← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 165

فتح العلام في دراسة أحاديث بلوغ المرام ط 4

محمد بن علي بن حزام البعداني

Полный текст (5 956 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

١٥٦ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا صَلَاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَلَا صَلَاةَ بَعْدِ العَصْرِ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١) وَلَفْظُ مُسْلِمٍ: «لَا صَلَاةَ بَعْدَ صَلَاةِ الفَجْرِ». ١٥٧ - وَلَهُ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ: ثَلَاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ، وَأَنْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا: حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ، وَحِينَ تَتَضَيَّفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ. (٢) ١٥٨ - وَالحُكْمُ الثَّانِي عِنْدَ الشَّافِعِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، وَزَادَ: إلَّا يَوْمَ الجُمُعَةِ. (٣) ١٥٩ - وَكَذَا لِأَبِي دَاوُد عَنْ أَبِي قَتَادَةَ نَحْوُهُ. (٤) المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث مسألة [١]: الأوقات المنهي عن الصلاة فيها . ذكر الحافظ ﵀ هذه الأحاديث؛ ليُبَيِّنَ الأوقات المنهي عن الصلاة فيها،

стр. 597

وهي كما يلي: الوقت الأول، والثاني: عند طلوع الشمس، حتى ترتفع، وعند غروب الشمس، حتى تغيب، وأحاديث الباب تدل على ذلك، وقد جاء في حديث عمرو ابن عبسة في «صحيح مسلم» (٨٣٢): «فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار»، وكذلك قال في الغروب. ويستمر هذا النهي حتى ترتفع الشمس قيد رمح، أي: في رأي العين، جاء مُقيدًا بهذا القيد في حديث عمرو بن عبسة عند أبي داود (١٢٧٧) بإسناد صحيح، وعلى هذا فالروايات التي فيها: «حتى تطلع»، أو: «حتى تشرق»، أو: «حتى تبرز»، مُقيدٌ بالارتفاع، كما في بعض الأحاديث. قال النووي ﵀ بعد أن ذكر الروايات في هذا الباب: قال عياض: وهذا كله يُبَيِّنُ أنَّ المراد بالطلوع في الروايات الأخرى ارتفاعها، وإشراقها، وإضاءتها، لا مجرد ظهور قرصها، وهذا الذي قاله القاضي صحيح، مُتَعَيِّنٌ، لا عدول عنه للجمع بين الروايات. اهـ • وهذا هو الذي قرره الشافعية، والحنابلة، وغيرهم. (١) الوقت الثالث: حين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل، ويدل على هذا الوقت حديث عقبة بن عامر ﵁ الذي في الباب، وكذلك حديث عمرو بن عبسة في «صحيح مسلم» (٨٣٢)، وغيره، قال: «ثم صَلِّ؛ فإنَّ الصلاة مشهودة، محضورة،

стр. 598

حتى يستقل الظل بالرمح؛ فإنها حينئذ تُسْجَرُ جهنم، فإذا أقبل الفيء، فَصَلِّ». • وقد ذهب جمهور أهل العلم إلى أنَّ هذا الوقت من الأوقات المنهي عن الصلاة فيها. • وخالف الإمام مالك، فقال: ما أدركت أهل الفضل إلا وهم يجتهدون، ويصلون نصف النهار. والراجح قول الجمهور. الوقت الرابع، والخامس: من بعد صلاة الفجر إلى طلوع الشمس، ومن بعد صلاة العصر، حتى تغرب الشمس. وهذا قول جمهور العلماء، وقد خالف ابن المنذر، وابن حزم فلم يجعلا بعد العصر من الأوقات المنهي عنها، ونقله ابن المنذر عن بعض الصحابة، والتابعين، واستدلوا بحديث علي بن أبي طالب عند أبي داود (١٢٧٤): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «لا تصلوا بعد العصر؛ إلا أن تصلوا والشمس مرتفعة»، وفي «صحيح مسلم» (٨٣٣)، عن عائشة أنها قالت: وَهِمَ عمرُ، إنما نهى رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أن يتحرى طلوع الشمس، وغروبها. واستدلوا بحديث بلال، أخرجه أحمد (٦/ ١٢)، وهو في «الصحيح المسند»، قال: لم يكن يُنهى عن الصلاة إلا عند طلوع الشمس؛ فإنها تطلع بين قرني شيطان. واستدلوا بحديث أنس بن مالك ﵁، عند ابن المنذر في «الأوسط»

стр. 599

(٢/ ٣٨٩)، والبزَّار (٦١٣)، بإسناد حسنٍ، مرفوعًا: «لا صلاة عند طلوع الشمس، ولا عند غروبها، وصلوا بين ذلك ما شئتم»، واللفظ لابن المنذر، واستدلوا بحديث أم سلمة، وعائشة ﵄، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يصلي ركعتين بعد العصر. متفق عليه. (١) والراجح هو قول الجمهور؛ لحديث أبي سعيد الذي في الباب، وقد جاء عن أبي هريرة، وعمر، وجمعٍ من الصحابة في «الصحيحين»، وغيرهما. وأما أدلتهم: فحديث علي بن أبي طالب ﵁، له طريقان: الطريق الأولى في إسنادها: وهب بن الأجدع، وهو مجهول حال، والطريق الأخرى أخرجها أحمد (١/ ١٣٠)، عن إسحاق بن يوسف، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي مرفوعًا به. وهذا إسناد ظاهره الاحتجاج، ولكن إسحاق بن يوسف قد خالفه الحفاظ من أصحاب سفيان، فقد رواه وكيع، وعبد الرحمن بن مهدي، ومحمد بن كثير العبدي، وأبو خالد الأحمر، كما في «المسند الجامع» (١٣/ ٢١٥)، وأبو عامر العقدي كما في «إتحاف المهرة» (١١/ ٤٤٠)، وكذلك أبو نُعيم كما في «الإتحاف»، أيضًا كلهم رووه عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن عاصم، عن علي بلفظ: كان رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يصلي على إثر كل صلاة مكتوبة؛ إلا الفجر، والعصر. فرواية إسحاق بن يوسف تُعتبر شاذة غير محفوظة، والله أعلم.

