١٣٨٦ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إذَا تَقَاضَى إلَيْك رَجُلَانِ فَلَا تَقْضِ لِلْأَوَّلِ حَتَّى تَسْمَعَ كَلَامَ الآخَرِ، فَسَوْفَ تَدْرِي كَيْفَ تَقْضِي»، قَالَ عَلِيٌّ: فَمَا زِلْتُ قَاضِيًا بَعْدُ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُودَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَقَوَّاهُ ابْنُ المَدِينِيِّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (١)
١٣٨٧ - وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ الحَاكِمِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ. (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: هل يجب على الحاكم أن يسمع من الخصمين ؟
دلَّ حديثُ الباب على وجوب ذلك، والحديث ضعيف، ولكنَّ العمل عليه، فما زال القضاء على ذلك في عهد رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ثم خلفائه الراشدين، ثم من بعدهم. وقد خطَّأ الله نبيه داود ﵇ عند أن قضى بين الخصمين، ولم يسمع من الآخر.
• ويدل على وجوب ذلك أنه قد يكون للمدَّعى عليه بيان أو تأويل مقبول، أو عذر سائغ، أو ما أشبه ذلك، وهذا قول جمهور العلماء.
• وقال بعض الشافعية: لا يجب كالغائب، والصحيح قول الجمهور. (٣)
стр. 5672
مسألة [٢]: القضاء على الغائب إذا قامت بينة .
• جمهور العلماء على جواز القضاء على الغائب إن قامت البينة، وهو قول ابن شبرمة، ومالك، والأوزاعي، والليث، والشافعي، وأبي عبيد، وأحمد، والأوزاعي وإسحاق، وابن المنذر. واستدلوا بحديث: إنَّ أبا سفيان رجلٌ شحيح .. .
• وذهب بعض أهل العلم إلى عدم جواز ذلك، وهو قول شريح، وابن أبي ليلى، والثوري، والحنفية، وأحمد في رواية، ونُقل عن الشعبي، والقاسم.
واستدلوا على ذلك بحديث علي ﵁ الذي في الباب: «إذَا تَقَاضَى إلَيْك رَجُلَانِ»؛ ولأنَّ الغائب قد يقدح في البينة.
وأجاب الجمهور عن ذلك بضعف حديث علي، وعلى صحته فالمقصود به الحاضران كما هو ظاهر اللفظ، وقالوا: إذا قدم الغائب، ونقض البينة بحق؛ نقض الحكم ولا إشكال في ذلك. والصحيح هو قول الجمهور، والله أعلم. (١)
تنبيه: القضاء على الغائب إنما هو في حقوق الآدميين، فأما الحدود؛ فلا، نقل الحافظ الاتفاق على ذلك. (٢)
تنبيه آخر: الحاضر في البلد لا يقضي إلا بحضوره، عند الجمهور، خلافًا لبعض الشافعية. (٣)
стр. 5673
١٣٨٨ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ، فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَأَقْضِي لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ، فَمَنْ قَطَعْت لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: قضاء الحاكم لا يغير الشيء عن صفته .
• ذهب جمهور العلماء إلى أنَّ الحاكم إذا أخطأ في الحكم فقضى لشخصٍ بمال من أخيه؛ فذلك المال لا يحل للآخر؛ لحديث أم سلمة، ومثله لو قضى لرجل بأنَّ فلانة زوجته، وهو مخطئ؛ فلا تحل له بذلك.
• وخالف أبو حنيفة فقال: حكم الحاكم ينفذ ظاهرًا، وباطنًا، فيصير المال والمرأة حلالين. وقوله فاسدٌ باطل. (٢)
مسألة [٢]: هل للحاكم أن يحكم بعلمه ؟
• ذهب الأكثر إلى أنَّ الحاكم ليس له أن يحكم بعلمه، وهو قول شريح، والشعبي، ومالك، وأحمد، وإسحاق، والشافعي، وأبي عبيد ومحمد بن الحسن. واستدلوا بحديث أم سلمة: «فَأَقْضِي لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ»، وقالوا: قضاؤه بعلمه موضع التهمة، وفتح لباب المحاباة.
• وذهب بعضهم إلى الجواز، وهو قول للشافعي، ورواية عن أحمد، وهو قول
стр. 5674
المزني؛ وذلك لأنَّ علمه أوثق في نفسه من البينة.
• وذهب أبو حنيفة إلى جوازه في حقوق الآدميين إلا ما كان قبل ولايته، ولا يجوز في الحدود. والصحيح هو القول الأول، والله أعلم، وهو ترجيح الإمام ابن عثيمين ﵀. (١)
مسألة [٣]: إذا شهد عند الحاكم من لا يعرفه ؟
• مذهب الأكثر أنه يسأل عنه؛ فإنْ شُهِدَ له بالعدالة؛ حكم بها، وإلا فلا، وهذا قول أحمد، والشافعي، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن.
• وذهب الحسن، وأحمد في رواية إلى أنه يحكم بشهادته؛ لكونه مسلمًا.
• وقال أبو حنيفة: يحكم بشهادته إلا أن يدَّعِي الخصم فسقه.
والصحيح هو القول الأول؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق:٢]، وقوله: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة:٢٨٢]، وقوله: ﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة:١٠٦]. (٢)
مسألة [٤]: كم هو المعتبر في تزكية الشهود ؟
• ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنَّ المعتبر تزكية عدلين، وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد في رواية، ومحمد بن الحسن، وابن المنذر؛ لأنه إثبات صفة من يبني الحاكم على صفته، فاعتبر فيها العدد.
стр. 5675
• وذهب بعضُ أهل العلم إلى صحة ذلك من الواحد، وهو قول أحمد في رواية، وأبي حنيفة، وهو اختيار شيخ الإسلام ﵀؛ لأنها خبر وتعريف، وليست شهادة، وهو اختيار الإمام ابن عثيمين ﵀ وهو الصحيح، والله أعلم. (١)
مسألة [٥]: إذا قال: لا أعلم عنه إلا خيرًا ؟
• ذهب مالك، والشافعي، وأحمد إلى أنه لا يكفي في التزكية؛ لأن نفي علمه لا يدل على ثبوت الخير والصلاح لذلك الشخص.
• وذهب أبو يوسف، والبتي إلى أنه يكفي، ورجَّح ابن قدامة القول الأول، وهو الصحيح، والله أعلم. (٢)
مسألة [٦]: الجرح والتعديل من النساء ؟
• مذهب أحمد، والشافعي عدم قبوله؛ لأنَّه شهادة فيما ليس بمال، فيما يطلع عليه الرجال.
