مسألة [٦]: وهل يحلف كل واحد منهما على النصف المحكوم له به ؟
• من أهل العلم من قال: يحلف. وهو قولُ بعض الشافعية، والحنابلة؛ لأنَّ البينتين قد تعارضتا، فتسقطان، ويبقى اليمين على المنكر.
• ومنهم من قال: لا يحلفان. وهو مذهب مالك، وأبي حنيفة، وأحد قولي الشافعي، ورواية عن أحمد؛ لأنه قد قضى لكل واحد ببينته، وكل بينة راجحة في نصف العين.
والقول الأول أقرب، ويشمله الحديث: «ولكن اليمين على المدَّعَى عليه»، والله أعلم. (١)
مسألة [٧]: هل ترجح إحدى البينتين بكثرة العدد، أو اشتهار العدالة ؟
• من أهل العلم من قال: لا يرجح بذلك. وهو قول أحمد، وأبي حنيفة، والشافعي؛ لأنَّ كلًّا منهما تعتبر بينة شرعية يقضى بها.
• ومنهم من قال: يرجح بذلك. وهو قول مالك، ووجهٌ للحنابلة.
ونُقل عن الأوزاعي أنَّ العين تُقسم بالنِّسَب على عدد الشهود، وهو قول ضعيف، والقول الأول أقرب، والله أعلم. (٢)
تنبيه: كذلك الشاهدان لا يرجحان على الشاهد والمرأتين.
стр. 5742
وهل يُرجَّحان على الشاهد واليمين؟ فيه وجهان للحنابلة والشافعية، وصحح ابن قدامة الترجيح. (١)
مسألة [٨]: إذا كان الخصمان في أيديهما دار، فادَّعى أحدهما نصفها، وادَّعَى الآخر كلها ولا بينة لأحدهما ؟
قال ابن قدامة: فَهِيَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَعَلَى مُدَّعِي النِّصْفِ الْيَمِينُ لِصَاحِبِهِ، وَلَا يَمِينَ عَلَى الْآخَرِ؛ لِأَنَّ النِّصْفَ الْمَحْكُومَ لَهُ بِهِ لَا مُنَازِعَ لَهُ فِيهِ. وَلَا نَعْلَم فِي هَذَا خِلَافًا؛ إلَّا أَنَّهُ حُكِيَ عَنْ ابْنِ شُبْرُمَةَ أَنَّ لِمُدَّعِي الْكُلِّ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِهَا؛ لِأَنَّ النِّصْفَ لَهُ لَا مُنَازِعَ فِيهِ، وَالنِّصْفَ الْآخَرَ يُقْسَمُ بَيْنَهُمَا عَلَى حَسَبِ دَعْوَاهُمَا فِيهِ.
قال: وَلَنَا أَنَّ يَدَ مُدَّعِي النِّصْفِ عَلَى مَا يَدَّعِيه، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِيهِ مَعَ يَمِينِهِ كَسَائِرِ الدَّعَاوَى. اهـ (٢)
стр. 5743
١٤١٥ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَدَّ اليَمِينَ عَلَى طَالِبِ الحَقِّ. رَوَاهُمَا الدَّارَقُطْنِيُّ، وَفِي إسْنَادِهِمَا ضَعْفٌ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: إذا نكل المنكِر عن اليمين، فهل تحول اليمين على المدعي، أم يستحق بغير يمين ؟
• هذا الحديث مما استدل به من قال بأنَّ اليمين ترد على المدعي، فيحلف ويستحق. وقالوا: لا يستحق بمجرد النكول. وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد في رواية. وقد استدل هؤلاء أيضًا بأنَّ النكول لا يصلح أن يكون بينة؛ لوجود الاحتمالات في نكوله وبأنَّ المدعي لو كان معه شاهدٌ احتاج معه إلى اليمين والشاهد أقوى من مجرد النكول، وهذا القول اختاره شيخ الإسلام، وابن القيم.
• وذهب أحمد في رواية، وأبو حنيفة إلى أنَّ المدعي يستحق العين بمجرد النكول؛ لضعف حديث ابن عمر؛ ولأنَّه بنكوله يدل على أنَّ الحق للآخر. واستدل أحمد، وأصحابه بحديث: «ولكن اليمين على المدَّعَى عليه»، ورجَّح الشوكاني ﵀ أنَّ الناكل يعزر حتى يحلف، أو يقر، وهو ظاهر اختيار الصنعاني. والصحيح هو القول الأول، والله أعلم. (٢)
стр. 5744
١٤١٦ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ مَسْرُورًا تَبْرُقُ أَسَارِيرُ وَجْهِهِ فَقَالَ: «أَلَمْ تَرَيْ إلَى مُجَزِّزٍ المُدْلِجِيِّ؟ نَظَرَ آنِفًا إلَى زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، فَقَالَ: هَذِهِ الأَقْدَامُ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
الحكم المستفاد من الحديث
فيه أنَّ شهادة القائف يُعمل بها عند تعذر ما هو أقوى منه، من الفراش، والبينة، وقد تقدم الكلام على ذلك في [كتاب الطلاق]، وذكرنا المسائل المتعلقة في ذلك هنالك.
١٤٢٠ - وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ : أَيُّ العَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «إيمَانٌ بِاللهِ، وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِهِ»، قُلْت: فَأَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «أَغْلَاهَا ثَمَنًا وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث
مع ذكر بعض المسائل الملحقة
مسألة [١]: فضيلة العتق .
دلَّت الأحاديث المتقدمة على أنَّ العتق من أفضل القُرَب إلى الله تعالى، والمستحب عند أهل العلم عتق من له دين وكسب ينتفع بالعتق.
فأما من يتضرر بالعتق، كمن لا كسب له؛ تسقط نفقته عن سيده بعتقه، فيصير كلًّا على الناس، ويحتاج إلى المسألة؛ فلا يُستحبُّ عتقه.
وإن كان ممن يخاف عليه المضي إلى دار الحرب، والرجوع عن دين الإسلام، أو يخاف عليه الفساد، كعبدٍ يخاف أنه إذا أُعتق واحتاج؛ سرق، وفسق، وقطع الطريق، أو جارية يخاف منها الزنى والفساد؛ كره إعتاقه، وإن غلب على الظن إفضاؤه إلى هذا؛ كان محرمًا؛ لأنَّ التوسل إلى الحرام حرام، وإن أعتقه صحَّ؛
стр. 5747
لأنه إعتاق صدر من أهله في محله، فصح كإعتاق غيره. (١)
مسألة [٢]: هل تكفي النية في العتق، أم لابدَّ من القول ؟
ذكر أهل العلم أنَّ العتق لا يكفي فيه مجرد النية حتى يتلفظ به؛ لأنه إزالة ملك، فأشبه الوقف والطلاق، وليس له ألفاظ معينة، بل يقع بما يدل عليه من الألفاظ الصريحة، والكنايات مع النية، والله أعلم.
والصريح: لفظ (الحرية) و (العتق) وما تصرف منهما.