стр. 600

وأما أحاديثهم الأخرى التي استدلوا بها؛ فليس فيها معارضة لأحاديث الجمهور، وإنما فيها التنصيص على بعض الأوقات التي شملتها أحاديث الجمهور، ولا يلزم من ذلك التخصيص، بل هو من باب التنصيص على بعض أفراد العام، فيزيدها تأكيدًا، وتنبيهًا. وأما صلاة النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- للركعتين بعد العصر؛ فهو حُجَّةٌ عليهم لا لهم، ففي «الصحيحين» (١) عن أم سلمة، أنها رأت النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يصليهما، فأرسلت إليه الجارية تقول له: تقول لك أم سلمة: سمعتك تنهى عن الركعتين بعد العصر، ثم رأيتك تصليهما ... ، الحديث، وفيه أنه أخبرها أنه شُغِلَ عن الركعتين بعد الظهر، فقضاهما، والشاهد منه قولها: سمعتك تنهى عن هاتين الركعتين. فأقرها رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- على النَّهي، وأخبرها أنها كانت قضاءً، وكان النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إذا صلَّى صلاةً، أثبتها، فهاتان الركعتان من خصوصيات النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. (٢) مسألة [٢]: هل النهي بعد الفجر، والعصر مُتَعَلِّقٌ بفعل الصلاة، أم بالوقت ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٢/ ٥٢٥): وَالنَّهْيُ عَنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ الصَّلَاةِ، فَمَنْ لَمْ يُصَلِّ أُبِيحَ لَهُ التَّنَفُّلُ، وَإِنْ صَلَّى غَيْرُهُ، وَمَنْ صَلَّى الْعَصْرَ؛ فَلَيْسَ لَهُ التَّنَفُّلُ، وَإِنْ لَمْ يُصَلِّ أَحَدٌ سِوَاهُ، لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا عِنْدَ مَنْ

стр. 601

يَمْنَعُ الصَّلَاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ، فَأَمَّا النَّهْيُ بَعْدَ الْفَجْرِ؛ فَيَتَعَلَّقُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ، وَبِهَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَالْعَلَاءُ بْنُ زِيَادٍ، وَحُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ... ، وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّ النَّهْيَ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ الصَّلَاةِ أَيْضًا كَالْعَصْرِ، وَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ، وَالشَّافِعِيِّ. انتهى المراد. فهذان قولان لأهل العلم، والأول قول الجمهور، وقد استدلوا له بحديث: «لا صلاة بعد الفجر؛ إلا ركعتي الفجر»، وهو حديث حسنٌ، وسيأتي تخريجه إن شاء الله وكذلك بحديث حفصة في «الصحيحين» (١)، قالت: كان رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إذا طلع الفجر لم يُصَلِّ إلا ركعتين خفيفتين. واستدل أهل القول الثاني برواية مسلم المذكورة في الباب: «لا صلاة بعد صلاة الفجر ... »، وبحديث عمرو بن عبسة ﵁ عند مسلم، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «صَلِّ صلاة الصبح، ثم أقصر عن الصلاة حتى ترتفع الشمس». قال أبو عبد الله غفر الله له: أما أحاديث الباب؛ فالظاهر أنها لا تدل على النهي عن الصلاة من بعد طلوع الفجر؛ لأنَّ الأحاديث المطلقة مُقَيَّدة بمثل حديث أبي سعيد، وعمرو بن عبسة، ولكن قد استُفِيد تحريم الصلاة من بعد طلوع الفجر من أدلة أخرى، كما أشار إليها الجمهور، والله أعلم. (٢) مسألة [٣]: هل النهي للتحريم، أم للكراهة ؟ • ذهب بعض الشافعية إلى أنَّ النهي للكراهة، وخالف الجمهور، فحملوا

стр. 602

النهي على التحريم، كما هو الأصل فيه، وهو وجهٌ عند الشافعية أيضًا، رجَّحه النووي، وقال: الوجه الثاني وهو الأصح كراهة تحريم؛ لثبوت الأحاديث في النهي، وأصل النهي التحريم. اهـ (١) مسألة [٤]: حكم صلاة التطوع في هذه الأوقات . قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٢/ ٥٢٧): لا أعلم خلافًا في المذهب، أنه لا يجوز أن يبتدئ صلاة تطوع غير ذات سبب، وهو قول الشافعي، وأصحاب الرأي، وقال ابن المنذر ﵀: رَخَّصَتْ طائفةٌ في ا لصلاة بعد العصر. ثم ذكره عن جمعٍ من الصحابة، والتابعين، وقد تقدمت أدلتهم، والرد عليها قريبًا، فراجعه، والصحيح القول الأول؛ للأدلة المذكورة في الباب، والله أعلم. مسألة [٥]: صلاة ذوات الأسباب في أوقات النهي . • قال الإمام النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٤/ ١٧١ - ١٧٢): قد ذكرنا أن مذهبنا أنها لا تُكره، وبه قال علي بن أبي طالب (٢)، والزبير بن العوام، وابنه (٣)،

стр. 603

وأبو أيوب (١)، والنعمان بن بشير (٢)، وتميم الداري (٣)، وعائشة (٤) ﵃، وقال أبو حنيفة: لا يجوز شيء من ذلك. ووافقنا جمهور الفقهاء في إباحة الفوائت في هذه الأوقات، وقال أبو حنيفة: تباح الفوائت بعد الصبح والعصر، ولا تباح في الأوقات الثلاثة؛ إلا عصر يومه، فتباح عند اصفرار الشمس، وتباح المنذورة في هذه الأوقات عندنا، ولا تباح عند أبي حنيفة. قال ابن المنذر ﵀: وأجمع المسلمون على إباحة صلاة الجنائز بعد الصبح والعصر، ونقل العبدري في كتاب الجنائز عن الثوري، والأوزاعي، وأبي حنيفة، وأحمد، وإسحاق: أن صلاة الجنازة منهي عنها عند طلوع الشمس، وعند غروبها، وعند استوائها، ولا تُكره في الوقتين الآخرين، ونقل القاضي عياض في «شرح صحيح مسلم» عن داود الظاهري أنه أباح الصلاة لسبب وبلا سبب في جميع الأوقات، والمشهور من مذهب داود منع الصلاة في هذه الأوقات، سواء ما لها

стр. 604

سبب، وما لا سبب لها، وهو رواية عن أحمد. انتهى المراد. قلتُ: جمع النووي ﵀ في كلامه هذا كثيرًا من المسائل بوجه مختصر. فأما مسألة قضاء الفوائت، فاستدل الجمهور على جوازها بحديث أنس بن مالك ﵁ في «الصحيحين»: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «من نام عن صلاة، أو نسيها؛ فليصلها إذا ذكرها». (١) وحديث أبي قتادة في «صحيح مسلم» (٦٨١): «إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الأخرى، فمن فعل ذلك فليصلها حين ينتبه لها». وكما أنَّ خبر النهي مخصوص بالقضاء في الوقتين الآخرين، فيقاس عليه محل النزاع مع الأحناف. وأما استدلال الحنفية بحديث أبي قتادة أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لَمَّا نام عن الصلاة، واستيقظ وقد طلعت الشمس، أخَّرها حتى ابيضت، فإنما يدل على جواز التأخير، لا على تحريم الفعل. وقد أُجيب عنه أيضًا: بأن التأخير لأجل المكان، فقد جاء في «مسلم» عن أبي هريرة ﵁، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «اقتادوا رواحلكم؛ فإنَّ هذا منزلٌ حضرنا فيه الشيطان». (٢) وأما مسألة المنذورة؛ فقد قال بجوازها أيضًا أحمد في المشهور عنه، وهو

