← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 165

فتح العلام في دراسة أحاديث بلوغ المرام ط 4

محمد بن علي بن حزام البعداني

Полный текст (5 956 стр.). Показаны 5776–5815 · переход к 5781.

стр. 5776

من الثلث كالوصية. يُروَى ذلك عن علي، وابن عمر ﵃ (١)، وهو قول شريح، وابن سيرين، والحسن، وسعيد بن المسيب، وعمر بن عبدالعزيز، ومكحول، والزهري، وقتادة، ومالك، وأهل المدينة، والثوري، وأهل العراق، والشافعي، وأحمد، وأصحاب الرأي. • ورُوي عن ابن مسعود (٢)، ومسروق، ومجاهد، والنخعي، وسعيد بن جبير أنه يعتق من رأس المال؛ لأنه عتق، فينفذ من رأس المال كالعتق في الصحة. والصحيح هو قول الجمهور، والله أعلم. (٣) مسألة [٢]: إذا اجتمع العتق في المرض مع التدبير ؟ إن كان التدبير قبل ذلك أو بعده؛ فالعتق في المرض مُقَدَّمٌ؛ لأنه عتق منجز، والتدبير عتق معلق بالموت. (٤) وإن اجتمع التدبير مع الوصية بالعتق؛ قُدِّم التدبير؛ لأنَّ الحرية تقع فيه عند الموت، والوصية تقف على الإعتاق بعده، وقيل: يتساويا. وهو الصحيح. (٥)

стр. 5777

مسألة [٣]: بيع المدبر ؟ تقدم ذكر الخلاف في هذه المسألة في كتاب البيوع تحت الحديث رقم (٧٧١)، ورجحنا جواز بيعه، وتقدم هنالك أيضًا ذكر الخلاف في مسألة بيع المكاتب. مسألة [٤]: إذا اشتراه بعد بيعه، هل يرجع في التدبير ؟ • الأشهر في مذهب أحمد أنه يرجع في التدبير؛ وذلك مبني على مسألة أخرى وهي: هل التدبير وصية، أو عتق معلق بوصف؟ فبالأول قال الشافعي في القديم، وأحمد في رواية. وبالثاني قال الشافعي في الجديد وأحمد في رواية، وهو أظهر، والله أعلم. فعليه يرجع التدبير، وليس له الرجوع فيه بالقول. (١) مسألة [٥]: ولد المدبرة . له حالان: الحال الأولى: أن يكون موجودًا حال تدبيرها، ويعلم ذلك بأن تأتي به لأقل من ستة أشهر من حين التدبير؛ فهذا يدخل معها في التدبير. قال ابن قدامة ﵀: بِلَا خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهَا. قال: فَإِنْ بَطَلَ التَّدْبِيْرُ فِي الْأُمِّ؛ لِبَيْعٍ، أَوْ مَوْتٍ، أَوْ رُجُوعٍ بِالْقَوْلِ؛ لَمْ يَبْطُلْ فِي الْوَلَدِ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ فِيْهِ أَصْلًا. اهـ

стр. 5778

الحال الثانية: أن تحمل به بعد التدبير؛ فهذا يتبع أمه في التدبير عند أكثر العلماء، وهو قول جماعة من الصحابة، وأكثر التابعين. • وذهب جابر بن زيد، وعطاء إلى أنه لا يتبعها في ذلك، وهو قولٌ للشافعي، ورواية ضعيفة عن أحمد، واختاره المزني؛ لأنَّ عتقها معلق بصفة تثبت بقول المعتِق وحده، فأشبهت من علق عتقها بدخول الدار؛ ولأنَّ التدبير وصية، وولد الموصى بها قبل الموت لسيدها. واستدل أصحاب القول الأول بأنه صح عن ابن عمر، وجابر ﵃ أنهما قالا: ولد المدبرة بمنزلتها. أخرجهما البيهقي (١٠/ ٣١٥)، ولا يعلم لهما مخالف. قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٤/ ٤٢٥ - ٤٢٦) -مُرَجِّحًا هذا القول-: وَلِأَنَّ الْأُمَّ اسْتَحَقَّتْ الْحُرِّيَّةَ بِمَوْتِ سَيِّدِهَا؛ فَيَتْبَعُهَا وَلَدُهَا، كَأُمِّ الْوَلَدِ، وَيُفَارِقُ التَّعْلِيقَ بِصِفَةٍ فِي الْحَيَاةِ، وَالْوَصِيَّةَ، مِنْ جِهَةِ أَنَّ التَّدْبِيرَ آكَدُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ فِيهِ الْأَمْرَانِ، وَمَا وُجِدَ فِيهِ سَبَبَانِ آكَدُ مِمَّا وُجِدَ فِيهِ أَحَدُهُمَا، وَكَذَلِكَ لَا تَبْطُلُ بِالْمَوْتِ، وَلَا بِالرُّجُوعِ عَنْهُ. اهـ تنبيه: ولد المدبر حكمه حكم أمه بلا خلاف. (١) مسألة [٦]: هل له وطءُ مدبَّرته ؟ • عامة أهل العلم على أن له ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء:٣]، قال أحمد: لا أعلم أحدًا كره ذلك غير الزهري.

стр. 5779

• وحُكي عن الأوزاعي أنه إن كان لا يطؤها قبل تدبيرها؛ فلا يطؤها بعده. والصحيح قول الجمهور، وقد صح عن ابن عباس، وابن عمر ﵃ القول بذلك. (١) مسألة [٧]: هل يصح التدبير من الصبي المميز ؟ • ذهب بعض أهل العلم إلى صحة ذلك، وهو قول أحمد، ومالك في رواية، والشافعي في قول، وهو قول شريح، وعبدالله بن عتبة؛ لأنه نقل عن عمر أنه أجاز ذلك في الوصية (٢)، فكذلك التدبير. • وذهب جماعةٌ إلى أنه لا يصح تدبيره، وهو قول الحسن، ومالك في رواية، والشافعي في قول، وأبي حنيفة؛ للحديث: «وعن الصبي حتى يبلغ»، ولقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ [النساء:٦] الآية. وهذا القول أقرب، والله أعلم. وأما في الوصية فلا بأس بها؛ لأنَّ الحظ له؛ فإنه إن كبر وأراد الرجوع؛ فله الرجوع فيها، وإن مات كانت له أجرًا، والله أعلم. (٣) فائدة: إذا قتل المدبَّر سيده؛ بطل تدبيره في الحال الذي لا يستحق فيه

стр. 5780

الإرث، وتبطل فيه الوصية، والله أعلم. (١) مسألة [٨]: مكاتبة المدبر . إذا أراد المدبر الكتابة؛ فله ذلك، ويجوز للسيد مكاتبته، نصَّ على ذلك أحمد، وهو قول ابن مسعود، وأبي هريرة (٢)، والحسن. (٣)

стр. 5781

١٤٣٠ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «المُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ مُكَاتَبَتِهِ دِرْهَمٌ». أَخْرَجَهُ أَبُودَاوُد بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ (١)، وَأَصْلُهُ عِنْدَ أَحْمَدَ وَالثَّلَاثَةِ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ. (٢) ١٤٣١ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إذَا كَانَ لِإِحْدَاكُنَّ مُكَاتَبٌ، وَكَانَ عِنْدَهُ مَا يُؤَدِّي فَلْتَحْتَجِبْ مِنْهُ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ. (٣) ١٤٣٢ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «يُودَى المُكَاتَبُ بِقَدْرِ مَا عَتَقَ مِنْهُ دِيَةَ الحُرِّ، وَبِقَدْرِ مَا رَقَّ مِنْهُ دِيَةَ العَبْدِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُودَاوُد وَالنَّسَائِيُّ. (٤)

