ولا خلاف بين أهل العلم في أنَّ المال يثبت بشهادة النساء مع الرجال؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة:٢٨٢] إلى قوله: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة:٢٨٢].
• وخالف بعض الحنابلة في الجناية على البدن الموجبة للمال، فقالوا: لا تثبت إلا بشهادة رجلين.
قال ابن قدامة ﵀: وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ مُوجَبَهَا الْمَالُ، فَأَشْبَهَتْ الْبَيْعَ، وَفَارَقَ مَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ لَا تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ، وَكَذَلِكَ مَا يُوجِبُهُ. وَالْمَالُ يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ، وَكَذَلِكَ مَا يُوجِبُهُ. اهـ
مسألة [٣]: وهل يقبل في هذا القسم الشاهد، ويمين المدعي ؟
• ذهب أكثر أهل العلم إلى قبول ذلك، ورُوي ذلك عن الخلفاء الأربعة (١)،
стр. 5707
وهو قول الفقهاء السبعة، وهو قولُ جمعٍ من التابعين، وهو مذهب مالك، والشافعي، وأحمد.
• وذهب الشعبي، والنخعي، وأصحاب الرأي، والأوزاعي إلى أنه لا يُقضى بيمين وشاهد. واستدلوا بالآية المتقدمة، وليس فيها ذكر اليمين، والشاهد، وفي الحديث: «واليمين على المدَّعَى عليه».
وردَّ عليهم الجمهور بحديث ابن عباس، وأبي هريرة ﵄ اللذين في الباب، وقد رام الحنفية وغيرهم تضعيف الحديثين بدون حجة، فالصحيح قول الجمهور، والله أعلم. (١)
فائدة: قال ابن قدامة ﵀ (١٤/ ١٣٢): قَالَ أَحْمَدُ: مَضَتْ السُّنَّةُ أَنْ يُقْضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ؛ فَإِنْ أَبَى أَنْ يَحْلِفَ؛ اسْتُحْلِفَ الْمَطْلُوبُ. وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ. يُرْوَى عَنْ أَحْمَدَ: فَإِنْ أَبَى الْمَطْلُوبُ أَنْ يَحْلِفَ؛ ثَبَتَ الْحَقُّ عَلَيْهِ. اهـ
وهذا المشهور عن أحمد، وهو قول أبي حنيفة. (٢)
مسألة [٤]: هل تقبل شهادة امرأتين مع يمين المدعي ؟
• مذهب أحمد، والشافعي عدم قبول ذلك؛ لأنَّ الله عزوجل أجاز شهادة المرأتين مع رجل، وأجاز اليمين مع رجل؛ فدلَّ على اعتبار الرجل في ذلك.
стр. 5708
• وذهب مالك إلى جواز ذلك؛ لأنهما في الأموال أُقِيمتا مقام رجل، فيحلف معهما كما يحلف مع الرجل، وهو قول ابن حزم.
وأُجيب بأنهما لو أُقيمتا مقامه من كل وجه؛ لكفى أربع نسوة مقام رجلين، ولَقُبِل في غير الأموال شهادة رجل وامرأتين، ورجَّح قول مالك شيخ الإسلام، وابن عثيمين. وهو الصحيح، والله أعلم. (١)
القسم الرابع: ما لا يطلع عليه الرجال غالبًا.
مثل الولادة، والحيض، والبكارة، والثيوبة، والعدة، والرضاع.
قال ابن قدامة ﵀ (١٤/ ١٣٤ - ): لَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِي قَبُولِ شَهَادَةِ النِّسَاءِ الْمُنْفَرِدَاتِ فِي الْجُمْلَةِ. قَالَ الْقَاضِي: وَاَلَّذِي تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَتُهُنَّ مُنْفَرِدَاتٍ خَمْسَةُ أَشْيَاءَ: الْوِلَادَةُ، وَالِاسْتِهْلَالُ، وَالرَّضَاعُ، وَالْعُيُوبُ تَحْتَ الثِّيَابِ كَالرَّتَقِ، وَالْقَرْنِ، وَالْبَكَارَةِ، وَالثِّيَابَةِ، وَالْبَرَصِ، وَانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ. اهـ
وهذا قول الجمهور، وخالف أبو حنيفة في الرضاع، والاستهلال عقب الولادة، فيطلع عليه الرجال.
واستدل الجمهور عليه بحديث عقبة بن الحارث: «كيف وقد قيل» عند أن شهدت امرأةٌ بالرضاع.
وقالوا: الاستهلال يكون في حالة الولادة، فيتعذر حضور الرجال؛ فأشبه الولادة نفسها؛ ولذلك فقد خالفه صاحباه في ذلك. (٢)
стр. 5709
مسألة [٥]: ما لا يطلع عليه الرجال، كم عدد يُشترط فيه من النساء ؟
• من أهل العلم من أجاز في ذلك شهادة امرأة عدل، وهو مذهب أحمد، وقال به طاوس في الرضاع.
واستدل هؤلاء بحديث عقبة بن الحارث عند أن شهدت امرأة أنها أرضعت عقبة والتي تزوج بها، فأمره النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بفراقها، وقال: «كيف وقد قيل» أخرجه البخاري، واختاره ابن عثيمين، والشوكاني؛ لأنه خبر.
• وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى اشتراط شهادة امرأتين، وهو قول الحكم، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة، والثوري، ومالك، وأحمد في رواية؛ لأنَّ الرجال في الشهادة يُشترط أن يكونوا اثنين، وهم أكمل منهن عقلًا، فالنساء من باب أولى.
• وقال عثمان البتي: يكفي ثلاث.
• وقال أبو حنيفة: تكفي في ولادة الزوجات واحدة دون ولادة المطلقة.
• وقال عطاء، والشعبي، وقتادة، والشافعي، وأبو ثور: لا يقبل فيه إلا أربع؛ لأنَّ شهادة المرأتين بشهادة رجل. وهو قول ابن حزم؛ إلا في الرضاع، فأجازه بشهادة واحدة.
قال أبو عبد الله غفر الله لهُ: الصحيح القول الأول فيما كان خبرًا محضًا، وأما ما كان متعلقًا بحقوق شرعية.
стр. 5710
فالأقرب فيه قول الإمام الشافعي ﵀، والله أعلم. (١)
تنبيه: أجاز بعض أهل العلم شهادة النساء مفردات فيما يطلع عليه الرجال في غير الحدود، ويُشترط فيها ضِعفُ ما يشترط من الرجال، واختار ذلك شيخ الإسلام، وابن عثيمين، بل أجاز ابن حزم، والشوكاني ذلك في الحدود أيضًا. (٢)
стр. 5711
فَصْل فِي ذِكْرِ مَسَائِلَ أُخْرَى مُتَعَلّقَة بِالْبَاب
مسألة [١]: هل تُقبل شهادة القاذف إذا تاب ؟
• إذا تاب القاذف؛ زال عنه الفسق بلا خلاف، وتُقبل شهادته عند جمهور العلماء، وعامتهم.
• وخالف أبو حنيفة، فقال: تسقط شهادته عقب الجلد، ولا تُقبل شهادته وإن تاب.
واحتج عليه الجمهور بقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور:٥]، فمفهوم الآية أنَّ من تاب فليس بفاسق، وتُقبل شهادته.
وقال أبو حنيفة: الاستثناء يعود إلى الفسق فقط.