• ومذهب أبي حنيفة، وأحمد في رواية قبوله؛ لأنه خبر وتعريف. وهذا هو الصحيح، والله أعلم. (٣)
مسألة [٧]: هل يقبل الجرح من الخصم ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٤/ ٥٠): لا يقبل الجرح من الخصم بلا خلاف بين العلماء. اهـ
١٣٩٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: سَمِعْت رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «يُدْعَى بِالقَاضِي العَادِلِ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيَلْقَى مِنْ شِدَّةِ الحِسَابِ مَا يَتَمَنَّى أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ بَيْنَ اثْنَيْنِ فِي عُمْرِهِ». رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَأَخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ، وَلَفْظُهُ: «فِي تَمْرَةٍ». (١)
الحكم المستفاد من الحديث
قال الصنعاني ﵀ في «سبل السلام»: فِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى شِدَّةِ حِسَابِ الْقُضَاةِ فِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ؛ وَذَلِكَ لِمَا يَتَعَاطَوْنَهُ مِنْ الْخَطَرِ، فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَحَرَّى الْحَقَّ، وَيَبْلُغَ فِيهِ جَهْدَهُ، وَيَحْذَرُ مِنْ خُلَطَاءِ السُّوءِ مِنْ الْوُكَلَاءِ وَالْأَعْوَانِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ مَرْفُوعًا: «مَا اسْتَخْلَفَ الله مِنْ خَلِيفَةٍ إلَّا لَهُ بِطَانَتَانِ: بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالْخَيْرِ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وَبِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالشَّرِّ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وَالْمَعْصُومُ مِنْ عَصَمَهُ اللهُ تَعَالَى». (٢) انتهى المراد.
١٣٩٣ - وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَنْ يُفْلِحْ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً». رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (٣)
الحكم المستفاد من الحديث
في هذا الحديث دلالة على عدم جواز تولي المرأة للقضاء، وهو قول الجمهور، وقد تقدم ذكر المسألة عند ذكر شروط القاضي.
стр. 5678
١٣٩٤ - وَعَنْ أَبِي مَرْيَمَ الأَزْدِيِّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ وَلَّاهُ اللهُ شَيْئًا مِنْ أُمُورِ المُسْلِمِينَ فَاحْتَجَبَ عَنْ حَاجَتِهِمْ، وَفَقِيرِهِمُ احْتَجَبَ اللهُ دُونَ حَاجَتِهِ». أَخْرَجَهُ أَبُودَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
قال القاضي حسين المغربي ﵀ في «البدر التمام» (٥/ ١٣٥): فيه دلالة على أنه يجب على من وَلِي أمرًا من أمور المسلمين تسهيل الحجاب ليصل إليه ذو الحاجة فيقضي حاجته، والفقير فيعطيه من مال الله الذي يسد خلَّتَه، وإن لم يفعل ذلك منعه الله تعالى فضله ورحمته. اهـ
стр. 5679
١٣٩٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الرَّاشِيَ وَالمُرْتَشِيَ فِي الحُكْمِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (١)
١٣٩٦ - وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِاللهِ بْنِ عَمْرٍو، عِنْدَ الأَرْبَعَةِ إلَّا النَّسَائِيّ. (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين
مسألة [١]: حكم الرشوة .
الرشوة هي بذل المال ليتوصل إلى إبطال حق، أو نصر باطل، وهو حرام بالاتفاق، ونصَّ جمعٌ من أهل العلم على أنه إن فعل ذلك إنسانٌ -أعني دفع المال- ليأخذ حقَّه، أو يدفع الظلم عن نفسه؛ فإنَّ ذلك جائز.
قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «الاختيارات» (ص ١٨٤): ويجوز للمهدي أن يبذل في ذلك ما يتوصل به إلى أخذ حقه، أو دفع الظلم عنه، وهو المنقول عن
стр. 5680
السلف، والأئمة الأكابر. اهـ (١)
مسألة [٢]: حكم قبول الهدية .
• ذهب أحمد، والشافعي وغيرهما إلى أنَّ القاضي لا يجوز له قبول الهدية إلا ممن اعتاد منه الإهداء قبل تولي القضاء.
واستدلوا على ذلك بحديث أبي حميد الساعدي أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «إني أستعمل الرجلَ منكم على العمل مما ولاني الله، فيأتي فيقول: هذا لكم، وهذا أُهدي لي، أفلا جلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هديته ... » الحديث. (٢)
• وذهب أبو حنيفة إلى الكراهة فقط، والصحيح قول الجمهور. (٣)
стр. 5681
١٣٩٧ - وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ﵄ قَالَ: قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنَّ الخَصْمَيْنِ يَقْعُدَانِ بَيْنَ يَدَيِ الحَاكِمِ. رَوَاهُ أَبُودَاوُد، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: التسوية بين الخصمين في المقعد، والخطاب .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٤/ ٦٢): عَلَى الْقَاضِي الْعَدْلُ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِنْ المَجْلِسِ وَالْخِطَابِ، وَاللَّحْظِ وَاللَّفْظِ، وَالدُّخُولِ عَلَيْهِ، وَالْإِنْصَاتِ إلَيْهِمَا، وَالِاسْتِمَاعِ مِنْهُمَا. وَهَذَا قَوْلُ شُرَيْحٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا. اهـ
ونصَّ جماعةٌ من أهل العلم على أنه يُشرع أن يُرْفَع المسلم على الذمي عند الحاكم إذا تخاصم ذمي مع مسلم. (٢)
مسألة [٢]: هل يجوز للحاكم أن ينقض حكم حاكم قبله ؟
• نصَّ أحمد، والشافعي، وغيرهما على أنه لا يجوز له نقض حكمَ غيره؛ إلا إذا خالف نصًّا، أو إجماعًا.
• وقيده مالك، وأبو حنيفة بما إذا خالف الإجماع فقط. وقد أُورِدَتْ عليهم
стр. 5682
بعض المسائل التي أباحوا نقض الحكم فيها مع أنَّ فيها خلافًا.
• وذهب داود الظاهري، وأبو ثور إلى أنه ينقض جميع ما استبان خطؤه، وهو اختيار الشوكاني.
واختار شيخ الإسلام القول الأول، وقيَّد ذلك بما إذا لم يكن الحكم في مسائل الاجتهاد التي اختلف فيها السلف.