стр. 605

الصحيح من المذهب عند الحنابلة؛ لأنها صلاةٌ واجبة، فأشبهت الفرائض. (١) • أما تحريم الصلاة على الجنازة في الأوقات الثلاثة؛ فهو قول الجمهور. واستدلوا بحديث عقبة بن عامر في «صحيح مسلم»، وهو موجود في الباب. قال ابن قدامة ﵀: وَذِكْرُهُ لِلصَّلَاةِ مَقْرُونًا بِالدَّفْنِ دَلِيلٌ عَلَى إرَادَةِ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ، وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ مِنْ غَيْرِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، فَلَمْ يَجُزْ فِعْلُهَا فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ، كَالنَّوَافِلِ الْمُطْلَقَةِ، وَإِنَّمَا أُبِيحَتْ بَعْدَ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ؛ لِأَنَّ مُدَّتَهُمَا تَطُولُ، فَالِانْتِظَارُ يُخَافُ مِنْهُ عَلَيْهَا، وَهَذِهِ مُدَّتُهَا تَقْصُرُ. وَأَمَّا الْفَرَائِضُ فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا آكَدُ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ هَذِهِ الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ عَلَى الْوَقْتَيْنِ الْآخَرَيْنِ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ فِيهَا آكَدُ، وَزَمَنُهَا أَقْصَرُ، فَلَا يُخَافُ عَلَى الْمَيِّتِ فِيهَا؛ وَلِأَنَّهُ نُهِيَ عَنْ الدَّفْنِ فِيهَا. وَالصَّلَاةُ الْمَقْرُونَةُ بِالدَّفْنِ تَتَنَاوَلُ صَلَاةَ الْجِنَازَةِ، وَتَمْنَعُهَا الْقَرِينَةُ مِنْ الْخُرُوجِ بِالتَّخْصِيصِ، بِخِلَافِ الْوَقْتَيْنِ الْآخَرَيْنِ، وَاَللهُ أَعْلَمُ. • وقد ذهب الشافعي، وأحمد في رواية إلى جوازها، قياسًا على الفرائض. والراجح هو القول الأول. وهو ترجيح الإمام الألباني ﵀ في «أحكام الجنائز» (ص ١٣٠ - ١٣١). (٢)

стр. 606

• وأما ذوات الأسباب الأخرى؛ فأجازها الشافعي، وأحمد في رواية، واختار ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية. • خلافًا للمالكية، والحنفية، والرواية الأخرى عن أحمد. والراجح هو الجواز. قال الإمام ابن عثيمين ﵀: والقولُ الصحيحُ في هذه المسألةِ: أنَّ ما له سببٌ يجوز فِعْلُه في أوقاتِ النَّهي كلِّها، الطويلةِ والقصيرةِ؛ لِما يأتي: أولاً: أنَّ عمومَه محفوظٌ، أي: لم يُخصَّصْ، والعمومُ المحفوظُ أقوى مِن العمومِ المخصوصِ. ثانيًا: لَيْسَ هُنَاكَ فَرْقٌ بَيْنَ عُمُومِ قَوْلِه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «فَلْيُصلِّها إذا ذَكَرَها». وقد استدل به الجمهور. وقوله: «إذا دَخَلَ أحدُكم المسجدَ؛ فلا يجلسْ حتى يُصلِّيَ ركعتين». (١) ثالثًا: أنَّها مقرونة بسبب، فَيَبْعُدُ أنْ يقعَ فيها الاشتباهُ في مشابهة المشركين. رابعًا: أنَّه في بعضِ ألفاظِ أحاديثِ النَّهي: «لا تَحرَّوا بصلاتِكُم طُلوعَ الشَّمسِ ولا غُروبَها»، والذي يُصلِّي لسببٍ لا يُقال: إنَّه متحرٍّ. بل يُقال: صَلَّى للسَّببِ. اهـ وهذا القول هو ترجيح السعدي، والشيخ ابن باز. (٢)

стр. 607

مسألة [٦]: هل يشمل النهي في نصف النهار يوم الجمعة ؟ • ذهب الحسن، وطاوس، والأوزاعي، والشافعي إلى أنَّ النهي لا يشمل يوم الجمعة. واستدلوا بحديث أبي هريرة، وأبي قتادة ﵄ اللَّذَيْنِ في الباب، وقد تقدم أنهما ضعيفان. واستدلوا بحديث أبي هريرة ﵁ في «صحيح مسلم»: «من اغتسل، ثم أتى الجمعة، فصلَّى ما قُدِّرَ له ثم أنصتَ حتى يَفْرُغَ من خطبته ... » (١) الحديث. • وجاء عن أحمد أنَّ النهي يشمل يوم الجمعة. ورجَّح هذا القول جمع من الحنابلة، وهو مذهب أبي حنيفة، ومروي عن بعض الصحابة، والتابعين، ورجَّحه ابن المنذر؛ لعموم أحاديث الباب. قال أبو عبد الله غفر الله له: الصحيح مشروعية الصلاة يوم الجمعة حتى يأتي الإمام؛ لحديث أبي هريرة ﵁ المتقدم. وقد عمل بذلك الصحابة ﵃ في عهد عمر ﵁، ولم ينكر عليهم كما في «موطإِ مالك» (١/ ١٠٣)، و «مصنف عبدالرزاق» (٣/ ٢٠٨) بإسناد صحيح. (٢)

стр. 608

١٦٠ - وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، لَا تَمْنَعُوا أَحَدًا طَافَ بِهَذَا البَيْتِ وَصَلَّى أَيَّةَ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ وَنَهَارٍ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: هل تُصَلَّى ركعتا الطواف في أوقات النهي ؟ • ذهب الإمام أحمد إلى أنه لا يجوز أن يركع ركعتي الطواف في أوقات النهي. • وقال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٢/ ٥١٧): وَمِمَّنْ طَافَ بَعْدَ الصُّبْحِ، وَالْعَصْرِ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ: ابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ (٢)، وَعَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَفَعَلَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالْحَسَنُ، وَالْحُسَيْنُ، وَمُجَاهِدٌ، وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَفَعَلَهُ عُرْوَةُ بَعْدَ الصُّبْحِ، وَهَذَا مَذْهَبُ عَطَاءٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ. وَأَنْكَرَتْ طَائِفَةٌ ذَلِكَ، مِنْهُمْ: أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَاحْتَجُّوا بِعُمُومِ أَحَادِيثِ النَّهْيِ. وَلَنَا مَا رَوَى جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ، أَنَّ رَسُولَ ﷺ قَالَ: «يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، لَا تَمْنَعُوا أَحَدًا طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ، وَصَلَّى فِي أَيِّ سَاعَةٍ شَاءَ، مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ»، رَوَاهُ الْأَثْرَمُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وَلِأَنَّهُ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ؛ وَلِأَنَّ

