← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 165

فتح العلام في دراسة أحاديث بلوغ المرام ط 4

محمد بن علي بن حزام البعداني

Полный текст (5 956 стр.). Показаны 5846–5885 · переход к 5851.

стр. 5846

١٤٥٧ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ : أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ قَالَ: «أَنْ تَجْعَلَ للهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَك»، قُلْت: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: «ثُمَّ أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَك خَشْيَةَ أَنْ يَأْكُلَ مَعَك»، قُلْت: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: «ثُمَّ أَنْ تُزَانِيَ بِحَلِيلَةِ جَارِك». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١) الأدب والأحكام المستفادة من الحديث أعظم ذنب يُعصى الله به هو الشرك بالله، قال تعالى عن لقمان: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]. ومن الذنوب العظيمة قتل الولد خشية الفقر، والزنى بحليلة الجار، قال الله عزوجل في كتابه الكريم: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا * وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء:٣١ - ٣٢]. وقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لأن يزني الرجل بعشر نسوة أيسر من أن يزني بامرأة جاره» أخرجه أحمد (٦/ ٨)، من حديث المقداد بن الأسود ﵁، بإسناد حسن.

стр. 5847

١٤٥٨ - وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مِنَ الكَبَائِرِ شَتْمُ الرَّجُلِ وَالِدَيْهِ»، قِيلَ: وَهَلْ يَسُبُّ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ قَالَ: «نَعَمْ، يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ، فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١) الأدب المستفاد من الحديث في هذا الحديث عِظَمُ ذنب من يشتم والديه، ويسبهما، ويلعنهما؛ لأنه إذا كان من الكبائر أن يكون سببًا في سب والديه، ولعنهما، فكيف بحال من يباشر السب، واللعن، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وهذا الحديث فيه شبه بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام:١٠٨]؛ فالحديث مع الآية أصلٌ في سد الذرائع، وبالله التوفيق.

стр. 5848

١٤٥٩ - وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ: يَلْتَقِيَانِ، فَيُعْرِضُ هَذَا، وَيُعْرِضُ هَذَا، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: هجر المسلم . دلَّ حديثُ الباب على تحريم هجر المسلم فوق ثلاثة أيام، وذلك فيما إذا كان سبب ذلك تحريشات من الشيطان مع صلاح كل منهما في دينه. أما إذا كان أحدهما مبتدعًا، أو فاسقًا مجاهرًا بالكبائر؛ فيجوز هجره لله أكثر من ذلك، وما أحسن قول أبي عثمان إسماعيل الصابوني ﵀، فقد قال في كتابه «عقيدة السلف وأصحاب الحديث» (ص ٢٩٨): ويبغضون أهل البدع الذين أحدثوا في الدين ما ليس منه، ولا يحبونهم ولا يصحبونهم، ولا يسمعون كلامهم، ولا يجالسونهم، ولا يجادلونهم في الدين، ولا يناظرونهم، ويرون صون آذانهم عن سماع أباطيلهم التي إذا مرَّت بالآذان، وقرَّت في القلوب ضرَّت، وجرَّت إليها من الوساوس والخطرات الفاسدة ما جرَّت، وفيه أنزل الله عزوجل قوله: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام:٦٨].اهـ قال الحافظ ﵀ في «الفتح» (٦٠٧٧) في بيان ضابط التهاجر المحرم: وَلَا

стр. 5849

يَخْفَى أَنَّ هُنَا مَقَامَيْنِ أَعْلَى وَأَدْنَى، فَالْأَعْلَى اِجْتِنَاب الْإِعْرَاض جُمْلَةً، فَيَبْذُل السَّلَام، وَالْكَلَام، وَالمُوَادَدَة بِكُلِّ طَرِيق، وَالْأَدْنَى الِاقْتِصَار عَلَى السَّلَام دُون غَيْره، وَالْوَعِيد الشَّدِيد إِنَّمَا هُوَ لِمَنْ يَتْرُك المَقَام الْأَدْنَى، وَأَمَّا الْأَعْلَى فَمَنْ تَرَكَهُ مِنْ الْأَجَانِب فَلَا يَلْحَقهُ اللَّوْم، بِخِلَافِ الْأَقَارِب؛ فَإِنَّهُ يَدْخُل فِيهِ قَطِيعَة الرَّحِم. اهـ وقال أيضًا (٦٠٧٧): قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوز الْهِجْرَان فَوْق ثَلَاث إِلَّا لِمَنْ خَافَ مِنْ مُكَالَمَته مَا يُفْسِد عَلَيْهِ دِينه، أَوْ يُدْخِل مِنْهُ عَلَى نَفْسه أَوْ دُنْيَاهُ مَضَرَّة؛ فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ جَازَ، وَرَبّ هَجْر جَمِيل خَيْر مِنْ مُخَالَطَة مُؤْذِيَة. اهـ مسألة [٢]: متى يخرج المتهاجران من الهجر ؟ أخرج الإمام أحمد (٤/ ٢٠)، من حديث هشام بن عامر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال؛ فإنهما ناكبان عن الحق ما داما على صرامهما، وأولهما فيئًا يكون سبقه بالفيء كفارة له، وإن سلم فلم يقبل، وردَّ عليه سلامه؛ ردت عليه الملائكة، وردَّ على الآخر الشيطان، وإن ماتا على صرامهما لم يدخلا الجنة جميعًا أبدًا»، وهو في «الصحيح المسند» لشيخنا ﵀، برقم (١١٨٦). فهذا الحديث مع حديث الباب: «وخيرهما الذي يبدأ بالسلام»؛ فيهما دلالة على أنَّ الْمُسَلِّمَ منهما يخرج من الهجرة، وبالله التوفيق.