وهذا هو الصواب، والله أعلم. (١)
стр. 5683
بَابُ الشَّهَادَاتِ
١٣٩٨ - عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ الشُّهَدَاءِ؟ هُوَ الَّذِي يَأْتِي بِشهَادَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (١)
١٣٩٩ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «إنَّ خَيْرَكُمْ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَكُونُ قَوْمٌ يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ، وَيَنْذِرُونَ وَلَا يُوفُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين
الجمع بين الحديثين:
في الحديث الأول مدح من يأتي بالشهادة قبل أن يسألها، وفي الثاني ذم من يشهد بدون استشهاد، فاختلف العلماء في الجمع بين الحديثين على أقوال:
• منهم من قال: المراد بحديث زيد ﵁ من عنده شهادة لإنسان بحق لا يعلم بها صاحبها، فيأتي إليه، فيخبره، وحديث عمران فيما سوى ذلك، وهو جواب يحيى بن سعيد الأنصاري، ومالك، وقال الحافظ: هذا أحسن الأجوبة.
• ومنهم من قال: حديث زيد المراد به شهادة الحسبة، وهي ما لا يتعلق بحقوق الآدميين المختصة بهم محضًا، ويدخل في الحسبة ما يتعلق بحق الله، أو
стр. 5684
فيه شائبة، منه: كالعتاق، والوقف، والوصية العامة، والعدة، والطلاق، والحدود، ونحو ذلك.
• ومنهم من قال: حديث عمران بن حصين محمول على شهادة الزور، أي: يؤدون شهادة، ولم يسبق لهم تحملها، نقله الترمذي عن بعض أهل العلم، واختار هذا القول شيخ الإسلام.
وهناك أقوال أخرى هذه أقواها، وأقوى الأقوال الثالث، ثم الأول، والله أعلم. (١)
مسألة [١]: حكم تحمل الشهادة وأدائها ؟
ذكر أهل العلم أنَّ ذلك فرض كفاية، وقد يتعين إن لم يوجد غيره يتحمل الشهادة، أو يؤدي، قال تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة:٢٨٢]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة:٢٨٣]. (٢)
مسألة [٢]: أخذ مال مقابل الشهادة ؟
• مذهب الحنابلة أنها إن كانت لم تتعين؛ فيجوز له الأخذ إن كان محتاجًا، وإن تعينت عليه، ففيه قولان عندهم: منهم من أجاز الأخذ، ومنهم من منع؛ لئلا يؤخذ على الواجب أجرًا.
стр. 5685
• ومذهب الشافعية أنها إن تعينت؛ لم يجز له الأخذ، وإن لم تتعين فوجهان: منهم من أجاز، ومنهم من منع.
والذي يظهر أنه لا يجوز له الاشتراط، وإن أعطي عن غير شرط؛ فله أخذه، والترك أحوط وأفضل، ولكن إن كان عليه في الشهادة بعض الأتعاب، ويتعطل عن بعض عمله؛ فيرجى أن لا بأس عليه باشتراط شيء مقابل تعبه، وتعطيله عن عمله، والله أعلم. (١)
стр. 5686
١٤٠٠ - وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ، خَائِنٍ، وَلَا خَائِنَةٍ، وَلَا ذِي غِمْرٍ (١) عَلَى أَخِيهِ، وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ القَانِعِ (٢) لِأَهْلِ البَيْتِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُودَاوُد. (٣)
١٤٠١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ بَدَوِيٍّ عَلَى صَاحِبِ قَرْيَةٍ». رَوَاهُ أَبُودَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ. (٤)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين
مسألة [١]: شروط الشاهد .
يُشترط في الشاهد أن يكون مسلمًا، عاقلًا، بالغًا، عدلًا، متيقظًا، حافظًا لما يشهد به؛ فخرج بذلك الكافر، والمجنون، والصبي، والفاسق، والمغفل.
واختلف الفقهاء هل تقبل شهادة الفاسق بشبهة، وهم المبتدعة؟
• فمن أهل العلم من ردَّ شهادتهم ولم يقبلها، وهو قول مالك، وشريك، وإسحاق، وأحمد، وأبي عبيد، وأبي ثور؛ لأنه يعتبر فاسقًا، وليس بعدل.
стр. 5687
• وذهب بعضهم إلى قبول شهادتهم؛ مالم يُعرف منهم الكذب، وهو قول ابن أبي ليلى، والشافعي، والثوري، والحنفية، وسَوَّار، وغيرهم؛ وذلك لأنهم يتدينون بذلك، ويعتقدون أنه الحق، ولم يرتكبوا ذلك عالمين بتحريمه، بخلاف فسق الأفعال، ولأنَّ هذا الفسق لا يدل على كذبهم. وهذا القول أقرب، والله أعلم. (١)
تنبيه: أجاز أحمد، ومالك شهادة الأطفال بعضهم على بعض في الجروح إذا شهدوا قبل تفرقهم، وقال به ابن الزبير (٢)، والنخعي.
• وخالف في ذلك ابن عباس، وشريح، وعطاء، والحسن، وطاوس، والأوزاعي، والحنفية؛ لقوله تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة:٢٨٢]، والصحيح القول الأول مع الأخذ بالقرائن والحيطة، والله أعلم. (٣)
مسألة [٢]: شهادة أهل الذمة في الوصية في السفر إذا لم يكن غيرهم ؟
• أجاز ذلك جمعٌ من أهل العلم، صحَّ ذلك عن ابن عباس (٤)، وأبي موسى (٥)، وهو قول شريح، والنخعي، والأوزاعي، وأحمد، وغيرهم.
стр. 5688
واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾ الآية [المائدة:١٠٦]، قالوا: ويُستحلَفان بعد العصر ما خانا، ولا كتما، ولا اشتريا به ثمنًا قليلًا.
• وذهب مالك، والشافعي، وأبو حنيفة إلى أنَّ شهادتهم لا تقبل؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق:٢]، وقوله: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة:٢٨٢]، وادَّعَوا نسخ الآية السابقة، ومنهم من قال: ﴿مِنْكُمْ﴾، أي: من عشيرتكم ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة:١٠٦]، أي: من غير عشيرتكم.