وأُجيب بالمنع، ومع التسليم؛ فإنِ ارتفع فسقه؛ قُبلت شهادته. (١)
مسألة [٢]: هل ترد رواية القاذف ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٤/ ١٨٩): وَالْقَاذِفُ فِي الشَّتْمِ تُرَدُّ شَهَادَتُهُ وَرِوَايَتُهُ حَتَّى يَتُوبَ، وَالشَّاهِدُ بِالزِّنَى إذَا لَمْ تَكْمُلْ الْبَيِّنَةُ؛ تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ دُونَ شَهَادَتِهِ، وَحُكِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّ شَهَادَتَهُ لَا تُرَدُّ. وَلَنَا أَنَّ عُمَرَ لَمْ يَقْبَلْ شَهَادَةَ أَبِي بَكْرَةَ، وَقَالَ لَهُ: تُبْ، أَقْبَلْ شَهَادَتَك. (٢) وَرِوَايَتُهُ مَقْبُولَةٌ، وَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي قَبُولِ
стр. 5712
رِوَايَة أَبِي بَكْرَةَ، مَعَ رَدِّ عُمَرَ شَهَادَتَهُ. اهـ
مسألة [٣]: هل يشترط في توبة القاذف أن يكذب نفسه ؟
• مذهب الجمهور أنَّ توبة القاذف بإكذاب نفسه؛ لأنَّ عرض المقذوف تلوَّث بقذفه، فإكذاب نفسه يزيل ذلك التلويث.
• وذكر بعض الحنابلة، والشافعية أنَّ القذف إن كان سبًّا؛ فيكذب نفسه، وإن كانت شهادة؛ لم تكمل فالتوبة منه أن يقول: القذف حرام، ولن أعود إلى ما قلت.
واستدل الجمهور بأنَّ الله تعالى سمَّى القاذف كاذبًا إذا لم يأت بأربعة شهداء على الإطلاق، فتكذيب الذي يظن نفسه صادقًا يرجع إلى أنه كاذب في حكم الله، وإن كان في نفس الأمر صادقًا، قال تعالى: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور:١٣].
قلتُ: يكفي أن يقر بذنبه، وهو يتضمن تكذيب نفسه في حكم الله، وأبو بكرة ﵁، لمَّا شهد بالزنى في عهد عمر ﵁ على بعض الناس، ولم تكمل الشهادة، فإنه أبى أن يكذب نفسه. (١)
مسألة [٤]: من شهد شهادة في حال فسقه، فردت، ثم شهد بها، وقد تاب، وصار عدلاً ؟
• مذهب أحمد، والشافعي، وأصحاب الرأي أنها لا تقبل منه؛ لأنه متهم في أدائها؛ لأنه يُعَيَّر بِرَدِّها، ولحقته غضاضة؛ لكونها رُدَّت بسبب نقص يتعير به.
стр. 5713
• وذهب أبو ثور، والمزني، وداود الظاهري إلى أنها تُقبل، قال ابن المنذر: والنظر يدل على هذا؛ لأنها شاهد عدل، فتقبل كما لو شهد وهو كافر، فردت شهادته، ثم شهد بها بعد إسلامه. وهذا القول أقرب، والله أعلم. (١)
مسألة [٥]: فإن لم يؤد الشهادة حتى صار عدلاً ؟
تُقبل شهادته. قال ابن قدامة: بغير خلاف نعلمه. (٢)
مسألة [٦]: لو شهد وهو عدل، فلم يحكم بشهادته حتى طرأ عليه الفسق، أو الكفر ؟
• مذهب أحمد، والشافعي، وأبي يوسف عدم الحكم بتلك الشهادة؛ لأنَّ عدالة الشاهد شرط للحكم، فيعتبر دوامها إلى حين الحكم؛ ولأنَّ ظهور فسقه، وكفره يدل على تقدمه؛ لأنَّ عادة الإنسان أن يُسِرَّ الفسق، ويظهر العدالة.
• وذهب أبو ثور، والمزني إلى الحكم بها. والقول الأول هو الصحيح. (٣)
مسألة [٧]: فإن طرأ عليهما الجنون، أو الموت ؟
• مذهب أحمد، والشافعي وغيرهما أنَّ الحاكم يحكم بشهادتهما؛ لأنَّ الموت، والجنون لا يؤثر في عدالة الرجل قبل ذلك. (٤)
стр. 5714
مسألة [٨]: حكم الشهادة على الشهادة ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٤/ ١٩٩): الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ جَائِزَةٌ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ. وَبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: أَجْمَعَتْ الْعُلَمَاءُ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ عَلَى إمْضَاءِ الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ فِي الْأَمْوَالِ. وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إلَيْهَا؛ فَإِنَّهَا لَوْ لَمْ تُقْبَلْ لَبَطَلَتْ الشَّهَادَةُ عَلَى الْوَقْفِ، وَمَا يَتَأَخَّرُ إثْبَاتُهُ عِنْدَ الْحَاكِمِ ثُمَّ يَمُوتُ شُهُودُهُ، وَفِي ذَلِكَ ضَرَرٌ عَلَى النَّاسِ، وَمَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ؛ فَوَجَبَ أَنْ تُقْبَلَ، كَشَهَادَةِ الْأَصْلِ. اهـ (١)
مسألة [٩]: فِيْمَ تُقبل الشهادة على الشهادة ؟
أما الأموال، وما يقصد به المال فتُقبل بلا خلاف كما ذكر أبو عبيد.
وأما في الحدود ففيه خلاف:
• فذهب النخعي، والشعبي، وأحمد، والحنفية، والشافعي في قول إلى عدم قبولها؛ لأنَّ الحدود تُدرأ بالشبهات، والشهادة على الشهادة فيها شبهة، وكذلك الشهادة في القصاص.
• وذهب بعضُ أهل العلم إلى قبولها حتى في الحدود، والقصاص، وهو قول مالك، والشافعي في قولٍ، وأبي ثور، واختاره شيخ الإسلام، ثم الإمام ابن عثيمين؛ لأنَّ ذلك يثبت بشهادة الأصل، فيثبت بالشهادة على الشهادة، وهذا القول هو الراجح. (٢)
стр. 5715
مسألة [١٠]: شروط الشهادة على الشهادة .
الأول: أن تتعذر شهادة الأصل؛ لموتٍ، أو غيبة، أو حبس، أو خوف من سلطان، أو غيره.
• وهذا قول مالك، والشافعي، وأحمد، وأبي حنيفة، وعن الشعبي: تُقبل في الموت.
• وحُكي عن أبي يوسف، ومحمد جوازها مع القدرة على شهادة الأصل؛ قياسًا على الرواية، ولأنه عدل يخبر بذلك، ويشهد به؛ فوجب قبول ذلك، وهو قول ابن حزم. والصحيح قول الجمهور؛ لأنه قد يرجع عن شهادته، وقد يتبين فيها بعض الوهم. (١)
الثاني: أن تتحقق شروط الشهادة في الأصل، والفرع، ولا خلاف في ذلك. قاله ابن قدامة.
الثالث: اشترط جماعةٌ من أهل العلم أن يسترعي شاهدُ الأصل الشاهدَ الآخر، فيقول له: اشهد على شهادتي أني أشهد بكذا.
• وهذا قول الحنفية، وبعض الحنابلة.