ومن الكنايات: (خليتك، وسيبتك، وحبلك على غاربك، ولا سلطان لي عليك، لا سبيل لي عليك، وأنت لله، وأنت طالق ... ) وما أشبه ذلك. (٢)
مسألة [٣]: هل يصح العتق من الكافر ؟
قال أبو محمد بن قدامة ﵀ في «المغني» (١٤/ ٣٤٨): وَيَصِحُّ الْعِتْقُ مِنْ كُلِّ مَنْ يَجُوزُ تَصَرُّفُهُ فِي الْمَالِ، وَهُوَ الْبَالِغُ، الْعَاقِلُ، الرَّشِيدُ، سَوَاءٌ كَانَ مُسْلِمًا، أَوْ ذِمِّيًّا، أَوْ حَرْبِيًّا، وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا إلَّا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَنْ وَافَقَهُ، فِي أَنَّ عِتْقَ الْحَرْبِيِّ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ لَا مِلْكَ لَهُ عَلَى التَّمَامِ، بِدَلِيلِ إبَاحَةِ أَخْذِهِ مِنْهُ، وَانْتِفَاءِ عِصْمَتِهِ فِي نَفْسِهِ وَمَالِهِ.
قال: وَلَنَا أَنَّهُ يَصِحُّ طَلَاقُهُ، فَصَحَّ إعْتَاقُهُ، كَالذِّمِّيِّ؛ وَلِأَنَّهُ مَالِكٌ، بَالِغٌ، عَاقِلٌ، رَشِيدٌ، فَصَحَّ إعْتَاقُهُ كَالذِّمِّيِّ، وَقَوْلُهُمْ: لَا مِلْكَ لَهُ. لَا يَصِحُّ؛ فَإِنَّهُمْ قَدْ قَالُوا: إنَّهُمْ
стр. 5748
يَمْلِكُونَ أَمْوَالَ الْمُسْلِمِينَ بِالْقَهْرِ، فَلَأَنْ يَثْبُتَ الْمِلْكُ لَهُمْ فِي غَيْرِ ذَلِكَ أَوْلَى. اهـ
مسألة [٤]: هل يُشترط أن يكون العتق من المالك ؟
• جمهور العلماء على أنه لا يصح العتق من غير المالك، ولو كان أبًا، أو وصيًّا، وهو قول أحمد، والشافعي، وابن المنذر.
• وذهب مالك إلى جواز أن يعتق عبد ولده الصغير؛ لحديث: «أنت ومالك لأبيك».
وأُجيب عنه بأنه لم يرد حقيقة الملك، وإنما أراد به المبالغة في وجوب حقه على ولده، وإمكان الأخذ من ماله، وامتناع المطالبة له بما أخذ، وما أشبه ذلك. (١)
مسألة [٥]: هل يُشترط أن يكون العتق من جائز التصرف ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٤/ ٣٤٩): وَلَا يَصِحُّ مِنْ غَيْرِ جَائِزِ التَّصَرُّفِ، فَلَا يَصِحُّ عِتْقُ الصَّبِيِّ، وَالْمَجْنُونِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: هَذَا قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَمِمَّنْ حَفِظْنَا عَنْهُ ذَلِكَ: الْحَسَنُ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ؛ وَذَلِكَ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ، وَعَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ، وَعَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ» (٢)؛ وَلِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ بِالْمَالِ، فَلَمْ يَصِحَّ مِنْهُمَا، كَالْهِبَةِ.
قال: وَلَا يَصِحُّ عِتْقُ السَّفِيهِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ. اهـ
ثم ذكر خلافًا لبعض الحنابلة، والصحيح ما تقدم.
وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَدْ أَعْتَقَ حَقَّهُ، فَيَثْبُتُ لَهُ الْوَلَاءُ عَلَيْهِ، وَهَذَا لَا نَعْلَمُ فِيهِ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا.
قال: فَأَمَّا إنْ أَعْتَقَهُ سَادَتُهُ الثَّلَاثَةُ، وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ، وَهُمْ مُعْسِرُونَ، أَوْ كَانَ المُعْتِقَانِ الْأَوَّلَانِ مُعْسِرَيْنِ، وَالثَّالِثُ مُوسِرًا، فَالصَّحِيحُ فِيهِ أَنَّهُ يَعْتِقُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حَقُّهُ، وَلَهُ وَلَاؤُهُ، وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَحَكَى ابْنُ المُنْذِرِ فِيمَا إذَا أَعْتَقَ المُعْسِرُ نَصِيبَهُ قَوْلَيْنِ شَاذَّيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَعْتِقَ نِصْفُهُ مُنْفَرِدًا. وَالثَّانِي: يَعْتِقُ كُلُّهُ، وَتَكُونُ القِيمَةُ فِي ذِمَّةِ المُعْتِقِ. وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ شَاذَّانِ، لَمْ يَقُلْهُمَا مَنْ يُحْتَجُّ بِقَوْلِهِ، وَلَا يُعْتَمَدُ عَلَى مَذْهَبِهِ، وَيَرُدُّهُمَا قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : «مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ ... » مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. انتهى باختصار يسير.
مسألة [٢]: إذا أعتق أحدهم نصيبه وهو موسر ؟
أمَّا نصيبه فيعتق بلا خلاف فيما ذكر ابن قدامة ﵀؛ للحديث الذي في الباب.
وإذا أعتق نصيبه، فهل يسري عتقه إلى جميعه، وعلى المعتق قيمة أنصباء شركائه، والولاء له؟
• نصَّ على هذا عامة أهل العلم، منهم: ابن أبي ليلى، وابن شبرمة، ومالك، والثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن، وغيرهم؛ لحديث الباب.
• وقال البتي: لا يعتق إلا حصة المعتق، ونصيب الباقين باقٍ على الرق.
стр. 5751
• وقال أبو حنيفة: لا يعتق إلا حصة المعتق، ولشريكه الخيار في ثلاثة أشياء، إن شاء أعتق، وإن شاء استسعى العبد، وإن شاء ضمَّنَ شريكه، فيعتق حينئذٍ.
واستُدِلَّ لِلْبتي بحديث ابن التِّلِبِّ عن أبيه أنَّ رجلًا أعتق شقصًا له في مملوك، فلم يضمنه النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، رواه أبو داود (٣٩٤٨)، وهو حديث ضعيف، فيه مجهول الحال وهو ابن التلب، وقد حمله الجمهور على أنَّه كان معسرًا؛ توفيقًا بين الأحاديث.
وأما قول أبي حنيفة فلا دليل عليه، والصحيح قول الجمهور، والله أعلم. (١)
مسألة [٣]: إذا أعتقه الشريكان الآخران بعد عتق الأول الموسر ؟
• من أهل العلم من قال: لا يثبت للآخرين فيه عتق؛ لأنَّ العبد قد عتقه الأول، وقد صار حرًّا بعتق الأول، واستقرت القيمة على الأول، وهو قول ابن شبرمة، وابن أبي ليلى، والثوري، وأبي يوسف، ومحمد، وأحمد، وإسحاق، وابن المنذر، والشافعي في قول، واختاره المزني، وبعض المالكية.
• وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنه لا يعتق إلا بدفع القيمة، ويكون قبل ذلك ملكًا لصاحبه ينفذ عتقه فيه، ولا ينفذ تصرفه فيه بغير العتق، وهذا قول الزهري، وعمرو بن دينار، ومالك، والشافعي في قول، وأبي حنيفة.
واحتج هؤلاء بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «قوم عليه قيمة عدل، فأُعطي شركاؤه حصصهم، وعتق عليه العبد ... »، وفي لفظ: «فعليه عتقه كله إن كان له مال»، وفي لفظ: «فإن كان موسرًا يقوم عليه قيمة عدل، لا وكس، ولا شطط، ثم يعتق»، فجعله عتيقًا بعد
стр. 5752
دفع القيمة.
وفي حديث أبي هريرة ﵁ في «الصحيح»: «فعليه خلاصه في ماله إن كان له مال»، وكل الروايات في «الصحيحين».
واستدل أصحاب القول الأول بما في «البخاري»: «من أعتق نصيبًا، وكان له من المال ما يبلغ ثمنه؛ فهو عتيق»، وفي رواية النسائي: «من أعتق عبدًا، وله فيه شركاء، وله وفاء؛ فهو حرٌّ، ويضمن نصيب شركائه بقيمته».
وللطحاوي من طريق ابن أبي ذئب، عن نافع: «فكان للذي يعتق نصيبه ما يبلغ ثمنه؛ فهو عتيق كله»، وعن أبي هريرة ﵁ في «البخاري»: «من أعتق شقصًا في عبد أعتق كله إن كان له مال».
وقد عزا القول الأول الحافظ للجمهور، وأجاب عن أدلة القول الثاني بقوله:
"وَالْجَوَاب أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ تَرْتِيب الْعِتْق عَلَى التَّقْوِيم تَرْتِيبه عَلَى أَدَاءِ الْقِيمَةِ؛ فَإِنَّ التَّقْوِيمَ يُفِيدُ مَعْرِفَة الْقِيمَة، وَأَمَّا الدَّفْع فَقَدْرٌ زَائِد عَلَى ذَلِكَ.
وَأَمَّا رِوَايَة مَالِك الَّتِي فِيهَا «فَأَعْطَى شُرَكَاءَهُ حِصَصهمْ وَعَتَقَ عَلَيْهِ الْعَبْد»، فَلَا تَقْتَضِي تَرْتِيبًا لِسِيَاقِهَا بِالْوَاوِ".اهـ (١)
مسألة [٤]: إذا أعتق الشريكُ وهو معسر ؟
إذا أعتق الشريك وهو معسر، ففيه قولان لأهل العلم:
стр. 5753
• منهم من قال: يُسْتَسْعَى العبد لأداء بقية القيمة للشركاء.
واستدلوا بحديث أبي هريرة ﵁، وهذا قول أبي حنيفة وصاحبيه، والأوزاعي، والثوري، وإسحاق، وأحمد في رواية، والبخاري، وهو قول ابن شبرمة، وابن أبي ليلى.
• وذهب كثيرٌ من الفقهاء إلى عدم القول بالسعاية، وقالوا: يعتق منه ما عتق. وهذا قول أحمد، ومالك، والشافعي، وإسحاق، وأبي عبيد، وداود، وابن المنذر وغيرهم.
واستدلوا بحديث ابن عمر ﵄ الذي في الباب، وأعلُّوا حديث أبي هريرة كما تقدم.
وهذا القول أقرب -والله أعلم- لحديث ابن عمر؛ ولأنَّ الاستسعاء إعتاق بعوض؛ فلا يجبر عليه كالكتابة، ولأنَّ في الاستسعاء إضرارًا إِمَّا بالشريك، أو بالعبد.
• وقد ذهب البخاري إلى أنَّ ذلك بمعنى الكتابة، يعني إذا أراد ذلك السيد، وإذا أراد أن يعتقه؛ فله ذلك، وهذا قول أبي حنيفة.
• وقال الأكثرون: يصير عتيقًا بمجرد العتق، ويُسْتَسْعَى العبد في تحصيل قيمة نصيب الشريك، وزاد ابن أبي ليلى: ثم يرجع العبد على المعتق الأول بما أداه للشريك.
стр. 5754
والذي يظهر هو قول أحمد، ومالك، والشافعي، والله أعلم، وأما الكتابة فسيأتي حكمها وشروطها إن شاء الله. (١)
مسألة [٥]: إذا أعتقَ شخصٌ بعض عبده ؟
• إذا أعتق إنسان نصف عبده، أو ثُلُثه، أو عشره، أو أقل، فجمهور العلماء على أنه يعتق كله؛ لأنه إذا سرى العتق لملك الغير فعلى ملكه أولى.
• وذهب حماد، وأبو حنيفة إلى أنه يعتق ما عتق، ويسعى العبد في باقيه.
والصحيح هو قول الجمهور. (٢)
مسألة [٦]: إذا أعتق جزءًا معينًا من جسده، كرأسه ورجله ؟
• ذهب عامة أهل العلم إلى أنه يعتق كله أيضًا كما لو قال: عشر عبده. أو: نصف عشره.
• وذهب أصحاب الرأي إلى أنه إن ذكر جزءًا لا تبقى الحياة بدونه؛ عتق كله، وإلا فلا يعتق.
والصحيح قول الجمهور، والله أعلم. (٣)
стр. 5755
١٤٢٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا يَجْزِي وَلَدٌ وَالِدَهُ إلَّا أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا [فَيَشْتَرِيَهُ] (١) فَيُعْتِقَهُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (٢)
١٤٢٤ - وَعَنْ سَمُرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ فَهُوَ حُرٌّ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ، وَرَجَّحَ جَمْعٌ مِنَ الحُفَّاظِ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ. (٣)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين
مسألة [١]: من مَلِكَ عبدًا، أو أمةً وهو ذو رحم محرم ؟
• ذهب جمهور أهل العلم إلى أنه يعتق عليه بمجرد ملكه، واستدلوا بحديث
стр. 5756
سمرة ﵁، وبأنه ورد عن عمر ﵁ القول بذلك. (١)
ثم اختلفوا:
• فذهب الشافعي إلى تخصيصه بالأصول والفروع، وزاد مالك الإخوة والأخوات.
• وذهب سائر الجمهور إلى تعميم المحارم؛ لظاهر الحديث.
• وذهب الظاهرية إلى أنه لا يعتق بمجرد الملك.
واستدلوا بحديث أبي هريرة ﵁ المتقدم في الباب: «لَا يَجْزِي وَلَدٌ وَالِدَهُ إلَّا أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقُهُ»، فجعل العتق أمرًا زائدًا على مجرد الشراء.