والصحيح القول الأول، وادِّعاءُ النسخ غير مقبول، والتأويل المذكور مستبعد، والله أعلم، وانظر كتابي «فتح المنان فيما صح من منسوخ القرآن». (١)
مسألة [٣]: هل تقبل شهادة الكفار بعضهم على بعض ؟
• ذهب الجمهور إلى عدم قبول شهادتهم على بعضهم، وهو قول الحسن، وابن أبي ليلى، والأوزاعي، ومالك، والشافعي، وأحمد، وأبي ثور، وغيرهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، وقوله: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾.
стр. 5689
• وذهب بعض أهل العلم إلى أنَّ شهادة الكفار تُقبل على بعضهم، وإن اختلفوا في الملة، وهذا قول حماد، وسَوَّار، والثوري، والبتي، وأصحاب الرأي.
• وذهب بعضهم إلى إجازة الشهادة على أهل ملته، وهو قول قتادة، والحكم، وأبي عبيد، وإسحاق.
واستُدِلَّ للفريقين بحديث جابر ﵁ عند ابن ماجه (٢٣٧٤)، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أجاز شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض، وهو حديث ضعيف، في إسناده: مجالد بن سعيد الهمداني، وهو ضعيفٌ، وكما تثبت ولاية بعضهم على بعض؛ فتثبت الشهادة.
وأُجيب بأنَّ الولاية متعلقها القرابة والشفقة، وقرابتهم ثابتة، وشفقتهم كشفقة المسلمين، وجازت لموضع الحاجة.
والصحيح هو قول الجمهور، والله أعلم. (١)
مسألة [٤]: شهادة العبد .
• أما في الحدود فالجمهور على عدم قبول شهادته، والصحيح قبولها، وقد تقدمت المسألة في كتاب الحدود.
وأما في غير الحدود ففيه خلاف.
• فذهب جمعٌ من العلماء إلى قبول شهادته، وهو قول عروة، وشُريح، وإياس،
стр. 5690
وابن سيرين، وأحمد، والبتي، وأبي ثور، وداود، وابن المنذر؛ لأنه تشمله عمومات الأدلة المتقدمة.
• وذهب جمعٌ من أهل العلم إلى عدم قبول شهادته، وهو قول عطاء، ومجاهد، والحسن، ومالك، والأوزاعي، والثوري، والشافعي، وأبي عبيد، وأصحاب الرأي؛ لأنه غير ذي مروءة، ولأنَّ الشهادة مبنية على الكمال؛ فلا يدخل فيها العبد.
والصحيح هو القول الأول، وما ذكروه منازع فيه، ولا يصلح لتخصيص الأدلة. (١)
تنبيه: كذلك الأمة تُقبل شهادتها فيما يقبل فيه شهادة الحرة. (٢)
مسألة [٥]: شهادة البدوي على صاحب القرية .
• ذهب بعضُ أهل العلم إلى أنَّ شهادة البدوي لا تُقبل على صاحب القرية، وهو قول بعض الحنابلة، وأبي عبيد، ومالك في الجِراح.
واستدلوا على ذلك بحديث أبي هريرة الذي في الباب: «لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ بَدَوِيٍّ عَلَى صَاحِبِ قَرْيَةٍ».
• وذهب الأكثر إلى صحة الشهادة وقبولها من البدوي على صاحب القرية، وهو قول ابن سيرين، وأحمد، والشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي، وقال
стр. 5691
بذلك مالك في غير الجراح؛ لأنَّ البدوي يدخل في عموم الأدلة المتقدمة، وهذا القول هو الصحيح، والله أعلم.
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٤/ ١٤٩ - ١٥٠): وَيُحْمَلُ الْحَدِيثُ عَلَى مَنْ لَمْ تُعْرَفْ عَدَالَتُهُ مِنْ أَهْلِ الْبَدْوِ، وَنَخُصُّهُ بِهَذَا؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ لَهُ مَنْ يَسْأَلُهُ الْحَاكِمُ، فَيَعْرِفُ عَدَالَتَهُ. اهـ
مسألة [٦]: شهادة الخصم فيما يخاصم فيه ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٤/ ١٧٤): كُلُّ مَنْ خَاصَمَ فِي حَقٍّ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فِيهِ، كَالْوَكِيلِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فِيمَا هُوَ وَكِيلٌ فِيهِ، وَلَا الْوَصِيِّ فِيمَا هُوَ وَصِيٌّ فِيهِ، وَلَا الشَّرِيكِ فِيمَا هُوَ شَرِيكٌ فِيهِ، وَلَا الْمُضَارِبِ بِمَالٍ أَوْ حَقٍّ لِلْمُضَارَبَةِ، وَلَوْ غَصَبَ الْوَدِيعَةَ مِنْ الْمُودَعِ، وَطَالَبَ بِهَا؛ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ فِيهَا، وَكَذَلِكَ مَا أَشْبَهَ هَذَا؛ لِأَنَّهُ خَصْمٌ فِيهِ، فَلَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ بِهِ، كَالْمَالِكِ. اهـ (١)
مسألة [٧]: شهادة الرجل على آخر بينهما عداوة ؟
• ذهب أكثر العلماء إلى عدم قبول شهادته عليه، وقال بذلك ربيعة، والثوري، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، ومقصودهم في ذلك العداوة الدنيوية، مثل أن يشهد المقذوف على القاذف، والمقطوع عليه الطريق على القاطع، والمقتول وليه على القاتل، وما أشبه ذلك. وأما العداوة في الدين فلا تمنع الشهادة، كالمسلم يشهد على الكافر، والسُّنِّي على المبتدع.
стр. 5692
واستدلوا على منع الشهادة بالعداوة بحديث عبدالله بن عمرو الذي في الباب: «وَلَا ذِي غِمْرٍ عَلَى أَخِيهِ».
• وذهب أبو حنيفة إلى صحة شهادته، ولا تمنع العداوة الشهادة؛ لأنَّ العداوة لا تخل بالعدالة، فلا تمنع الشهادة كالصَّداقة.
وأُجيب عنه بالفرق؛ فإنَّ شهادة الصديق لصديقه بالزور نفع غيره بمضرة نفسه، وبيع آخرته بدنياه، وشهادة العدو على عدوه يقصد بها نفع نفسه بالتشفي من عدوه، فافترقا. (١)
تنبيه: كثير الغلط والغفلة لا تقبل شهادته؛ لاحتمال أن يكون من غلطاته، ولا يمنع من الشهادة وجود غلط نادر، أو غفلة نادرة؛ لأنَّ أحدًا لا يسلم من ذلك.
مسألة [٨]: هل تجوز شهادة الأعمى ؟
• ذهب أبو حنيفة، والشافعي إلى أنَّ ذلك مانع من الشهادة؛ لأنَّ الأصوات تشتبه، وهو قول النخعي، وأبي هاشم.