стр. 5850

مسألة [٣]: هجر المبتدع والمجاهر بالفسق . الهجر للمبتدع والمجاهر بالفسق نوعان: أحدهما: هجر ترك وبعد عن المجالسة لهم، فهذا الهجر أمر به المسلمون؛ لقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام:٦٨]، وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء:١٤٠]، وقال تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [النجم:٢٩]. ولقوله ﷺ : «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه» أخرجه البخاري (١٠) عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄. وفي «الصحيحين» عن أبي موسى الأشعري ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «مثل الجليس الصالح والسوء، كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك: إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحا طيبة، ونافخ الكير: إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد ريحا خبيثة». وفي «سنن أبي داود» (٤٨٣٣)، و «الترمذي» (٢٣٧٨)، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «المرءُ على دِين خليله، فلينظرْ أحدُكُم مَن يُخَالِلْ».

стр. 5851

وأخرج البخاري (٤٥٤٧)، ومسلم (٢٦٦٥) عن عائشة، قالت: تلا رسول الله ﷺ : ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ قالت: قال رسول الله ﷺ : «إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه، فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم». وثبت عن ابن عباس ﵄، بإسناد صحيح كما في «الشريعة» للآجري (١٣٣)، أنه قال: لا تجالس أهل الأهواء، فإن مجالستهم ممرضة للقلوب. وأخرج الدارمي في «مقدمة سننه» (٤٠٥) بإسناد صحيح عن أبي قلابة، قال: "لا تجالسوا أهل الأهواء ولا تجادلوهم، فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم، أو يلبسوا عليكم ما كنتم تعرفون". وأخرجه أيضًا بإسناد صحيح (٤١٥) عن الحسن، وابن سيرين قالا: لا تجالسوا أصحاب الأهواء، ولا تجادلوهم، ولا تسمعوا منهم. والثاني: هجر تأديب وزجر، بترك السلام، والكلام بالكلية، وبترك حقوق المسلم، من عيادة المريض، وشهود الجنازة، ونحو ذلك، فهذا الهجر متعلق بالمصلحة الشرعية، ولا يصنع إلا مع مصالح شرعية راجحة، فإن كانت المفاسد بهذا الهجر راجحة على المصالح ترك هذا الهجر، ويستدل لهذا الهجر بحديث

стр. 5852

كعب بن مالك ﵁ في «الصحيحين» أن النبي ﷺ والمسلمين هجروه مع بقية الثلاثة الذين خلفوا في غزوة تبوك خمسين ليلة. ويستدل له أيضًا بحديث: «القدرية مجوس هذه الأمة: إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم». جاء عن جماعة من الصحابة، وهو حديث حسن بطرقه، كما بينا ذلك في «التوضيح المفيد على كتاب فتح المجيد» (ص ٧٨٩). وفي البخاري (٥٤٧٩)، ومسلم (١٩٥٤) عن عبد الله بن مغفل ﵁، أن قريبًا له حذف، فنهاه، وقال: إن رسول الله ﷺ نهى عن الخذف، وقال: «إنها لا تصيد صيدا، ولا تنكأ عدوا، ولكنها تكسر السن، وتفقأ العين»، قال: فعاد، فقال: أحدثك أن رسول الله ﷺ نهى عنه، ثم تخذف، لا أكلمك أبدا. واللفظ لمسلم. وقد بين ما ذكرناه في هذا الموضع شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فأحسن البيان كما في «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٢٠٤ - ) فراجعه فإنه مفيد.

стр. 5853

١٤٦٠ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ». أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ. (١) الأدب المستفاد من الحديث قال الحافظ ﵀ في «الفتح» (٦٠٢١): قال ابن أبي جمرة: يطلق اسم المعروف على ما عُرف بأدلة الشرع أنه من أعمال البر، سواء جرت به العادة أم لا؟ قال: والمراد بالصدقة الثواب؛ فإن قارنته النية أُجِر صاحبه جزمًا وإلا ففيه احتمال. اهـ

стр. 5854

١٤٦١ - وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا تَحْقِرَنَّ مِنَ المَعْرُوفِ شَيْئًا، وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاك بِوَجْهٍ طَلْقٍ». (١) الأدب المستفاد من الحديث قال النووي ﵀ (٢٦٢٦): رُوي «طلق» على ثلاثة أوجه: إسكان اللام وكسرها، وطليق بزيادة ياء، ومعناه: سهل منبسط. فيه الحث على فضل المعروف وما تيسر منه وإن قلَّ، حتى طلاقة الوجه عند اللقاء. اهـ ١٤٦٢ - وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إذَا طَبَخْت مَرَقَةً فَأَكْثِرْ مَاءَهَا وَتَعَاهَدْ جِيرَانَك». أَخْرَجَهُمَا مُسْلِمٌ. (٢) الأدب المستفاد من الحديث قال النووي ﵀ (٢٦٢٥): في الحديث الوصية بالجار، وبيان عظم حقه، وفضيلة الإحسان إليه، وفي الحديث: «فأصبهم منه بمعروف»، أي: أعطهم منه شيئًا.