قلتُ: وهذا القول هو الصواب؛ لضعف حديثهم، ولضعف الأثر عن عمر ﵁. (٢)
مسألة [١]: من ملك محرمًا من الرضاعة ؟
• جمهور العلماء على أنه لا يعتق بمجرد الملك.
• وكان شريك القاضي يعتقهم بمجرد الملك.
والصحيح قول الجمهور. (٣)
стр. 5757
مسألة [٢]: من ملك نصيبًا من ذي رحم محرم ؟
• جمهور العلماء على أنَّ نصيبه يصير حُرًّا، ويسري عليه العتق إن كان موسرًا إن ملكه بغير الميراث، وأما إن ملكه بالميراث؛ فلا يسري؛ لأنَّ الميراث ملك قهري حكمي.
• وذهب أحمد في رواية إلى أنه يسري حتى في الميراث.
• وذهب بعضهم إلى أنه لا يسري مطلقًا، والله أعلم.
قلتُ: المسألة موضوعة، ومفرعة على قول الجمهور في المسألة السابقة. (١)
стр. 5758
١٤٢٥ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁: أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ سِتَّةَ مَمْلُوكَيْنِ لَهُ، عِنْدَ مَوْتِهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُمْ، فَدَعَا بِهِمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَجَزَّأَهُمْ أَثْلَاثًا: ثُمَّ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ، فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً، وَقَالَ لَهُ قَوْلًا شَدِيدًا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: إذا أعتق عبيده في مرضِ موته، أو دَبَّرَهم، أو أوصى بعتقهم ؟
• دلَّ حديث عمران بن حصين على أنَّ ذلك يُعتبر خروجه من الثلث؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يجز من العتق إلا ثلثهم؛ فإن أعتق أكثر من الثلث لم يجز إلا الثلث؛ فإن أعتق عبيدًا في مرضه واحدًا بعد واحدٍ؛ بُدِئ بالأول فالأول حتى يُسْتَوفَى الثلث، وإن وقع العتق دفعة واحدة، ولم يخرجوا من الثلث؛ أقرع بينهم، فأخرج الثلث بالقرعة؛ لحديث عمران، وهذا قول عمر بن عبدالعزيز، وأبان بن عثمان، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وداود، وابن جرير.
• وقال أبو حنيفة: يُعْتَق من كل واحد ثلثه، ويُستسعى في باقيه. وهو قول الشعبي، والنخعي، وقتادة، وحماد، وردَّ الحنفية حديث عمران بأنه مخالف للقياس، وقولهم ضعيف؛ لمخالفته الحديث الصحيح، وأما التابعيون فلعلهم لم يبلغهم الحديث، والله أعلم. (٢)
стр. 5759
١٤٢٦ - وَعَنْ سَفِينَةَ ﵁ قَالَ: كُنْت مَمْلُوكًا لِأُمِّ سَلَمَةَ، فَقَالَتْ: أَعْتِقُكَ وَأَشْتَرِطُ عَلَيْكَ أَنْ تَخْدُمَ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَا عِشْت. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُودَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ، وَالحَاكِمُ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: استثناء منفعة من المعتَق ؟
قال الصنعاني ﵀ في «سبل السلام»: الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ اشْتِرَاطِ الْخِدْمَةِ عَلَى الْعَبْدِ الْمُعْتَقِ، وَأَنَّهُ يَصِحُّ تَعْلِيقُ الْعِتْقِ بِشَرْطٍ فَيَقَعُ بِوُقُوعِ الشَّرْطِ. وَوَجْهُ دَلَالَتِهِ أَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُ ﷺ قَرَّرَ ذَلِكَ؛ إذْ الْخِدْمَةُ لَهُ، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ أَعْتَقَ رَقِيقَ الْإِمَارَةِ وَشَرَطَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَخْدُمُوا الْخَلِيفَةَ بَعْدَهُ ثَلَاثَ سِنِينَ، قَالَ فِي «نِهَايَةِ الْمُجْتَهِدِ»: لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَنَّ الْعَبْدَ إذَا أَعْتَقَهُ سَيِّدُهُ عَلَى أَنْ يَخْدُمَهُ سِنِينَ أَنَّهُ لَا يُتِمُّ عِتْقَهُ إلَّا بِخِدْمَتِهِ. اهـ
قلتُ: الذي يظهر من الحديث أنه عتق واستثناء منفعة، وليس عتقًا معلقًا بالمنفعة؛ إذًا لقالت: إذا خدمت رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كذا وكذا؛ فأنت حرٌّ.
ويؤيد ذلك تعليقها الخدمة بمدة الحياة؛ ولذلك قال الخطابي: هذا وعد عُبِّر عنه باسم الشرط، ولا يلزم الوفاء به، وأكثر الفقهاء لا يصححون إيقاع الشرط بعد
стр. 5760
العتق؛ لأنه شرط لا يلاقي ملكًا، ومنافع الحر لا يملكها غيره إلا في إجارةٍ، أو ما في معناها. (١)
تنبيه: أحكام العتق في تعليقه بالشرط، ووقوعه بالهزل كأحكام الطلاق في ذلك، وقد تقدم الكلام على ذلك في كتاب الطلاق.
стр. 5761
١٤٢٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي حَدِيثٍ. (١)
١٤٢٨ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «الوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ، لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ». رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالحَاكِمُ (٢)، وَأَصْلُهُ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» بِغَيْرِ هَذَا اللَّفْظِ. (٣)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين
مسألة [١]: الولاء لمن أعتق .
أما معنى الولاء فهي رابطة بين السيد وعبده المعتق يرث بها السيد من عتيقه إن لم يوجد عصبة غيره بسبب نعمته عليه بالعتق، وقد أجمع أهل العلم على أنَّ للسيد على عبده الذي أعتقه الولاء؛ لحديث الباب. (٤)
стр. 5762
وإن اختلف دين السيد وعبده؛ فالولاء ثابت بلا خلاف، ولكنه لا يرثه على الصحيح مطلقًا؛ لوجود مانع، وهو اختلاف الدين، وقد تقدم بيان ذلك في باب الفرائض. (١)
مسألة [٢]: إن أعتق حربيٌّ حربيًّا فهل يثبت له الولاء ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٩/ ٢١٨): وَإِنْ أَعْتَقَ حَرْبِيٌّ حَرْبِيًّا، فَلَهُ عَلَيْهِ الْوَلَاءُ؛ لِأَنَّ الْوَلَاءَ مُشَبَّهٌ بِالنَّسَبِ، وَالنَّسَبُ ثَابِتٌ بَيْنَ أَهْلِ الْحَرْبِ، فَكَذَلِكَ الْوَلَاءُ. وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، إلَّا أَهْلَ الْعِرَاقِ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا: الْعِتْقُ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَالْكِتَابَةُ وَالتَّدْبِيرُ لَا يَصِحُّ، وَلَوْ اسْتَوْلَدَ أَمَتَهُ، لَمْ تَصِرْ أُمَّ وَلَدٍ، مُسْلِمًا كَانَ السَّيِّدُ أَوْ ذِمِّيًّا أَوْ حَرْبِيًّا.