• وذهب جمعٌ من أهل العلم إلى صحة شهادته إذا تيقن الصوت، وهو قول ابن سيرين، وعطاء، والشعبي، والزهري، ومالك، وابن أبي ليلى، وأحمد، وإسحاق، وابن المنذر، وهو الصحيح؛ لأنه تشمله عموم الأدلة، والله أعلم. (٢)
стр. 5693
مسألة [٩]: هل تجوز شهادة الأخرس ؟
• ذهب بعض أهل العلم إلى عدم جوازها، وهو قول أحمد، وأصحاب الرأي؛ لأنَّ الشهادة يُعتبر فيها اليقين، ولا يحصل اليقين بالإشارة.
• وذهب مالك، والشافعي، وابن المنذر إلى صحة شهادته إذا فهمت منه بالإشارة، أو الكتابة، وهذا هو الصحيح. (١)
مسألة [١٠]: شهادة الوالد لولده، والعكس ؟
• ذهب الجمهور من أهل العلم إلى عدم قبول شهادة الوالد للولد، وإن سفل، والعكس من الذكور والإناث، وهو قول شُريح، والحسن، والشعبي، والنخعي، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي عبيد، وأصحاب الرأي.
واستدلوا على ذلك بحديث عائشة ﵂ عند الترمذي (٢٢٩٨) بنحو حديث عبدالله بن عمرو الذي في الباب، وفيه زيادة: «ولا ظنين في قرابة، ولا ولاء»، أي: متهم لقرابة، أو ولاء، والأب يُتَّهم بولده، والعكس؛ ولأنَّ مال الولد كماله؛ لحديث: «أنت ومالك لأبيك»؛ ولأنَّ الولد بضعة من أبيه، فهو كما لو يشهد لنفسه.
• وعن أحمد رواية بقبول شهادة الولد لوالده دون العكس؛ لما تقدم.
• وعنه رواية ثالثة بقبول شهادة كل واحدٍ منهما لصاحبه فيما لا تهمة فيه،
стр. 5694
كالنكاح، والطلاق، والقصاص، والمال إذا كان مستغنًى عنه.
• وذهب بعض أهل العلم إلى قبول شهادة كل واحد منهما للآخر؛ لعموم الأدلة، رُوي عن شُريح، وهو قول عمر بن عبدالعزيز، وأبي ثور، والمزني، وداود، وإسحاق، وابن المنذر.
ورجَّح الإمام ابن عثيمين ﵀ أنَّ الأب إذا عُلِم منه بروز العدالة بحيث لا يتهم بشهادته لولده؛ فتُقبل شهادته له.
قال ﵀: وتنظر إلى كل قضية بعينها، لاسيما إذا وجدت قرائن تؤيد ما شهدوا به. اهـ
وهذا هو اختيار ابن القيم ﵀ كما في «أعلام الموقعين» (١/ ١١١، ١٢٩ - )، وهو الصحيح، وأما حديثُ عائشة المتقدم ففيه: يزيد بن أبي زياد الدمشقي، وهو شديد الضعف. (١)
مسألة [١١]: شهادة أحد الوالدين على ولده، والعكس ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٤/ ١٨٢): فَأَمَّا شَهَادَةُ أَحَدِهِمَا عَلَى صَاحِبِهِ فَتُقْبَلُ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَلَمْ أَجِدْ عَنْ أَحْمَدَ فِي «الْجَامِعِ» فِيهِ خِلَافًا؛ وَذَلِكَ لِقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء:١٣٥].اهـ
стр. 5695
مسألة [١٢]: شهادة السيد لعبده، والعكس ؟
لا تُقبل شهادة السيد لعبده؛ لأنَّ مال العبد للسيد، فشهادته له شهادة لنفسه.
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٤/ ١٨٣): وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا.
ثم قال ﵀: وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ أَيْضًا بِنِكَاحٍ، وَلَا لِأَمَتِهِ بِطَلَاقٍ؛ لِأَنَّ فِي طَلَاقِ أَمَتِهِ تَخْلِيصَهَا لَهُ، وَإِبَاحَةَ بِضْعِهَا لَهُ، وَفِي نِكَاحِ الْعَبْدِ نَفْعًا لَهُ، وَنَفْعُ مَالِ الْإِنْسَانِ نَفْعٌ لَهُ. وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْعَبْدِ لِسَيِّدِهِ؛ لِأَنَّهُ يَتَبَسَّطُ فِي مَالِ سَيِّدِهِ، وَيَنْتَفِعُ بِهِ، وَيَتَصَرَّفُ فِيهِ، وَتَجِبُ نَفَقَتُهُ مِنْهُ، وَلَا يُقْطَعُ بِسَرِقَتِهِ، فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ كَالِابْنِ مَعَ أَبِيهِ. اهـ
مسألة [١٣]: شهادة أحد الزوجين لصاحبه ؟
• ذهب جمع من أهل العلم إلى عدم جواز هذه الشهادة، وعدم قبولها؛ لأنه موضع تهمة كما تقدم في الوالد وولده، وهذا قول الشعبي، والنخعي، ومالك، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي.
• وذهب جماعةٌ إلى صحة هذه الشهادة، وهو قول شريح، والحسن، والشافعي، وأبي ثور، وأحمد في رواية؛ لأنه عقد على منفعة؛ فلا يمنع قبول الشهادة كالإجارة.
• وقال ابن أبي ليلى، والثوري: تُقبل شهادة الرجل لامرأته دون العكس؛ لأنه لا تهمة في حقه.
стр. 5696
واحتج أصحاب القول الأول بأنَّ كل واحد منهما يرث الآخر من غير حجب، ويتبسط في مال صاحبه عادة؛ ولأنَّ كل واحد منهما ينتفع بزيادة مال صاحبه. ورجَّح الإمام ابن عثيمين ﵀ نفس ما رجحه في الوالد، والولد، وهو اختيار ابن القيم ﵀، وهو الصحيح كما تقدم في المسألة المذكورة. (١)
مسألة [١٤]: شهادة الأخ لأخيه ؟
• عامة أهل العلم على قبول شهادة الأخ لأخيه، وهو قول شريح، وعمر بن عبدالعزيز، والشعبي، والنخعي، والثوري، ومالك، والشافعي، وأبي عبيد، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وأصحاب الرأي.
• ونُقل عن الثوري أنه لا تقبل شهادة كل ذي رحم محرم.