стр. 5782

المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث معنى الكتابة: الكتابة: مصدر من (كَتَبَ)، والمراد بها ههنا أن يعقد السيد مع عبده عقدًا مكتوبًا بأن يدفع العبد مالًا لسيده يكون في ذمته إلى أجلٍ معلوم، فيعتق نفسه بذلك. مسألة [١]: حكم الكِتابة . • يقول ربنا جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور:٣٣]، فمن ابتغى الكتابة من العبيد، والإماء؛ فيجب على سيده أن يكاتبه إن علم فيه خيرًا؛ لظاهر الآية. وهو قول عطاء، وعمرو بن دينار، والضحاك، وأحمد في رواية، والظاهرية. • وقال إسحاق: أخشى أن يأثم. يعني إن لم يكاتبه، وقَوَّى هذا القول الإمام ابن عثيمين ﵀، وقد علا عمر أنسًا بالدرة عند أن أبى أن يكاتب سيرين. (١) • وذهب الجمهور إلى أنَّ ذلك مستحبٌّ وليس بواجب. وليس لهم دليل يصلح لصرف الآية عن الوجوب، والله أعلم. (٢)

стр. 5783

مسألة [٢]: معنى قوله تعالى: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ . • أكثر الفقهاء والمفسرين يفسرون الخير بالأمانة، والصلاح، والقدرة على الوفاء، وهو قول أصحاب المذاهب الأربعة وغيرهم. • وقصرها بعضهم على الأمانة، والدِّين خاصَّة، وهو قول الحسن، والثوري. والصحيح القول الأول. (١) مسألة [٣]: مكاتبة من لا كسب له . • مذهب أحمد كراهية مكاتبة من لا كسب له؛ لأنه ربما حمله ذلك على السرقة، أو الاختلاس، أو المسألة، أو نحو ذلك. • وعن أحمد رواية بعدم الاستحباب، وبعدم الكراهة، وهو قول الشافعي، وإسحاق، وابن المنذر، واستدلوا على ذلك بمكاتبة بريرة، وجويرية ﵄ مع أنهما لا كسب لهما، وهذا القول أصح، والله أعلم. (٢) مسألة [٤]: الكتابة الحالة والمؤجلة . • ذهب بعض أهل العلم إلى أنَّ الكتابة لا تكون إلا مؤجلة؛ لأنه إن كان معه مال موجود حالًا؛ فهو ملك لسيده، وهو مذهب أحمد، والشافعي. • وذهب أبو حنيفة، ومالك إلى صحتها حالة ومؤجلة؛ لأنَّ العبد قد يستطيع

стр. 5784

أداءها حالًا بالاستدانة، أو بوجود إنسان يهب له مالًا إن علم أنه سيكاتب، أو ما أشبه ذلك. وهذا القول أقرب -والله أعلم- وهو قولٌ في مذهب أحمد، واختاره الإمام ابن عثيمين ﵀. (١) مسألة [٥]: إذا عجز المكَاتَب عن أداء جميع المال ؟ • أكثر أهل العلم والفقهاء على أنه لا يزال عبدًا حتى يؤديَ جميع المال، ولا يزال عبدًا ما بقي عليه درهم. واستدلوا بحديث عمرو بن شعيب الذي في الباب. وقد صحَّ هذا القول عن ابن عمر، وزيد بن ثابت، وجابر، وعائشة ﵃، (٢) وسعيد بن المسيب، والحسن، والزهري، وهو قول أصحاب المذاهب الأربعة وغيرهم. • وقال بعض الحنابلة: إذا أدَّى ثلاثة أرباع الكتابة عتق. • وقال عكرمة: يعتق بقدر ما أدَّى. وهو قول منقول عن ابن عباس، وعلي ﵃. (٣)

стр. 5785

• وقال شريح، وابن مسعود: إذا أدَّى قدر قيمته؛ عتق، وكان غَرِيمًا بالباقي بعد عتقه. (١) • وقال الحسن: إذا عجز؛ استسعي بعد العجز سنتين. • وقال النخعي: إذا أدَّى الشطر؛ عتق عليه. والصحيح هو القول الأول، والله أعلم. (٢) مسألة [٦]: ضابط المال الذي يُكاتب عليه . تجوز المكاتبة على كل مالٍ يجوز السَّلَم فيه؛ لأنه مال يثبت في الذمة مؤجَّلًا في معاوضة؛ فجاز ذلك فيه، كعقد السلم. «المغني» (١٤/ ٤٥٤). وتصح الكتابة على خدمة ومنفعة مباحة؛ لأنها أحد العوضين في الإجارة؛ فجاز أن تكون عوضًا في الكتابة كالأثمان، ويُشترط العلمُ بها كما يُشترط في الإجارة. (٣) مسألة [٧]: إعطاء المكاتَب بعض ما كُوتِب عليه . • ذهب بعض أهل العلم إلى وجوب إعطاء المكاتب شيئًا مما كوتب عليه، ويجب ذلك على السيد بقوله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور:٣٣]، وهذا قول الشافعي، وأحمد، وإسحاق.

стр. 5786

• وذهب بعضهم إلى عدم الوجوب، وإنما هو مستحب، وهو قول الحسن، والنخعي، والثوري، ومالك، وأبي حنيفة؛ لأنه عقد معاوضة؛ فلا يجب وضع شيء منه كسائر المعاوضات. وأُجيب بأنَّ الكتابة تخالف سائر العقود؛ فإنَّ القصد بها الرفق بالعبد بخلاف غيرها. قلتُ: وحديث عمرو بن شعيب المتقدم: «ما بقي عليه درهم» يدل على أنَّ الإيتاء ليس بواجب، وإنما هو مستحب، والله أعلم. وقد قيل: المراد بالإيتاء إعطاؤه من الصدقة، أو الندب إلى التصدق عليه من سائر المسلمين. (١) مسألة [٨]: مقدار ما يُعطاه . • قيل: الربع. قال بذلك جماعةٌ من الحنابلة، ورُوي عن علي ﵁ بإسنادين يحسن الأثر بهما، كما في «سنن البيهقي» (١٠/ ٣٢٩ - )، وابن جرير في تفسير سورة النور [آية:٣٣]. • وقال قتادة: العُشر. • وقال الشافعي، ومالك، وابن المنذر: ما يقع عليه الاسم. ونُقل عن ابن عباس ﵄ ما يؤيده كما في المصادر السابقة، وهو ضعيف؛ لأنه من طريق علي

стр. 5787

ابن أبي طلحة عنه، ولم يسمع منه، وفي الإسناد إليه: عبدالله بن صالح كاتب الليث، وفيه ضعف. واستدلوا بقوله تعالى: ﴿مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ و ﴿مِنْ﴾ للتبعيض. (١) مسألة [٩]: إذا عجل المكاتب المال قبل محله ؟ • مذهب الشافعي، والصحيح في مذهب أحمد أنَّ السيد يلزمه قبوله؛ مالم يكن عليه ضرر في قبضه قبل محله، كالذي لا يفسد، ولا يختلف قديمه وحديثه، ولا يحتاج إلى مؤنة في حفظه، ولا يدفعه في حال خوف يخاف ذهابه؛ فإن اختل أحد هذه الأمور لم يلزم قبضه. (٢) مسألة [١٠]: إذا ملك العبد ما يؤدي، فهل يعتق بذلك أم لا يعتق حتى يؤدي ؟ • أكثر أهل العلم على أنه لا يعتق حتى يؤدي جميع المال كما تقدم؛ لحديث عمرو بن شعيب. • وعن أحمد رواية أنه إذا ملك ما يؤدي؛ عَتق؛ لحديث أم سلمة الذي في الباب. والصحيح قول الجمهور، وحديث أم سلمة ضعيف، وليس بصريح. (٣)