وَلَنَا: أَنَّ مِلْكَهُمْ ثَابِتٌ، بِدَلِيلِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ [الأحزاب: ٢٧]، فَنَسَبَهَا إلَيْهِمْ، فَصَحَّ عِتْقُهُمْ كَأَهْلِ الْإِسْلَامِ، وَإِذَا صَحَّ عِتْقُهُمْ ثَبَتَ الْوَلَاءُ لَهُمْ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» فَإِنْ جَاءَنَا الْمُعْتَقُ مُسْلِمًا، فَالْوَلَاءُ بِحَالِهِ.
فَإِنْ سُبِيَ مَوْلَى النِّعْمَةِ، لَمْ يَرِثْ مَادَامَ عَبْدًا، فَإِنْ أُعْتِقَ، فَعَلَيْهِ الْوَلَاءُ لِمُعْتِقِهِ، وَلَهُ الْوَلَاءُ عَلَى مُعْتِقِهِ، وَهَلْ يَثْبُتُ لِمُعْتِقِ السَّيِّدِ وَلَاءٌ عَلَى مُعْتَقِهِ؟ يُحْتَمَلُ أَنْ يَثْبُتَ؛ لِأَنَّهُ مَوْلَى مَوْلَاهُ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَثْبُتَ؛ لِأَنَّهُ مَا حَصَلَ مِنْهُ إنْعَامٌ عَلَيْهِ وَلَا سَبَبٌ لِذَلِكَ. انتهى.
стр. 5763
قلتُ: والذي يظهر أنه يثبت له عليه ولاء؛ لأنه قد أنعم على من له عليه الولاء، والله أعلم.
مسألة [٣]: إن سُبي الْمُعتَق الكافرَ الذي أعتقه كافرٌ، ثم اشتراه رجل من المسلمين، فأعتقه، فهل الولاء للأول، أم للثاني ؟
• مذهب أحمد، ومالك، والشافعي أنَّ الولاء للثاني دون الأول؛ لأنَّ السبي يبطل ملك الحربي الأول؛ فالولاء تابع له، ولأنَّ الولاء بطل باسترقاقه، فلم يعد بإعتاقه.
• وذهب بعضهم إلى أنَّ الولاء بينهما، واختاره ابن المنذر.
• وقيل: الولاء للأول فقط؛ لأنه أسبق.
والقول الأول أقرب الأقوال، والله أعلم. (١)
مسألة [٤]: بيع الولاء وهبته ؟
دلَّ حديث الباب على عدم جواز ذلك، بل جاء في الحديث الصحيح: «من تولى غير مواليه؛ فعليه لعنة الله، والملائكة، والناس أجمعين» أخرجه البخاري برقم (١٨٧٠)، ومسلم برقم (١٣٧٠) عن علي ﵁.
وعلى تحريم ذلك عامة أهل العلم إلا خلافًا شاذًّا حُكي عن عطاء، وآخرين. (٢)
стр. 5764
مسألة [٥]: إذا أعتق السيدُ عبدَه سائبة، بمعنى: لا يريد ولاءه ؟
• ذهب بعض أهل العلم إلى أنَّ له ذلك، ولا ولاء له، رُوي عن عمر (١)، وهو قول عمر بن عبدالعزيز، والزهري، ومكحول، وأبي العالية، ومالك، وأحمد في رواية؛ إلا أنَّ أحمد قال: إن مات عن مالٍ لم يورث؛ اشتُرِيَ به رقاب، فأُعتِقوا كما نُقِل عن ابن عمر ﵄ أنه فعل ذلك. أخرجه عبدالرزاق (٩/ ٢٨) بإسناد صحيح. وقال الآخرون: يُجعل ولاؤه لجماعة المسلمين. ولا ينافي ذلك ما قاله أحمد؛ لأن أحمد يُحمل قوله على أنه على سبيل الاستحباب.
• وقال عطاء: يوالي من شاء.
• وذهب الشعبي، والنخعي، والكوفيون إلى أنه لا بأس ببيع ولاء السائبة وهبته.
• وذهب جماعة من أهل العلم إلى أنَّ الولاء للمعتِق، وهو قول ابن سيرين، والحسن، والشافعي، وأحمد في رواية، وابن المنذر؛ لحديث: «إنما الولاء لمن أعتق»، وحديث: «اشترطي لهم، فإنما الولاء لمن أعتق» بمعنى أنَّ الشرط لا يغنيهم شيئًا، وصحَّ هذا القول عن ابن مسعود. (٢)
وهذا القول هو الصحيح، والله أعلم.
стр. 5765
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٩/ ٢٢١ - ٢٢٢): وَهَذَا الْقَوْلُ أَصَحُّ فِي الْأَثَرِ وَالنَّظَرِ، وَفِي المَوَاضِعِ الَّتِي جَعَلَ الصَّحَابَةُ مِيرَاثَهُ لِبَيْتِ المَالِ أَوْ فِي مِثْلِهِ؛ كَانَ لِتَبَرُّعِ المُعْتِقِ وَتَوَرُّعِهِ عَنْ مِيرَاثِهِ. اهـ (١)
مسألة [٦]: من ملك ذا رحم محرم ؟
تقدم أنَّ الجمهور يرون عتقه بمجرد ملكه، وهل له الولاء؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٩/ ٢٢٤): وَمَتَى عَتَقَ عَلَيْهِ؛ فَوَلَاؤُهُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ يَعْتِقُ مِنْ مَالِهِ بِسَبَبِ فِعْلِهِ، فَكَانَ وَلَاؤُهُ لَهُ، كَمَا لَوْ بَاشَرَ عِتْقَهُ، وَسَوَاءٌ مَلَكَهُ بِشِرَاءٍ، أَوْ هِبَةٍ، أَوْ غَنِيمَةٍ، أَوْ إرْثٍ، أَوْ غَيْرِهِ، لَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِيهِ خِلَافًا. اهـ
مسألة [٧]: هل للسيد على المكاتب ولاء ؟
• جمهور العلماء على أنَّ له عليه الولاء؛ لأنَّ السيد هو الذي أعتقه حين أَتبعه بماله، وماله وكسبه لسيده، فجعل ذلك له، ثم باعه به حتى عتق؛ فكان هو المعتق.
• وحُكي عن عمرو بن دينار، وأبي ثور أنه لا ولاء على المكاتب.
• وقال قتادة: من لم يشترط ولاء المكاتب؛ فللمكاتب أن يوالي من شاء.
• وقال مكحول: أما المكاتب إذا اشترط ولاءه مع رقبته؛ فجائز.
والصحيح هو قول الجمهور، والله أعلم. (٢)
стр. 5766
مسألة [٨]: إذا أعتق إنسانٌ عبدَه عن غيره ؟
• ذهب بعض أهل العلم إلى أنَّ الولاء للمعتق عنه، حيًّا، أو ميتًا، بأمره، أو بغير أمره، وهو قول الحسن، ومالك، وأبي عبيد؛ لأنَّ العبد معتق عنه.