• وعن مالك: لا تُقبل شهادته لأخيه إذا كان منقطعًا إليه في صلته، وبرِّه؛ لأنه متهم في حقه.
واستدل الجمهور بعموم الآيات. (٢)
مسألة [١٥]: شهادة من يجر لنفسه نفعًا ؟
ذكر أهل العلم أنها لا تقبل شهادته؛ لحديث الباب: « ... ، وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ القَانِعِ لِأَهْلِ البَيْتِ». (٣)
стр. 5697
١٤٠٢ - وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ خَطَبَ فَقَالَ: إنَّ أُنَاسًا كَانُوا يُؤْخَذُونَ بِالْوَحْيِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَإِنَّ الْوَحْيَ قَدْ انْقَطَعَ، وَإِنَّمَا نَأْخُذُكُمْ الْآنَ بِمَا ظَهَرَ لَنَا مِنْ أَعْمَالِكُمْ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: ضابط العدل .
• جمهور العلماء على أنَّ العدل من لا يرتكب الكبيرة، ولا يصر على الصغيرة، فمن عُلِمَ منه ذلك؛ فهو عدل، وهذا هو معنى قول عمر ﵁: وإنما نأخذكم بما ظهر لنا من أعمالكم، فمن أظهر لنا خيرًا أمناه وقربناه، وليس إلينا من سريرته شيءٌ، الله يحاسبه في سريرته، ومن أظهر لنا سوءًا؛ لم نأمنه، ولم نصدقه، وإن قال: إنَّ سريرته حسنة.
ومن شهد للإنسان بالعدالة فيقبل منه إن كان مجالسًا له، فقد ثبت عند البيهقي (١٠/ ١٢٥)، وغيره أنَّ عمر بن الخطاب ﵁ شهد عنده رجلٌ، فقال عمر ﵁: لست أعرفك، ولا يضرك أن لا أعرفك، ائت بمن يعرفك، فقال رجل من القوم: أنا أعرفه. قال: بأي شيء تعرفه؟ قال: بالعدالة، والفضل. فقال: هو جارك الأدنى تعرف ليله ونهاره، ومدخله ومخرجه؟ قال: لا. قال: فرفيقك في السفر الذي يستدل به على مكارم الأخلاق؟ قال: لا. قال: لست تعرفه. ثم قال
стр. 5698
للرجل: ائت بمن يعرفك. اهـ
وقد صححه الإمام الألباني ﵀ في «الإرواء» (٨/ ٢٦٠) (٢٦٣٧).
وحديث عمر يدل على أنه ليس الأصل في المسلمين العدالة كما يقوله البعض، بل الأصل فيهم ستر الحال، حتى تتبين عدالتهم، أو فسقهم، فإذا عُلم الرجل بالخير والفضل؛ فالأصل فيه ذلك حتى يظهر منه خلاف ذلك، وإذا عُلم الرجل بالشر والفسق؛ فالأصل فيه ذلك حتى يظهر خلافه، والله أعلم.
قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (١٥/ ٣٥٧): وأما قول من يقول: (الأصل في المسلمين العدالة)؛ فهو باطل، بل الأصل في بني آدم الجهل، والظلم، كما قال تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب:٧٢]، ومجرد التكلم بالشهادتين لا يوجب انتقال الإنسان عن الظلم، والجهل، إلى العدل. اهـ
قلتُ: ليس مراده ﵀ أن يحكم على المسلم بأنه ظالم حتى يظهر خلاف ذلك، وإنما مراده الرد على المقالة المذكورة، وأنه يحتاج إلى ثبوت العدالة بغير كونه مسلمًا فحسب.
وقد قرر ذلك أيضًا الإمام ابن القيم ﵀ كما في «أعلام الموقعين» (١/ ١٢٩). (١)
стр. 5699
١٤٠٣ - وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ عَدَّ شَهَادَةَ الزُّورِ فِي أَكْبَرِ الكَبَائِرِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فِي حَدِيثٍ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: حكم شهادة الزور .
ذكر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنَّ شهادة الزور من كبائر الذنوب، قال الطبري: وأصل الزور تحسين الشيء، ووصفه بخلاف صفته، حتى يخيل لمن سمعه أنه بخلاف ما هو به.
والمقصود به ههنا أنْ يشهد الشاهد بخلاف الحق، وهو يعلم ذلك، وقد قرن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- شهادة الزور بالإشراك؛ لعِظَمِ فسادها.
وذكر جمهور العلماء أنه يعزر، ويشهر، ومتى تاب، وظهر صدقه وعدالته؛ قُبلت شهادته عند الجمهور خلافًا لمالك. (٢)
стр. 5700
١٤٠٤ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِرَجُلٍ: «تَرَى الشَّمْسَ؟» قَالَ نَعَمْ، قَالَ: «عَلَى مِثْلِهَا فَاشْهَدْ، أَوْ دَعْ». أَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ فَأَخْطَأَ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: الشهادة تكون بعلم لا بظن .
ذكر أهل العلم أنَّ الشهادة لا تجوز لشخص إلا بما علمه؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف:٨٦].
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:٣٦].
واستدلوا بحديث ابن عباس ﵄: «عَلَى مِثْلِهَا، فَاشْهَدْ»، وهو ضعيف كما بَيَّنَّا.
стр. 5701
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٤/ ١٣٨): وَمَدْرَكُ الْعِلْمِ الَّذِي تَقَعُ بِهِ الشَّهَادَةُ اثْنَانِ: الرُّؤْيَةُ، وَالسَّمَاعُ. اهـ
مسألة [٢]: هل يشترط أن يعرف الشاهد عين المشهود عليه، واسمه، ونسبه ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٤/ ١٣٩): إذَا عَرَفَ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ بِاسْمِهِ، وَعَيْنِهِ، وَنَسَبِهِ؛ جَازَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ، حَاضِرًا كَانَ أَوْ غَائِبًا، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ ذَلِكَ؛ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ مَعَ غَيْبَتِهِ، وَجَازَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ حَاضِرًا بِمَعْرِفَةِ عَيْنِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ. اهـ
مسألة [٣]: الشهادة على الأمور المستفيضة المشتهرة ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٤/ ١٤١): أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى صِحَّةِ الشَّهَادَةِ بِهَا فِي النَّسَبِ وَالْوِلَادَةِ، قَالَ ابْنُ المُنْذِرِ: أَمَّا النَّسَبُ فَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنَعَ مِنْهُ، وَلَوْ مُنِعَ ذَلِكَ لَاسْتَحَالَتْ مَعْرِفَةُ الشَّهَادَةُ بِهِ؛ إذْ لَا سَبِيلَ إلَى مَعْرِفَتِهِ قَطْعًا بِغَيْرِهِ، وَلَا تُمْكِنُ المُشَاهَدَةُ فِيهِ، وَلَوْ اُعْتُبِرْت المُشَاهَدَةُ؛ لَمَا عَرَفَ أَحَدٌ أَبَاهُ، وَلَا أُمَّهُ، وَلَا أَحَدًا مِنْ أَقَارِبِهِ. اهـ
• ثم نقل عن الحنابلة أنهم يجوزون الشهادة بالاستفاضة في النكاح، والملك المطلق، والوقف، ومصرفه، والموت، والعتق، والولاء، والولاية، والعزل، وهو قول بعض الشافعية.