• والأشهر في مذهب الشافعي عدم اشتراط الاسترعاء، وهو الأشهر في مذهب أحمد، ورجحه الإمام ابن عثيمين ﵀، وهذا هو الصحيح، والله أعلم. (٢)
стр. 5716
الرابع: اشترط بعض أهل العلم أنْ تكون شهادة الفرع بعدلين على شهادة الأصل.
• وهو قول مالك، والشافعي، وأبي حنيفة؛ لأنهما يشهدان على شهادة، فأشبه ما لو شهدا على إقرار شخص؛ إلا أنَّ مالكًا، وأبا حنيفة أجازا أن يشهد الشاهدان أنفسهما على شهادة الآخر من الأصل، وأما الشافعي في الأشهر فاشترط شهادة اثنين آخرين.
• وذهب جمعٌ من أهل العلم إلى قبول شهادة واحد على شهادة الأصل، وهو قول شُريح، والشعبي، والحسن، وابن شبرمة، وابن أبي ليلى، والثوري، وأحمد، وإسحاق، وابن حزم، والبتي، والعنبري. قال إسحاق: لم يزل أهل العلم على هذا حتى جاء هؤلاء. وقال أحمد: لم يزل الناس على ذا، شُريح فمن دونه إلا أنَّ أبا حنيفة أنكره.
ورجَّح هذا القول الإمام ابن عثيمين ﵀، وهو الصحيح، والله أعلم.
قال ابن قدامة ﵀: وَلَنَا أَنَّ هَذَا يَثْبُتُ بِشَاهِدَيْنِ، وَقَدْ شَهِدَ اثْنَانِ بِمَا يُثْبِتُهُ، فَيَثْبُتُ، كَمَا لَوْ شَهِدَا بِنَفْسِ الْحَقِّ، وَلِأَنَّ شَاهِدَيْ الْفَرْعِ بَدَلٌ مِنْ شُهُودِ الْأَصْلِ، فَيَكْفِي فِي عَدَدِهَا مَا يَكْفِي فِي شَهَادَةِ الْأَصْلِ؛ وَلِأَنَّ هَذَا إجْمَاعٌ عَلَى مَا ذَكَرَهُ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ، وَلِأَنَّ شَاهِدَيْ الْفَرْعِ لَا يَنْقُلَانِ عَنْ شَاهِدَيْ الْأَصْلِ حَقًّا عَلَيْهِمَا؛ فَوَجَبَ أَنْ يُقْبَلَ فِيهِ قَوْلُ وَاحِدٍ، كَأَخْبَارِ الدِّيَانَاتِ. اهـ (١)
стр. 5717
مسألة [١١]: ضابط الغَيبَة التي تجيز شهادة الفرع ؟
• منهم من قال: في موضع لا يمكنه الرجوع في يومه. قاله أبو يوسف، والقاضي الحنبلي، وأبو حامد الشافعي؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ [البقرة:٢٨٢].
• وقال بعضهم: مسافة القصر. وهو قول أبي حنيفة، وأبي الخطاب الحنبلي، وأبي الطيب الطبري الشافعي، وهو الأشهر في مذهب أحمد. (١)
مسألة [١٢]: هل تجوز الشهادة على من سُمِع منه الإقرار بشيء، والشاهدان مستخفيان ؟
وذلك في مثل من يجحد الحق علانية، ويُقِرُّ بِه سِرًّا، فيختبئ شاهدان في موضع لا يعلم بهما ليسمعا إقراره به، ثم يشهدا به.
• فشهادتهما مقبولة على الصحيح في مذهب أحمد، ورُوي عن شريح، وهو قول الشافعي.
• وعن أحمد رواية أخرى: لا تسمع شهادته. وهو قول الشعبي، ورُوي عن شُريح أيضًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات:١٢].
• وقال مالك: إن كان المشهود عليه ضعيفًا ينخدع؛ لم يقبلا عليه، وإن لم يكن كذلك؛ قُبلت.
стр. 5718
قال ابن قدامة ﵀ «المغني» في (١٤/ ٢١١ - ٢١٢ (: وَلَنَا أَنَّهُمَا شَهِدَا بِمَا سَمِعَاهُ يَقِينًا، فَقُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا، كَمَا لَوْ عَلِمَ بِهَا. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله لهُ: تقبل شهادتهما على إقراره، والله أعلم.
مسألة [١٣]: من كان له بينة لا يعلمها، أو غائبة عنه، فحلف المدَّعَى عليه، ثم تمكن من البينة ؟
• جمهور العلماء على أنه يحكم له، وإن كان قد حلف المدَّعَى عليه، وهو قول شريح، والشعبي، ومالك، والثوري، والليث، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي يوسف، وأبي حنيفة.
• وحُكي عن ابن أبي ليلى، وداود أنَّ بينته لا تسمع؛ لأنَّ اليمين حجة المدَّعَى عليه؛ فلا تسمع بعدها حجة المدَّعِي.
• وقال الجمهور: ظهور البينة الصادقة يدل على أنَّ اليمين فاجرة، والبينة هي الأصل، وإنما يمين المدَّعَى عليه عند عدمها، وقد وُجِدت.
والصحيح قول الجمهور. (١)
مسألة [١٤]: اليمين التي يحلف بها ؟
اليمين المشروعة في الحقوق التي يبرأ بها المطلوب هي اليمين بالله تعالى في قول عامة أهل العلم؛ إلا أنَّ بعض أهل العلم استحب أن تغلظ بالصيغة لا سيما
стр. 5719
على أهل الكتاب. واستحب بعضهم تغليظها أيضًا في الزمان، والمكان، ولا يُشترط ذلك عند أهل العلم. (١)
مسألة [١٥]: هل يُقطع بالنفي في يمينه، أو يحلف على نفي علمه ؟
• ذهب جمهور العلماء إلى أنَّ الأيمان كلها على البَتِّ والقطع؛ إلا على نفي فعل الغير؛ فإنها على نفي العلم، وهو قول أصحاب المذاهب الأربعة.
• وقال الشعبي، والنخعي: كلها على العلم. وهي رواية عن أحمد.
• وقال ابن أبي ليلى: كلها على البت كما يحلف على فعل نفسه.
والصحيح القول الأول، ووجه ذلك ظاهر، والله أعلم. (٢)
مسألة [١٦]: الرجوع عن الشهادات ؟
الرجوع عن الشهادة له ثلاث أحوال:
الحال الأولى: أن يرجعوا قبل الحكم بها.
فلا يجوز الحكم بها في قول عامة أهل العلم، إلا قولًا حُكي عن أبي ثور أنه يحكم بها، وهو شاذ؛ لأنَّ الشهادة شرط الحكم، وقد انتقضت.
الحال الثانية: أن يرجعا بعد الحكم، وقبل الاستيفاء.
• فإنْ كان المحكوم به عقوبة كالحد والقصاص؛ لم يجز استيفاؤه؛ لأنَّ الحدود تُدرَأُ بالشبهات، ورجوعهما من أعظم الشبهات. وإن كان المشهود به
стр. 5720
مالًا؛ استوفي ولم ينقض الحكم في قول أهل الفُتيا من علماء الأمصار إلا ما حُكي عن سعيد بن المسيب، والأوزاعي أنهما قالا: ينقض الحكم، وإن استُوفي الحق كما لو تبين أنهما كانا كافرين.