• وذهب بعضهم إلى أنَّ الولاء للمعتق مطلقًا؛ لحديث: «إنما الولاء لمن أعتق»، وهذا قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن، وداود؛ إلا أن يعتقه عن عوض، فيكون له الولاء، ويلزمه العوض.
• وذهب بعض أهل العلم إلى أنه إن أعتقه بأمره؛ فالولاء للمعتق عنه، وإن أعتقه عنه بغير أمره؛ فالولاء للمعتق؛ لما تقدم من الأدلة، وهذا قول الثوري، والأوزاعي، وأحمد، والشافعي، وهو الصحيح، والله أعلم. (١)
تنبيه: إذا التزم المعتق عنه الثمن مع أمره بالعتق؛ فلا خلاف في أنَّ الولاء له، ويلزمه الثمن، كأن يقول: أعتق عبدك عني، وعليَّ ثمنه. (٢)
تنبيه: إذا قال: أعتق عبدك، وعليَّ ثمنه. فالولاء للمعتِق؛ لأنه أعتقه لنفسه، والثمن يكون جعلًا له. (٣)
مسألة [٩]: إذا مات المعتِق، فهل ينتقل الولاء لورثته ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٩/ ٢٢٠): وَلَا يَنْتَقِلُ الْوَلَاءُ عَنْ الْمُعْتِقِ
مسألة [١٠]: إذا ماتت المعتقة، ثم مات ابنها، ثم مات مولاها ؟
هل ينتقل الإرث بالولاء إلى عصبة الابن، أم إلى عصبة المعتقة؟ فيه خلاف:
• ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنه ينتقل إلى عصبة المعتقة بعد الابن، وهو قول أبان بن عثمان، وقبيصة بن ذؤيب، وعطاء، وطاوس، والزهري، ومالك، والشافعي، وأحمد، وأهل العراق، ورُوي عن علي ﵁.
وحجَّتُهم في ذلك أنَّ الولاء لا يورث، وإنما يورث به، وهو باقٍ للمعتِق، يرث به أقرب عصباته، والأثر عن علي ﵁ ضعيف. (١)
• وذهب بعض أهل العلم إلى أنه أي: الإرث بالولاء ينتقل إلى عصبة الابن، وهو قول سعيد بن المسيب، وشُريح، ونُقل عن علي ﵁.
واستدلوا بأنَّ عمر بن الخطاب ﵁ قضى بذلك، وأشهد عليه ابن عوف، وزيد.
واستدلوا بحديث: «ما أحرز الوالد، أو الولد؛ فهو لعصبته من كان»، وهذا الحديث أخرجه أحمد (١٨٣)، وأبو داود (٢٩١٧)، والنسائي في «الكبرى» (٤/ ٧٥)، وغيرهم، ومدار طرقه على: حسين المعلم، عن عمرو بن شعيب، فرواه عن حسين: يحيى القطان، وحماد ابن أسامة، وعبدالوارث، عنه، عن عمرو ابن شعيب، عن أبيه، عن جده، فذكر القصة، وقضاء عمر بذلك.
стр. 5769
ورواه معتمر بن سليمان كما في «الكبرى» للنسائي (٤/ ٧٥)، عن حسين المعلم، عن عمرو بن شعيب قال: قال عمر. مرسلًا، ولم أجد من رجَّح رواية الإرسال على الرواية الموصولة، ولكن أسند أبو داود بإسناد صحيح كما في «تحفة الأشراف» (٨/ ٧٧) عن حميد الطويل أنه قال: الناس يتهمون عمرو بن شعيب في هذا الحديث.
قلتُ: وقد ثبت عن عمر، وعثمان أنهما قالا: الولاء للكُبْر. أخرجه البيهقي (١٠/ ٣٠٣) بإسناد صحيح من رواية سعيد بن المسيب عنهما، ويعنيان أقربهم عصبة بالمعتِق. ومن أجل هذا رَّجح أحمد، والبيهقي هذا الأثر على رواية عمرو بن شعيب.
قال ابن الملقن ﵀ في «البدر المنير» (٩/ ٧٢٤): قال أحمد في رواية ابنه صالح: حديث عمر مرفوعًا: «ما أحرز الوالد، أو الولد؛ فهو لعصبته من كان» هكذا يرويه عمرو بن شعيب، وقد رُوي عن عمر، وعثمان، وعلي، وزيد، وابن مسعود أنهم قالوا: الولاء للكُبْر. (١) فهذا الذي يُذهَب إليه، وهو قول أكثر الناس فيما بلغنا. اهـ
وقال البيهقي ﵀ (١٠/ ٣٠٤): ومرسل ابن المسيب عن عمر ﵁ أصح من رواية عمرو بن شعيب، وأما الحديث المرفوع فيه؛ فليس فيه أنَّ النبي ﷺ قال
стр. 5770
ذلك في الولاء. اهـ
بينما صحح ابن المديني، وابن عبدالبر الرواية المذكورة، وجزم بالقول بها ابن عبدالبر.
قال أبو عبد الله غفر الله لهُ: الأصح هو القول الأول، والله أعلم. (١)
مسألة [١١]: أولاد المعتَق، أو المعتَقَة يجري عليهم الولاء ؟
ذكر أهل العلم أنَّ من أعتق عبدًا، فولاؤه له، ثم ما جاء من أولاده كذلك، وكذلك من أعتق أمةً ثم ولدت من عبدٍ؛ فولاؤها لمولاها، وكذا ولاء أولادها.
واختلف أهل العلم فيما إذا أعتق العبد بعد أن أولدها، هل ينجر الولاء من موالي الأم إلى موالي الأب -أعني في الأولاد-؟
• فذهب جمهور العلماء من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم إلى أنه ينجر الولاء إلى موالي الأب، وثبت هذا القول عن عمر، وعثمان، وعلي، والزبير، كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (١١/ ٣٩٧ - )، و «مصنف عبدالرزاق (٩/ ٤٠ - ) والبيهقي (١٠/ ٣٠٦) وجاء عن ابن مسعود، وزيد بن ثابت، وفي الإسناد إليهما ضعف، وهو قول مروان، وسعيد بن المسيب، والحسن، وابن سيرين، وعمر بن عبدالعزيز، والنخعي، وهو قول أصحاب المذاهب الأربعة، وإسحاق، وأبي ثور، وغيرهم؛ وذلك لأنَّ الولاء كالنسب، والانتساب إلى
стр. 5771
الأب، فكذلك الولاء، ولذلك لو كانا حرين؛ كان ولاء ولدهما لمولى أبيه بلا خلاف، فلما كان مملوكًا؛ كان الولاء لمولى الأم ضرورة، فإذا عَتَقَ الأبُ؛ زالت الضرورة، فعادت النسبة إليه، والولاء إلى مواليه.