стр. 609

رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ تَابِعَةٌ لَهُ، فَإِذَا أُبِيحَ الْمَتْبُوعُ يَنْبَغِي أَنْ يُبَاحَ التَّبَعُ، وَحَدِيثُهُمْ مَخْصُوصٌ بِالْفَوَائِتِ، وَحَدِيثُنَا لَا تَخْصِيصَ فِيهِ؛ فَيَكُونُ أَوْلَى. اهـ قلتُ: وهذا الذي رجَّحه ابن قدامة هو الراجح، وقد رجَّحه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، فقال كما في «مجموع الفتاوى» (٢٣/ ١٨٥): وَالْحُجَّةُ مَعَ أُولَئِكَ -يعني: القائلين بالجواز- مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ قَوْلَهُ: «لَا تَمْنَعُوا أَحَدًا طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ وَصَلَّى أَيَّةَ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ» عُمُومٌ مَقْصُودٌ فِي الْوَقْتِ؛ فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي ذَلِكَ الْمَوَاقِيتُ الْخَمْسَةُ. الثَّانِي: أَنَّ هَذَا الْعُمُومَ لَمْ يَخُصَّ مِنْهُ صُورَةً لَا بِنَصِّ وَلَا إجْمَاعٍ وَحَدِيثُ النَّهْيِ مَخْصُوصٌ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ وَالْعُمُومُ الْمَحْفُوظُ رَاجِحٌ عَلَى الْعُمُومِ الْمَخْصُوصِ. الثَّالِثُ: أَنَّ الْبَيْتَ مَا زَالَ النَّاسُ يَطُوفُونَ بِهِ، وَيُصَلُّونَ عِنْدَهُ مِنْ حِينِ بَنَاهُ إبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ قَبْلَ الْهِجْرَةِ يَطُوفُونَ بِهِ وَيُصَلُّونَ عِنْدَهُ، وَكَذَلِكَ لَمَّا فُتِحَتْ مَكَّةُ كَثُرَ طَوَافُ الْمُسْلِمِينَ بِهِ وَصَلَاتُهُمْ عِنْدَهُ. وَلَوْ كَانَتْ رَكْعَتَا الطَّوَافِ مَنْهِيًّا عَنْهَا فِي الْأَوْقَاتِ الْخَمْسَةِ لَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَنْهَى عَنْ ذَلِكَ نَهْيًا عَامًّا لِحَاجَةِ الْمُسْلِمِينَ إلَى ذَلِكَ وَلَكَانَ ذَلِكَ يُنْقَلُ وَلَمْ يَنْقُلْ مُسْلِمٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ ذَلِكَ مَعَ أَنَّ الطَّوَافَ طَرَفَيْ النَّهَارِ أَكْثَرُ وَأَسْهَلُ.

стр. 610

الرَّابِعُ: أَنَّ فِي النَّهْيِ تَعْطِيلًا لِمَصَالِحِ ذَلِكَ مِنْ الطَّوَافِ وَالصَّلَاةِ. الْخَامِسُ: أَنَّ النَّهْيَ إنَّمَا كَانَ لِسَدِّ الذَّرِيعَةِ وَمَا كَانَ لِسَدِّ الذَّرِيعَةِ؛ فَإِنَّهُ يُفْعَلُ لِلْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ. الْوَجْهُ السَّادِسُ: أَنْ يُقَالَ: ذَوَاتُ الْأَسْبَابِ إنَّمَا دَعَا إلَيْهَا دَاعٍ؛ لَمْ تُفْعَلْ لِأَجْلِ الْوَقْتِ؛ بِخِلَافِ التَّطَوُّعِ الْمُطْلَقِ الَّذِي لَا سَبَبَ لَهُ وَحِينَئِذٍ فَمَفْسَدَةُ النَّهْيِ إنَّمَا تَنْشَأُ مِمَّا لَا سَبَبَ لَهُ دُونَ مَا لَهُ السَّبَبُ؛ وَلِهَذَا قَالَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: «لَا تَتَحَرَّوْا بِصَلَاتِكُمْ طُلُوعَ الشَّمْسِ وَلَا غُرُوبَهَا»، وَهَذِهِ الْوُجُوهُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا تَدُلُّ أَيْضًا عَلَى قَضَاءِ الْفَوَائِتِ فِي أَوْقَاتِ النَّهْيِ. اهـ مسألة [٢]: هل يشمل النهي جميع الأماكن ؟ استدل الشافعي بحديث الباب على أنَّ النهي المذكور في الأحاديث السابقة لا يشمل مكة؛ لعموم قوله: «وصلَّى أية ساعة شاء»، وهو رواية عن أحمد. واستُدِلَّ لهم أيضًا بحديث أبي ذر ﵁ عند الدارقطني (٢/ ٢٦٥)، وغيره، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «لا يصلين أحدٌ بعد الصبح، حتى تطلع الشمس، ولا بعد العصر، حتى تغرب الشمس؛ إلا بمكة، إلا بمكة». وهو حديث ضعيفٌ، في إسناده: عبدالله بن المؤمل، وهو ضعيفٌ، وقد أُنْكِرَ عليه هذا الحديث كما في «الكامل»، و «الميزان»، وشيخه حميد مولى عفراء مجهول، ومجاهد لم يسمع من أبي ذر ﵁.

стр. 611

ولذلك فقد ذهب أحمد، وهو الأصح عند الحنابلة، ومالك، وأبو حنيفة، إلى أن النهي يشمل مكة. وأما حديث جبير بن مطعم؛ فالمراد به ركعتا الطواف، كما في رواية أبي داود: «لَا تَمْنَعُوا أَحَدًا طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ، وَصَلَّى فِي أَيِّ سَاعَةٍ شَاءَ»، وهذا القول هو الراجح، والله أعلم. (١) مسألة [٣]: من صلَّى فرضه، ثم أدرك تلك الصلاة في جماعة، فهل يصليها في وقت النهي ؟ • في هذه المسألة ثلاثة أقوال: الأول: أنه يُستحب له إعادتها، أيَّ صلاةٍ كانتْ، بشرط أن تُقَام وهو في المسجد، أو يدخل المسجد وهم يُصَلُّون، وهذا قول الشافعي، وأحمد، والحسن، وأبي ثور. الثاني: إنْ كان صلَّى وحده، أعادها، وإنْ كان صلَّى في جماعة، لم يُعِدْها، وهو قول مالك. الثالث: قال أبو حنيفة: لا تُعاد الفجر، ولا العصر، ولا المغرب؛ لأنها نافلة، فلا يجوز فعلها في وقت النهي، ولا تعاد المغرب؛ لأنَّ التطوع لا يكون بوتر، وقد وافقه على منع إعادة المغرب مالك، والأوزاعي، والثوري، وغيرهم. والراجح هو القول الأول؛ لحديث يزيد بن الأسود ﵁، قال: صلينا الفجر

стр. 612

مع رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فلما انصرف إذا هو برجلين لم يصليا مع القوم، فقال: «ما منعكما أن تصليا معنا؟» قالا: قد صلينا في رحالنا. قال: «فلا تفعلا، إذا صليتما في رحالكم، ثم أدركتما الإمام، ولم يُصَلِّ، فصليا معه؛ فإنها لكما نافلة» (١)، رواه أحمد، وغيره. وقد قال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لأبي ذرٍّ إذا أدرك أمراءً يؤخرون الصلاة عن ميقاتها: «صَلِّ الصلاة لوقتها، واجعل صلواتك معهم نافلة»، رواه مسلم برقم (٦٤٨). (٢)

стр. 613

١٦١ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الشَّفَقُ الحُمْرَةُ». رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَصَحَّحَ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُ وَقْفَهُ عَلَى ابْنِ عُمَرَ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: تعيين الشفق الذي يدخل به وقتُ العشاء . • تقدم أنَّ وقت المغرب ينتهي بغروب الشفق، وهو أول وقت العشاء بالإجماع، واختلف أهل العلم في تعيين الشفق على قولين: الأول: المراد به الحمرة، وهو قول ابن عمر، وجاء عن ابن عباس بسندٍ فيه ضعفٌ، وهو قول عطاء، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والزهري، ومالك، والثوري، والشافعي، وإسحاق، وأحمد، وصاحبي أبي حنيفة. واستدلوا على ذلك بحديث الباب، وتقدم أنه موقوفٌ، وبحديث عبد الله بن عمرو عند أبي داود: «ووقت المغرب ما لم يَغِب فور الشفق»، ورُوِيَ: «ثور الشفق».