قال ابن قدامة ﵀: وَلَنَا أَنَّ حَقَّ الْمَشْهُودِ لَهُ وَجَبَ لَهُ، فَلَا يَسْقُطُ بِقَوْلِهِمَا، كَمَا لَوْ ادَّعَيَاهُ لَأَنْفُسِهِمَا، يُحَقِّقُ هَذَا أَنَّ حَقَّ الْإِنْسَانِ لَا يَزُولُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ، وَرُجُوعُهُمَا لَيْسَ بِشَهَادَةٍ، وَلِهَذَا لَا يَفْتَقِرُ إلَى لَفْظِ الشَّهَادَةِ، وَلَا هُوَ إقْرَارٌ مِنْ صَاحِبِ الْحَقِّ. وَفَارَقَ مَا إذَا تَبَيَّنَ أَنَّهُمَا كَانَا كَافِرَيْنِ؛ لِأَنَّنَا تَبَيَّنَّا أَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ شَرْطُ الْحُكْمِ، وَهُوَ شَهَادَةُ الْعُدُولِ، وَفِي مَسْأَلَتِنَا لَمْ يَتَبَيَّنْ ذَلِكَ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَا عَدْلَيْنِ صَادِقَيْنِ فِي شَهَادَتِهِمَا، وَإِنَّمَا كَذَبَا فِي رُجُوعِهِمَا، وَيُفَارِقُ الْعُقُوبَاتِ، حَيْثُ لَا تُسْتَوْفَى؛ لِأنَّهَا تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ. اهـ
• واختار ابن حزم أنه ينقض حكمه، قال: كما لو أنَّ عدلين شهدا بجرحته حين شهد، فيجب رد ما شهد به، فإقراره على نفسه بالكذب، أو الغفلة أثبت عليه من شهادة غيره عليه بذلك. وعزا هذا القو ل لحماد بن أبي سليمان، والحسن البصري.
وهذا القول هو الصواب، وقد رجحه الإمام الشوكاني ﵀ فقال في «السيل الجرار» (ص ٧٨٢): ومع الرجوع تبطل شهادته من غير فرق بين كونها قبل الحكم أو بعده، وأي تأثير للحكم مع بطلان مستنده؛ فإنَّ هذا من أعجب ما يقرع سمع من يتعقل الحقائق فضلًا عمن هو عالم بالأسباب الموجبة لثبوت أحكام
стр. 5721
الشرع، ولا فرق بين الحد والقصاص وغيرهما؛ فإنْ كان قد وقع الحكم، فلا شك أن الحاكم مغرور من جهة الشهود، وهم سبب الجناية على المشهود عليه، فيغرمون لمن أصيب بشهادتهم في بدنه، أو في ماله، أما في البدن فظاهر؛ لأنه قد حلَّ به ما لم يمكن استدراكه إلا بتسليم ديته، أو أرشه، وأما في المال فلا يغرمون إلا إذا تعذر إرجاع ذلك المال إلى يد مالكه، وتعذر الرجوع على من أتلفه بقيمته. اهـ
الحال الثالثة: أن يرجع الشاهدان بعد الاستيفاء.
• فمذهب الجمهور عدم بطلان الحكم، ويرجع بالغرامة على الشاهدين؛ فإن كان مالًا؛ ضمناه، وإن كان إتلافًا؛ مثل القصاص كالقتل والجرح؛ فإن كان عمدًا؛ وشهدا زورًا؛ قِيدَا به، وإن كان خطأ؛ فعليهما الدية.
• وخالف أبو حنيفة فلم يقل بالقود. وخالف في هذه الحال نفس الذين خالفوا في الحال التي قبلها، وقد تقدم كلام الشوكاني، وهو كلام قوي. (١)
مسألة [١٧]: إذا حكم الحاكم بشهادة فرع، ثم حصل الرجوع ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٤/ ٢٥٥): وَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَا فَرْعٍ عَلَى شَاهِدَيْ أَصْلٍ، فَحَكَمَ الْحَاكِمُ بِشَهَادَتِهِمَا، ثُمَّ رَجَعَ شَاهِدَا الْفَرْعِ؛ فَعَلَيْهِمَا الضَّمَانُ، لَا أَعْلَمُ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ خِلَافًا. وَإِنْ رَجَعَ شَاهِدَا الْأَصْلِ وَحْدَهُمَا؛ لَزِمَهُمَا الضَّمَانُ أَيْضًا. وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، وَحَكَى أَبُو الْخَطَّابِ
стр. 5722
عَنْ الْقَاضِي أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِمَا. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ تَعَلَّقَ بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْ الْفَرْعِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُمَا جَعَلَا شَهَادَةَ شَاهِدَيْ الْأَصْلِ شَهَادَةً، لَمْ يَلْزَمْ شَاهِدَيْ الْأَصْلِ ضَمَانٌ؛ لِعَدَمِ تَعَلُّقِ الْحُكْمِ بِشَهَادَتِهِمَا.
قال: وَلَنَا أَنَّ الْحَقَّ ثَبَتَ بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْ الْأَصْلِ؛ بِدَلِيلِ اعْتِبَارِ عَدَالَتِهِمَا، فَإِذَا رَجَعَا؛ ضَمِنَا، كَشَاهِدَيْ الْفَرْعِ. اهـ
قلتُ: الصحيح أنهما يضمنان؛ لما ذكره ابن قدامة ﵀، والله أعلم.
مسألة [١٨]: إذا حكم الحاكم بشاهدٍ ويمين، فرجع الشاهد ؟
• مذهب أحمد أنه يلزمه غرم جميع المال؛ لأنَّ الشاهد حجة الدعوى، ولأنَّ اليمين لم تقبل من المدَّعِي إلا بوجود هذا الشاهد.
• ومذهب مالك، والشافعي أنه يلزمه النصف؛ لأنه أحد حجتي الدعوى، وهو قولٌ في مذهب أحمد، وصوب الإمام ابن عثيمين القول الأول.
قلتُ: وهذا والله أعلم فيما إذا لم يمكن استرجاع المال من المشهود له كما تقدم في كلام الشوكاني، والله أعلم. (١)
مسألة [١٩]: إذا قطع الحاكم يد سارق بشهادة اثنين، ثم تبين أنهما كافران، أو فاسقان ؟
ذكر أهل العلم أنه لا ضمان على الشاهدين؛ لأنهما مقيمان على أنهما صادقان
стр. 5723
فيما شهدا به، وإنما الشرع منع قبول شهادتهما بخلاف الراجعين عن الشهادة؛ فإنهما اعترفا بكذبهما.
ويجب الضمان على الحاكم، أو الإمام الذي تولَّى ذلك، ولا قصاص عليه؛ لأنه مخطئ، وتجب الدية. واختلفوا في محلها، فقيل: على العاقلة. وقيل: على بيت المال. وهو الصواب، والله أعلم. (١)
مسألة [٢٠]: لو جلد الإمام إنسانًا بشهادة شهود، فبان بعد ذلك فسقهم ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٤/ ٢٥٨): وَلَوْ جَلَدَ الْإِمَامُ إنْسَانًا بِشَهَادَةِ شُهُودٍ، ثُمَّ بَانَ أَنَّهُمْ فَسَقَةٌ، أَوْ كَفَرَةٌ، أَوْ عَبِيدٌ، فَعَلَى الْإِمَامِ ضَمَانُ مَا حَصَلَ مِنْ أَثَرِ الضَّرْبِ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ. وَلَنَا أَنَّهَا جِنَايَةٌ صَدَرَتْ عَنْ خَطَإِ الْإِمَامِ، فَكَانَتْ مَضْمُونَةً عَلَيْهِ كَمَا لَوْ قَطَعَهُ أَوْ قَتَلَهُ. اهـ
قلتُ: قوله (أو عبيد) غير صحيح كما تقدم.