стр. 5788

مسألة [١١]: إذا مات السيد والعبد مكاتَب ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٤/ ٤٦٩): الْكِتَابَةُ لَا تَنْفَسِخُ بِمَوْتِ السَّيِّدِ، لَا نَعْلَمُ فِيهِ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ عَقْدٌ لَازِمٌ مِنْ جِهَتِهِ، لَا سَبِيلَ إلَى فَسْخِهِ، فَلَمْ يَنْفَسِخْ بِمَوْتِهِ، كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ. اهـ مسألة [١٢]: إذا مات المكاتَب، وفي يده وفاء ؟ • من أهل العلم من يقول: تنفسخ الكتابة بموته، ويموت عبدًا، وما في يده لسيده دون ورثته. صح هذا القول عن ابن عمر، ونُقل عن عمر، وزيد ﵃ بإسنادين ضعيفين كما في «سنن البيهقي» (١٠/ ٣٣١ - )، و «ابن أبي شيبة» (٦/ ٤١٦)، وهو قول الزهري، والنخعي، وعمر بن عبدالعزيز، وقتادة، وهو مذهب الشافعي، وأحمد؛ لأنَّ العتق لا يحصل إلا بالأداء؛ لحديث عمرو بن شعيب كما تقدم، وهذا القول هو الصحيح. • وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنه يعتق، وإذا فضل في يده شيءٌ؛ فهو لورثته، نُقل هذا القول عن علي، وابن مسعود، ومعاوية ﵃، (١) وهو قول عطاء، والحسن، وطاوس، وشُريح، والنخعي، والثوري، ومالك، وإسحاق، وأحمد في رواية، وبناه بعضهم على أنَّ العتق يحصل بملك ما يؤديه؛ ولأنها

стр. 5789

معاوضة فلا تنفسخ بموت أحد المتعاقدين كالبيع. وأُجيب بالفارق؛ فإنَّ الكتابة تفارق البيع؛ لأنَّ كل واحد من المتعاقدين غير معقود عليه، ولا يتعلق العقد بعينه؛ فلم ينفسخ بتلفه، والمكاتَبُ هو المعقود عليه، والعقد متعلق بعينه، فإذا تلف قبل تمام الأداء؛ انفسخ العقد كما لو تلف المبيع قبل قبضه؛ ولأنه مات قبل وجود شرط حريته، ويتعذر وجودها بعد موته. (١) تنبيه: إن مات وليس في يده وفاء؛ فإنه يموت عبدًا، وتنفسخ الكتابة والمال للسيد، وعلى هذا عامة أهل العلم؛ إلا خلافًا يسيرًا عن بعضهم في بعض الصور. (٢) مسألة [١٣]: هل للسيد منع المكاتَب من السفر ؟ • أكثر أهل العلم على أنه لا يمنع من السفر قريبًا كان أو بعيدًا، وهو قول الشعبي، والنخعي، وسعيد بن جبير، والثوري، والحسن بن صالح، وأبي حنيفة. • وعن الشافعي قول كالأول، وقول أنَّ للسيد منعه، وقيل: إنَّ مقصوده في ذلك في سفر بعيد. • وقيَّد الحنابلة ذلك بما إذا كانت نجوم الكتابة لا تحل قبل رجوعه من

стр. 5790

سفره، أما إذا حلَّت قبل؛ فله منعه. والصحيح القول الأول. (١) مسألة [١٤]: إن شرط عليه في الكتابة أن لا يسافر ؟ • قال جماعةٌ من أهل العلم: الشرط باطل. وهو قول الحسن، وسعيد بن جبير، والشعبي، والنخعي، وأبي حنيفة، والقاضي أبي يعلى الحنبلي. قالوا: لأنه ينافي مقتضى العقد، كما لو شرط عليه ترك الاكتساب. • وقال مالك، وأبو الخطاب الحنبلي: يصح شرطه، وله منعه من السفر؛ لحديث: «المسلمون على شروطهم»، ولأنه شرط له فيه فائدة؛ فلزم، كما لو شرط نقدًا معلومًا، وبيان فائدته أنه لا يأمن إباقه، وأنه لا يرجع إلى سيده، فيفوت العبد، والمال الذي عليه، وهذا القول هو الصحيح، والله أعلم. (٢) مسألة [١٥]: هل للمكاتَب أن يتزوج بغير إذن سيده ؟ • أكثر أهل العلم على أنه ليس له ذلك؛ لأنه ما زال عبدًا، ولأنَّ على السيد فيه ضررًا؛ لأنه ربما عجز فيرجع إليه ناقص القيمة، ويحتاج أن يؤدي المهر، والنفقة من كسبه، فيعجز عن تأدية نجومه، فيمنع من ذلك كالتبرع به، وهذا قول أصحاب المذاهب الأربعة.

стр. 5791

• وقال الحسن بن صالح: له ذلك؛ لأنه عقد معاوضة أشبه البيع. والصحيح قول الجمهور. (١) مسألة [١٦]: هل للمكاتب التَّسَرِّي ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٤/ ٤٧٨ - ٤٧٩): وَلَيْسَ لَهُ التَّسَرِّي بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ غَيْرُ تَامٍّ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: لَا يَنْبَغِي لِأَهْلِهِ أَنْ يَمْنَعُوهُ مِنْ التَّسَرِّي. وَلَنَا: أَنَّ مِلْكَهُ نَاقِصٌ، وَعَلَى السَّيِّدِ فِيهِ ضَرَرٌ؛ فَيُمْنَعُ مِنْهُ، كَالتَّزْوِيجِ. وَبَيَانُ الضَّرَرِ فِيهِ أَنَّهُ رُبَّمَا أَحْبَلَهَا، وَالْحَبَلُ مَخُوفٌ فِي بَنَاتِ آدَمَ، فَرُبَّمَا تَلِفَتْ، وَرُبَّمَا وَلَدَتْ، فَصَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ؛ فَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِ بَيْعُهَا فِي أَدَاءِ كِتَابَتِهَا، وَإِنْ عَجَزَتْ؛ رَجَعَتْ إلَى السَّيِّدِ نَاقِصَةً، فَإِذَا مُنِعَ مِنْ التَّزْوِيجِ لِضَرَرِهِ، فَهَذَا أَوْلَى. اهـ وأما إن أذن له السيد؛ فيجوز على الصحيح، وهو قول الحنابلة، وقول للشافعي. مسألة [١٧]: هل للمكاتب أن يزوج عبيدَه وإماءه ؟ • الصحيح أنه ليس له ذلك؛ لأنه قد يحصل على السيد الضررُ في ذلك، وهذا قول أحمد، والشافعي، وابن المنذر. • وعن مالك أنَّ له ذلك إذا كان على وجه النَّظر؛ لأنه عقد على منفعة، فملكه

стр. 5792

كالإجارة، وهو قول أبي الخطاب الحنبلي. • وقال أبو حنيفة: له تزويج الأمة دون العبد؛ لأنه يأخذ عوضًا عن تزويجها بخلاف العبد. وهو قول القاضي من الحنابلة. وأُجيب عن ذلك: بأنَّ العبد تلزمه نفقة امرأته، ومهرها، ويشغل بحقوق النكاح، وتنقص قيمته، والأمة يملك الزوج بضعها، وتنقص قيمتها، وتقل الرغبات فيها، وربما امتنع بيعها بالكلية. وليس ذلك من جهات المكاسب، فربما أعجزه ذلك عن أداء نجومه، وإن عجز؛ عاد رقيقًا للسيد مع ما تعلق بهم من الحقوق، وألحقهم من النقص؛ فلم يجز ذلك له كإعتاقهم، وفارق إجارة الدار؛ فإنها من جهات المكاسب عادة؛ فعلى هذا إن وجب تزوجيهم لطلبهم ذلك، وحاجتهم إليه؛ باعهم؛ فإنَّ العبد متى طلب التزويج خُيِّرَ سيده بين تزويجه وبيعه، وإن أذن له السيد في ذلك جاز؛ لأنَّ الحق له، والمنع من أجله؛ فجاز بإذنه. (١) مسألة [١٨]: هل للمكاتب أن يعتق رقيقه بغير إذن السيد ؟ • أكثر أهل العلم على أنَّه ليس له ذلك، وهو قول الحسن، والأوزاعي، وأصحاب المذاهب الأربعة؛ لأنه يفوت المال فيما لا يحصل به مال، فأشبه الهبة، ولا يصح العتق.

