن مطالبًا بالدين ففي ذلك روايتان عن أحمد: أحدهما: إنه لا يجزئه الصوم، وعليه العتق، أو الإطعام، أو الكسوة؛ لأنه يملك ما يكفر به. والثانية: أنه يجزئه الصوم؛ لأنه غير مالك في الحكم لما يكفر به؛ فإنه مدين بدين يستغرق هذا المال. وهذا القول أقرب، والله أعلم. (٢)
مسألة [١٩]: إن كان له مال غائب، أو دين يرجو وفاءه ؟
• مذهب الشافعي، وأحمد أنه لا يكفر بالصيام؛ لأنه مالك لما يكفر به.
• وذهب أبو حنيفة إلى أنَّ له أن يكفر بالصوم؛ لكونه غير واجد في ذلك الوقت، وهو قول بعض الحنابلة، وهذا القول أقرب، والله أعلم. (٣)
مسألة [٢٠]: من له دار، أو دابة، أو خادم لا غنى له عنها ؟
• ذكر أهل العلم أنه غير واجد، فيكفر بالصوم، وهو قول أصحاب المذاهب الأربعة؛ إلا أنَّ مالكًا، وأبا حنيفة قالوا في الخادم: يعتقه، ولا يجزئه الصوم.
والصحيح أنَّ الصوم يُجزِئُه، والله أعلم. (٤)
стр. 5640
مسألة [٢١]: هل يجزئه أن يطعم خمسة، ويكسو خمسة ؟
• ذهب إلى الإجزاء أحمد، والثوري، والحنفية؛ لأنه يقوم مقامه، فكما يجوز له أن يكسوَ عشرة بدل إطعام عشرة؛ فيجوز له أن يكسوَ البعض بدل إطعامهم.
• وذهب مالك، والشافعي، وابن حزم إلى أنه لا يجزئ؛ لأنها عبادة أمر بها على الوجه المذكور في الآية؛ فلا يضاف إليها قسم آخر.
والأقرب -والله أعلم- أنَّه يُجزِئُه، ولكن ينبغي أن يعمل بالقول الثاني؛ فهو أحوط، وأبرأ للذمة. (١)
مسألة [٢٢]: إذا أعتق نصفي عبدين ؟
• مذهب أحمد، وعُزِي لأكثر الفقهاء الإجزاء؛ لأنه في حكم من أعتق رقبة.
• وذهب بعض الحنابلة، وبعض الشافعية، وابن حزم إلى عدم الإجزاء؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة:٨٩]، وهذا لم يحرر رقبة.
• وقال بعض الشافعية: إن كانت الرقبة منصَّفَة، وحررها؛ أجزأ عنه.
والقول بعدم الإجزاء أقرب، والله أعلم. (٢)
مسألة [٢٣]: إن أعتق نصف رقبة، وأطعم خمسة مساكين ؟
هذا لا يجزئ عند أهل العلم.
стр. 5641
وقال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٣/ ٥٣٩): لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ مَقْصُودَهُمَا مُخْتَلِفٌ مُتَبَايِنٌ؛ إذْ كَانَ الْقَصْدُ مِنْ الْعِتْقِ تَكْمِيلَ الْأَحْكَامِ، وَتَخْلِيصَ الْمُعْتَقِ مِنْ الرِّقِّ، وَالْقَصْدُ مِنْ الْإِطْعَامِ وَالْكِسْوَةِ سَدَّ الْخَلَّةِ، وَإِبْقَاءَ النَّفْسِ، فَجَرَيَا مَجْرَى الْجِنْسِ الْوَاحِدِ فِيْهَا بِخِلَافِ الْعِتْقِ. انتهى بتصرف في آخره.
مسألة [٢٤]: من دخل في الصوم ثم وجد مالاً ؟
• تقدم ذكر هذه المسألة في كفارة المجامِع أهله في نهار رمضان وهو صائم، والصحيح في المسألة أنه يشرع له الرجوع إلى عتق الرقبة، أو الإطعام، أو الكسوة، ولا يلزمه ذلك.
مسألة [٢٥]: إذا أحب الانتقال إلى الأعلى بعد شروعه بالأدنى ؟
كمن شرع بالإطعام، ثم بدا له أن يكسوَ، أو شرع بالكسوة ثم بدا له أن يعتق؛ فهذا جائز عند أهل العلم.
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٣/ ٥٤١): لا نعلم فيه خلافًا. اهـ
ثم نقل خلافًا عن بعض الحنابلة، ورجَّح جواز ذلك.
مسألة [٢٦]: إذا وجبت الكفارة على موسر، فأعسر ؟
• ذهب أحمد، والشافعي، وابن حزم، وآخرون إلى أنه لا يجزئه الصوم بعد ذلك، بل تبقى الكفارة بالمال في ذمته.
• وذهب أبو ثور، وأصحاب الرأي، وهو قول بعض الحنابلة إلى أنَّ الصوم
стр. 5642
يجزئه، وهو مفرط في تأخيره الكفارة حتى نفد عليه المال، والقول الأول أقرب، والله أعلم. (١)
مسألة [٢٧]: إذا كفر الرجل عن الرجل بالعتق فلمن الولاء ؟
• ذهب أكثر العلماء إلى أن الولاء للذي أعتق عنه، وهو قول الثوري، ومالك، والشافعي، وأبي ثور، وبعض أصحاب الرأي.