مسألة [٢١]: من ادَّعى دعوى وقال: لا بينة لي. ثم أتى بعد ذلك ببينة ؟
• من أهل العلم من قال: لا تقبل بينته بعد ذلك؛ لأنه أكذب بينته بإقراره أنه لا يشهد له أحد.
• وذهب الشافعي في ظاهر مذهبه، وأبو يوسف إلى أنها تقبل، وهو قول ابن المنذر؛ لأنه يجوز أن ينسى، أو يكون الشاهدان سمعا منه، وصاحب الحق لا
стр. 5724
يعلم؛ فلا يثبت بذلك أنه كذَّب بينته.
• وقال بعض الشافعية: إن كان الإشهاد أمرًا تولاه بنفسه؛ لم تسمع بينته؛ لأنه أكذبها، وإن كان وكيله أشهد على المدَّعَى عليه، أو شهد من غير علمه، أو من غير أن يشهدهم؛ سُمعت بينته؛ لأنه معذور في نفيه إياها.
قال ابن قدامة: وهو قولٌ حسن.
قلتُ: الذي يظهر أنَّ القاضي ينظر في كل قضية بعينها؛ فإن بعدت التهمة حكم بالبينة، وإلا فلا يُحكم بها، والله أعلم. (١)
مسألة [٢٢]: إذا أنكر العدل أن تكون عنده شهادة، ثم شهد بها، وادَّعى أنه نسي ؟
• مذهب الثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق قبول شهادته.
بل قال ابن قدامة ﵀: وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَسِيَهَا، وَإِذَا كَانَ نَاسِيًا لَهَا، فَلَا شَهَادَةَ عِنْدَهُ، فَلَا نُكَذِّبُهُ مَعَ إمْكَانِ صِدْقِهِ. وَلَا يُشْبِهُ هَذَا إذَا مَا قَالَ: لَا بَيِّنَةَ لِي. ثُمَّ أَتَى بِبَيِّنَةٍ، حَيْثُ لَا تُسْمَعُ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ إقْرَارٌ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهِ بِعَدَمِ الْبَيِّنَةِ، وَالْإِنْسَانُ يُؤَاخَذُ بِإِقْرَارِهِ، وَقَوْلُ الشَّاهِدِ: لَا شَهَادَةَ عِنْدِي. لَيْسَ بِإِقْرَارٍ؛ فَإِنَّ الشَّهَادَةَ لَيْسَتْ لَهُ؛ إنَّمَا هِيَ حَقٌّ عَلَيْهِ. اهـ (٢)
стр. 5725
مسألة [٢٣]: اختلاف الشهداء .
إذا اختلف الشهداء في تعيين الجريمة، أو وقتها؛ فلا تُقبل الشهادة، وقد أشرنا إلى ذلك في الحدود.
وإن اختلف الشاهدان على الإقرار، مثل أن يشهد أحدهما أنه أقرَّ عندي يوم الخميس بدمشق أنه قتله. ويشهد الآخر أنه أقرَّ عندي بهذا يوم السبت.
• فمذهب أحمد، والشافعي، وأبي حنيفة أنها تكمل الشهادة؛ لأنَّ الْمُقَرَّ به واحد.
• وقال زُفر: لا تكمل شهادتهما؛ لأنَّ كل إقرار لم يشهد به إلا واحد؛ فلم تكمل الشهادة، فأشبه الشهادة على الفعل.
وأجاب الجمهور بأنَّ الشهادة على الفعل شهادة على فعلين مختلفين، فنظيره في الإقرار أن يشهد أحدهما أنه أقر عندي أنه قتله في يوم الخميس، وشهد الآخر أنه أقرَّ بقتله يوم الجمعة؛ فشهادتهما لا تُقبل.
والصحيح في هذه المسألة مذهب أحمد؛ لأن كل واحد منهما يشهد عليه بالإقرار؛ فيثبت إقراره، ولو كان الإقرار في مجلسين. (١)
стр. 5726
بَابُ الدَّعْوَى وَالبَيِّنَاتِ
١٤٠٧ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالِهَمْ وَلَكِنَّ اليَمِينَ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
وَلِلْبَيْهَقِيِّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ: «البَيِّنَةُ عَلَى المُدَّعِي وَاليَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ». (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: البينة على المدَّعِي، واليمين على من أنكر .
• قال ابن رجب ﵀ في «جامع العلوم والحكم» (ص ٢٣٠ - ): قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن البينة على المدعي واليمين على المدَّعى عليه. قال: ومعنى قوله: «البينة على المدعي» يعني أنه يستحق بها ما ادَّعى؛ لأنها واجبة يؤخذ بها، ومعنى قوله: «اليمين على المدَّعى عليه»، أي: يبرأ بها؛ لأنها واجبة عليه يؤخذ بها على كل حال. انتهى، وقد اختلف الفقهاء من أصحابنا والشافعية في تفسير المدعي والمدعى عليه، فمنهم من قال: المدعي هو الذي
стр. 5727
يخلى، وسكوته من الخصمين، والمدعى عليه من لا يخلَّى وسكوته منهما. ومنهم من قال: المدعي من يطلب أمرًا خفيًّا على خلاف الأصل والظاهر، والمدعى عليه بخلافه.
قلتُ: التفسير الأول قال فيه ابن حجر ﵀ في «الفتح»: هذا أسلم، والثاني أشهر. اهـ
والقول الثاني عزاه الشوكاني للأكثر في «السيل الجرار» (٧٤٦).
ثم قال ابن رجب ﵀: وقد اختلف الفقهاء في هذا الباب على قولين: أحدهما: أن البينة على المدعي أبدًا، واليمين على المدعَى عليه أبدًا، وهو قول أبي حنيفة، ووافقه طائفة من الفقهاء والمحدثين، كالبخارى، وطردوا ذلك في كل دعوى حتى في القسامة، وقالوا: لا يحلف إلا المدَّعَى عليه. ورأوا أن لا يُقْضَى بشاهد ولا يمين؛ لأن اليمين لا تكون إلا على المدَّعى عليه.
قال: واستدلوا في مسألة القسامة بما روى سعيد بن عبيد حدثنا بشير بن يسار الأنصاري عن سهل بن أبي حثمة، وفيه: «تأتوني بالبينة على من قتله» قالوا: ما لنا من بينة. قال: «فيحلفون» قالوا: لا نرضى بأيمان اليهود. أخرجاه في «الصحيحين».