стр. 5793

• وعن بعض الحنابلة صحته، ويقف على إذن السيد، وهذا أقرب، والله أعلم. (١) مسألة [١٩]: هبة المكاتب للمال ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٤/ ٤٨١): وَالْمُكَاتَبُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ، فَلَيْسَ لَهُ اسْتِهْلَاكُهُ، وَلَا هِبَتُهُ، وَبِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ، وَمَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا. اهـ والشوكاني ﵀ في «السيل» يرى أنَّ المكاتَب له أن يتصرف في ماله بما شاء، والذي يلزمه هو أن يؤدي لسيده ما التزمه. مسألة [٢٠]: هل للسيد أن يطأ مكاتَبَتَه ؟ • أما إذا لم يشترط ذلك؛ فلا يجوز له عند الجمهور، وهو قول أصحاب المذاهب الأربعة؛ لأنَّ الكتابة عقدٌ يزيل ملك الاستخدام، والمنافع؛ ولهذا لو وُطِئت بشبهة؛ كان المهر لها. • وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يجوز له ذلك، وإن لم يشترط؛ لعموم قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء:٣]، وقال بذلك ابن حزم؛ مالم تؤدِّ شيئًا؛ فإن كانت قد أدَّت شيئًا صارت عنده حرة بقدر ما أدَّت. وأُجيب بأنَّ الآية مخصوصة بالمزوجة؛ فيُقاس عليها محل النزاع. (٢)

стр. 5794

• أما إذا اشترط السيدُ وطأَها؛ فله ذلك في مذهب أحمد، وهو قول سعيد بن المسيب. • وذهب الجمهور إلى عدم جواز ذلك، وإن اشترط. • ثم قال الشافعي: الكتابة باطلة تبعًا للشرط. • وقال مالك: يفسد الشرط ولا تفسد الكتابة. قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٤/ ٤٨٨): وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : «الْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ»؛ وَلِأَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ، لَهُ شَرْطُ نَفْعِهَا، فَصَحَّ، كَشَرْطِ اسْتِخْدَامِهَا، يُحَقِّقُ هَذَا أَنَّ مَنْعَهُ مِنْ وَطْئِهَا مَعَ بَقَاءِ مِلْكِهِ عَلَيْهَا، وَوُجُودِ الْمُقْتَضِي لِحِلِّ وَطْئِهَا، إنَّمَا كَانَ لِحَقِّهَا، فَإِذَا شَرَطَهُ عَلَيْهَا؛ جَازَ، كَالْخِدْمَةِ، وَلِأَنَّهُ اُسْتُثْنِيَ بَعْضُ مَا كَانَ لَهُ؛ فَصَحَّ، كَاشْتِرَاطِ الْخِدْمَةِ، وَفَارَقَ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّهُ يُزِيلُ مِلْكَهُ عَنْهَا. اهـ قلتُ: الصحيح مذهب أحمد؛ لأنها ما زالت أمته. مسألة [٢١]: إن وطئها بغير شرط ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٤/ ٤٨٨): وَإِنْ وَطِئَهَا مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ؛ فَقَدْ أَسَاءَ، وَعَلَيْهِ التَّعْزِيرُ؛ لِأَنَّهُ وَطْءٌ مُحَرَّمٌ، وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ، لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، إلَّا عَنْ الْحَسَنِ، وَالزُّهْرِيِّ؛ فَإِنَّهُمَا قَالَا: عَلَيْهِ الْحَدُّ؛ لِأَنَّهُ عَقَدَ عَلَيْهَا عَقْدَ مُعَاوَضَةٍ يُحَرِّمُ الْوَطْءَ، فَأَوْجَبَ الْحَدَّ بِوَطْئِهَا، كَالْبَيْعِ. قال: وَلَنَا أَنَّهَا مَمْلُوكَتُهُ؛ فَلَمْ يَجِبْ الْحَدُّ بِوَطْئِهَا، كَأَمَتِهِ الْمُسْتَأْجَرَةِ

стр. 5795

وَالْمَرْهُونَةِ، وَتُخَالِفُ الْبَيْعَ؛ فَإِنَّهُ يُزِيلُ الْمِلْكَ، وَالْكِتَابَةُ لَا تُزِيلُهُ. اهـ مسألة [٢٢]: هل للسيد وطء جارية مكاتَبه، ومكاتَبتَه ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٤/ ٤٨٩): وَلَيْسَ لَهُ وَطْءُ جَارِيَةِ مُكَاتَبَتِهِ وَلَا مُكَاتَبِهِ اتِّفَاقًا؛ فَإِنْ فَعَلَ أَثِمَ، وَعُزِّرَ، وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِشُبْهَةِ الْمِلْكِ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ مَالِكَهَا، وَعَلَيْهِ مَهْرُهَا لِسَيِّدِهَا، وَوَلَدُهُ مِنْهَا حُرٌّ، يَلْحَقُهُ نَسَبُهُ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ سَقَطَ لِشُبْهَةِ الْمِلْكِ ... . انتهى المراد. مسألة [٢٣]: إذا وطئ السيد المكاتبة بغير شرط، فهل عليه لها مهر ؟ • مذهب أحمد، والشافعي، والثوري أنه يجب لها المهر، أكرهها أو طاوعته؛ لأنه عوض منفعتها؛ فوجب لها. • وذهب قتادة، والمزني إلى أنَّ لها المهر إذا أكرهها فقط. • وذهب مالك إلى أنه لا شيء عليه؛ لأنها ملكه، وهذا هو الصحيح، والله أعلم. (١) مسألة [٢٤]: إذا حملت المكاتبة من سيدها ؟ • مذهب الجمهور أنها لا تبطل الكتابة، وهي مخيرة بين البقاء على الكتابة، أو الفسخ، وتصير أم ولد لسيدها. • وقال الحكم: تبطل كتابتها، ولا دليل له على ذلك. (٢)

стр. 5796

مسألة [٢٥]: إذا مرَّ على المكاتب وقتُ النجم الأول فلم يؤدِّ ؟ • ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنه ليس للسيد الفسخ حتى يحل النجم الآخر بدون أداء، هذا قول الحكم، وابن أبي ليلى، وأحمد في رواية، وعليه أكثر أصحابه، وهو قول أبي يوسف، والحسن بن صالح. واستدلوا بما رُوي عن علي ﵁ أنه قال: لا يرد المكاتب في الرق حتى يتوالى عليه نجمان. وهو أثرٌ ضعيفٌ، ذكره ابن حزم في «المحلى» (١٠/ ١٣٥)، وفي إسناده: حجاج بن أرطاة، وهو ضعيف. • وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنَّ للسيد الفسخ بمرور نجم واحد بدون أداء، وهذا قول العُكْلي، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد في رواية، وهذا القول أقرب، والله أعلم. • وقال الحسن: إذا عجز؛ استؤني بعد العجز سنتين. • وقال الأوزاعي: شهرين، ونحو ذلك. (١) مسألة [٢٦]: جناية المكاتب . • يتعلق أرش الجناية برقبة المكاتب، ويؤدي من المال الذي في يده عند أكثر أهل العلم، وهو الصحيح، ويبدأ بالجناية قبل الكتابة على الصحيح أيضًا؛ لأنَّ أرش الجناية من العبد تقدم على سائر الحقوق المتعلقة به. (٢)