• وقال بعض أصحاب الرأي: لا يجزئ العتق عن الغير، بل يقع العتق، والولاء عن الذي أعتق. والصحيح القول الأول. (٢)
مسألة [٢٨]: هل الكفارات على الفور، أم على التراخي ؟
• المشهور في مذهب أحمد أنَّ الأمر على الفور، وهو قول بعض الشافعية، وبعض المالكية، وبعض الحنفية؛ لقوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران:١٣٣]، وقوله: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة:١٤٨]، وغضب النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عند أن تأخر أصحابه في حلق رؤوسهم يوم أمرهم بذلك في الحديبية.
• والمشهور عند الشافعية، والمالكية، والحنفية أنه لا يفيد الفور إلا إذا اقترن بقرينة تدل عليه.
واستدلوا على ذلك بأنَّ الحج فُرِض في السادسة، وقيل: التاسعة، وحج النبي
стр. 5643
-صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في العاشرة.
والذي يظهر أن الأمر قد يأتي على الفور، وقد يأتي على التراخي، وينظر إلى أدلة أخرى تدل على ذلك، والله أعلم. (١)
مسألة [٢٩]: إذا كرر الحالف اليمين، فكم عليه كفارات ؟
• أما إن كانت الأيمان المكررة على شيء واحد، ثم حنث؛ فعليه كفارة واحدة عند جمهور العلماء، وهو قول الحسن، وعروة، وعطاء، وعكرمة، والنخعي، وحماد، والأوزاعي، وأحمد، والشافعي في قول؛ لأنَّ مثل هذا يقصد به التأكيد، ورُوي مثل هذا القول عن ابن عمر ﵄. (٢)
• وذهب أبو حنيفة، وأبو ثور، والثوري إلى تعدد الكفارات على عدد الأيمان، وهو قول الشافعي؛ لأنَّ اليمين الثانية غير الأولى، فتقتضي ما تقتضيه.
والقول الأول هو الصواب، والله أعلم. (٣)
مسألة [٣٠]: إن حلف يمينًا واحدة على أجناس مختلفة ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٣/ ٤٧٤): وَإِذَا حَلَفَ يَمِينًا وَاحِدَةً عَلَى أَجْنَاسٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَقَالَ: وَاَلله، لَا أَكَلْت، وَلَا شَرِبْت، وَلَا لَبِسْت. فَحَنِثَ فِي
стр. 5644
الْجَمِيعِ؛ فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ. لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ وَاحِدَةٌ، وَالْحِنْثَ وَاحِدٌ؛ فَإِنَّهُ بِفِعْلِ وَاحِدٍ مِنْ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ يَحْنَثُ، وَتَنْحَلُّ الْيَمِينُ. اهـ
مسألة [٣١]: إن حلف أيمانًا على أجناس ؟
كأنْ يقول: والله، لا أكلت. والله، لا شربت، والله، لا لبست.
فإن حنث في واحد منها، ثم كفَّر، ثم حنث في الأخرى؛ فعليه كفارة أخرى بلا خلاف. قاله ابن قدامة؛ لأنَّ الحنث في الثانية تجب به الكفارة بعد أن كفَّر عن الأولى.
• وإن حنث في الجميع قبل التكفير، فذهب أكثر أهل العلم إلى أنَّ عليه لكل يمين كفارة؛ لأنها أيمان متغايرة لا يحنث في أحدهما إذا حنث في الأخرى، فلا تتكفر إحداهما بكفارة الأخرى.
• وذهب بعض الحنابلة، وإسحاق إلى أنه تجزئه كفارة واحدة؛ لأنها كفارات من جنس واحد، فتتداخل كالحدود من جنس.
وقال الجمهور: ما ههنا يفارق الحدود؛ فإنها وجبت للزجر، وتندرئ بالشبهات، بخلاف مسألتنا؛ ولأنَّ الحدود عقوبة بدنية، فالموالاة بينها ربما أفضت إلى التلف.
وقول الجمهور هو الصواب، والله أعلم. (١)
стр. 5645
مسألة [٣٢]: إذا حلف الكافر في حال كفره، ثم حنث بعد إسلامه ؟
قال الإمام ابن المنذر ﵀ «في الأوسط» (١٢/ ٢١٢): قال سفيان الثوري: إذا حلف النصراني، أو اليهودي، أو المشرك، ثم أسلم؛ فليس عليه كفارة فيما حلف عليه في شركه. وكذلك قال أصحاب الرأي، وإن حنث بعد إسلامه؛ فلا كفارة عليه.
وقال الشافعي: عليه الكفارة، وكذلك قال أبو ثور. قال: وإن حنث فيها، ثم أسلم عليه الكفارة، واحتج بأن النبي ﷺ أمر عمر ﵁، أن يقضي في الإسلام اعتكافًا أوجبه على نفسه في الجاهلية. قال أبو بكر: وكذلك نقول.
قال أبو عبد الله غفر الله لهُ: وكذلك أقول.
المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث
مسألة [١]: معنى النذر .
هو التزام فعلٍ وعملٍ يعمله لله عزوجل بقوله: (لله عليَّ كذا)، ونحو ذلك.
مسألة [٢]: حكم النذر .
النذر المقيد بمقابل مكروه؛ لحديث ابن عمر ﵄، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى عن النذر، وقال: «إنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل» متفق عليه، واللفظ لمسلم، وجاء عن أبي هريرة ﵁، أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «إنه لا يرد من القدر، وإنما يستخرج به من البخيل» رواه مسلم؛ ولأنَّ الإنسان قد يلزم نفسَه بعبادة تشق عليه، وقد يعجز عنها، ويندم.