قال: وقد ذكر الأئمة الحفاظ أن رواية يحيى بن سعيد أصح من رواية سعيد ابن عبيد الطائي؛ فإنه أجل وأحفظ وأعلم، وهو من أهل المدينة، وهو أعلم
стр. 5728
بحديثهم من الكوفيين، وقد ذكر الإمام أحمد مخالفة سعيد بن عبيد ليحيي بن سعيد في هذا الحديث، فنفض يده، وقال: ذاك ليس بشيء، رواه على ما يقول الكوفيون. وقال: أذهب إلى حديث المديني يحيى بن سعيد. وقال النسائي: لا نعلم أحدًا تابع سعيدَ بن عبيد على روايته عن بشير بن يسار. وقال مسلم في كتاب «التمييز»: لم يحفظه سعيد بن عبيد على وجهه؛ لأن جميع الأخبار فيها سؤال النبي ﷺ إياهم قسامة خمسين يمينًا، وليس في شيء من أخبارهم أن النبي ﷺ سألهم البينة، وترك سعيد القسامة، وتواطؤُ الأخبار بخلافه يقضي عليه بالغلط، وقد خالفه يحيى بن سعيد.
قال: وأما مسألة الشاهد مع اليمين، فاستدل من أنكر الحكم بالشاهد واليمين بحديث: «شاهداك أو يمينه»، وقوله ﷺ : «ليس لك إلا ذلك»، وقد تكلم القاضي إسماعيل المالكي في هذه اللفظة، وقال: تفرد بها منصور عن أبي وائل، وخالفه سائر الرواة. وقالوا: إنه سأله «ألك بينة أولا؟» والبينة لا تقف على الشاهدين فقط، بل تعم سائر ما يبين الحق. وقال غيره: يحتمل أن يريد بشهادته كل نوعين يشهدان للمدعي بصحة دعواه يتبين بهما الحق، فيدخل ذلك بشهادة الرجلين، وشهادة الرجل مع المرأتين، وشهادة الواحد مع اليمين، وقد أقام الله سبحانه أيمان المدعي مقام الشهود في اللعان.
قال: وقوله في تمام الحديث: «ليس لك إلا ذلك» لم يرد به النفي العام، بل النفي الخاص، وهو الذي أراده المدعي، وهو أن يكون القول قوله بغير بينة،
стр. 5729
فمنعه من ذلك، وأبى ذلك عليه، وكذلك قوله في الحديث الآخر: «ولكن اليمين على المدعى عليه» إنما أريد بها اليمين المجردة عن الشهادة، وأول الحديث يدل على ذلك، و هو قوله: «لو يُعطي الناس بدعواهم؛ لادَّعى رجالٌ دماء رجال وأموالهم»، فدل على أن قوله: «اليمين على المدعى عليه» إنما هي اليمين القاطعة للمنازعة مع عدم البينة، وأما اليمين المثبتة للحق مع وجود الشهادة، فهذا نوع آخر، وقد ثبت بسنة أخرى.
• والقول الثاني في المسألة أنه يرجح جانب أقوى المتداعيين، وتجعل اليمين في جانبه، هذا مذهب مالك، وكذا ذكره القاضي أبو يعلى في خلافه أنه مذهب أحمد، وعلى هذا تتوجه المسائل التي تقدم ذكرها من الحكم بالقسامة، والشاهد، واليمين؛ فإنَّ جانب المدعي في القسامة لما قوي باللوث؛ جعلت اليمين في جانبه، وحكم له بها، وكذلك المدعي إذا أقام شاهدًا؛ فإنه قوي جانبه، فيحلف معه، ويقضى له.
وهؤلاء لهم في الجواب عن قوله: «البينة على المدعي ... » الحديث، طريقان:
الأول: أنَّ هذا خُصَّ من العموم بدليل.
والثاني: أنَّ قوله: «البينة على المدعي ... » الحديث، ليس بعام؛ لأنَّ المراد: على المدعي المعهود. وهو من لا حجة له سوى الدعوى كما في قوله: «لو يُعطى الناس بدعواهم ... »، فأما المدعي الذي معه حجة تُقَوِّي دعواه؛ فليس داخلًا في
стр. 5730
الحديث.
وطريق ثالثة: وهو أنَّ البينة كل ما بيَّن صحة الدعوى من المدعي، وشهد بصدقه، فاللوث مع القسامة بينة، والشاهد مع اليمين بينة. انتهى بتصرف يسير.
مسألة [٢]: هل يستحلف في النكاح ؟
• مذهب أحمد أنه لا يُستحلف فيه، ولا يُقضى فيه إلا ببينة؛ لأنَّ هذا مما لا يُباح بذله، فلم يستحلف فيه كالحد، يحقق هذا أنَّ الأبضاع مما يحتاط فيها؛ فلا تُباح بالنكول، ولا به وبيمين المدعي كالحدود؛ وذلك لأنَّ النكول ليس بحجة قوية، وهو قول مالك، وأبي حنيفة.
• وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى شرعية الاستحلاف فيه؛ لأنَّ ذلك من الحقوق أيضًا، وهو قول الشافعي، وابن المنذر، وأبي يوسف، ومحمد، فإذا ادعى الرجل أنَّ فلانة امرأته، وأنكرت؛ فإنها تُستحلَف؛ فإن نكلت قُضي بالنكاح عند أبي يوسف، ومحمد، وعند الشافعي تُرد اليمين على الرجل فيحلف ويُقضى بالزواج.
• وقال بعض الحنابلة بالاستحلاف، ولكن عندهم لا يُقضى بالنكول، وإنما تحبس حتى تقر أو تحلف. (١)
تنبيه: مثل النكاح في الخلاف السابق الطلاق، والرجعة، والعتق، والنسب، والاستيلاد، والولاء، والرق، فمنهم من علل فيها كلها بأنها لا تثبت إلا بشاهدين،
стр. 5731
ومنهم من علل فيها بأنها لا يدخلها البدل. (١)
مسألة [٣]: الاستحلاف في حقوق الله .
حقوق الله تعالى نوعان:
الأول: الحدود.
فلا تشرع فيها يمين، لا نعلم في هذا خلافًا. قاله ابن قدامة؛ لأنه لو أقرَّ، ثم رجع عن إقراره؛ قُبل منه، وخلي عنه من غير يمين؛ فلَأَنْ لا يستحلف مع عدم الإقرار أولى، ولأنه يستحب ستره، والتعريض للمُقِرِّ به بالرجوع عن إقراره؛ فلا تُشرع فيه يمين بحال.
الثاني: الحقوق المالية.
كدعوى الساعي الزكاة على رب المال بأنَّ الحول قد تم، وكمل النصاب.
• فذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى عدم الاستحلاف في ذلك، وهذا قول طاوس، والثوري، والحسن بن صالح، وأحمد وأصحابه؛ لأنه حق لله تعالى، فأشبه الحد، ولأنها عبادة فلا يستحلف عليها كالصلاة.
• وذهب جماعةٌ من الفقهاء إلى أنه يستحلف إذا اتُّهِم في ذلك، وهو قول مالك، والليث، والشافعي، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن؛ لأنها دعوى مسموعة؛ ولأنَّ فيها حقًّا للفقراء. وهذا القول هو الصواب، والله أعلم. (٢)
стр. 5732
مسألة [٤]: إذا ادَّعَت المرأة النكاح على الرجل ؟
أما إذا ادعت المرأة ذلك، وذكرت معه حقًّا من حقوق النكاح كالصداق، والنفقة ونحوها؛ سُمعت دعواها بغير خلاف، كما ذكر ابن قدامة؛ لأنها تدَّعِي حقًّا لها تضيفه إلى سببه.
وأما إن أفردت دعوى النكاح، ففيه وجهان للحنابلة، والشافعية.
• منهم من قال: تُسمع الدعوى؛ لأنها سبب لحقوق لها.