стр. 5702
• وقال بعض الشافعية: لا تجوز في الوقف، والولاء، والعتق، والزوجية؛ لأنَّ الشهادة ممكنة فيها بالقطع.
قال الحافظ ﵀ في «الفتح»: وَعَنْ أَبِي حَنِيفَة تَجُوزُ فِي اَلنَّسَبِ، وَالْمَوْتِ، وَالنِّكَاحِ، وَالدُّخُولِ، وَكَوْنِهِ قَاضِيًا. زَادَ أَبُو يُوسُف: وَالْوَلَاء. زَادَ مُحَمَّد: وَالْوَقْف. اهـ
وقال مالك: السماع في الأحباس، والولاء جائز. (١)
стр. 5703
١٤٠٥ - وَعَنْهُ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَضَى بِيَمِينٍ وَشَاهِدٍ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَأَبُودَاوُد وَالنَّسَائِيُّ، وَقَالَ: إسْنَادُهُ جَيِّدٌ. (١)
١٤٠٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ مِثْلُهُ. أَخْرَجَهُ أَبُودَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين
مسألة [١]: عدد الشهود الذي يقضى به ؟
تقدم في باب الحدود أنَّ الزنى يُشترط فيه أربعة شهود، وهذا مُجمع عليه، وألحق به الفقهاء الشهادة على اللواط.
وهناك أقسام أخرى غير ذلك:
القسم الأول: الحدود الأخرى والقصاص.
• فذهب أكثر العلماء إلى أنه لا يقبل فيه إلا شهادة رجلين، إلا ما رُوي عن عطاء، وحماد أنهما قالا: يُقبل فيه رجل وامرأتان؛ قياسًا على الشهادة في الأموال. وهو قول ابن حزم.
• وعن الحسن: الشهادة على القتل كالشهادة على الزنى؛ لأنها تُبيح الدم.
واستدل الجمهور على قولهم بقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾
стр. 5704
[الطلاق:٢]، وقوله ﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة:١٠٦]، فإذا كان هذا في حق الرجعة والوصية؛ ففي الحدود من باب أولى؛ لأنها تُدرأ بالشبهات، وفي شهادة النساء شبهة؛ لقوله تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة:٢٨٢]، وهو قول سعيد بن المسيب، والنخعي، والزهري، وحماد، وربيعة، وأصحاب المذاهب الأربعة وغيرهم.
القسم الثاني: ما ليس بعقوبة، ولا يُقصد به المال.
كالنكاح، والرجعة، والطلاق، والعتاق، والتوكيل، والوصية، وما أشبه ذلك.
• فذهب الجمهور إلى أنه لا يقبل فيها إلا شهادة رجلين، وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد في المشهور عنه، وقال بذلك النخعي، والزهري، وغيرهما.
واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق:٢] في الطلاق والرجعة، وقوله تعالى في الوصية ﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة:١٠٦].
• وذهب بعضهم إلى أنه يقبل فيه شهادة رجلين، أو رجل وامرأتين، رُوي ذلك عن جابر بن زيد، وإياس بن معاوية، وهو قول الشعبي، والثوري، وإسحاق، وأصحاب الرأي، وأحمد في رواية، وابن حزم.
واحتجوا بأنه لا يسقط بالشبهة، فيثبت برجل وامرأتين كالمال؛ ولأنَّ شهادة المرأتين تعدل شهادة رجل كما في السنة، واختاره شيخ الإسلام، والشوكاني،
стр. 5705
وابن عثيمين. وهذا القول أقرب، والله أعلم. (١)
مسألة [٢]: هل يُقبل في هذين القسمين شاهد ويمين ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٤/ ١٢٨): وَلَا يَثْبُتُ شَيْءٌ مِنْ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ بِشَاهِدٍ وَيَمِينِ الْمُدَّعِي؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَثْبُتْ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، فَلِئَلَّا يَثْبُتَ بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ وَيَمِينٍ أَوْلَى. قَالَ أَحْمَدُ، وَمَالِكٌ فِي الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ: إنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ فِي الْأَمْوَالِ خَاصَّةً، لَا يَقَعُ فِي حَدٍّ، وَلَا نِكَاحٍ، وَلَا طَلَاقٍ، وَلَا عَتَاقَةٍ، وَلَا سَرِقَةٍ، وَلَا قَتْلٍ.
ثم نقل عن أحمد رواية بجواز ذلك في العتق.
قال: فَيَخْرُجَ مِثْلُ هَذَا فِي الْكِتَابَةِ، وَالْوَلَاءِ، وَالْوَصِيَّةِ، والْوَدِيعَةِ، وَالْوَكَالَةِ، فَيَكُونَ فِي الْجَمِيعِ رِوَايَتَانِ، مَا خَلَا الْعُقُوبَاتِ الْبَدَنِيَّةَ، وَالنِّكَاحَ، وَحُقُوقَهُ؛ فَإِنَّهَا لَا تَثْبُتُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، قَوْلًا وَاحِدًا. قَالَ الْقَاضِي- هو أبو يعلى الحنبلي-: الْمَعْمُولُ عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَاهُ، أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ. اهـ، وهو قول ابن حزم. (٢)
القسم الثالث: ما يُقصد به المال.
كالقرض، والديون، والبيع، والإجارة، والهبة، والصلح، والمضاربة، والشركة، والجناية الموجبة للمال، وما أشبه ذلك.
стр. 5706
ولا خلاف بين أهل العلم في أنَّ المال يثبت بشهادة النساء مع الرجال؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة:٢٨٢] إلى قوله: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة:٢٨٢].