ولهذا كره العلماء النذر، وبعضهم اختار تحريمه، والراجح ما ذهب إليه الجمهور من الكراهة فقط، والدليل على أنه ليس بمحرم ما جاء في «صحيح مسلم» (١٦٤١)، من حديث عمران بن حصين ﵁، أنَّ امرأةً مسلمة أُسِرَت، فهربت من المشركين على ناقة النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ونذرت إن نجَّاها الله لتنحرَنَّها، فأنكر عليها النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نذرها في ملك غيرها، ولم ينكر عليها النذر من أصله، وأيضًا لحديث ابن عباس ﵄ عند أبي داود (٣٣٠٨)، وهو في «الصحيح المسند» (٦٥٦) أنَّ امرأة ركبت البحر فنذرت إن نجاها الله لتصومَنَّ شهرًا. فنجاها الله، فلم تصم حتى ماتت، فأتت أختها إلى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فأمرها أن تصوم عنها، مع أنه
стр. 5650
نذر مقابلة، ولم ينكر عليها ذلك مع أنه مقام بيان، وتعليم.
قلتُ: والكراهة المذكورة في النذر المقيد بمقابل، أو في نذر أدخل على نفسه صاحبه المشقة، وأما ما لا مشقة فيه، ولا هو نذر مقابلة؛ فلا كراهة فيه، وقد ذهب إلى عدم كراهة النذر المطلق المالكية، والحنفية، وبعض الشافعية، وبعض الحنابلة، والله أعلم. (١)
مسألة [٣]: أقسام النذر .
للنذر أقسام:
الأول: نذر اللُّجَاج والغضب.
وهو الخارج مخرج اليمين؛ للحث والمنع، فحكمه حكم اليمين، وقد تقدم ذكر ذلك في الأيمان.
الثاني: نذر الطاعة والتبرر.
• ويجب الوفاء به عند أهل العلم، سواء كان مقيدًا، أو مطلقًا؛ إلا أنَّ بعض الشافعية لم يوجبوا الوفاء بالنذر المطلق، وأبو حنيفة لم يوجب الوفاء بالنذر الذي ليس في جنسه واجب في الشرع كالاعتكاف.
والصحيح قول الجمهور، وهو وجوب الوفاء مطلقًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج:٢٩]، وحديث عائشة ﵂ الذي في الباب: «من نذر أن يطيع الله؛ فليطعه».
стр. 5651
الثالث: النذر المبهم.
• كأن يقول: (لله عليَّ نذر)، فهذا فيه كفارة يمين عند جمهور العلماء؛ لحديث عقبة بن عامر، وابن عباس اللذين في الكتاب، وعلى ذلك عامة العلماء إلا الشافعي، فقال: لا ينعقد النذر، ولا كفارة فيه.
والصحيح قول الجمهور، وقد ثبت هذا القول عن ابن عباس، وابن عمر، كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٤/ ١/٧).
الرابع: نذر المعصية.
ولا يحل الوفاء به بالإجماع؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللهَ فَلَا يَعْصِهِ»، ولحديث عمران بن حصين، وثابت بن الضحاك اللذين في الكتاب.
وهل فيه كفارة يمين؟ اختلف الفقهاء في ذلك.
• فذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنَّ فيه كفارة يمين، وهو قول أحمد، وإسحاق، والثوري، والحنفية.
واستدلوا على ذلك بحديث ابن عباس ﵄ الذي في الكتاب، وهو موقوف كما تقدم، واستدلوا على ذلك بحديث عائشة ﵂ عند أحمد (٦/ ٢٤٧)، وغيره: «لا نذر في معصية، وكفارته كفارة يمين»، وظاهره الصحة، ولكن أعله البخاري، والدارقطني وغيرهما، ورجَّحوا أنه سقط من إسناده سليمان بن أرقم، وهو متروك.
стр. 5652
واستدلوا على ذلك بحديث ابن عباس ﵄ عند ابن الجارود (٩٣٥)، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «النذر نذران: نذرٌ لله؛ فيجب الوفاء، ونذر للشيطان؛ فكفارته كفارة يمين»، وفي إسناده: خطَّاب بن القاسم الحرَّاني، قال ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: يُكتب حديثه. وقال أبو زرعة في رواية ابن أبي حاتم: ثقة. وقال في رواية البرذعي: منكر الحديث. وقال النسائي: لا علم لي به.
قلتُ: فالحديث حسن إن لم يكن خطابًا قد وهم في رفعه، ويغلب على ظني أنه قد وهم في ذلك؛ لأنَّ المعروف عن ابن عباس الموقوف كما تقدم، والله أعلم.
• وذهب مسروق، والشعبي، ومالك، والشافعي، وأحمد في رواية إلى أنه ليس فيه كفارة.
واستدلوا على ذلك بالأحاديث المتقدمة التي فيها عدم الوفاء بالمعصية، ولم يذكر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فيها الكفارة.
والقول الأول رجَّحه الإمام ابن باز، والإمام العثيمين رحمة الله عليهما، وهو الصحيح؛ لأنه التزام لله، فهو كاليمين، وقد أفتى بذلك ابن عباس ﵄، كما تقدم، وفعلته عائشة ﵂، كما في «صحيح البخاري» (٦٠٧٣)، ولا نعلم لهما مخالفًا.
وقد سئل ابن عباس ﵄، كما في «موطإ مالك» (٢/ ٤٧٦) بإسناد صحيح: كيف يكون في هذا كفارة؟ يعني مع كونه معصية فقال ابن عباس: إن الله تعالى قال: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة:٢]، ثم جعل فيه من الكفارة ما
стр. 5653
قد رأيت. (١)
الخامس: النذر على المباح.