• ومنهم من قال: لا تُسمع الدعوى؛ لأنَّ النكاح حق للزوج عليها، فلا تُسمع دعواها حقًّا لغيرها. والقول الأول أقرب؛ لأنه حق للزوجين، ولأنه قد يكون لها حقوق بذلك، والله أعلم. (١)
تنبيه: ذكر مالك ﵀ أنها لا تُسمع دعوى أهل السَّفه على أهل الفضل، وخالفه الجمهور. (٢)
стр. 5733
١٤٠٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَرَضَ عَلَى قَوْمٍ اليَمِينَ، فَأَسْرَعُوا، فَأَمَرَ أَنْ يُسْهَمَ بَيْنَهُمْ فِي اليَمِينِ: أَيُّهُمْ يَحْلِفُ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
معنى الحديث:
أخرج النسائي في «الكبرى» (٣/ ٤٨٧) هذا الحديث من نفس الوجه، وفيه: (فأسرع الفريقان) ففيه بيان أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عرض اليمين على المتخاصِمَين، وحمله كثير من الفقهاء، والشُّرَّاح على أنه في حال الدعوى على عينٍ بدون بينة، وليست العين في يد واحد من المتخاصمين. (٢)
مسألة [١]: إذا ادَّعى كل واحد من المتخاصمين عينًا ليست في يده، وجاء كل واحد ببينة ؟
• ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى سقوط البينتين، ويُقرع بينهم في اليمين، ثبت ذلك عن ابن الزبير ﵄، (٣) وهو قول أحمد، وإسحاق، وأبي عبيد، ومالك في رواية، والقول القديم للشافعي.
واستدلوا بمرسل سعيد بن المسيب عند البيهقي (١٠/ ٢٥٩) بإسناد صحيح عنه قال: اختصم رجلان إلى رسول الله ﷺ في أمرٍ، فجاء كل واحد منهما بشهداء
стр. 5734
عدول على عدة واحدة، فأسهم بينهما، وقال: «اللهم أنت تقضي بينهم»، فقضى للذي خرج له السهم. وذكر له البيهقي بعض الشواهد.
• وذهب بعضهم إلى أنها تُقسم بينهما نصفين وهذا قول قتادة، وابن شبرمة، وحماد، وأبي حنيفة، والشافعي في الجديد، والعُكْلي، وأحمد في رواية؛ لحديث أبي موسى ﵁ الذي في الكتاب، وسيأتي الكلام عليه، وقد اختلفت ألفاظه، ففي بعضها: «ليس لواحد منهما بينة»، وفي أخرى: «فبعث كل واحد منهما بشاهدين»، وليس في الحديث أنَّ البعير لم يكن في أيديهما.
• وهناك قول ثالث: تُقَدَّم إحدى البينتين بالقرعة، وهو قول أحمد في رواية، وقول ثالث للشافعي، وظاهر مرسل سعيد يدل عليه.
• وللشافعي قول رابع، وهو التوقف، وهو قول أبي ثور، فيتوقف الحاكم حتى تظهر أمورٌ أخرى.
والصحيح هو القول الأول، ويليه في القوة القول الثالث، والله أعلم. (١)
стр. 5735
١٤٠٩ - وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ الحَارِثِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ فَقَدْ أَوْجَبَ اللهُ لَهُ النَّارَ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الجَنَّةَ»، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «وَإِنْ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (١)
١٤١٠ - وَعَنِ الأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ لَقِيَ اللهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (٢)
الحكم المستفاد من الحديثين
في هذين الحديثين تعظيم حقوق المسلمين، وفيه عظم جرم من حلف على حق مسلم ليأخذه ظلمًا، فهو كبيرة من كبائر الذنوب يوجب النار، ويُعرِّض الإنسان لغضب الله .
١٤١٢ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى مِنْبَرِي هَذَا بِيَمِينٍ آثِمَةٍ تَبَوَّأَ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُودَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (١)
١٤١٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَلَا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: رَجُلٌ عَلَى فَضْلِ مَاءٍ بِالفَلَاةِ يَمْنَعُهُ مِنَ ابْنِ السَّبِيلِ، وَرَجُلٌ بَايَعَ رَجُلًا بِسِلْعَةٍ بَعْدَ العَصْرِ فَحَلَفَ لَهُ بِاللهِ: لَأَخَذَهَا بِكَذَا وَكَذَا، فَصَدَّقَهُ، وَهُوَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَرَجُلٌ بَايَعَ إمَامًا لَا يُبَايِعُهُ إلَّا لِلدُّنْيَا، فَإِنْ أَعْطَاهُ مِنْهَا وَفَى، وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ مِنْهَا لَمْ يَفِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين
مسألة [١]: تغليظ اليمين .
في الحديثين المتقدمين أنَّ اليمين يعظم إثمها بعظم مكانها وزمانها، ففي حديث جابر تغليظ إثم اليمين الكاذبة عند منبر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وكونها بعد العصر في حديث أبي هريرة ﵁؛ ولذلك استحب بعض أهل العلم تغليظ اليمين بذلك، قالوا: وإذا كان بمكة فتغلظ بحلفه بين الركن والمقام، والصحيح عدم الاستحباب، ولكن للقاضي أن يغلظها على من رأى منه التهاون والاستسهال، أو كان الأمر المدعى أمرًا عظيمًا.
стр. 5738
١٤١٤ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا فِي نَاقَةٍ، فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: نُتِجَتْ عِنْدِي، وَأَقَامَا بَيِّنَةً، فَقَضَى بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ لِمَنْ هِيَ فِي يَدِهِ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: من ادَّعى عينًا في يد غيره، فأنكر الآخر، ولكل واحد منهما بينة ؟
• من أهل العلم من قال: تقدم بينة المدعي -ويسمونها بينة الخارج- لأنَّ بينة الخارج فيها زيادة علم؛ ولأنَّ في الحديث: «البينة على المدعي، واليمين على من أنكر»؛ ولأنَّ بينة المدَّعَى عليه ويسمونها بينة الداخل قد تكون مستندة إلى رؤية اليد عليها، والتصرف بها. وهذا القول قال به أحمد، وإسحاق.
• وعن أحمد رواية أخرى أنَّ بينة المدَّعَى عليه تُقبل وتقدم إن شهدت البينة بسبب الملك، كأن يقول الشاهدان: نتجت في ملكه. أو اشتراها، أو نسجها. أو ما أشبه ذلك، وقال بذلك أبو حنيفة، وأبو ثور في النتاج، والنساج الذي لا يتكرر نسجه.
• وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنَّ بينة المدَّعَى عليه تقدم مطلقًا؛ لأنَّ
стр. 5739
البينتين تتكافأ، ويبقى مع هذا أنها تحت يده، أو لأنَّ كونها تحت يده يقوي بينته. واستدلوا بحديث الباب، وهذا القول قال به شُريح، والشعبي، والنخعي، والحكم، والشافعي، ومالك، وأهل المدينة، وأهل الشام، ونُقل رواية عن أحمد، وهذا القول رجحه الإمام الإمام الشوكاني، والإمام ابن باز، والإمام ابن عثيمين وغيرهم.
وهذا هو الصواب؛ إلا أن تكون بينة الخارج فيها زيادة علم ليست مع بينة الداخل، فتقدم كما أشار إلى ذلك الشوكاني.