• وذهب بعضهم إلى أنه لا ينجر إلى موالي الأب بعتقه، بل يبقى الولاء لموالي الأم، وهذا قول الزهري، وميمون بن مهران، ومالك بن أوس بن الحدثان، وحميد بن عبدالرحمن، وداود، ومن الصحابة: رافع بن خديج ﵁ كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (١١/ ٣٩٨)، و «مصنف عبدالرزاق» (٩/ ٤١)؛ وذلك لأنه قد ثبت الولاء لهم، فلا يزول بعد ذلك، كما لا يزول النسب.
والصحيح -والله أعلم- هو قول الجمهور. (١)
مسألة [١٢]: إذا انجر الولاء إلى موالي الأب، ثم انقرضوا ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٩/ ٢٣٠): إذَا انْجَرَّ الْوَلَاءُ إلَى مَوَالِي الْأَبِ، ثُمَّ انْقَرَضُوا؛ عَادَ الْوَلَاءُ إلَى بَيْتِ الْمَالِ، وَلَمْ يَرْجِعْ إلَى مَوَالِي الْأُمِّ بِحَالٍ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَحُكِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ (٢) أَنَّهُ يَعُودُ إلَى مَوَالِي الْأُمِّ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ الْوَلَاءَ جَرَى مَجْرَى الِانْتِسَابِ، وَلَوْ انْقَرَضَ الْأَبُ وَآبَاؤُهُ لَمْ تَعُدْ النِّسْبَةُ إلَى الْأُمِّ، كَذَلِكَ الْوَلَاءُ، فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَوَلَدَتْ بَعْدَ عِتْقِ الْأَبِ؛ كَانَ وَلَاءُ وَلَدِهَا لِمَوَالِي أَبِيهِ بِلَا خِلَافٍ؛ فَإِنْ نَفَاهُ بِاللِّعَانِ، عَادَ وَلَاؤُهُ إلَى مَوَالِي الْأُمِّ؛
стр. 5772
لِأَنَّا نَتَبَيَّنُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَبٌ يَنْتَسِبُ إلَيْهِ؛ فَإِنْ عَادَ فَاسْتَلْحَقَهُ، عَادَ الْوَلَاءُ إلَى مَوَالِي الْأَبِ. اهـ
مسألة [١٣]: شروط انجرار الولاء .
ذكر أهل العلم أنَّ الانجرار من موالي الأم إلى موالي الأب له ثلاثة شروط:
الشرط الأول: أن يكون الأبُ عبدًا حين الولادة.
فإن كان حُرًّا، وزوجته مولاة لم يَخْلُ إما أن يكون حرَّ الأصل؛ فلا ولاء على ولده بحال، وإن كان مولًى؛ ثبت الولاء على ولده لمواليه ابتداءً، ولا جرَّ فيه.
الشرط الثاني: أن تكون الأم مولاة.
فإن لم تكن كذلك لم تَخْلُ إما أن تكون حرة الأصل؛ فلا ولاء على ولدها بحال، وهم أحرار بحريتها، أو تكون أمةً؛ فولدها رقيق لسيدها؛ فإن أعتقهم فولاؤهم له لا ينجر عنه بحال، سواء أعتقهم بعد ولادتهم، أو أعتق أمهم حاملًا بهم، فعتقوا بعتقها؛ لأنَّ الولاء ثبت بالعتق مباشرة، فلا ينجر عن المعتِق؛ لقوله ﵇: «إنما الولاء لمن أعتق».
وإن أعتقها المولى فأتت بولدٍ لدونِ ستة أشهر من يوم أعتق؛ فقد مسَّه الرق، وعتق بالمباشرة، فلا ينجر ولاؤه، وإن أتت به لأكثر من ستة أشهر مع بقاء الزوجية؛ لم يحكم بمس الرق له، وانجر ولاؤه؛ لأنه يحتمل أن يكون حادثًا بعد العتق؛ فلم يمسه الرق، ولم يحكم برقه بالشك، وإن كانت المرأة بائنًا وأتت بولد
стр. 5773
لأربع سنين من حين الفرقة؛ لم يلحق بالأب، وكان ولاؤه لمولى أمه، وإن أتت به لأقل من ذلك؛ لحقه الولد، وانجر ولاؤه.
الشرط الثالث: أن يعتق العبدَ سيدُه.
فإن مات على الرق؛ لم ينجر الولاء بحال، وهذا لا خلاف فيه. (١)
مسألة [١٤]: أولاد الأمة .
قال أبو محمد بن قدامة ﵀ في «المغني» (٩/ ٢٣١): وَوَلَدُ الْأَمَةِ مَمْلُوكٌ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ نِكَاحٍ أَوْ مِنْ سِفَاحٍ، عَرَبِيًّا كَانَ الزَّوْجُ أَوْ أَعْجَمِيًّا.
وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ، وَعَنْ عُمَرَ: إنْ كَانَ زَوْجُهَا عَرَبِيًّا؛ فَوَلَدُهُ حُرٌّ، وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ، وَلَا وَلَاءَ عَلَيْهِ. (٢)
وَعَنْ أَحْمَدَ مِثْلُهُ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ المُسَيِّبِ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَقَالَهُ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ.
وَالْأُوَلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ أُمَّهُمْ أَمَةٌ، فَكَانُوا عَبِيدًا، كَمَا لَوْ كَانَ أَبُوهُمْ أَعْجَمِيًّا. اهـ
مسألة [١٥]: إن كان أحد الأبوين حرَّ الأصل، والآخر حرًّا بالتحرير ؟
• لا ولاء على أولادهما عند جمهور العلماء؛ لأنَّ الأم إن كانت هي الحرة الأصل؛ فلا عبودية على أولادها، وإن كان هو الأب؛ فلا ولاء على الأب،
стр. 5774
فكذلك أولاده.
• وخالف أبو حنيفة، فقال: يثبت الولاء على ولد الأعجمي، وإن كان حرَّ الأصل.
والصحيح قول الجمهور. (١)
تنبيه: إذا مات المعتَقُ، وخلَّف أبا معتقه وابنه، أو خلَّف جد معتقه وأخاه، ففي هاتين المسألتين خلافٌ، والأقرب تقديم البنوة، ثم الأبوة، ثم الأخوة كالعصبة، والله أعلم. (٢)
стр. 5775
بَابُ المُدَبَّر وَالمُكَاتَبِ وَأُمِّ الوَلَدِ
١٤٢٩ - عَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ أَعْتَقَ غُلَامًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: «مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي؟» فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِاللهِ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
وَفِي لَفْظٍ لِلْبُخَارِيِّ: فَاحْتَاجَ. (٢)
وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيّ: وَكَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ، فَبَاعَهُ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ فَأَعْطَاهُ، وَقَالَ: «اقْضِ دَيْنَك». (٣)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
معنى التدبير:
هو تعليق عتق العبد بموت سيده، والمدبَّر هو العبد الذي عُلِّقَ عتقه بموت سيده، كأن يقول له سيده: إذا مِتُّ؛ فأنت حر. أو: أنت حرٌّ عَقِبَ موتي. ومثله لو قال: أنت مدَبَّرٌ. أو: دبَّرتُك.