• فمذهب أحمد أنه ينعقد، وفيه كفارة يمين؛ لحديث: «إني نذرت أن أضرب على رأسكَ الدُّفَّ ... » الحديث. (٢)
• وذهب مالك، والشافعي إلى أنه لا ينعقد؛ لحديث: «من نذر أن يطيع الله؛ فليطعه».
والصحيح مذهب أحمد، والله أعلم.
السادس: النذر على المكروه.
• والخلاف فيه كالخلاف في الذي قبله.
السابع: النذر على الواجب.
• فالمشهور في مذهب أحمد أنه لا ينعقد؛ لأنه تحصيلُ حاصل، وهو مذهب الشافعية.
• وذهب بعض الحنابلة إلى انعقاده، وهو اختيار شيخ الإسلام، ويصير وجوبه من جهتين: من جهة الشرع، ومن جهة النذر، وهو مثل أن يحلف على المحافظة على أمر واجب، وهذا أقرب، والله أعلم.
стр. 5654
الثامن: النذر على المستحيل.
كأن يقول: نذرت أن أصوم أمس. فهذا لا ينعقد، نصَّ على ذلك الشافعية، والحنابلة، وغيرهم، ويأثم على ذلك؛ لأن النذر عبادة، وهذا يشعر بالاستهانة، واللعب.
التاسع: النذر على ما لا يطيقه.
• ففيه كفارة يمين عند الجمهور؛ لحديث عقبة، وأثر ابن عباس اللذين في الباب، وإن كان العجز مرجو الزوال انتظر حتى يزول، وإلا كفَّر. (١)
مسألة [٤]: من نذر أن يتصدق بماله كله ؟
• ذهب بعض أهل العلم إلى أنه يجزئه الثلث، وهو قول الزهري، ومالك، وأحمد في رواية.
واستدلوا على ذلك بحديث أبي لبابة أنه قال لرسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: إنَّ من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة، فقال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «يجزئك الثلث»، وهو حديث ضعيف، في إسناده: حسين بن السائب، وهو مجهول الحال، وقد اختلف في أسانيده، أخرجه أحمد (٣/ ٤٥٢ - )، وأبو داود (٣٣٢١)، وغيرهما.
واستدلوا على ذلك بحديث كعب بن مالك، وفيه: «أمسك عليك بعض مالك؛ فهو خير لك» أخرجه البخاري (٦٦٩٠)، ومسلم (٢٧٦٩).
وجاءت رواية: «يجزئك الثلث»، وأعلها البيهقي (١٠/ ٦٧ - ٦٨)، وليس في
стр. 5655
الحديثين صراحة في أنه نذر.
• وذهب أحمد في رواية إلى أنَّ كفارته كفارة يمين.
• وذهب ربيعة إلى أنه يتصدق بقدر زكاة ذلك المال.
• وذهب أبو حنيفة إلى أنه إن كان المال زكويًّا؛ تصدق به كله، وإن لم يكن زكويًّا، فاختلف قوله فيه.
• وذهب النخعي، والشافعي، والبتي إلى أنه يلزمه الوفاء به؛ لحديث: «من نذر أن يطيع الله؛ فليطعه».
قال أبو عبد الله غفر الله لهُ: إنْ أحبَّ أن يوفي بنذره؛ فله ذلك، وإن أحب أن يمسك بعض ماله؛ فهو أفضل؛ لحديث كعب بن مالك، وعليه كفارة يمين؛ لحديث عقبة بن عامر الذي في الباب، وقد أفتت بذلك عائشة ﵂، كما في «موطإ مالك» (٢/ ٤٨١) بإسناد صحيح. (١)
مسألة [٥]: من نذر أن يمشي إلى بيت الله الحرام لحج أو عمرة ؟
• يلزمه الوفاء عند جمهور أهل العلم إن كان قريبًا من البيت الحرام، ولا يشق عليه؛ لحديث: «من نذر أن يطيع الله؛ فليطعه»؛ فإن كان المشي يشق عليه؛ فليركب، وعليه كفارة يمين؛ إلا أن الحنفية لا يلزمونه بالمشي، ولو كان يطيقه.
وهل عليه دم هدي؟
стр. 5656
• ذهب الحنفية، والمالكية، وأكثر الشافعية، وبعض الحنابلة إلى أن عليه دم هدي. واستدلوا بما رواه أحمد (١٧٧٩٣) عن عقبة بن عامر الجهني، قال: نذرت أختي أن تمشي، إلى الكعبة، فقال رسول الله ﷺ : «إن الله لغني عن مشيها لتركب، ولتهد بدنة»، وإسناده ظاهره الصحة، وقد صححه الإمام الألباني ﵀ في «الإرواء» (٢٥٩٢). قالوا: ولأنه أوجب على نفسه المشي في حجه أو عمرته، فصار من واجبات النسك؛ فإن عجز عنه؛ فعليه الهدي.
• وذهب أكثر الحنابلة إلى أن عليه الكفارة فحسب؛ وليس عليه هدي، وهو قول بعض الحنفية، والشافعية. لحديث عقبة بن عامر في «الصحيحين»؛ فقد ورد بلفظ: قال: نذرت أختي أن تمشي، إلى بيت الله، وأمرتني أن أستفتي لها النبي ﷺ ، فاستفتيته، فقال ﷺ : «لتمش، ولتركب». وليس فيه ذكر الهدي.