стр. 5855

١٤٦٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ القِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَاللهُ فِي عَوْنِ العَبْدِ مَا كَانَ العَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. (١) الآداب المستفادة من الحديث في الحديث فضيلة عظيمة لمن نفس عن أخيه المؤمن كربة من كُرب الدنيا، سواء كان بمال، أو إعانة ببدن، أو بمشاورة، أو ما أشبه ذلك، وفيه فضيلة أيضًا لمن يسر على المعسر بأن ينظره، أو يضع عنه المال، وذلك أيضًا من تنفيس الكربات. وفيه فضيلة لمن ستر مسلمًا فلا ينشر عيبه، ولا يفضحه، وذلك فيما إذا لم يكن في ذلك ضرر بغيره. وفيه فضيلة التعاون على البر والتقوى، وأنَّ ذلك سبب لمعونة الله للعبد.

стр. 5856

١٤٦٤ - وَعَنِ أَبِي مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. (١) الأدب المستفاد من الحديث قال النووي ﵀ (١٨٩٣): فِيهِ: فَضِيلَة الدَّلَالَة عَلَى الْخَيْر، وَالتَّنْبِيه عَلَيْهِ، وَالْمُسَاعَدَة لِفَاعِلِهِ، وَفِيهِ: فَضِيلَة تَعْلِيم الْعِلْم، وَوَظَائِف الْعِبَادَات، لَا سِيَّمَا لِمَنْ يَعْمَل بِهَا مِنْ الْمُتَعَبِّدِينَ وَغَيْرهمْ، وَالْمُرَاد بِمِثْلِ أَجْر فَاعِله: أَنَّ لَهُ ثَوَابًا بِذَلِكَ الْفِعْل كَمَا أَنَّ لِفَاعِلِهِ ثَوَابًا، وَلَا يَلْزَم أَنْ يَكُون قَدْر ثَوَابهمَا سَوَاء. اهـ ١٤٦٥ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنِ اسْتَعَاذَكُمْ بِاللهِ فَأَعِيذُوهُ، وَمَنْ سَأَلَكُمْ بِاللهِ فَأَعْطُوهُ، وَمَنْ أَتَى إلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَادْعُوا لَهُ». أَخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ. (٢) الآداب المستفادة من الحديث في الحديث دلالة على أنَّ المسلم ينبغي له إذا استعاذ إنسان بالله أن يعيذه مما استعاذ منه، وإذا سأله إنسان بالله أن يعطيه، وذلك حيث لا مشقة عليه. وكذلك على الإنسان أن يكافئ من صنع إليه المعروف بمعروف مثله، أو بالدعاء، وفي الحديث الآخر: «لا يشكر الله من لا يشكر الناس»، أخرجه أبوداود (٤٨١١)، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، بإسناد صحيح.

стр. 5857

بَابُ الزُّهْدِ وَالوَرَعِ الزهد: أحسن تعريف له تعريف شيخ الإسلام: (هو ترك ما لا ينفع في الآخرة). والورع: هو ترك ما يُخشَى ضرره في الآخرة. (١) ١٤٦٦ - عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵄ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ -وَأَهْوَى النُّعْمَانُ بِأُصْبُعَيْهِ إلَى أُذُنَيْهِ-: «إنَّ الحَلَالَ بَيِّنٌ، وَإِنَّ الحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ، لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الحَرَامِ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللهِ مَحَارِمُهُ، أَلَا وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ القَلْبُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (٢) الأدب المستفاد من الحديث أورد الحافظ ﵀ هذا الحديث في هذا الباب من أجل قوله: «فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ».

стр. 5858

وهذا الحديث أصلٌ من أصول التورع، ويشبهه حديث: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك»؛ فإنَّ من استهان بالشبهات جرَّه ذلك إلى الحرام، ومن ابتعد من الشبهات سلم من الحرام بتوفيق الله. والحديث له فوائد عظيمة، وشرحها يطول، وإنما ألمحنا إلى الشاهد منه لهذا الباب، وقد شرحه الإمام ابن رجب ﵀ في «جامع العلوم والحكم» فأفاد وأجاد. ١٤٦٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ وَالقَطِيفَةِ، إنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْضَ». أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ. (١) الأدب المستفاد من الحديث في الحديث ذمٌّ لمن جعل الدنيا همَّه، وجعلها غاية مقصودة، وذم لمن قدمها على طاعة الله؛ فإنها تذله ويصير عبدًا لها، تُذَلِّلُه الدنيا والشيطان كما يشاء، فمن صرف عبادة لغير الله لينال بها دنيا؛ فقد أشرك، قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٥ - ١٦]. قال الصنعاني ﵀: واعلم أنَّ المذموم من الدنيا كل ما يبعد العبد عن الله تعالى، ويشغله عن واجب طاعته وعبادته، لا ما يعينه على الأعمال الصالحة؛ فإنه غير مذموم، وقد يتعين طلبه ويجب عليه تحصيله. اهـ.

стр. 5859

١٤٦٨ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمَنْكِبَيَّ، فَقَالَ: «كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّك غَرِيبٌ، أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ». وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: إذَا أَمْسَيْت فَلَا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْت فَلَا تَنْتَظِرِ المَسَاءَ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِك لِسَقَمِك وَمِنْ حَيَاتِك لِمَوْتِك. أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ. (١) الأدب المستفاد من الحديث في هذا الحديث إشارة إلى الزهد في الدنيا، وأخذ البلغة منها، والكفاف، فكما لا يحتاج المسافر إلى أكثر مما يبلغه إلى غاية سفره، فكذلك المؤمن لا يحتاج في الدنيا إلى أكثر مما يبلغه المحل، قال تعالى: ﴿يَاقَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ [غافر:٣٩].