وعليه فالأصل تقديم بينة الداخل؛ مالم يظهر قوة بينة الخارج عليها، وأنَّ فيها زيادة علم، والله أعلم. (١)
مسألة [٢]: وإذا قدمنا بينة المدَّعَى عليه، فهل يحلف ؟
• مذهب أحمد، والشافعي في قول أنه لا يحلف؛ لأنها قد رجحت بينته.
• وللشافعي قول آخر أنه يستحلف؛ لأنَّ البينتين تكافأتا، فيبقى كالدعوى المجردة، فيحلف، وهذا القول أقرب، والله أعلم. (٢)
مسألة [٣]: إذا كانت البينة مع المدعي فقط ؟
• يستحق عند عامة أهل العلم بغير يمين.
• وعن شريح أنه يحلف.
стр. 5740
• وعن الشافعي أنه يحلف إذا كان المدَّعَى عليه ضعيفًا لا يمكنه الانتصار في الحقوق، وقال ابن قدامة: وهذا حسن؛ فإن قيام البينة بثبوت حقه لا ينفي احتمال القضاء، والإبراء. (١)
مسألة [٤]: وإذا كانت البينة مع المنكر فقط ؟
• الأشهر في مذهب الحنابلة أنها تغنيه عن اليمين.
• وعن بعض الحنابلة أنه يحلف، والأمر سهل؛ فإنْ حلَّفَه القاضي فلا بأس، فهو أحوط، وأوكد، وإلا فليس ذلك بلازم. (٢)
مسألة [٥]: إذا تنازع رجلان في عين في أيديهما ؟
أما إذا لم يكن لهما بينة، فيحلف كل واحد منهما، وتجعل بينهما نصفين، قال ابن قدامة: لا نعلم في هذا خلافًا.
وإن نكل أحدهما عن اليمين؛ قُضي بها للآخر، وإن نكلا جميعًا عن اليمين؛ قُسمت بينهما نصفين، وإن كان لكل واحد بينة ففيه خلاف:
• منهم من قال: تُقسم بينهما نصفين. وهو قول أحمد، والشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي؛ لحديث أبي موسى المتقدم، وقد تقدم الكلام عليه.
• وذهب أحمد في رواية إلى أنه يُقرع بينهما. والأول أقرب، والله أعلم. (٣)
стр. 5741
مسألة [٦]: وهل يحلف كل واحد منهما على النصف المحكوم له به ؟
• من أهل العلم من قال: يحلف. وهو قولُ بعض الشافعية، والحنابلة؛ لأنَّ البينتين قد تعارضتا، فتسقطان، ويبقى اليمين على المنكر.
• ومنهم من قال: لا يحلفان. وهو مذهب مالك، وأبي حنيفة، وأحد قولي الشافعي، ورواية عن أحمد؛ لأنه قد قضى لكل واحد ببينته، وكل بينة راجحة في نصف العين.
والقول الأول أقرب، ويشمله الحديث: «ولكن اليمين على المدَّعَى عليه»، والله أعلم. (١)
مسألة [٧]: هل ترجح إحدى البينتين بكثرة العدد، أو اشتهار العدالة ؟
• من أهل العلم من قال: لا يرجح بذلك. وهو قول أحمد، وأبي حنيفة، والشافعي؛ لأنَّ كلًّا منهما تعتبر بينة شرعية يقضى بها.
• ومنهم من قال: يرجح بذلك. وهو قول مالك، ووجهٌ للحنابلة.
ونُقل عن الأوزاعي أنَّ العين تُقسم بالنِّسَب على عدد الشهود، وهو قول ضعيف، والقول الأول أقرب، والله أعلم. (٢)
تنبيه: كذلك الشاهدان لا يرجحان على الشاهد والمرأتين.
стр. 5742
وهل يُرجَّحان على الشاهد واليمين؟ فيه وجهان للحنابلة والشافعية، وصحح ابن قدامة الترجيح. (١)
مسألة [٨]: إذا كان الخصمان في أيديهما دار، فادَّعى أحدهما نصفها، وادَّعَى الآخر كلها ولا بينة لأحدهما ؟
قال ابن قدامة: فَهِيَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَعَلَى مُدَّعِي النِّصْفِ الْيَمِينُ لِصَاحِبِهِ، وَلَا يَمِينَ عَلَى الْآخَرِ؛ لِأَنَّ النِّصْفَ الْمَحْكُومَ لَهُ بِهِ لَا مُنَازِعَ لَهُ فِيهِ. وَلَا نَعْلَم فِي هَذَا خِلَافًا؛ إلَّا أَنَّهُ حُكِيَ عَنْ ابْنِ شُبْرُمَةَ أَنَّ لِمُدَّعِي الْكُلِّ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِهَا؛ لِأَنَّ النِّصْفَ لَهُ لَا مُنَازِعَ فِيهِ، وَالنِّصْفَ الْآخَرَ يُقْسَمُ بَيْنَهُمَا عَلَى حَسَبِ دَعْوَاهُمَا فِيهِ.
قال: وَلَنَا أَنَّ يَدَ مُدَّعِي النِّصْفِ عَلَى مَا يَدَّعِيه، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِيهِ مَعَ يَمِينِهِ كَسَائِرِ الدَّعَاوَى. اهـ (٢)
стр. 5743
١٤١٥ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَدَّ اليَمِينَ عَلَى طَالِبِ الحَقِّ. رَوَاهُمَا الدَّارَقُطْنِيُّ، وَفِي إسْنَادِهِمَا ضَعْفٌ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: إذا نكل المنكِر عن اليمين، فهل تحول اليمين على المدعي، أم يستحق بغير يمين ؟
• هذا الحديث مما استدل به من قال بأنَّ اليمين ترد على المدعي، فيحلف ويستحق. وقالوا: لا يستحق بمجرد النكول. وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد في رواية. وقد استدل هؤلاء أيضًا بأنَّ النكول لا يصلح أن يكون بينة؛ لوجود الاحتمالات في نكوله وبأنَّ المدعي لو كان معه شاهدٌ احتاج معه إلى اليمين والشاهد أقوى من مجرد النكول، وهذا القول اختاره شيخ الإسلام، وابن القيم.
• وذهب أحمد في رواية، وأبو حنيفة إلى أنَّ المدعي يستحق العين بمجرد النكول؛ لضعف حديث ابن عمر؛ ولأنَّه بنكوله يدل على أنَّ الحق للآخر. واستدل أحمد، وأصحابه بحديث: «ولكن اليمين على المدَّعَى عليه»، ورجَّح الشوكاني ﵀ أنَّ الناكل يعزر حتى يحلف، أو يقر، وهو ظاهر اختيار الصنعاني. والصحيح هو القول الأول، والله أعلم. (٢)
стр. 5744
١٤١٦ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ مَسْرُورًا تَبْرُقُ أَسَارِيرُ وَجْهِهِ فَقَالَ: «أَلَمْ تَرَيْ إلَى مُجَزِّزٍ المُدْلِجِيِّ؟ نَظَرَ آنِفًا إلَى زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، فَقَالَ: هَذِهِ الأَقْدَامُ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
الحكم المستفاد من الحديث
فيه أنَّ شهادة القائف يُعمل بها عند تعذر ما هو أقوى منه، من الفراش، والبينة، وقد تقدم الكلام على ذلك في [كتاب الطلاق]، وذكرنا المسائل المتعلقة في ذلك هنالك.