قلتُ: لو صح حديث الأمر بالهدي فهو مذهبنا. (١)
مسألة [٦]: وهل عليه حج أو عمرة إذا أطلق النذر بالمشي ؟
ذكر ابن قدامة ﵀ أنه يلزمه المشي بحجٍّ أو عمرة، وقال: وبه يقول الشافعي، ولا أعلم فيه خلافًا، وذلك لأن المشي المعهود في الشرع، هو المشي في حجٍّ، أو عمرة؛ فإذا أطلقه الناذر حمل على المعهود الشرعي. انتهى.
كذا قال ابن قدامة ﵀، ومذهب أبي حنيفة: أنه إذا لم ينو حجًّا ولا عمرة؛ فلا ينعقد النذر بالكلية؛ فالظاهر أنه أراد نفي الخلاف في مذهبهم.
стр. 5657
والذي يظهر لي أنَّ للناذر نيته، وقد يريد الذهاب من أجل الصلاة، أو الاعتكاف، وقد قال النبي ﷺ : «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد». (١)
مسألة [٧]: من قال: لله عليَّ أن أصوم يوم يقدم فلان ؟
• الجمهور على أنَّ نذره هذا منعقد.
• وخالف الشافعي في قولٍ له، فقال: لا يصح؛ لأنه لا يمكن صومه بعد وجود شرطه.
والصحيح قول الجمهور؛ لأنه زمن يصح فيه صوم التطوع، فينعقد النذر لصومه؛ ولأنه يمكن صومه كأن يعلم قدومه من الليل.
ولهذا النذر خمسة أحوال:
الحال الأولى: أن يعلم بقدومه من الليل؛ فلا إشكال في ذلك، ويجب عليه تبييت النية في الصوم.
الحال الثانية: أن يقدم يوم فطرٍ، أو أضحى.
• ففي المسألة أقوال:
القول الأول: لا يصوم ذلك اليوم، ويقضي، ويكفِّر. هذا هو المشهور في مذهب أحمد، وهو قول الحكم، وحماد.
القول الثاني: يقضي ولا كفارة عليه. وهو قول الحسن، والأوزاعي، وأبي
стр. 5658
عبيد، وقتادة، وأبي ثور، وأحمد في رواية، والشافعي في قول.
القول الثالث: إن صامه؛ صح صومه، وهو مذهب أبي حنيفة، ونُقل عن أحمد.
القول الرابع: يكفر، ولا قضاء. وهو قول بعض الحنابلة.
القول الخامس: لا قضاء، ولا كفارة. وهو قول مالك، والشافعي في أحد قوليه، وبعض الحنابلة.
قلتُ: الذي يظهر -والله أعلم- أنَّ عليه كفارة؛ لأنه صار محرمًا عليه الوفاء، فأشبه نذر المعصية، وليس عليه القضاء.
الحال الثالثة: يقدم في يوم يصح صومه فيه، ولكنه مفطر.
• فمنهم من قال: يلزمه القضاء، والكفارة. وهو قول أحمد في رواية.
• ومنهم من قال: يقضي، ولا كفارة عليه؛ لأنه معذور. وهو قول الشافعي، وبعض الحنابلة.
• ومنهم من قال: لا يلزمه شيء، لا كفارة، ولا قضاء. وهو قول أبي يوسف، وأصحاب الرأي، وأحمد في رواية، واختاره ابن المنذر؛ لأنه قدم في زمن لا يصح فيه؛ فلم يلزمه.
الحال الرابعة: أن يقدم والناذر صائم.
فإن كان الصوم تطوعًا:
• فقال بعض الحنابلة، وأبو حنيفة: يعقده عن نذره، ويجزئه.
стр. 5659
• وقال بعض الحنابلة: يلزمه القضاء، والكفارة.
• وقال الشافعي: عليه القضاء فقط. وهو قول بعض الحنابلة.
وأما إن كان الصوم واجبًا:
• فمنهم من قال: يجزئه الصوم عن النذر أيضًا. وهو قول عكرمة، وأبي يوسف، وأحمد في رواية عنه؛ لأنه نذر الصوم في وقت وقد صام فيه.
• وعن أحمد رواية أنَّ عليه القضاء.
• وقال الشافعي، وبعض الحنابلة: لا ينعقد النذر. (١)
الحال الخامسة: أن يقدم ليلاً.
فلا شيء عليه في قولهم جميعًا؛ لأنه لم يقدم في اليوم، ولا في وقت يصح فيه الصيام. (٢)
مسألة [٨]: إذا نذر الذهاب إلى مسجد النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، أو المسجد الأقصى ؟
• جمهور العلماء على أنه يلزمه ذلك، وبهذا قال أحمد، ومالك، والأوزاعي، وأبو عبيد، والشافعي في قول، وابن المنذر؛ لأنَّ شدَّ الرحال إليها مشروع؛ لحديث أبي سعيد الذي في الباب.
• وذهب الشافعي في قول له إلى عدم الوجوب؛ لأنَّ البر بإتيان هذين نفلٌ
стр. 5660
بخلاف المسجد الحرام؛ فهو فرضٌ.
والصحيح القول الأول؛ لحديث عائشة ﵂: «من نذر أن يطيع الله؛ فليطعه»، ويلزمه عند الجمهور أن يصلي فيهما ركعتين؛ لأنَّ القصد بالنذر القربة والطاعة، وإنما تحصيل ذلك بالصلاة، وقال أبو حنيفة: لا تتعين عليه الصلاة. (١)
مسألة [٩]: من مات وعليه نذر ؟
• إن كان النذر بصوم، أو حجٍّ؛ وفَّى عنه وليه عند الجمهور.