стр. 5860

١٤٦٩ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ». أَخْرَجَهُ أَبُودَاوُد، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (١) الأدب المستفاد من الحديث في الحديث تحريم التشبه بالكافرين فيما هو من خصائصهم كأعيادهم، وعباداتهم، وزيهم، فمن فعل ذلك مُفَضِّلًا هديهم على هدي رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؛ فقد كفر، وإلا فهو عاصٍ بفعله ذلك، ويكون قوله: «فهو منهم»، أي: في تلك الخصلة التي شابههم بها، والله أعلم.

стр. 5861

١٤٧٠ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كُنْت خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمًا، فَقَالَ: «يَا غُلَامُ، احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْك، احْفَظِ اللهَ تَجِدْهُ تُجَاهَك، وَإِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْت فَاسْتَعِنْ بِاللهِ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. (١) الأدب المستفاد من الحديث قوله: «احفظ الله يحفظك»، أي: احفظ الله بإقامة دينه يحفظك الله بتوفيقك للثبات والاستقامة، ويحفظك الله من بلاء الدنيا والآخرة. وقوله: «تجده تجاهك»، أي: تجده ناصرك، ومؤيدك في أمور دنياك وآخرتك. وقوله: «إذا سألت فاسأل الله» يشمل الدعاء، ويشمل طلب المال والحاجة الدنيوية. وهذا الحديث من جوامع الكلم، فألفاظه يسيرة، ومعانيه كثيرة واسعة، وانظر شرح الحافظ ابن رجب على هذا الحديث العظيم.

стр. 5862

١٤٧١ - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إذَا عَمِلْته أَحَبَّنِي اللهُ، وَأَحَبَّنِي النَّاسُ، فَقَالَ: «ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبَّك اللهُ، وَازْهَدْ فِيمَا عِنْدَ النَّاسِ يُحِبَّك النَّاسُ». رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَسَنَدُهُ حَسَنٌ. (١) الأدب المستفاد من الحديث في الحديث دلالة على أنَّ من رغب عن الدنيا، وأقبل على العلم والعبادة أحبه الله، ومن زهد عما في أيدي الناس أحبه الناس، وهذا الحديث وإن كان ضعيفًا فهناك أدلة كثيرة من الكتاب والسنة تدل عليه.

стр. 5863

١٤٧٢ - وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّ اللهَ يُحِبُّ العَبْدَ التَّقِيَّ الغَنِيَّ الخَفِيَّ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. (١) الأدب المستفاد من الحديث دلَّ الحديث على أنَّ من كان عابدًا لله، مُتَّقِيًا لربه سبحانه، غنيًّا في نفسه، وهو القنوع بما أعطاه الله كما في الحديث: «ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس»، أخرجه البخاري برقم (٦٤٤٦)، ومسلم برقم (١٠٥١)، عن أبي هريرة ﵁. فمن كان كذلك فهو محبوب عند ربه سبحانه، وتعالى. والخفي هو المنقطع إلى الله في نيته وفي عبادته، ولا يحب الرياء والسمعة، وهو بعيد عنهما، فهذا الإنسان الذي جمع هذه الخصال محبوب عند ربه ، نسأل الله عزوجل أن يجعلنا كذلك بِمَنِّه وكرمه، وبالله التوفيق.

стр. 5864

١٤٧٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مِنْ حُسْنِ إسْلَامِ المَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيه». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ. (١) الأدب المستفاد من الحديث دلَّ الحديث على أنَّ من أخلاق المسلم الكامل الإسلام أن يدع الخوض في أمور لا تعنيه، سواء كان ذلك من أمور الغيب، أو من أمور الناس الخاصَّة التي لا يحبون أن يطلع عليها غيرهم. والحديث وإن كان ضعيفًا فقد قال ربنا جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:٣٦]. وقال تعالى: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة:١٠١]. وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٣٣].

стр. 5865

١٤٧٤ - وَعَنِ المِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَا مَلَأَ ابْنُ آدَمَ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْن». أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ. (١) الأدب المستفاد من الحديث هذا الحديث فيه فائدة عظيمة في المحافظة على الصحة، وهو عدم إملاء المعدة بالطعام؛ فإنَّ إملاءها بالطعام يسبب التخمة، والأمراض، وسوء الهضم، ويوجب الخمول والكسل. وكذلك فإن الشبعان أقرب إلى المعصية من الجائع؛ فإنَّ قلة الأكل تسبب رقة القلب، وانكسار النفس، وتمكن الشيطان من الشبعان أعظم من تمكنه من قليل الأكل، والله أعلم.

стр. 5866

١٤٧٥ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ». أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَسَنَدُهُ قَوِيٌّ. (١) الأدب المستفاد من الحديث يدل الحديث على أنَّ ابن آدم لا يسلم من الوقوع في المعاصي، والذنوب، فعليه أن يكثر من التوبة والاستغفار، والحديث وإن كان ضعيفًا فقد دلَّ على ذلك حديث أبي ذر في «صحيح مسلم» أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «قال الله تعالى: يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعًا فاستغفروني أغفر لكم». وإذا علم الإنسان أنه لا يسلم من المعاصي فعليه أن يسأل ربه عزوجل الهداية، والعصمة، فمن سدده الله عزوجل فقد وفق، ولن يقع في معصية إلا بخذلان من الله له في تلك الحال التي عصى الله فيها؛ فإنَّ من هداه الله لم يستطع أحدٌ أن يضله، ومن أضله الله لن يستطيع أحدٌ أن يهديه. فنسأل الله عزوجل ذا الجلال والإكرام أن يهدينا، وأن يسددنا في أعمالنا، وأقوالنا، واعتقاداتنا، وبالله التوفيق.