стр. 614

وفور الشفق: فورانه، وسطوعه، وثوره: ثوران حمرته. وقد أخرجه ابن خزيمة (٣٥٤) بلفظ: «ووقت العشاء إلى أن تذهب حمرة الشفق»، ولكن أعَلَّهُ ابن خزيمة بتفرد محمد بن يزيد الواسطي بهذا اللفظ عن سائر أصحاب شعبة. قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٣/ ٤٣): والذي ينبغي أن يعتمد أنَّ المعروف عند العرب أنَّ الشفق الحمرة، وذلك مشهورٌ في شعرهم ونثرهم. اهـ الثاني: المراد به البياض، وهو قول أنس ﵁ (١)، وعمر بن عبد العزيز، والأوزاعي، وأبي حنيفة، وابن المنذر. واستدلوا بحديث النعمان بن بشير ﵄ عند أبي داود (٤١٩) وهو صحيح قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يصلي العشاء لسقوط القمر الثالثة. واستدلوا بحديث أبي مسعود ﵁ عند أبي داود (٣٩٤): رأيت رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يصلي هذه الصلاة حين يَسْوَدُّ الأُفُقُ. وهو حديثٌ منكرٌ. والراجح هو القول الأول، وهو ترجيح الإمام ابن باز، والإمام العثيمين رحمة الله عليهما. وأما حديث النعمان الذي استدلوا به؛ فلا حجة لهم فيه؛ فقد كان النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يؤخر الصلاة عن أول الوقت قليلًا، وهو الأفضل، والأولى. (٢)

стр. 615

١٦٢ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «الفَجْرُ فَجْرَانِ: فَجْرٌ يُحَرِّمُ الطَّعَامَ وَتَحِلُّ فِيهِ الصَّلَاةُ، وَفَجْرٌ تَحْرُمُ فِيهِ الصَّلَاةُ أَيْ: صَلَاةُ الصُّبْحِ وَيَحِلُّ فِيهِ الطَّعَامُ». رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَالحَاكِمُ وَصَحَّحَاهُ. (١) ١٦٣ - وَلِلْحَاكِمِ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ ﵁ نَحْوُهُ، وَزَادَ فِي الَّذِي يُحَرِّمُ الطَّعَامَ: «إنَّهُ يَذْهَبُ مُسْتَطِيلًا فِي الأُفُقِ»، وَفِي الآخَرِ: «إنَّهُ كَذَنَبِ السِّرْحَانِ». (٢)

стр. 616

المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين مسألة [١]: صفة الفجرين . قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٣/ ٤٤): قال أصحابنا: الفجر فجران: أحدهما يُسَمَّى الفجر الأول، والفجر الكاذب، والآخر يُسَمَّى الفجر الثاني، والفجر الصادق؛ فالفجر الأول يطلع مستطيلًا نحو السماء كذنب السرحان، وهو الذئب ثم يغيب ذلك ساعة، ثم يطلع الفجر الثاني الصادق مستطيرًا بالراء أي: منتشرًا عرضًا في الأُفُقِ. قال أصحابنا: والأحكام كلها متعلقة بالفجر الثاني، فَبِهِ يدخل وقت صلاة الصبح، ويخرج وقت العشاء، ويدخل في الصوم، ويحرم به الطعام والشراب على الصائم، وَبِهِ ينقضي الليل ويدخل النهار، ولايتعلق بالفجر الأول شيء من الأحكام بإجماع المسلمين. انتهى.

стр. 617

١٦٤ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَفْضَلُ الأَعْمَالِ الصَّلَاةُ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالحَاكِمُ وَصَحَّحَاهُ، وَأَصْلُهُ فِي «الصَّحِيحَيْنِ». (١) ١٦٥ - وَعَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَوَّلُ الوَقْتِ رِضْوَانُ اللهِ، وَأَوْسَطُهُ رَحْمَةُ اللهِ، وَآخِرُهُ عَفْوُ اللهِ» أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ جِدًّا. (٢) ١٦٦ - وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوُهُ، دُونَ الأَوْسَطِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ أَيْضًا. (٣) فائدة الأحاديث المتقدمة في هذه الأحاديث حثٌّ على الصلاة في أول وقتها. وقد تقدم الكلام على استحباب تعجيل الصلوات في أول وقتها إلا العشاء، والظهر في يوم الحر، وبالله التوفيق.

стр. 618

١٦٧ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا صَلَاةَ بَعْدَ الفَجْرِ إلَّا سَجْدَتَيْنِ». أَخْرَجَهُ الخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيّ. (١) وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِالرَّزَّاقِ: «لَا صَلَاةَ بَعْدَ طُلُوع الفَجْرِ إلَّا رَكْعَتَيِ الفَجْرِ». (٢) ١٦٨ - وَمِثْلُهُ لِلدَّارَقُطْنِيِّ عَنْ ابْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ. (٣) المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين مسألة [١]: التطوع بعد طلوع الفجر قبل صلاة الفجر . قال الإمام الترمذي ﵀ -عَقِبَ الحديث (٤١٩) -: وهو ما اجتمع عليه أهل العلم، كرهوا أن يصلي الرجل بعد طلوع الفجر؛ إلا ركعتي الفجر. قال الحافظ ﵀ في «التلخيص»: دعوى الترمذي الإجماع على الكراهة لذلك عجيب؛ فإن الخلاف فيه مشهور، حكاه ابن المنذر وغيره، وقال الحسن

стр. 619

البصري: لا بأس به، وكان مالك يرى أن يفعله من فاتته صلاة الليل، وقد أطنب في ذلك محمد بن نصر في «قيام الليل». قلتُ: والراجح ما ذهب إليه الجمهور من عدم جواز التطوع في هذا الوقت، وأنه من أوقات النهي؛ لحديث الباب. وقد أخرج البيهقي (٢/ ٤٦٦) بإسناد صحيح عن ابن المسيب أنه رأى رجلًا يصلي بعد طلوع الفجر أكثر من ركعتين، يكثر فيها الركوع، والسجود، فنهاه، فقال: يا أبا محمد، أيعذبني الله على الصلاة؟ قال: لا، ولكن يعذبك على خلاف السنة. اهـ. (١)

стр. 620

١٦٩ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂، قَالَتْ: صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ العَصْرَ، ثُمَّ دَخَلَ بَيْتِي، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: «شُغِلْت عَنْ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ فَصَلَّيْتهمَا الآنَ»، فَقُلْت: أَفَنَقْضِيهِمَا إذَا فَاتَتَا؟ قَالَ: «لَا». أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ. (١) ١٧٠ - وَلِأَبِي دَاوُد عَنْ عَائِشَةَ ﵂ بِمَعْنَاهُ. (٢) المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين مسألة [١]: قَضَاءُ السُّنَّةِ الرَّاتِبَةِ بعد العصر . • ذهب الشافعي، وأحمد إلى جواز قضاء السُّنَّة الرَّاتبة بعد العصر، واستدلوا بحديث أم سلمة، وعائشة في «الصحيحين» (٣)، وغيرهما، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- شُغِلَ عن