• وخالف مالك فقال: لا يحج عنه، ولا يصوم، ولا يصلي. ووافقه الشافعي في قول له في الصوم.
والصحيح قول الجمهور؛ لحديث ابن عباس ﵄ الذي في الباب: اسْتَفْتَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ ﵁ ... ، ولحديث عائشة ﵂ في «الصحيحين»: «من مات وعليه صوم؛ صام عنه وليه»، وغيرهما من الأحاديث.
وهذا على سبيل الاستحباب عند الجمهور، خلافًا للظاهرية.
• وأما النذر بالصلاة فالجمهور على أنه لا يصلي عنه وليُه، وهو الصحيح.
• وللحنابلة وجهٌ بأنه يصلي عنه.
وأما النذر بالصدقة، والعتق؛ فتؤدَّى عنه من ماله قبل قسمة التركة؛ فإن لم يكن له مال سقط الوجوب وجاز النيابة. (٢)
стр. 5661
مسألة [١٠]: من نذر نذرًا في الجاهلية طاعة لله، فهل يلزمه الوفاء بعد إسلامه ؟
• ذهب بعض أهل العلم إلى وجوب الوفاء.
واستدلوا بحديث عمر ﵁ الذي في الباب، وهذا قول أحمد في رواية، والطبري، والمغيرة بن عبدالرحمن المالكي، وداود الظاهري، وبعض الشافعية.
• وذهب الجمهور إلى أنَّ ذلك مستحبٌّ غير واجبٍ، وهو قول جمهور الشافعية، والمالكية، وهو قول الحنفية، وأحمد في رواية، وحملوا الأمر الذي في حديث عمر ﵁ على الاستحباب بقرينة أنه جواب لسؤاله.
والصحيح هو الوجوب؛ لظاهر الأمر، ولعموم الحديث: «من نذر أن يطيع الله؛ فليطعه»، والنذر من الكافر منعقد؛ لحديث عمر ﵁، والله أعلم. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث
مسألة [١]: حكم تولي القضاء .
تَوَلِّي القضاء فرضُ كفاية؛ لأنَّ أمر الناس لا يستقيم بدونه؛ فوجب كالجهاد والإمامة، ولأنه إذا لم يكن قضاء ضاعت الحقوق، وشاع الظلم.
وفضل القضاء عظيم لمن قَوي عليه، وأدَّى الحق فيه، فذلك من أس باب دخول الجنة كما في حديث بريدة، وخطره عظيم أيضًا على من لم يؤدِّ حق الله فيه؛ لحديث بريدة، وأبي هريرة ﵄. (١)
مسألة [٢]: أحوال الناس في القضاء .
١) من الناس من يجب عليه القضاء، وهو الرجل الذي يكون من أهل الاجتهاد، والأمانة، وليس هناك من يصلح للقضاء غيره، فيجب على الإمام أن يوليه القضاء، ولا يجوز لذلك أن يمتنع.
٢) ومن الناس من لا يجوز له تولي القضاء، وهو الرجل الذي ليس له أهلية القضاء؛ لجهله، أو فسقه.
٣) ومن الناس من يجوز له، ولا يجب عليه، وهو كالأول، إلا أنه يوجد غيره ليقوم بذلك. (٢)
стр. 5664
والقسم الثالث: هل يُستحب لهم أن يتولوا القضاء، أم يُكره؟
• مذهب الحنابلة الكراهة، وهو قول بعض الشافعية.
• والأشهر عند الشافعية، وهو قول بعض الحنابلة أنه إن كان الأنفع للناس منه تولي القضاء؛ استُحِبَّ له ذلك، وإن كان الأنفع للناس منه عدم تولي القضاء؛ فيُكره له ذلك. انظر المصادر السابقة.
مسألة [٣]: أخذ الأجرة على القضاء، وأخذ الرزق .
أما الاستئجار على القضاء؛ فلا يجوز ذلك عند أهل العلم، وقال ابن قدامة: لا أعلم فيه خلافًا؛ وذلك لأنَّ هذا عمل بر وطاعة فلا تكون إلا لله.
• وأما أخذ الرزق على ذلك فجائز عند أكثر العلماء؛ لأنَّ القاضي يُشغل بالقضاء عن التكسب، وعلى ذلك العمل في عهد الخلفاء الراشدين، ومن بعدهم.
• وكره ذلك الحسن، ومسروق، والقاسم بن عبدالرحمن، وأحمد في رواية إن لم يكن محتاجًا.
• وقال الشافعية: إن كان متعينًا عليه؛ جاز الأخذ، وإن لم يكن متعينًا؛ لم يجز له الأخذ.
والصحيح هو قول الجمهور، والله أعلم. (١)
стр. 5665
مسألة [٤]: شروط القاضي .
ذكر الفقهاء عددًا من الشروط:
الأول: أن يكون مسلمًا.
ولا خلاف في ذلك؛ لأنَّ الكافر لا ولاية له على مسلم.
الثاني: أن يكون عاقلا.
ولا خلاف في ذلك أيضًا.
الثالث: أن يكون بالغًا.
وعليه عامة أهل العلم.
الرابع: أن يكون حُرًّا.
• وعلى ذلك الجمهور؛ لأنَّ العبد مشغول بخدمة سيده.
• وذهب بعض الحنابلة إلى جواز ذلك، وعدم اشتراط الحرية، ورجَّح ذلك الإمام ابن عثيمين، وذلك فيما إذا أذن له سيده، وهو الراجح، والله أعلم.