стр. 5797

مسألة [٢٧]: إذا مات المكاتب وعليه ديون ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٤/ ٥٢٤): إِذَا مَاتَ الْمُكَاتَبُ وَعَلَيْهِ دُيُونٌ، وَأُرُوشُ جِنَايَاتٍ، وَلَمْ يَكُنْ مَلَكَ مَا يُؤَدِّي فِي كِتَابَتِهِ؛ انْفَسَخَتْ كِتَابَتُهُ، وَسَقَطَ أَرْشُ الْجِنَايَاتِ؛ لِأَنَّهَا مُتَعَلِّقَةٌ بِرَقَبَتِهِ، وَقَدْ تَلِفَتْ، وَيُسْتَوْفَى دَيْنُهُ مِمَّا كَانَ فِي يَدِهِ؛ فَإِنْ لَمْ يَفِ بِهَا؛ سَقَطَ الْبَاقِي. قَالَ أَحْمَد: لَيْسَ عَلَى سَيِّدِهِ قَضَاءُ دَيْنِهِ، هَذَا كَانَ يَسْعَى لِنَفْسِهِ. اهـ قلتُ: وقضاء دينه على الإمام من بيت المال، والله أعلم. مسألة [٢٨]: بيع المكاتب . تقدم ذكر هذه المسألة في [كتاب البيوع]. مسألة [٢٩]: إذا عجَّل المكاتَبُ لسيده المال مقابل وضع شيء من المال ؟ • من أهل العلم من أجاز ذلك، وهو قول طاوس، والزهري، والنخعي، وأحمد، وأبي حنيفة؛ لعدم وجود دليل يمنع من ذلك؛ ولأنَّ في ذلك تخفيفًا على العبد، وعلى السيد. • وكره ذلك الحسن، وابن سيرين، والشعبي. • وقال الشافعي: لا يجوز ذلك؛ لأنه شبيه بربا الجاهلية الذي فيه الزيادة مع التأجيل، وهذا فيه نقص مع التعجيل. • وقال ابن حزم: اشتراط ذلك شرطٌ باطل فلا يصح ذلك؛ لأنَّه شرط ليس في

стр. 5798

كتاب الله. والصحيح هو القول الأول، والله أعلم. (١) تنبيه: إذا حصل عكس ما تقدم بأن اتفقا على تأجيل المدة مع زيادة في المال؛ فهذا شبيه بربا الجاهلية، ووافق الحنابلةُ الشافعيةَ في المنع ههنا. (٢) مسألة [٣٠]: إذا شرط المكاتب على سيده أن يوالي من شاء ؟ نقل ابن قدامة ﵀ عدم الخلاف في أنَّ الشرط باطل، واستدل بقصة بريرة: «إنما الولاء لمن أعتق». (٣) مسألة [٣١]: إذا شرط السيد على المكاتب أن يرثه مع الورثة، ويزاحمهم في الميراث ؟ • قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٤/ ٥٧١): وَإِنْ اشْتَرَطَ السَّيِّدُ عَلَى الْمُكَاتَبِ أَنْ يَرِثَهُ دُونَ وَرَثَتِهِ، أَوْ يُزَاحِمَهُمْ فِي مَوَارِيثِهِمْ؛ فَهُوَ شَرْطٌ فَاسِدٌ فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ، مِنْهُمْ: الْحَسَنُ، وَعَطَاءٌ، وَشُرَيْحٌ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِالْعَزِيزِ، وَالنَّخَعِيُّ، وَإِسْحَاقُ. وَأَجَازَ إيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ أَنْ يَشْتَرِطَ شَيْئًا مِنْ مِيرَاثِهِ. وَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ يُخَالِفُ كِتَابَ الله ، وَكُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ الله؛ فَهُوَ بَاطِلٌ. اهـ مسألة [٣٢]: إذا شرط عليه خدمةً معلومةً بعد العتق ؟ • ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى جواز ذلك، وهو قول عطاء، وابن شبرمة،

стр. 5799

وأحمد؛ لأنه شرط لا ينافي مقتضى العقد، ويدل عليه حديث سفينة ﵁ الذي في الباب، وقد جاء عن عمر ﵁ أنه أعتق كل من يصلي من سبي العرب، وشرط عليهم أن يخدموا الخليفة من بعده ثلاث سنوات. وهو ثابت عنه بطرقه. • وذهب الزهري، ومالك إلى أنه لا يصح؛ لأنه ينافي مقتضى العقد، أشبه ما لو شرط ميراثه. وأُجيب بالمنع؛ فإنَّ مقتضاه العتق عند الأداء، وهذا الشرط لا ينافيه. والذي يظهر أنَّ القول الأول أقرب، والله أعلم. (١) مسألة [٣٣]: إذا أعتق السيدُ الأمةَ، أو كاتبها، واستثنى ما في بطنها ؟ • نصَّ جماعةٌ من أهل العلم على أنَّ له ما استثنى، جاء ذلك عن ابن عمر (٢)، وأبي هريرة (٣) ﵃، وهو قول النخعي، وابن سيرين، وعطاء، والشعبي، وأحمد، وإسحاق، وابن المنذر؛ لأنه فتوى ابن عمر، وأبي هريرة ﵃، ولا يُعلم لهما مخالف من الصحابة، ولعدم وجود دليل يمنع من ذلك، ولأنه يصح إفراده بالعتق؛ فيصح استثناؤه كالمنفصل. • وقال مالك، والشافعي: لا يصح استثناء الجنين، كما لا يصح استثناؤه في

стр. 5800

البيع، وكما لا يصح استثناء بعض أعضائها. وأُجيب بأن البيع عقد معاوضة يُعتبر فيه العلم بصفات العوض؛ ليُعلم هل هو قائم مقام المعوض، أم لا؟ والعتق تبرع لا تتوقف صحته على معرفة صفات المعتق. ولا يصح قياسه على بعض أعضائها؛ لأنَّ العضو لا يُتَصَّوَر إفراده بالرِّقِّ، أو الحرية دون الجملة؛ ولذلك لو أعتق عضوًا من أمته؛ صارت كلها حرة بخلاف الولد. والصحيح هو مذهب أحمد، وإسحاق، والله أعلم. (١) مسألة [٣٤]: إذا أعتق ما في بطن أمته دونها ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٤/ ٥٥٦): فَأَمَّا إِنْ أَعْتَقَ مَا فِي بَطْنِهَا دُوْنَها؛ فَلَا أَعْلَمُ خِلَافًا فِيْهِ يعني في صحته وجوازه. اهـ

стр. 5801

١٤٣٣ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الحَارِثِ أَخِي جُوَيْرِيَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ ﵄ قَالَ: مَا تَرَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عِنْدَ مَوْتِهِ دِرْهَمًا، وَلَا دِينَارًا، وَلَا عَبْدًا، وَلَا أَمَةً، وَلَا شَيْئًا، إلَّا بَغْلَتَهُ البَيْضَاءَ، وَسِلَاحَهُ، وَأَرْضًا جَعَلَهَا صَدَقَةً. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (١) ١٤٣٤ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَيُّمَا أَمَةٍ وَلَدَتْ مِنْ سَيِّدِهَا فَهِيَ حُرَّةٌ بَعْدَ مَوْتِهِ». أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالحَاكِمُ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ (٢)، وَرَجَّحَ جَمَاعَةٌ وَقْفَهُ عَلَى عُمَرَ ﵁. (٣) المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين مسألة [١]: معنى أم الولد . هي الأمة التي ولدت لسيدها في ملكه. (٤) مسألة [٢]: هل يدخل في (أم الولد) ما إذا تزوج أمةً فأولدها، أو أحبلها، ثم ملكها ؟ • مذهب أحمد، والشافعي أنها ليس لها حكم (أم الولد)؛ لأنها علقت منه بمملوك؛ ولأنَّ الأصل الرق وإنما خُولِف هذا الأصل فيما إذا حملت منه