стр. 621

الركعتين بعد الظهر، فقضاهما بعد العصر. وأما قول عائشة ﵂ في حديث الباب: «وكان ينهى عنها» مع ضعفه فمعناه: أنه كان يفعلها على الدوام، وينهى عن ذلك، وذلك لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- داوم عليها من حينه؛ لأنَّه كان إذا صلَّى صلاةً أثبتها، وهذا خاصٌّ به. • وذهب أصحاب الرأي إلى عدم الجواز؛ لعموم النهي. والراجح القول الأول؛ لأنَّ دليلهم خاصٌّ، والخاص يقضي على العام، والله أعلم. (١) مسألة [٢]: قضاء السنن في سائر أوقات النهي . مذاهب العلماء في هذه المسألة كالمسألة السابقة برقم [٥] تحت حديث (١٥٦)، وهي: حكم ذوات الأسباب دون الفوائت، والمنذورة، والجنازة، فراجعه. مسألة [٣]: قضاء سُنَّةِ الفجر بعد صلاة الفجر . جاء في هذا الباب ثلاثة أحاديث: الأول: حديث قيس بن عمرو عند أحمد (٥/ ٤٤٧)، وأبي داود (١٢٦٧)، والترمذي (٤٢٢)، قال: صليت مع النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الصبحَ، ثم انصرف النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فوجدني أصلي، فقال: «مهلًا يا قيس، أصلاتان معًا؟» قلت: يا رسول الله، إني لم

стр. 622

أكن ركعتُ ركعتي الفجر. قال: «فلا إذن». وهذا الحديث رجاله ثقات، ولكنه من رواية محمد بن إبراهيم التيمي، عن قيس، ولم يسمع منه، قاله الترمذي، والطحاوي. الثاني: ما أخرجه الترمذي (٤٢٣)، وابن خزيمة (١١١٧)، وابن حبان (٢٤٧٢)، من طريق: عمرو بن عاصم الكلابي، حدثنا همام، عن قتادة، عن النضر ابن أنس، عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من لم يُصَلِّ ركعتي الفجر، فليصلهما بعدما تطلع الشمس»، وهذا إسناد ظاهره الحُسْن، ورجاله ثقات؛ إلا عمرو بن عاصم؛ فإنه حسن الحديث، لكن قال الترمذي: لا نعلم أحدًا روى هذا الحديث عن همام بهذا الإسناد نحو هذا إلا عمرو بن عاصم الكلابي، والمعروف من حديث قتادة، عن النضر بن أنس، عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة، عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، قال: «من أدرك ركعة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس، فقد أدرك الصبح». الثالث: ما أخرجه ابن ماجه (١١٥٥)، عن أبي هريرة ﵁، قال: نام النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عن ركعتي الفجر، فصلاهما بعدما طلعت الشمس. وإسناده ظاهره الحُسْن، ولكن بَيَّنَ الحافظ ابن حجر في «النكت الظراف» (١٠/ ٩٨) أنَّ هذا الحديث مختصرٌ، وأنه قطعة من حديث أبي هريرة عند مسلم، وغيره، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نام عن الفجر حتى طلعت الشمس، فقام، فصلَّى السُّنَّة، ثم صلَّى الفجر. • وقد اختلف أهل العلم: متى يقضي ركعتي الفجر إذا نام عنها؟ فذهب

стр. 623

عطاء، وطاوس، وابن جريج، وهو أحد قولي الشافعي إلى ما دلَّ عليه حديث قيس المتقدم، وهو رواية عن أحمد. • وذهب الأوزاعي، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي إلى أنها تُصَلَّى بعدما تطلع الشمس. قال أبو عبد الله غفر الله له: لم يصح في الباب حديث يعتمد عليه، وعلى هذا فهو مُخَيَّرٌ: إن شاء قضاها بعد الصلاة قبل طلوع الشمس قياسًا على السنة التي قضاها النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بعد العصر، وإن شاء قضاها بعدما تطلع الشمس. وقد اختار جمهور العلماء تأخيرها، وذهب أكثرهم إلى جوازها أيضًا بعد الصلاة قبل طلوع الشمس، وهذا هو المُختار، والله أعلم. (١)

стр. 624

فَصْلٌ فِي ذِكْرِ بَعْضِ المَسَائِلِ المُتَعَلِّقَةِ بِالبَاب مسألة [١]: من نام عن صلاة، أو نسيها . أخرج البخاري، ومسلم عن أنس بن مالك ﵁، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «من نام عن صلاةٍ، أو نسيها؛ فليصلها إذا ذكرها». (١) وقد وقع الإجماع على وجوب الصلاة على النائم إذا استيقظ، أو الناسي إذا ذكرَ؛ إلا أنَّ محمد بن الحسن خالف فيما إذا كان النوم طويلًا فاتته فيه أكثر من خمس صلوات، فقال: حُكْمُهُ حُكْمُ الإِغْمَاء. يعني أنه لا صلاة عليه. والصواب قول الجمهور. (٢) مسألة [٢]: وهل يصليها على الفور، أم على التراخي ؟ • ظاهر حديث أنس المتقدم أنه يصليها على الفور، وهو قول مالك، وأحمد، وأبي حنيفة. • وذهب الشافعي إلى أنه يصليها على التراخي إذا كان لعذر. والقول الأول أقرب. وأما حديث أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نام عن صلاة الفجر حتى طلعت الشمس، ثم سار قليلًا، ثم صلَّى، فقد ذُكِرَتِ العِلَّة في الحديث بقوله: «إنَّ هذا منزلٌ حضرنا فيه

стр. 625

الشيطان»؛ (١) فكان التأخير ليغادر ذلك المكان الذي تُكره الصلاة فيه، والله أعلم. (٢) مسألة [٣]: إذا نسيَ أكثر من صلاة، فهل يلزمه الترتيب ؟ • ذهب إلى اشتراط الترتيب أحمد، وزُفر، وهو قول مالك، وأبي حنيفة، فيما إذا كانت الفوائت خمسًا، فما دون، واستدلوا على ذلك بفعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يوم الخندق؛ فإنه بدأ فصلى الظهر، ثم العصر، ثم المغرب، وقالوا: مرتبة في القضاء كما هي مرتبة في الأداء، وهذا ترجيح الإمام العثيمين ﵀. • وذهب الشافعي إلى عدم وجوب الترتيب، وهو قول أبي ثور، وداود، ورواية عن الأوزاعي، واستدلوا بحديث أنس: «فليصلها إذا ذكرها». فهذا الحديث يدل على أنَّ وقتها حين يذكرها، وقد ذكرها كلها جملة؛ فيكون ذلك وقتها. قالوا: والأفضل، والأحوط، والسنة، هو الترتيب بينها كما فعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وهذا القول هو الأقرب، والله أعلم، وفعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لا يدل على الوجوب. (٣) مسألة [٤]: من نسي صلاةً، فذكرها وهو في الصلاة الأخرى . • صحَّ عن ابن عمر ﵄ أنه قال: يكمل الصلاة، ثم يصلي الفائتة، ثم يعيد