• وخالف بعض الحنابلة في الجناية على البدن الموجبة للمال، فقالوا: لا تثبت إلا بشهادة رجلين.
قال ابن قدامة ﵀: وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ مُوجَبَهَا الْمَالُ، فَأَشْبَهَتْ الْبَيْعَ، وَفَارَقَ مَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ لَا تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ، وَكَذَلِكَ مَا يُوجِبُهُ. وَالْمَالُ يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ، وَكَذَلِكَ مَا يُوجِبُهُ. اهـ
مسألة [٣]: وهل يقبل في هذا القسم الشاهد، ويمين المدعي ؟
• ذهب أكثر أهل العلم إلى قبول ذلك، ورُوي ذلك عن الخلفاء الأربعة (١)،
стр. 5707
وهو قول الفقهاء السبعة، وهو قولُ جمعٍ من التابعين، وهو مذهب مالك، والشافعي، وأحمد.
• وذهب الشعبي، والنخعي، وأصحاب الرأي، والأوزاعي إلى أنه لا يُقضى بيمين وشاهد. واستدلوا بالآية المتقدمة، وليس فيها ذكر اليمين، والشاهد، وفي الحديث: «واليمين على المدَّعَى عليه».
وردَّ عليهم الجمهور بحديث ابن عباس، وأبي هريرة ﵄ اللذين في الباب، وقد رام الحنفية وغيرهم تضعيف الحديثين بدون حجة، فالصحيح قول الجمهور، والله أعلم. (١)
فائدة: قال ابن قدامة ﵀ (١٤/ ١٣٢): قَالَ أَحْمَدُ: مَضَتْ السُّنَّةُ أَنْ يُقْضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ؛ فَإِنْ أَبَى أَنْ يَحْلِفَ؛ اسْتُحْلِفَ الْمَطْلُوبُ. وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ. يُرْوَى عَنْ أَحْمَدَ: فَإِنْ أَبَى الْمَطْلُوبُ أَنْ يَحْلِفَ؛ ثَبَتَ الْحَقُّ عَلَيْهِ. اهـ
وهذا المشهور عن أحمد، وهو قول أبي حنيفة. (٢)
مسألة [٤]: هل تقبل شهادة امرأتين مع يمين المدعي ؟
• مذهب أحمد، والشافعي عدم قبول ذلك؛ لأنَّ الله عزوجل أجاز شهادة المرأتين مع رجل، وأجاز اليمين مع رجل؛ فدلَّ على اعتبار الرجل في ذلك.
стр. 5708
• وذهب مالك إلى جواز ذلك؛ لأنهما في الأموال أُقِيمتا مقام رجل، فيحلف معهما كما يحلف مع الرجل، وهو قول ابن حزم.
وأُجيب بأنهما لو أُقيمتا مقامه من كل وجه؛ لكفى أربع نسوة مقام رجلين، ولَقُبِل في غير الأموال شهادة رجل وامرأتين، ورجَّح قول مالك شيخ الإسلام، وابن عثيمين. وهو الصحيح، والله أعلم. (١)
القسم الرابع: ما لا يطلع عليه الرجال غالبًا.
مثل الولادة، والحيض، والبكارة، والثيوبة، والعدة، والرضاع.
قال ابن قدامة ﵀ (١٤/ ١٣٤ - ): لَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِي قَبُولِ شَهَادَةِ النِّسَاءِ الْمُنْفَرِدَاتِ فِي الْجُمْلَةِ. قَالَ الْقَاضِي: وَاَلَّذِي تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَتُهُنَّ مُنْفَرِدَاتٍ خَمْسَةُ أَشْيَاءَ: الْوِلَادَةُ، وَالِاسْتِهْلَالُ، وَالرَّضَاعُ، وَالْعُيُوبُ تَحْتَ الثِّيَابِ كَالرَّتَقِ، وَالْقَرْنِ، وَالْبَكَارَةِ، وَالثِّيَابَةِ، وَالْبَرَصِ، وَانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ. اهـ
وهذا قول الجمهور، وخالف أبو حنيفة في الرضاع، والاستهلال عقب الولادة، فيطلع عليه الرجال.
واستدل الجمهور عليه بحديث عقبة بن الحارث: «كيف وقد قيل» عند أن شهدت امرأةٌ بالرضاع.
وقالوا: الاستهلال يكون في حالة الولادة، فيتعذر حضور الرجال؛ فأشبه الولادة نفسها؛ ولذلك فقد خالفه صاحباه في ذلك. (٢)
стр. 5709
مسألة [٥]: ما لا يطلع عليه الرجال، كم عدد يُشترط فيه من النساء ؟
• من أهل العلم من أجاز في ذلك شهادة امرأة عدل، وهو مذهب أحمد، وقال به طاوس في الرضاع.
واستدل هؤلاء بحديث عقبة بن الحارث عند أن شهدت امرأة أنها أرضعت عقبة والتي تزوج بها، فأمره النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بفراقها، وقال: «كيف وقد قيل» أخرجه البخاري، واختاره ابن عثيمين، والشوكاني؛ لأنه خبر.
• وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى اشتراط شهادة امرأتين، وهو قول الحكم، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة، والثوري، ومالك، وأحمد في رواية؛ لأنَّ الرجال في الشهادة يُشترط أن يكونوا اثنين، وهم أكمل منهن عقلًا، فالنساء من باب أولى.
• وقال عثمان البتي: يكفي ثلاث.
• وقال أبو حنيفة: تكفي في ولادة الزوجات واحدة دون ولادة المطلقة.
• وقال عطاء، والشعبي، وقتادة، والشافعي، وأبو ثور: لا يقبل فيه إلا أربع؛ لأنَّ شهادة المرأتين بشهادة رجل. وهو قول ابن حزم؛ إلا في الرضاع، فأجازه بشهادة واحدة.
قال أبو عبد الله غفر الله لهُ: الصحيح القول الأول فيما كان خبرًا محضًا، وأما ما كان متعلقًا بحقوق شرعية.
стр. 5710
فالأقرب فيه قول الإمام الشافعي ﵀، والله أعلم. (١)
تنبيه: أجاز بعض أهل العلم شهادة النساء مفردات فيما يطلع عليه الرجال في غير الحدود، ويُشترط فيها ضِعفُ ما يشترط من الرجال، واختار ذلك شيخ الإسلام، وابن عثيمين، بل أجاز ابن حزم، والشوكاني ذلك في الحدود أيضًا. (٢)