مسألة [١]: هل يخرج المدَبَّر من المال كاملاً، أم من الثلث ؟
• أكثر أهل العلم على أنه يخرج من الثلث فقط؛ لأنه تبرع بعد الموت؛ فكان
стр. 5776
من الثلث كالوصية.
يُروَى ذلك عن علي، وابن عمر ﵃ (١)، وهو قول شريح، وابن سيرين، والحسن، وسعيد بن المسيب، وعمر بن عبدالعزيز، ومكحول، والزهري، وقتادة، ومالك، وأهل المدينة، والثوري، وأهل العراق، والشافعي، وأحمد، وأصحاب الرأي.
• ورُوي عن ابن مسعود (٢)، ومسروق، ومجاهد، والنخعي، وسعيد بن جبير أنه يعتق من رأس المال؛ لأنه عتق، فينفذ من رأس المال كالعتق في الصحة.
والصحيح هو قول الجمهور، والله أعلم. (٣)
مسألة [٢]: إذا اجتمع العتق في المرض مع التدبير ؟
إن كان التدبير قبل ذلك أو بعده؛ فالعتق في المرض مُقَدَّمٌ؛ لأنه عتق منجز، والتدبير عتق معلق بالموت. (٤)
وإن اجتمع التدبير مع الوصية بالعتق؛ قُدِّم التدبير؛ لأنَّ الحرية تقع فيه عند الموت، والوصية تقف على الإعتاق بعده، وقيل: يتساويا. وهو الصحيح. (٥)
стр. 5777
مسألة [٣]: بيع المدبر ؟
تقدم ذكر الخلاف في هذه المسألة في كتاب البيوع تحت الحديث رقم (٧٧١)، ورجحنا جواز بيعه، وتقدم هنالك أيضًا ذكر الخلاف في مسألة بيع المكاتب.
مسألة [٤]: إذا اشتراه بعد بيعه، هل يرجع في التدبير ؟
• الأشهر في مذهب أحمد أنه يرجع في التدبير؛ وذلك مبني على مسألة أخرى وهي: هل التدبير وصية، أو عتق معلق بوصف؟ فبالأول قال الشافعي في القديم، وأحمد في رواية. وبالثاني قال الشافعي في الجديد وأحمد في رواية، وهو أظهر، والله أعلم. فعليه يرجع التدبير، وليس له الرجوع فيه بالقول. (١)
مسألة [٥]: ولد المدبرة .
له حالان:
الحال الأولى: أن يكون موجودًا حال تدبيرها، ويعلم ذلك بأن تأتي به لأقل من ستة أشهر من حين التدبير؛ فهذا يدخل معها في التدبير.
قال ابن قدامة ﵀: بِلَا خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهَا.
قال: فَإِنْ بَطَلَ التَّدْبِيْرُ فِي الْأُمِّ؛ لِبَيْعٍ، أَوْ مَوْتٍ، أَوْ رُجُوعٍ بِالْقَوْلِ؛ لَمْ يَبْطُلْ فِي الْوَلَدِ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ فِيْهِ أَصْلًا. اهـ
стр. 5778
الحال الثانية: أن تحمل به بعد التدبير؛ فهذا يتبع أمه في التدبير عند أكثر العلماء، وهو قول جماعة من الصحابة، وأكثر التابعين.
• وذهب جابر بن زيد، وعطاء إلى أنه لا يتبعها في ذلك، وهو قولٌ للشافعي، ورواية ضعيفة عن أحمد، واختاره المزني؛ لأنَّ عتقها معلق بصفة تثبت بقول المعتِق وحده، فأشبهت من علق عتقها بدخول الدار؛ ولأنَّ التدبير وصية، وولد الموصى بها قبل الموت لسيدها.
واستدل أصحاب القول الأول بأنه صح عن ابن عمر، وجابر ﵃ أنهما قالا: ولد المدبرة بمنزلتها. أخرجهما البيهقي (١٠/ ٣١٥)، ولا يعلم لهما مخالف.
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٤/ ٤٢٥ - ٤٢٦) -مُرَجِّحًا هذا القول-: وَلِأَنَّ الْأُمَّ اسْتَحَقَّتْ الْحُرِّيَّةَ بِمَوْتِ سَيِّدِهَا؛ فَيَتْبَعُهَا وَلَدُهَا، كَأُمِّ الْوَلَدِ، وَيُفَارِقُ التَّعْلِيقَ بِصِفَةٍ فِي الْحَيَاةِ، وَالْوَصِيَّةَ، مِنْ جِهَةِ أَنَّ التَّدْبِيرَ آكَدُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ فِيهِ الْأَمْرَانِ، وَمَا وُجِدَ فِيهِ سَبَبَانِ آكَدُ مِمَّا وُجِدَ فِيهِ أَحَدُهُمَا، وَكَذَلِكَ لَا تَبْطُلُ بِالْمَوْتِ، وَلَا بِالرُّجُوعِ عَنْهُ. اهـ
تنبيه: ولد المدبر حكمه حكم أمه بلا خلاف. (١)
مسألة [٦]: هل له وطءُ مدبَّرته ؟
• عامة أهل العلم على أن له ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء:٣]، قال أحمد: لا أعلم أحدًا كره ذلك غير الزهري.
стр. 5779
• وحُكي عن الأوزاعي أنه إن كان لا يطؤها قبل تدبيرها؛ فلا يطؤها بعده.
والصحيح قول الجمهور، وقد صح عن ابن عباس، وابن عمر ﵃ القول بذلك. (١)
مسألة [٧]: هل يصح التدبير من الصبي المميز ؟
• ذهب بعض أهل العلم إلى صحة ذلك، وهو قول أحمد، ومالك في رواية، والشافعي في قول، وهو قول شريح، وعبدالله بن عتبة؛ لأنه نقل عن عمر أنه أجاز ذلك في الوصية (٢)، فكذلك التدبير.
• وذهب جماعةٌ إلى أنه لا يصح تدبيره، وهو قول الحسن، ومالك في رواية، والشافعي في قول، وأبي حنيفة؛ للحديث: «وعن الصبي حتى يبلغ»، ولقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ [النساء:٦] الآية.
وهذا القول أقرب، والله أعلم.
وأما في الوصية فلا بأس بها؛ لأنَّ الحظ له؛ فإنه إن كبر وأراد الرجوع؛ فله الرجوع فيها، وإن مات كانت له أجرًا، والله أعلم. (٣)
فائدة: إذا قتل المدبَّر سيده؛ بطل تدبيره في الحال الذي لا يستحق فيه
стр. 5780
الإرث، وتبطل فيه الوصية، والله أعلم. (١)
مسألة [٨]: مكاتبة المدبر .
إذا أراد المدبر الكتابة؛ فله ذلك، ويجوز للسيد مكاتبته، نصَّ على ذلك أحمد، وهو قول ابن مسعود، وأبي هريرة (٢)، والحسن. (٣)