стр. 626

الحاضرة. أخرجه مالك (١/ ١٦٨) عن نافع عنه، وبهذا أخذ أبو حنيفة، ومالك، وأحمد. • وذهب الحسن، وطاوس، وأبو يوسف، والشافعي، وأبو ثور، واختاره بعض الحنابلة منهم شيخ الإسلام ﵀، وصححه الإمام العثيمين إلى أنه يكمل الحاضرة، ثم يصلي الفائتة، ولا إعادة عليه للحاضرة؛ وذلك أنَّ الفائتة وقتها حين يذكرها، وقد ذكرها، وهو في الصلاة، ويجوز التأخير لعذرٍ، كما أخر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- صلاة الفجر، حتى فارق ذلك المنزل، فلا بأس بتأخيرها حتى يكمل الحاضرة، ولا يُشترط الترتيب كما تقدم في المسألة السابقة. وقد نقل ابن عبد البر الإجماع على أنَّ من ذكر فائتةً في وقت حاضرةٍ، أو صلوات يسيرة، أنه إنْ قدَّم العصر على الفائتة أنه لا إعادة عليه للعصر التي صلَّاها وهو ذاكرٌ للفائتة؛ إلا أنْ يبقى من وقتها ما يعيدها فيها قبل غروب الشمس. ذكره ابن رجب (٣/ ٣٧٤). وهذا الإجماع يدل على عدم اشتراط الترتيب، والله أعلم. (١) فرع: اختلف من قال بتقديم الفائتة: هل يقطع الصلاة، أم يتمها نفلًا؟ على قولين: الأول: أنه يقطعها، وهو قول مالك، وأحمد، وأبي حنيفة.

стр. 627

واستثنى أبو حنيفة إذا ذكرها في صلاة بعد مرور خمس صلوات، واستثنوا كلهم ما إذا كان مأمومًا، فقالوا بقول ابن عمر السابق. الثاني: أنه يتمها نفلًا، وهو قول الليث، والثوري، وأحمد في رواية. (١)

стр. 628

بَابُ الأَذَانِ الأذان في اللغة: هو الإعلام، قال تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة:٣]، أي: إعلامٌ، وقال تعالى: ﴿فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنبياء:١٠٩]، أي: أعلمتكم، فاستوينا في العلم. والأذان في الشرع: هو ذكر مخصوص مشروع، المشروع في أوقات الصلوات؛ للإعلام بوقتها. والإقامة في الأصل: مصدر أقامَ، وحقيقته إقامة القاعد، أو المضطجع، فكأن المؤذن إذا أتى بألفاظ الإقامة أقام القاعدين، وأزالهم عن قعودهم. وشرعًا: إعلام بالقيام إلى الصلاة بذكر مخصوص. (١) مسألة [١]: فضل الأذان . أخرج الشيخان في «صحيحيهما» (٢)، عن أبي هريرة ﵁، أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، قال: «لو يعلم الناس ما في النداء، والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه؛ لاستهموا»، وفي «البخاري» (٣) عن أبي سعيد مرفوعًا: «فإنه لا يسمع صوت المؤذن جِنٌّ، ولا إنسٌ، ولا شيء؛ إلا شهد له يوم القيامة».

стр. 629

وفي «صحيح مسلم» (١) عن معاوية مرفوعًا: «المؤذنون أطول الناس أعناقًا يوم القيامة»، وفي الباب أدلة أخرى في فضله الكبير، وبيان الأجر العظيم فيه. مسألة [٢]: أيهما أفضل: الأذان، أم الإمامة ؟ • في هذه المسألة وجهان عند الحنابلة، والشافعية، وهما روايتان عن أحمد. والراجح -والله أعلم- أنَّ الإمامة أفضل؛ لأنَّ ذلك هو الذي اختاره الله لنبيه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، والأدلة الواردة في فضل الأذان لا تدل على أنه أفضل من الإمامة. (٢) مسألة [٣]: حكم الأذان، والإقامة . • قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٣/ ٨٢): مذهبنا المشهور أنهما سنة لكل الصلوات في الحضر والسفر، للجماعة والمنفرد، لا يجبان بحال؛ فإن تركهما صَحَّتْ صلاة المنفرد والجماعة، وبه قال أبو حنيفة، وأصحابه، وإسحاق ابن راهويه، ونقله السَّرْخَسِي عن جمهور العلماء، وقال ابن المنذر ﵀: هما فرض في حق الجماعة في الحضر والسفر. قال: وقال مالك: تجب في مسجد الجماعة. وقال عطاء، والأوزاعي: إنْ نَسِيَ الإقامة أعاد الصلاة. وعن الأوزاعي رواية: أنه يعيد مادام الوقت باقيًا. قال العبدري: هما سُنَّةٌ عند مالك، وفرضا كفاية عند أحمد. وقال داود: هما فرض لصلاة الجماعة، وليسا بشرط لصحتها. وقال مجاهد: إن نَسِيَ الإقامة في السفر، أعاد، وقال المحاملي: قال أهل الظاهر: هما واجبان لكل صلاة، واختلفوا في اشتراطهما لصحتها. انتهى.

стр. 630

قلتُ: والراجح من هذه الأقوال ما ذهب إليه أحمد، وهو قول بعض الشافعية، والمالكية، من أنهما فرض كفاية، ويدل على الوجوب حديث مالك بن الحويرث في «الصحيحين» (١): «وإذا حضرت الصلاة؛ فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم»، وحديث أنس في «الصحيحين» (٢): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان إذا غزا قرية، وطلع الفجر، استمع؛ فإنْ وجد أذانًا أمسك، وإلا أغار. واللفظ لمسلم. وفي قصة الأذان قال: فأمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بلالًا أن يقوم فينادي بالصلاة، وفي حديث أبي قتادة في «مسلم» (٦٨١) في قصة نومهم عن الصلاة، وفيه: أنَّ بلالًا أذَّن. فهذا يدل مع غيره على أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يترك الأذان سفرًا، ولا حضرًا، ولأنه من شعائر الإسلام الظاهرة، وأما كونه فرض كفاية؛ فَلِأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمر عثمان بن أبي العاص أن يتخذ مؤذِّنًا -أي: بالمكان الذي هو فيه، وأيضًا لم يأمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- من لم يحضر الصلاة معه بالأذان- إنْ صلَّى في جماعة أهله. وأيضًا أَمْرُ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لمالك بن الحويرث، ووالد عمرو بن سلمة بالأذان إذا حضرت الصلاة، وهما سينزلان في قومهما يدل على أنه يكفي أذانٌ واحد عن الجماعة، وهذا الذي رجَّحْنَاهُ هو ترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية، ثم الشيخ ابن عثيمين ﵏. وليس معنى قولنا: (فرض كفاية) أنه شرطٌ لِصِحَّةِ الصلاة، بل هو واجبٌ مستقلٌّ، والله أعلم. (٣)