الخامس: أن يكون ذكرًا.
• وهو قول الجمهور؛ لحديث: «لن يفلح قوم وَلَّو أمرهم امرأة».
• وأجاز الطبري تولي المرأة للقضاء كالفتوى، وأجازه أبو حنيفة في غير الحدود، والصحيح قول الجمهور.
стр. 5666
السادس: أن يكون متكلمًا، سمعيًا، بصيرًا.
• واشترط ذلك الجمهور.
• ولم يشترط ذلك بعض الحنابلة إذا أمكنه أن يفهم بالكتابة، أو الإشارة، واختاره الإمام ابن عثيمين.
السابع: العدالة.
• اشترطه الجمهور خلافًا للأصم الذي أجاز تولية الفاسق، ويُعتبر هذا الشرط حسب الإمكان، قال شيخ الإسلام ﵀: وهذه الشروط تعتبر حسب الإمكان، ويجب تولية الأمثل فالأمثل، فيولي للعدم أنفع الفاسقين، وأقلهما شرًّا، وأعدل المقلدين، وأعرفهما بالتقليد. وبنحوه ذكر الإمام ابن عثيمين ﵀.
الثامن: أن يكون من أهل الاجتهاد.
• ذكره الجمهور؛ لحديث بريدة.
• وقال بعض الحنفية: يجوز أن يكون عاميًّا يحكم بالتقليد.
والصحيح قول الجمهور.
ويجوز المقلد عند عدم المجتهد كما تقدم في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وبنحوه قال العثيمين ﵀. (١)
стр. 5667
تنبيه: ينبغي أن يكون القاضي قويًّا، أمينًا، حليمًا، متأنيًا، ذا يقظة، لا يُؤتى من غفلة، ولا يُخدع لغرة، صحيح السمع، والبصر، عفيفًا، نزيهًا، ورعًا، يستشير أهل الصلاح، لا يخاف في الله لومة لائم، وله أن ينتهر الخصم، ويعزره إذا احتاج إلى ذلك. (١)
١٣٨٥ - وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا يَحْكُمْ أَحَدٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: هل للقاضي أن يحكم وهو غضبان ؟
• ذهب بعض أهل العلم إلى عدم جواز ذلك، وهو قول بعض الحنابلة، وابن حزم الظاهري، والصنعاني وغيرهم. واستدلوا بحديث الباب.
• وذهب الجمهور إلى الكراهة؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قضى بين الزبير بن العوام، ورجلٍ من الأنصار في شراج الحرة بعد أن أغضبه ذلك الرجل، والحديث في «الصحيحين». (٢)
وأُجيب عن الحديث بأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- معصوم عن أن يقضي بباطل بسبب الغضب.
وقيل: إنَّ الغضب طرأ على النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بعد معرفته للحكم، وأمره بالصلح.
قلتُ: إن كان الغضب شديدًا؛ فلا يجوز له الحكم عند ذلك، وإن كان يسيرًا؛ جاز؛ لأنَّ الغضب اليسير لا يفقد الإنسان شعوره وإرادته وتفكيره، والله أعلم. (٣)
стр. 5670
فائدة: ألحقوا بالغضب كل ما يشغل الذهن، كالغم، والحزن الشديد، والجوع، والعطش الشديد، ومدافعة الأخبثين، وما أشبه ذلك.
مسألة [٢]: هل ينفذ القضاء إذا قضى في غضبه ؟
• جمهور العلماء على نفوذه إذا وافق الحق؛ لأنَّ العلة هو أن لا يقضي بالحق؛ لانشغال الذهن.
• وذهب بعض الحنابلة، والصنعاني إلى عدم نفوذه؛ لأنَّ النهي يقتضي الفساد.
والصحيح قول الجمهور. (١)
تنبيه: يظهر أنَّ موضع الخلاف السابق هو فيما إذا لم يبلغ به الغضب إلى حالة لا يشعر بها بما يقول؛ لأنه حينئذ زائل العقل في حكم المجنون.
стр. 5671
١٣٨٦ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إذَا تَقَاضَى إلَيْك رَجُلَانِ فَلَا تَقْضِ لِلْأَوَّلِ حَتَّى تَسْمَعَ كَلَامَ الآخَرِ، فَسَوْفَ تَدْرِي كَيْفَ تَقْضِي»، قَالَ عَلِيٌّ: فَمَا زِلْتُ قَاضِيًا بَعْدُ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُودَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَقَوَّاهُ ابْنُ المَدِينِيِّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (١)
١٣٨٧ - وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ الحَاكِمِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ. (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: هل يجب على الحاكم أن يسمع من الخصمين ؟
دلَّ حديثُ الباب على وجوب ذلك، والحديث ضعيف، ولكنَّ العمل عليه، فما زال القضاء على ذلك في عهد رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ثم خلفائه الراشدين، ثم من بعدهم. وقد خطَّأ الله نبيه داود ﵇ عند أن قضى بين الخصمين، ولم يسمع من الآخر.
• ويدل على وجوب ذلك أنه قد يكون للمدَّعى عليه بيان أو تأويل مقبول، أو عذر سائغ، أو ما أشبه ذلك، وهذا قول جمهور العلماء.
• وقال بعض الشافعية: لا يجب كالغائب، والصحيح قول الجمهور. (٣)
стр. 5672
مسألة [٢]: القضاء على الغائب إذا قامت بينة .