стр. 5802

في ملكه بقول الصحابة ﵃. • وقال الحسن، وأبو حنيفة، وبعض الحنابلة: تصير أمَّ ولد في كلا الحالين؛ لأنها أم ولده، وهو مالك لها، فيثبت لها حكم الاستيلاد كما لو حملت في ملكه. • وقال مالك، وأحمد في رواية: إذا ملكها حاملًا؛ صارت أم ولد كما لو حملت في ملكه. ورجَّح ابن قدامة ﵀ القول الأول، وهو أقرب، والله أعلم. (١) مسألة [٣]: أحكام أمهات الأولاد . قال أبومحمد بن قدامة ﵀ في «المغني» (١٤/ ٥٨٤): الْأَمَةُ إذَا حَمَلَتْ مِنْ سَيِّدِهَا، وَوَلَدَتْ مِنْهُ؛ ثَبَتَ لَهَا حُكْمُ الِاسْتِيلَادِ، وَحُكْمُهَا حُكْمُ الْإِمَاءِ فِي حِلِّ وَطْئِهَا لِسَيِّدِهَا، وَاسْتِخْدَامِهَا، وَمِلْكِ كَسْبِهَا، وَتَزْوِيجِهَا، وَإِجَارَتِهَا، وَعِتْقِهَا، وَتَكْلِيفِهَا، وَحَدِّهَا، وَعَوْرَتِهَا، وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ إجَارَتَهَا وَتَزْوِيجَهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ بَيْعَهَا، فَلَا يَمْلِكُ تَزْوِيجَهَا وَإِجَارَتَهَا، كَالْحُرَّةِ. وَلَنَا أَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ يُنْتَفَعُ بِهَا، فَيَمْلِكُ سَيِّدُهَا تَزْوِيجَهَا، وَإِجَارَتَهَا، كَالْمُدَبَّرَةِ؛ لِأَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ تَعْتِقُ بِمَوْتِ سَيِّدِهَا، فَأَشْبَهَتْ الْمُدَبَّرَةَ. قال: وتُخَالِفُ الْأَمَةَ الْقِنَّ فِي أَنَّهَا تَعْتِقُ بِمَوْتِ سَيِّدِهَا مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا، وَلَا التَّصَرُّفُ فِيهَا بِمَا يَنْقُلُ الْمِلْكَ، مِنْ الْهِبَةِ وَالْوَقْفِ، وَلَا مَا يُرَادُ لِلْبَيْعِ، وَهُوَ الرَّهْنُ، وَلَا تُورَثُ؛ لِأَنَّهَا تَعْتِقُ بِمَوْتِ السَّيِّدِ، وَيَزُولُ الْمِلْكُ عَنْهَا. اهـ

стр. 5803

وهذا الذي ذكره ابن قدامة قول الجمهور من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم، واستدلوا بأحاديث الباب، وقد تقدم الكلام على مسألة بيع أمهات الأولاد في كتاب البيوع، ورجحنا جواز بيعها إن لم يفرق بينها وبين ولدها. ومن أجاز بيع أمهات الأولاد، فعلى قوله إن لم يبعها حتى مات، ولم يكن له وارث إلا ولدها؛ عتقت عليه، وإن كان له وارث سوى ولدها؛ حسبت من نصيب ولدها؛ فعتقت، وكان له ما بقي من ميراثها، وإن لم يبق شيء؛ فلا شيءَ له، وإن كانت أكثر من نصيبه؛ عتق منها قدر نصيبه، وباقيها رقيق لسائر الورثة. (١) مسألة [٤]: شروط مصير الأمة أم ولد . الأول: أن تحمل من سيدها في ملكه، فخرج بذلك ما إذا حملت منه في غير ملكه، كأن يكون اشترى جارية، فاستولدها، فبانت مستحقة، أو علقت منه بزواج، ثم ملكها كما تقدم الإشارة إلى ذلك. الثاني: أن يكون الحمل حرًّا، فخرج بذلك الصورة المتقدمة في المسألة السابقة، وكذلك أمة العبد إذا استولدها العبد، أو المكاتب إذا استولد أمته. الثالث: أن تلد ما يتبين فيه خلق إنسان، وهذا شرطٌ عند الجمهور؛ فإن ألقت نطفة، أو علقة؛ لم تصر عندهم أم ولد بذلك، ونقل عن أحمد رواية ضعيفة أنها تعتق، وهو قول الشعبي. (٢)

стр. 5804

تنبيه: من رأى عتق أمهات الأولاد؛ فإنَّ عتقهن عندهم من رأس المال. (١) مسألة [٥]: ولد أم الولد من غير سيدها . • جمهور العلماء على أنه يتبع أُمَّه في الحرية؛ لقول ابن عمر ﵄: ولدها بمنزلتها. أخرجه البيهقي (١٠/ ٣٤٩) عن ابن عمر ﵄ بمعناه بإسناد صحيح. • وقال عمر بن عبدالعزيز، والزهري، هم عبيد. وهو قول من لم ير عتق أم الولد، وقيده الجمهور بما إذا كان الولد بعد مصيرها أم ولد. (٢) مسألة [٦]: إذا أسلمت أمةُ الذمي ؟ يمنع منها، ويلزم ببيعها لمسلم، أو يشتريها منه إمام المسلمين. وإن كانت أم ولدٍ له فاختلف الجمهور القائلون بعدم جواز بيعها. • فقال مالك: تُعتق في ا لحال. • وعن أبي حنيفة، وأحمد في رواية: تُستَسعَى. • ومذهب الشافعي، وأحمد أنه يحال بينه وبينها، ويجبر على النفقة عليها في مذهب أحمد، وعند الشافعي نفقتها من كسبها إن كان لها كسب. (٣) مسألة [٧]: جناية أم الولد . • اختلف الجمهور القائلون بعدم جواز بيعها، فقال أحمد، والشافعي: جنايتها

стр. 5805

على السيد، وعليه الأقل من أرشها، أو قيمتها. • وقال بعض الحنابلة: عليه الأرش يبلغ ما بلغ. • بينما قال أبو ثور، وأهل الظاهر: جنايتها في ذمتها تتبعها إذا عتقت. والذي يظهر أنَّ لها حكم الأمة القن؛ لأنَّ الصحيح جواز بيعها، والله أعلم. (١) مسألة [٨]: هل يُشترط رضاها في التزويج ؟ • مذهب أحمد، والشافعي في الجديد، وأبي حنيفة أنَّ حكمها كالأمة القن في ذلك؛ فله تزويجها بغير رضاها. • وقال الشافعي في القديم: لا يزوجها إلا برضاها. • وله قولٌ ثالث: ليس له تزويجها. • وتقدم قول مالك أنها لا تزوج؛ لأنها قد صارت أم ولد لسيدها. والقول الأول أصح، والله أعلم. (٢)

стр. 5806

١٤٣٥ - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَعَانَ مُجَاهِدًا فِي سَبِيلِ اللهِ، أَوْ غَارِمًا فِي عُسْرَتِهِ، أَوْ مُكَاتَبًا فِي رَقَبَتِهِ أَظَلَّهُ اللهُ يَوْمَ لَا ظِلَّ إلَّا ظِلُّهُ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث دلَّ الحديث على فضيلة إعانة المكاتَب على أداء الكتابة، وقد قال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه»، وقال -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من كان في حاجة أخيه؛ كان الله في حاجته»، وقال ربنا عزوجل: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة:٧ - ٨]. تم كتاب العتق بحمد الله، وفضله، ومنته وأسأل الله أن يجعله خالصًا لوجهه، والحمد لله رب العالمين الأربعاء/الثامن من ربيع الثاني/١٤٢٨/من الهجرة النبوية

стр. 5807

كِتَابُ الْجَامِعِ بَابُ الأدَبِ ١٤٣٦ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «حَقُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ سِتٌّ: إذَا لَقِيته فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، وَإِذَا دَعَاك فَأَجِبْهُ، وَإِذَا اسْتَنْصَحَك فَانْصَحْهُ، وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللهَ فَشَمِّتْهُ، وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ، وَإِذَا مَاتَ فَاتْبَعْهُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (١) المسائل والآداب المستفادة من الحديث مسألة [١]: حكم الابتداء بالسلام، وحكم الرد ؟ أما الابتداء بالسلام فعامة العلماء على أنه سنة، وليس بواجب، قال ابن كثير ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ [النساء:٨٦]: وهو قول العلماء قاطبة. وقال الحافظ ﵀ في «الفتح» (٦٢٢٧): وقد نقل ابن عبدالبر الإجماع على أنَّ الابتداء بالسلام سنة. اهـ وأما ردُّ السلام فهو واجب كفائي بالاتفاق، قال ابن كثير كما تقدم: وهو قول العلماء قاطبة.