стр. 5867

١٤٧٦ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «الصَّمْتُ حِكْمَةٌ، وَقَلِيلٌ فَاعِلَهُ». أَخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ بِسَنَدِ ضَعِيفٍ (١)، وَصَحَّحَ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ مِنْ قَوْلِ لُقْمَانَ الحَكِيمِ. (٢) الأدب المستفاد من الحديث دلَّ هذا الحديث على أنَّ الصمت حِكمة، والحديث ضعيفٌ كما تقدم. والصمت قد يكون حكمة، وقد يكون الكلام هو الحكمة، وكُلٌّ بِحَسَبِه في موضعه، وقد قال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا، أو ليصمت» متفق عليه، وقال ﵊: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده؛ فإن لم يستطع فبلسانه؛ فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁.

стр. 5868

بَابُ الرَّهَبِ مِنْ مَسَاوِئِ الأَخْلاقِ ١٤٧٧ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إيَّاكُمْ، وَالحَسَدَ، فَإِنَّ الحَسَدَ يَأْكُلُ الحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الحَطَبَ». أَخْرَجَهُ أَبُودَاوُد. (١) ١٤٧٨ - وَلِابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ نَحْوُهُ. (٢) الأدب المستفاد من الحديث في الحديث تحريم الحسد، وقد دلَّ على تحريمه القرآن والسنة. أما من القرآن: فقد ذم الله اليهود بالحسد، فقال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٥٤]. وقال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة: ١٠٩]. وذمَّ الله المنافقين بالحسد فقال تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء:٨٩].

стр. 5869

ومن السنة في تحريم الحسد: حديث أبي هريرة ﵁ في «مسلم»، وأنس في «الصحيحين» مرفوعًا: «لا تحاسدوا، ولا تباغضوا ... ». والحسد: هو تمني زوال النعمة عن الغير، وأما تمني نعمة كنعمة الغير فهذه (الغبطة)، ويُطلق عليها (حسد)، وليس مذمومًا؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل، وآناء النهار، ورجلٌ آتاه الله مالًا فهو ينفقه آناء الليل، وآناء النهار» متفق عليه عن ابن عمر ﵄. قال الإمام ابن القيم ﵀ في «بدائع الفوائد» (٢/ ٢٣٨ - ): ويندفع شر الحاسد عن المحسود بعشرة أسباب: أحدها: التعوذ بالله تعالى من شره، واللجوء والتحصن به، واللجوء إليه. الثاني: تقوى الله وحفظه عند أمره ونهيه، فمن اتقى الله تولى الله حفظه، ولم يكله إلى غيره قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ وقال النبي ﷺ لعبد الله بن عباس: «احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك». الثالث: الصبر على عدوه، وأن لا يقاتله، ولا يشكوه، ولا يحدث نفسه بأذاه أصلا، فما نصر على حاسده، وعدوه بمثل الصبر عليه والتوكل على الله، ولا يستطل تأخيره وبغيه؛ فإنه كلما بغى عليه كان بغيه جندًا وقوة للمبغي عليه المحسود، يقاتل به الباغي نفسه وهو لا يشعر، فبغيه سهام يرميها من نفسه، ولو رأي المبغي عليه ذلك لسره بغيه عليه، ولكن لضعف بصيرته لا يرى إلا صورة

стр. 5870

البغي دون آخره ومآله، وقد قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾. الرابع: التوكل على الله، ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ والتوكل من أقوى الأسباب التي يدفع بها العبد ما لا يطيق من أذى الخلق وظلمهم وعدوانهم، وهو من أقوى الأسباب في ذلك؛ فإن الله حسبه أي كافيه، ومن كان الله كافيه وواقيه؛ فلا مطمع فيه لعدوه ولا يضره إلا أذى لا بد منه كالحر والبرد والجوع والعطش، وأما أن يضره بما يبلغ منه مراده فلا يكون أبدًا. قال بعض السلف: جعل الله تعالى لكل عمل جزاء من جنسه، وجعل جزاء التوكل عليه نفس كفايته لعبده، فقال: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾، ولم يقل نؤته كذا وكذا من الأجر، كما قال في الأعمال، بل جعل نفسه سبحانه كافي عبده المتوكل عليه، وحسبه وواقيه، فلو توكل العبد على الله تعالى حق توكله، وكادته السموات والأرض ومن فيهن لجعل له مخرجا من ذلك وكفاه ونصره. الخامس: فراغ القلب من الاشتغال به، والفكر فيه، وأن يقصد أن يمحوه من باله كلما خطر له، فلا يلتفت إليه ولا يخافه، ولا يملأ قلبه بالفكر فيه، وهذا من أنفع الأدوية وأقوى الأسباب المعينة على اندفاع شره. السادس: الإقبال على الله والإخلاص له، وجعل محبته وترضيه والإنابة إليه في محل خواطر نفسه وأمانيها، تدب فيها دبيب الخواطر شيئا فشيئا حتى يقهرها

стр. 5871

ويغمرها ويذهبها بالكلية، فتبقى خواطره وهواجسه وأمانيه كلها في محاب الرب والتقرب إليه وتملقه وترضيه واستعطافه وذكره. قال تعالى حكاية عن عدوه إبليس، أنه قال: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ قال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ وقال: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾، وقال في حق الصديق: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾، فما أعظم سعادة من دخل هذا الحصن، لقد آوى إلى حصن لا خوف على من تحصن به، ولا ضيعة على من آوى إليه، ولا مطمع للعدو في الدنو إليه منه، و ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾. السابع: تجريد التوبة إلى الله من الذنوب التي سلطت عليه أعداءه؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾، وقال لخير الخلق وهم أصحاب نبيه دونه ﷺ : ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾، فما سلط على العبد من يؤذيه إلا بذنب يعلمه أو لا يعلمه، وما لا يعلمه العبد من ذنوبه أضعاف ما يعلمه منها، وما ينساه مما علمه وعمله أضعاف ما يذكره.