• جمهور العلماء على جواز القضاء على الغائب إن قامت البينة، وهو قول ابن شبرمة، ومالك، والأوزاعي، والليث، والشافعي، وأبي عبيد، وأحمد، والأوزاعي وإسحاق، وابن المنذر. واستدلوا بحديث: إنَّ أبا سفيان رجلٌ شحيح .. .
• وذهب بعض أهل العلم إلى عدم جواز ذلك، وهو قول شريح، وابن أبي ليلى، والثوري، والحنفية، وأحمد في رواية، ونُقل عن الشعبي، والقاسم.
واستدلوا على ذلك بحديث علي ﵁ الذي في الباب: «إذَا تَقَاضَى إلَيْك رَجُلَانِ»؛ ولأنَّ الغائب قد يقدح في البينة.
وأجاب الجمهور عن ذلك بضعف حديث علي، وعلى صحته فالمقصود به الحاضران كما هو ظاهر اللفظ، وقالوا: إذا قدم الغائب، ونقض البينة بحق؛ نقض الحكم ولا إشكال في ذلك. والصحيح هو قول الجمهور، والله أعلم. (١)
تنبيه: القضاء على الغائب إنما هو في حقوق الآدميين، فأما الحدود؛ فلا، نقل الحافظ الاتفاق على ذلك. (٢)
تنبيه آخر: الحاضر في البلد لا يقضي إلا بحضوره، عند الجمهور، خلافًا لبعض الشافعية. (٣)
стр. 5673
١٣٨٨ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ، فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَأَقْضِي لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ، فَمَنْ قَطَعْت لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: قضاء الحاكم لا يغير الشيء عن صفته .
• ذهب جمهور العلماء إلى أنَّ الحاكم إذا أخطأ في الحكم فقضى لشخصٍ بمال من أخيه؛ فذلك المال لا يحل للآخر؛ لحديث أم سلمة، ومثله لو قضى لرجل بأنَّ فلانة زوجته، وهو مخطئ؛ فلا تحل له بذلك.
• وخالف أبو حنيفة فقال: حكم الحاكم ينفذ ظاهرًا، وباطنًا، فيصير المال والمرأة حلالين. وقوله فاسدٌ باطل. (٢)
مسألة [٢]: هل للحاكم أن يحكم بعلمه ؟
• ذهب الأكثر إلى أنَّ الحاكم ليس له أن يحكم بعلمه، وهو قول شريح، والشعبي، ومالك، وأحمد، وإسحاق، والشافعي، وأبي عبيد ومحمد بن الحسن. واستدلوا بحديث أم سلمة: «فَأَقْضِي لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ»، وقالوا: قضاؤه بعلمه موضع التهمة، وفتح لباب المحاباة.
• وذهب بعضهم إلى الجواز، وهو قول للشافعي، ورواية عن أحمد، وهو قول
стр. 5674
المزني؛ وذلك لأنَّ علمه أوثق في نفسه من البينة.
• وذهب أبو حنيفة إلى جوازه في حقوق الآدميين إلا ما كان قبل ولايته، ولا يجوز في الحدود. والصحيح هو القول الأول، والله أعلم، وهو ترجيح الإمام ابن عثيمين ﵀. (١)
مسألة [٣]: إذا شهد عند الحاكم من لا يعرفه ؟
• مذهب الأكثر أنه يسأل عنه؛ فإنْ شُهِدَ له بالعدالة؛ حكم بها، وإلا فلا، وهذا قول أحمد، والشافعي، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن.
• وذهب الحسن، وأحمد في رواية إلى أنه يحكم بشهادته؛ لكونه مسلمًا.
• وقال أبو حنيفة: يحكم بشهادته إلا أن يدَّعِي الخصم فسقه.
والصحيح هو القول الأول؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق:٢]، وقوله: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة:٢٨٢]، وقوله: ﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة:١٠٦]. (٢)
مسألة [٤]: كم هو المعتبر في تزكية الشهود ؟
• ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنَّ المعتبر تزكية عدلين، وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد في رواية، ومحمد بن الحسن، وابن المنذر؛ لأنه إثبات صفة من يبني الحاكم على صفته، فاعتبر فيها العدد.
стр. 5675
• وذهب بعضُ أهل العلم إلى صحة ذلك من الواحد، وهو قول أحمد في رواية، وأبي حنيفة، وهو اختيار شيخ الإسلام ﵀؛ لأنها خبر وتعريف، وليست شهادة، وهو اختيار الإمام ابن عثيمين ﵀ وهو الصحيح، والله أعلم. (١)
مسألة [٥]: إذا قال: لا أعلم عنه إلا خيرًا ؟
• ذهب مالك، والشافعي، وأحمد إلى أنه لا يكفي في التزكية؛ لأن نفي علمه لا يدل على ثبوت الخير والصلاح لذلك الشخص.
• وذهب أبو يوسف، والبتي إلى أنه يكفي، ورجَّح ابن قدامة القول الأول، وهو الصحيح، والله أعلم. (٢)
مسألة [٦]: الجرح والتعديل من النساء ؟
• مذهب أحمد، والشافعي عدم قبوله؛ لأنَّه شهادة فيما ليس بمال، فيما يطلع عليه الرجال.
• ومذهب أبي حنيفة، وأحمد في رواية قبوله؛ لأنه خبر وتعريف. وهذا هو الصحيح، والله أعلم. (٣)
مسألة [٧]: هل يقبل الجرح من الخصم ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٤/ ٥٠): لا يقبل الجرح من الخصم بلا خلاف بين العلماء. اهـ