стр. 631

فائدة: قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٣/ ٨١): قال أصحابنا: فإن قلنا: فرض كفاية؛ فأقل ما يتأدى به الفرض أن ينتشر الأذان في جميع أهل ذلك المكان؛ فإن كانت قرية صغيرة، بحيث إذا أذن واحد سمعوا كلهم، سقط الفرض بواحد، وإن كان بلدًا كبيرًا، وجب أن يؤذن في كل موضع واحد، بحيث ينتشر الأذان في جميعهم؛ فإن أذَّن واحد فحسب، سقط الحرج عن الناحية التي سمعوه دون غيرهم. مسألة [٤]: هل للنساء الأذان والإقامة ؟ أما تأذينُ النساء للرجال؛ فلا أعلم أحدًا من أهل العلم قال به، وهذا لا يجوز؛ لأنَّ الأذان يحتاج إلى رفع الصوت، والمرأة لا يُشرع لها ذلك، والخطاب، والأوامر في الأذان جاءت للرجال، وقد حكى المتولي وجهًا عن الشافعية بالجواز، وهو وجهٌ شاذٌّ عندهم. وأما إذا انفرد النسوة، فهل يُشْرَعُ لهن الأذان، والإقامة؟ فأقول: أما الوجوب؛ فلا أعلم أحدًا من أهل العلم قال به، واختلفوا: هل يُستحب لهن ذلك، أم لا؟ • فذهبت طائفة من أهل العلم إلى أنه لا يستحب لهن الأذان، ولا الإقامة، وهو قول سعيد بن المسيب، والحسن، والنخعي، والزهري، والثوري، والشافعي في قول، وأحمد في رواية، وأبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد، قالوا: لأنَّ الأذان شُرِعَ لاجتماع الرجال.

стр. 632

• وذهبت طائفة من أهل العلم إلى استحباب الإقامة دون الأذان، وهو قول مالك، وأحمد في رواية، وداود، والشافعي في المشهور عنه، وبه قطع جمهور الشافعية. • وذهبت طائفة من أهل العلم إلى أنَّ ذلك مشروعٌ في حَقِّهِنَّ، وَحَسَنٌ، وهذا القول رواية عن أحمد، وقول للشافعي، وهو ترجيح ابن المنذر، وابن حزم. وقد جاء عن عائشة ﵂: أنها كانت تُؤَذِّنُ، وتُقِيم. أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٢٢٣)، وفي إسناده: ليث بن أبي سليم، وهو ضعيفٌ، مختلطٌ. وأخرج ابن أبي شيبة (١/ ٢٢٣) بإسناد صحيح عن سليمان التيمي، قال: كُنَّا نسأل أنسًا هل على النساء أذانٌ؟ قال: لا، وإنْ فعَلْنَ، فهو ذِكْرٌ. وأخرج أيضًا (١/ ٢٢٣)، بإسناد حَسَنٍ عن ابن عمر أنه سُئِل: هل على النساء أذانٌ؟ فغضب، وقال: أنا أنهى عن ذِكْرِ الله. وهذا القول هو الراجح، والله أعلم. تنبيه: استحباب الأذان في حَقِّهِنَّ مُقَيَّدٌ بما إذا لم تَسْمَعْ أذانَ المِصْرِ، وبما إذا لم ترفع صوتها، والله أعلم. (١)

стр. 633

١٧١ - عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ ﵁، قَالَ: طَافَ بِي وَأَنَا نَائِمٌ رَجُلٌ، فَقَالَ: تَقُولُ: اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، فَذَكَرَ الأَذَانَ بِتَرْبِيعِ التَّكْبِيرِ بِغَيْرِ تَرْجِيعٍ، وَالإِقَامَةَ فُرَادَى، إلَّا قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ قَالَ: فَلَمَّا أَصْبَحْتُ أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ: «إنَّهَا لَرُؤْيَا حَقٍّ». الحَدِيثَ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ. (١) وَزَادَ أَحْمَدُ فِي آخِرِهِ قِصَّةَ قَوْلِ بِلَالٍ فِي أَذَانِ الفَجْرِ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ. (٢)

стр. 634

١٧٢ - وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: مِنَ السُّنَّةِ إذَا قَالَ المُؤَذِّنُ فِي الفَجْرِ: حَيَّ عَلَى الفَلَاحِ، قَالَ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ. (١) ١٧٣ - وَعَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلَّمَهُ الأَذَانَ، فَذَكَرَ فِيهِ التَّرْجِيعَ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. وَلَكِنْ ذَكَرَ التَّكْبِيرَ فِي أَوَّلِهِ مَرَّتَيْنِ فَقَطْ. وَرَوَاهُ الخَمْسَةُ فَذَكَرُوهُ مُرَبَّعًا. (٢) ١٧٤ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: أُمِرَ بِلَالٌ: أَنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ، وَيُوتِرَ الإِقَامَةَ إلَّا الإِقَامَةَ، يَعْنِي قَوْلَهُ: قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ مُسْلِمٌ الِاسْتِثْنَاءَ. (٣) وَلِلنَّسَائِيِّ: أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِلَالًا. (٤) المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث مسألة [١]: عدد كلمات الأذان . • ذهب أحمد، وإسحاق، والثوري، وأبو حنيفة إلى أنَّ عدد كلمات الأذان خمس عشرة كلمة؛ لحديث عبد الله بن زيد، وهو أذان بلال.

стр. 635

• وذهب الشافعي، وطائفة من أهل العلم بالحجاز إلى أنَّ عدد كلمات الأذان تسع عشرة كلمة؛ لحديث أبي محذورة، وهو كالصفة التي قبلها، وفيه زيادة الترجيع. • وذهب مالك إلى أنه سبع عشرة كلمة؛ لحديث أبي محذورة، ولكن جعل التكبير في أوَّلِهِ مرتين فقط، وهذه الرواية قد تقدم أنها مرجوحة. وأما القولان السابقان؛ فالراجح أنه يجوز العمل بالكيفيتين، وإن كانت الأُولى أكثر؛ لحديث عبد الله بن عمر الذي أخرجه أبو داود (٥١٠)، بإسنادٍ صحيح -وهو في «الصحيح المسند» -، قال: كان الأذان على عهد رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مرتين مرتين، والإقامة مرةً مرة؛ إلا أنه يقول: (قد قامت الصلاة) مرَّتين. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ٦٦): فالصواب مذهب أهل الحديث، ومن وافقهم، وهو تسويغ كل ما ثبت في ذلك عن النبي ﷺ ، لا يكرهون شيئًا من ذلك. اهـ وقال أيضًا (٢٢/ ٣٨٦): فَكُلُّ واحد من أذان بلال، وأبي محذورة سُنَّة، فسواء رَجَّعَ المؤذن في الأذان، أو لم يُرَجِّعْ، وسواء أفرد الإقامة، أو ثناها؛ فقد أحسن، واتَّبع السُّنَّةَ. اهـ وقال ابن القيم ﵀ في «زاد المعاد» (٢/ ٣٨٩): ثبت عنه ﷺ أنه سنَّ التأذين بترجيعٍ، وبغير ترجيع، وشَرَعَ الإقامة مثنى، وفُرادى. اهـ
следующие страницы →