стр. 5872

الثامن: الصدقة والإحسان ما أمكنه؛ فإن لذلك تأثيرا عجيبا في دفع البلاء ودفع العين وشر الحاسد، ولو لم يكن في هذا إلا تجارب الأمم قديمًا وحديثا لكفى به فما يكاد العين والحسد والأذى يتسلط على محسن متصدق وإن أصابه شيء من ذلك كان معاملا فيه باللطف والمعونة والتأييد، وكانت له فيه العاقبة الحميدة، فالمحسن المتصدق في خفارة إحسانه وصدقته عليه من الله جنة واقية وحصن حصين، وبالجملة فالشكر حارس النعمة من كل ما يكون سببا لزوالها. التاسع: وهو من أصعب الأسباب على النفس وأشقها عليها، ولا يوفق له إلا من عظم حظه من الله، وهو إطفاء نار الحاسد والباغي والمؤذي بالإحسان إليه، فكلما ازداد أذى وشرا وبغيا وحسدا ازددت إليه إحسانا وله نصيحة وعليه شفقة، وما أظنك تصدق بأن هذا يكون فضلا عن أن تتعاطاه فاسمع الآن قوله : ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾، وقال: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾، وتأمل حال النبي الذي حكى عنه نبينا ﷺ أنه ضربه قومه حتى أدموه فجعل يسلت الدم عنه ويقول: «اللهم اغفر لقومي؛ فإنهم لا يعلمون». رواه البخاري ومسلم. كيف جمع في هذه الكلمات أربع مقامات من الإحسان قابل بها إساءتهم العظيمة إليه أحدها: عفوه عنهم. والثاني: استغفاره لهم. الثالث: اعتذاره عنهم

стр. 5873

بأنهم لا يعلمون. الرابع: استعطافه لهم بإضافتهم إليه، فقال: اغفر لقومي. العاشر: وهو الجامع لذلك كله، وعليه مدار هذه الأسباب، وهو تجريد التوحيد والترحل بالفكر في الأسباب إلى المسبب العزيز الحكيم، والعلم بأن هذه آلات بمنزلة حركات الرياح، وهي بيد محركها وفاطرها وبارئها ولا تضر ولا تنفع إلا بإذنه فهو الذي يحسن عبده بها، وهو الذي يصرفها عنه وحده لا أحد سواه. قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ وقال النبي ﷺ لعبد الله بن عباس ﵄: «واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء كتبه الله عليك»؛ فإذا جرد العبد التوحيد؛ فقد خرج من قلبه خوف ما سواه، وكان عدوه أهون عليه من أن يخافه مع الله تعالى، بل يفرد الله بالمخافة، وقد أمنه منه، وخرج من قلبه اهتمامه به واشتغاله به وفكره فيه وتجرد لله محبة وخشية وإنابة وتوكلا واشتغالا به عن غيره، فيرى أن إعماله فكره في أمر عدوه وخوفه منه واشتغاله به من نقص توحيده، وإلا فلو جرد توحيده؛ لكان له فيه شغل شاغل، والله يتولى حفظه والدفع عنه؛ فإن الله يدافع عن الذين آمنوا؛ فإن كان مؤمنا فالله يدافع عنه، ولا بد وبحسب إيمانه يكون دفاع الله عنه فإن كمل إيمانه كان دفع الله عنه أتم دفع، وإن مزج مزج له، وإن كان مرة ومرة، فالله له مرة ومرة كما قال بعض السلف: من أقبل على الله بكليته أقبل الله عليه جملة، ومن

стр. 5874

أعرض عن الله بكليته أعرض الله عنه جملة، ومن كان مرة ومرة فالله له مرة ومرة. فالتوحيد حصن الله الأعظم الذي من دخله كان من الآمنين. قال بعض السلف: من خاف الله خافه كل شيء، ومن لم يخف الله أخافه من كل شيء. انتهى باختصار.

стр. 5875

١٤٧٩ - وَعَنْهُ (١) ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (٢) الأدب المستفاد من الحديث بيَّن النبي ﵊ أنَّ من استطاع أن يملك نفسه عند الغضب؛ فإنه رجل شديدٌ قوي، وهو معنى قوله ﵊ للرجل الذي قال: أوصني. قال له: «لا تغضب» فردد مرارًا، قال: «لا تغضب» أخرجه البخاري (٦١١٦) عن أبي هريرة ﵁، فمعناه أن لا ينفذ غضبه ولا يفعل ما يأمره غضبه به، بل يمسك نفسه في ذلك الوقت، وقيل: إن المعنى أن يجتنب أسباب الغضب، وأما الغضب نفسه فلا يُنهى عنه؛ لكونه ليس من فعله، بل هو طبيعي. وهذا المذموم هو الغضب في غير أمرٍ ديني، أما إذا انتهكت المحارم فقد كان النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يغضب من ذلك، ويتلون وجهه ﵊. وقال الماوردي ﵀ في كتابه «أدب الدنيا والدين» (ص ٢٥٨): وَاعْلَمْ أَنَّ لِتَسْكِينِ الْغَضَبِ إذَا هَجَمَ أَسْبَابًا يُسْتَعَانُ بِهَا عَلَى الْحِلْمِ مِنْهَا: أَنْ يَذْكُرَ اللَّهَ فَيَدْعُوهُ ذَلِكَ إلَى الْخَوْفِ مِنْهُ، وَيَبْعَثُهُ الْخَوْفُ مِنْهُ عَلَى الطَّاعَةِ لَهُ، فَيَرْجِعُ إلَى أَدَبِهِ وَيَأْخُذُ بِنَدْبِهِ. فَعِنْدَ ذَلِكَ يَزُولُ الْغَضَبُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:

стр. 5876

﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤]، قَالَ عِكْرِمَةُ: يَعْنِي إذَا غَضِبْتَ. وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [فصلت: ٣٦]، وَمَعْنَى قَوْلِهِ ﴿يَنْزَغَنَّكَ﴾ أَيْ: يُغْضِبَنَّكَ، ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ يَعْنِي أَنَّهُ سَمِيعٌ بِجَهْلِ مَنْ جَهِلَ، عَلِيمٌ بِمَا يُذْهِبُ عَنْك الْغَضَبَ. وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: مَنْ ذَكَرَ قُدْرَةَ اللَّهِ لَمْ يَسْتَعْمِلْ قُدْرَتَهُ فِي ظُلْمِ عِبَادِ اللَّهِ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ مُحَارِبٍ لِهَارُونَ الرَّشِيدِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَسْأَلُك بِاَلَّذِي أَنْتَ بَيْنَ يَدَيْهِ أَذَلُّ مِنِّي بَيْنَ يَدَيْك، وَبِاَلَّذِي هُوَ أَقْدَرُ عَلَى عِقَابِك مِنْك عَلَى عِقَابِي لَمَا عَفَوْتَ عَنِّي. فَعَفَا عَنْهُ لَمَّا ذَكَّرَهُ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعَالَى. وَمِنْهَا: أَنْ يَنْتَقِلَ عَنْ الْحَالَةِ الَّتِي هُوَ فِيهَا إلَى حَالَةٍ غَيْرِهَا، فَيَزُولُ عَنْهُ الْغَضَبُ بِتَغَيُّرِ الْأَحْوَالِ وَالتَّنَقُّلِ مِنْ حَالٍ إلَى حَالٍ. وَكَانَ هَذَا مَذْهَبَ الْمَأْمُونِ إذَا غَضِبَ أَوْ شُتِمَ. وَمِنْهَا: أَنْ يَتَذَكَّرَ مَا يَئُولُ إلَيْهِ الْغَضَبُ مِنْ النَّدَمِ وَمَذَمَّةِ الِانْتِقَامِ. وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: الْغَضَبُ عَلَى مَنْ لَا تَمْلِكُ عَجْزٌ، وَعَلَى مَنْ تَمْلِكُ لُؤْمٌ. وَقَالَ بَعْضُ الْأُدَبَاءِ: إيَّاكَ وَعِزَّةَ الْغَضَبِ؛ فَإِنَّهَا تُفْضِي إلَى ذُلِّ الْعُذْرِ. وَقَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ: وَإِذَا مَا اعْتَرَتْك فِي الْغَضَبِ الْعِزَّ ... ةُ فَاذْكُرْ تَذَلُّلَ الِاعْتِذَارِ

стр. 5877

وَمِنْهَا: أَنْ يَذْكُرَ ثَوَابَ الْعَفْوِ، وَجَزَاءَ الصَّفْحِ، فَيَقْهَرُ نَفْسَهُ عَلَى الْغَضَبِ رَغْبَةً فِي الْجَزَاءِ وَالثَّوَابِ، وَحَذَرًا مِنْ اسْتِحْقَاقِ الذَّمِّ وَالْعِقَابِ. وَمِنْهَا: أَنْ يَذْكُرَ انْعِطَافَ الْقُلُوبِ عَلَيْهِ، وَمَيْلَ النُّفُوسِ إلَيْهِ، فَلَا يَرَى إضَاعَةَ ذَلِكَ بِتَغَيُّرِ النَّاسِ عَنْهُ فَيَرْغَبُ فِي التَّأَلُّفِ وَجَمِيلِ الثَّنَاءِ. وَقَالَ بَعْضُ الْبُلَغَاءِ: لَيْسَ مِنْ عَادَةِ الْكِرَامِ سُرْعَةُ الِانْتِقَامِ، وَلَا مِنْ شُرُوطِ الْكَرَمِ إزَالَةُ النِّعَمِ.

стр. 5878

١٤٨٠ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ القِيَامَةِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١) ١٤٨١ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «اتَّقُوا الظُّلْمَ، فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَاتَّقُوا الشُّحَّ؛ فَإِنَّهُ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. (٢) الأدب المستفاد من الحديثين يُستفاد من الحديثين تحريم الظلم، ويشمل ظلم الإنسان لنفسه بالشرك، وبالمعاصي، وكذلك ظلمه لغيره بالتعدي عليه في دمه، أو ماله، أو عرضه. ويُستفاد من الحديث الحذر من الشُّح، والبخل، والشح أشد من البخل؛ فإنَّ البخل هو إمساك ما في اليد، والشح هو إمساك ما في اليد، والحرص على ما في يد الغير، وقد قال ربنا جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر:٩]. وقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كما في «مسند أحمد» (٥/ ١٥، ٦٤)، من حديث أبي هريرة ﵁: «شر ما في الرجل شح هالع، وجبن خالع» وإسناده حسن، فنعوذ بالله من الظلم، والشح، والبخل، والعجب، والكبر، ونسأل الله عزوجل أن يهدينا إلى سواء الصراط.