стр. 5808

وقال الحافظ ﵀ في «الفتح» (٦٢٢٧): واتفق العلماء على أنَّ الرد واجب على الكفاية، وجاء عن أبي يوسف أنه قال: يجب الرد على كل فرد فرد. واحتج الجمهور عليه بحديث علي ابن أبي طالب ﵁: «يُجْزِي عَنْ الْجَمَاعَة إِذَا مَرُّوا أَنْ يُسَلِّم أَحَدهمْ، وَيُجْزِي عَنْ الْجُلُوس أَنْ يَرُدّ أَحَدهمْ» -وهو حديث حسن، وسيأتي تخريجه إن شاء الله-. انتهى بتصرف. مسألة [٢]: صيغة السلام . الصيغة الكاملة في ذلك قوله: (السلام عليكم ورحمة الله وبركاته)، وفيها ثلاثون حسنة كما ثبت ذلك عند أبي داود (٥١٩٥) وغيره من حديث عمران بن حصين ﵁، وجاء كذلك من حديث أبي هريرة ﵁ عند البخاري في «الأدب المفرد» (٩٨٦) وغيرهم، وفي الحديثين أنَّ كلَّ جملة فيها عشر حسنات. وإذا قال: (سلام عليكم) بدون تعريف أجزأ؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ﴾ [الرعد:٢٣]، وقال تعالى: ﴿قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ [الذاريات:٢٥]، والأفضل بقوله: (السلام)؛ لأنها تفيد التفخيم والتكثير. قال ابن القيم ﵀ في «زاد المعاد» (٢/ ٤٢٠): وَكَانَ هَدْيُهُ فِي ابْتِدَاءِ السّلَامِ أَنْ يَقُولَ: «السّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ الله»، وَكَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَقُولَ المُبْتَدِئُ (عَلَيْك السّلَامُ)، قَالَ أَبُو جَرِيّ الْهُجَيْمِيّ: أَتَيْتُ النّبِيّ ﷺ فَقُلْتُ: عَلَيْكَ السّلَامُ يَا رَسُولَ الله. فَقَالَ: «لَا تَقُلْ: عَلَيْكَ السّلَامُ؛ فَإِنّ عَلَيْكَ السّلَامُ تَحِيّةُ الْمَوْتَى» حَدِيثٌ

стр. 5809

صَحِيْحٌ (١)، وَقَدْ أَشْكَلَ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى طَائِفَةٍ وَظَنّوهُ مُعَارَضًا لِمَا ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ فِي السّلَامِ عَلَى الْأَمْوَاتِ بِلَفْظِ «السّلَامُ عَلَيْكُمْ» بِتَقْدِيمِ السّلَامِ؛ فَظَنّوا أَنّ قَوْلَهُ: «فَإِنّ عَلَيْكَ السّلَامُ تَحِيّةُ الْمَوْتَى» إخْبَارٌ عَنْ الْمَشْرُوعِ، وَغَلِطُوا فِي ذَلِكَ غَلَطًا أَوْجَبَ لَهُمْ ظَنّ التّعَارُضِ، وَإِنّمَا مَعْنَى قَوْلِهِ: «فَإِنّ عَلَيْكَ السّلَامُ تَحِيّةُ المَوْتَى» إخْبَارٌ عَنْ الْوَاقِعِ لَا المَشْرُوعُ، أَيْ: إنَّ الشّعَرَاءَ وَغَيْرَهُمْ يُحَيُّونَ المَوْتَى بِهَذِهِ اللّفْظَةِ، كَقَوْلِ قَائِلِهِمْ: عَلَيْكَ سَلَامُ الله قَيْسَ بْنَ عَاصِمٍ ... وَرَحْمَتُهُ مَا شَاءَ أَنْ يَتَرَحّمَا فَمَا كَانَ قَيْسٌ هُلْكُه هُلْكَ وَاحِد ... وَلَكِنّهُ بُنْيَانُ قَوْمٍ تَهَدّمَا فَكَرِهَ ﷺ أَنْ يُحَيّ بِتَحِيّةِ الْأَمْوَاتِ، وَمِنْ كَرَاهَتِهِ لِذَلِكَ لَمْ يَرُدّ عَلَى الْمُسَلِّمِ بِهَا. اهـ وأما صيغة الرد فقد قال ابن القيم ﵀ في «زاد المعاد» (٢/ ٤٢١): وَكَانَ يَرُدّ عَلَى الْمُسَلّمِ: «وَعَلَيْكَ السّلَامُ» بِالْوَاوِ وَبِتَقْدِيمِ «عَلَيْكَ» عَلَى لَفْظِ السّلَامِ. اهـ قلتُ: ومن ذلك حديث المسيء في صلاته في «الصحيحين»، ففيه: «وعليك السلام». والرد بصيغة الجمع أفضل (وعليكم السلام)، كالابتداء، وقد روى البخاري في «الأدب المفرد» عن معاوية بن قرة بن إياس، قال: قال لي أبي قرة بن إياس: إذا مر بك الرجل، فقال: السلام عليكم. فلا تقل: وعليك السلام. فتخصه وحده؛

стр. 5810

فإنه ليس وحده. قال الحافظ ﵀: وَمِنْ فُرُوع هَذِهِ الْمَسْأَلَة لَوْ وَقَعَ الِابْتِدَاء بِصِيغَةِ الْجَمْع؛ فَإِنَّهُ لَا يَكْفِي الرَّدّ بِصِيغَةِ الْإِفْرَاد؛ لِأَنَّ صِيغَة الْجَمْع تَقْتَضِي التَّعْظِيم، فَلَا يَكُون اِمْتَثَلَ الرَّدّ بِالْمِثْلِ فَضْلًا عَنْ الْأَحْسَن، نَبَّهَ عَلَيْهِ اِبْن دَقِيق الْعِيد. اهـ وإذا حذف الواو، فقال: (عليك السلام) اختلفوا في الإجزاء، والصحيح أنه يجزئ؛ لقوله تعالى: ﴿قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾، وفي حديث أبي هريرة ﵁ في «الصحيحين» «إنَّ الله لما خلق آدم قال له: اذهب، فسلِّم على أولئك النفر من الملائكة، فاستمع ما يحيونك؛ فإنها تحيتك، وتحية ذريتك. فقال: السلام عليكم. فقالوا: السلام عليك ورحمة الله. فزادوه: ورحمة الله» (١)، وفي هذا الحديث أيضًا جواز تقديم السلام في الرد، وكذلك في الآية، والله أعلم. واستحب أهل العلم أن يزيد الرَّادُّ على المبتدئ في صيغة السلام؛ لقوله تعالى: ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء:٨٦]، قال الحافظ: وهو مستحب بالاتفاق. فإذا زاد المبتدئ (ورحمة الله)؛ استحب أن يُزاد (وبركاته)، فلو ذكر المبتدئ قوله (وبركاته) فيرد عليه بمثلها على الصحيح؛ لأنه لم يثبت الزيادة في حديث صحيح مرفوع، وثبت عن ابن عباس ﵄ كما في «موطإِ مالك» (٢/ ٩٥٩)، أنه قال: انتهى السلام إلى البركة.

стр. 5811

وثبت عن ابن عمر ﵄ كما في «شعب الإيمان» أنه قال: حسبك إذا انتهيت إلى (وبركاته) إلى ما قد قال الله عزوجل. يعني بذلك قوله تعالى: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود:٧٣]، وصحَّ أيضًا عن ابن عباس ﵄ الاستدلال بالآية كما في «شعب الإيمان» (٦/ ٤٥٥ - ). (١) مسألة [٣]: قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «وَإِذَا اسْتَنْصَحَك فَانْصَحْهُ» . فيه دليل على وجوب النصيحة ممن استُنصِحَ لمن طلب ذلك إذا كان أهلًا لذلك، وقادرًا على النصح، ولابد للناصح أن يكون عالمًا بما ينصح وأمينًا، وقد قال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «المستشار مؤتمن»، أخرجه أبو داود (٥١٢٨)، والترمذي (٢٣٧٠)، عن أبي هريرة ﵁، بإسناد صحيح. مسألة [٤]: حكم الحمد عند العطاس ؟ • ذهب ابن حزم إلى وجوبه؛ لحديث: «إذا عطس أحدكم فليقل الحمد لله، وليقل له أخوه، أو صاحبه: يرحمك الله» أخرجه البخاري (٦٢٢٤) عن أبي هريرة ﵁. • وذهب الجمهور إلى استحبابه، بل نقل النووي الاتفاق على ذلك. واستدلوا على ذلك بحديث أنس ﵁ أنَّ رجلين عطسا عند النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-،

стр. 5812

فشَمَّتَ أحدَهما ولم يشمت الآخر، فقيل له. فقال: «هذا حمد الله، وهذا لم يحمد الله» أخرجه البخاري برقم (٦٢٢١)، ومسلم برقم (٢٩٩١). (١) مسألة [٥]: صيغة التشميت . أما صيغة الحمد فيقول: (الحمد لله)؛ للحديث المتقدم ذكره، وجاءت أحاديث بلفظ: «الحمد لله على كل حال» تصلح للاحتجاج بمجموع طرقها، وقد صححها الإمام الألباني ﵀ في «الإرواء» (٧٨٠). وأما صيغة التشميت، فهي قوله: (يرحمك الله)؛ للحديث المتقدم، وعلى هذا أكثر أهل العلم، وفي «الأدب المفرد» للبخاري (٩٢٩) بإسناد صحيح عن ابن عباس ﵄ أنه شُمِّت، فقال: عافانا الله وإياكم من النار، يرحمكم الله. وما جاء في الحديث المرفوع أولى، والله أعلم. (٢) مسألة [٦]: زيادة (ومغفرته) في السلام ؟ أولا: زيادة: (ومغفرته) في ابتداء السلام: ورد في ذلك أحاديث، ودونك هي مع بيان حالها: أحدها: حديث معاذ بن أنس ﵁: أخرجه أبو داود (٥١٩٦)، قال: حدثنا إسحاق بن سويد الرملي، حدثنا ابن أبي مريم، قال: أظن أني سمعت نافع بن يزيد، قال: أخبرني أبو مرحوم، عن سهل

стр. 5813

ابن معاذ بن أنس، عن أبيه عن النبي ﷺ فذكر الحديث- قال: ثم أتى آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومغفرته، فقال: «أربعون» قال: «هكذا تكون الفضائل». وهذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ أبو مرحوم، وهو عبد الرحيم بن ميمون، وكذلك سهل ابن معاذ، كلاهما ضعيف، وحصل الشك من ابن أبي مريم وهو سعيد بن الحكم في شيخه. ثانيها: حديث سلمة بن خَرِب الهمداني: أخرجه أبو يعلى (٤٤٥٣)، وأبو نعيم في «معرفة الصحابة» (٤/ ٢٣٢١) من طريق عبد الرحمن بن صالح العتكي، حدثني يحيى بن عمرو بن يحيى بن عمرو ابن سلمة الهمداني، عن أبيه، عن جده، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ كتب إلى قيس ابن مالك الأرحبي: «باسمك اللهم، من محمد رسول الله إلى قيس بن مالك، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومغفرته، أما بعد، فذاكم أني استعملتك على قومك: عربهم وخمورهم ومواليهم وحاشيتهم، وأقطعتك من ذرة يسار مائتي صاع، ومن زبيب خيوان مائتي صاع، جار ذلك لك ولعقبك من بعدك أبدًا أبدًا»، قال قيس: وقول رسول الله ﷺ : «أبدًا أبدًا»، أحب إلي، إني لأرجو أن يبقى لي عقبي أبدًا، قال يحيى: عربهم: أهل البادية، وخمورهم: أهل القرى. قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٣/ ٨٤): وفيه عمرو بن يحيى بن سلمة،

стр. 5814

وهو ضعيف. قلتُ: هو عمرو بن يحيى بن عمرو بن سلمة بن خرب الهمداني، ترجمته في «التاريخ الكبير» (٦/ ٣٨٢)، ولم يذكر فيه جرحًا، ولا تعديلًا. وذكره ابن عدي في «الكامل» (٦/ ٢١٥)، ونقل عن ابن معين، أنه قال: ليس بشيء. وقال: لم يكن يُرضى. ثالثها: مرسل أبي عثمان النهدي. أخرجه ابن المنذر في «التفسير» (٢٠٧٣): أخبرنا علي بن عبد العزيز، قال: حدثنا أبو غسان، قال: حدثنا إسرائيل، عن عاصم، عن أبي عثمان، قال: أتى رجل النبي ﷺ ، فقال: السلام عليكم، فقال النبي: «وعليك رحمة الله»، ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله، فقال النبي: «وعليك ورحمة الله وبركاته»، قال: ثم جاء آخر، فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. فقال النبي ﵇: «وعليك رحمة الله وبركاته ومغفرته»، ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومغفرته، فقال النبي ﷺ : «وعليك»، فقال: يا رسول الله، نقصتني، فأين ما قاله الله : ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾، فقال: «إن هؤلاء تركوا لي فضلًا، رددت عليهم، وأنت لم تدع لي فضلًا، فرددت عليك: وعليك». وهذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ لأنه مرسل، وفيه نكارة حيث ترك النبي ﷺ الرد بالكلية، ورد بقوله «وعليك»، وهذا الرد يرد به على اليهود، والمشركين.

стр. 5815

وقد ثبت الإنكار على من زاد هذه الزيادة عن ابن عباس، وابن عمر ﵄: قال الحافظ ابن حجر ﵀ في «الفتح» (٦٢٢٧): فَلَوْ زَادَ-يعني: المبتدئ- وَبَرَكَاتُهُ؛ فَهَلْ تُشْرَعُ الزِّيَادَةُ فِي الرَّدِّ، وَكَذَا لَوْ زَادَ الْمُبْتَدِئُ عَلَى: وَبَرَكَاتُهُ. هَلْ يُشْرَعُ لَهُ ذَلِكَ؟ أَخْرَجَ مَالك فِي «الْمُوَطَّأ» عَن ابن عَبَّاسٍ، قَالَ: انْتَهَى السَّلَامُ إِلَى الْبَرَكَةِ. (١) وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي «الشُّعَبِ» مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بن بِابِيهِ، قَالَ: جَاءَ رجل إِلَى ابن عُمَرَ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ وَمَغْفِرَتُهُ. فَقَالَ: حَسْبُكَ إِلَى وَبَرَكَاتُهُ (٢). وَمِنْ طَرِيقِ زُهْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ (٣): انْتَهَى السَّلَامُ إِلَى وَبَرَكَاتُهُ. وَرِجَالُهُ ثِقَات (٤). اهـ
следующие страницы →