стр. 5879

١٤٨٢ - وَعَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الأَصْغَرُ: الرِّيَاءُ». أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ. (١) الأدب المستفاد من الحديث حذَّر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمته من هذا الذنب العظيم، وهو الرياء، وهو عمل العبادة؛ ليراه الناس، ويحمدونه على ذلك. وفي «صحيح مسلم»، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه». وفي «الصحيحين» عن جندب ﵁ مرفوعًا: «من سمَّع سمع اللهُ به، ومن يرائي يرائي الله به» وأخرجه مسلم عن ابن عباس ﵄، نسأل الله أن يعصمنا من ذلك. وقد تكلم الحافظ ابن رجب ﵀ على أنواع الرياء بكلام مفيد في كتابه المبارك: «جامع العلوم والحكم» في شرحه للحديث الأول.

стр. 5880

١٤٨٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «آيَةُ المُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا ائْتُمِنَ خَانَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١) ١٤٨٤ - وَلَهُمَا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِاللهِ بْنِ عَمْرٍو: «وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ». (٢) الأدب المستفاد من الحديثين يُستفاد من الحديثين: أنَّ الكذب، وإخلاف الوعد، والخيانة، والفجور في الخصومة كلها من خصال المنافقين، فيجب على المؤمن أن يحذر هذه المعاصي التي هي من أخلاق المنافقين. ومعنى الفجور في الخصومة: أن يخرجَ عن الحق عمدًا حتى يُصَيِّرَ الحق باطلا والباطل حقًا، وهذا مما يدعو إليه الكذب، كما قال ﷺ : «إياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار» (٣). وحاصل الأمر في بيان خصال النفاق العملي: أن النفاق الأصغر كله يرجع إلى اختلاف السريرة والعلانية. وإخلاف الوعد يكون مذمومًا إذا كان قاصدًا الإخلاف من حين وعد، وأما إذا طرأ له عذر؛ فلا يدخل في التحريم، ويدخل في الذمِّ من تساهل بالوفاء بدون عذر.

стр. 5881

قال ابن رجب ﵀ في «جامع العلوم والحكم»: والخلف في الوعد على نوعين: أحدهما: أن يَعِدَ ومن نيته أن لا يفي بوعده، وهذا أشر الخلف، ولو قال: أفعل كذا إن شاء الله تعالى، ومن نيته أن لا يفعل، كان كذبا وخلفا، قاله الأوزاعي. الثاني: أن يعد ومن نيته أن يفي، ثم يبدو له فيخلف من غير عذر له في الخلف.، والله أعلم. اهـ وقال ﵀: وقد أمر الله بالوفاء بالعهد، فقال: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤]، وقال: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ [النحل: ٩١]، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٧٧]، وفي «الصحيحين» عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: «لكل غادر لواء يوم القيامة يعرف به» (١) وفي رواية: «إن الغادر ينصب له لواء يوم القيامة، فيقال: ألا هذه غدرة فلان» (٢)، وخرجاه أيضا من حديث أنس بمعناه (٣). وخرج مسلم من حديث أبي سعيد، عن النبي ﷺ ، قال: «لكل غادر لواء عند استه يوم القيامة» (٤). والغدر حرام في كل عهد بين المسلم وغيره، ولو كان المعاهد كافرًا، ولهذا

стр. 5882

في حديث عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ : «من قتل نفسا معاهدا بغير حقها لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاما» خرَّجه البخاري (١). وقد أمر الله تعالى في كتابه بالوفاء بعهود المشركين إذا أقاموا على عهودهم، ولم ينقضوا منها شيئا. وأما عهود المسلمين فيما بينهم، فالوفاء بها أشد، ونقضها أعظم إثما. ومن أعظمها: نقض عهد الإمام على من تابعه، ورضي به، وفي «الصحيحين» عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، قال: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم، فذكر منهم: ورجل بايع إماما لا يبايعه إلا لدنيا، فإن أعطاه ما يريد وفَى له، وإلا لم يفِ له» (٢)، ويدخل في العهود التي يجب الوفاء بها، ويحرم الغدر فيها: جميع عقود المسلمين فيما بينهم إذا تراضوا عليها من المبايعات والمناكحات، وغيرها من العقود اللازمة التي يجب الوفاء بها، وكذلك ما يجب الوفاء به لله مما يعاهد العبد ربه عليه من نذر التبرر ونحوه. اهـ

стр. 5883

١٤٨٥ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١) الأدب المستفاد من الحديث يستفاد من الحديث تحريم سب المسلم، وأنَّ ذلك سبب من أسباب الفسوق، ويحرم قتله بغير حق. وقوله: «وقتاله كفر»، ذكر العلماء أنه كفرٌ دون كفر، مالم يستحل ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات:٩] إلى قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات:١٠]. وقال تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة:١٧٨]، فأثبت الأُخُوَّةَ الإيمانية مع وجود القتل. وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨].

стр. 5884

١٤٨٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إيَّاكُمْ وَالظَّنَّ؛ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الحَدِيثِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١) الأدب المستفاد من الحديث الظن: هو ما يخطر بالنفس من التجويز المحتمل للصحة والبطلان، فيحكم به ويعتمل عليه، هكذا فسره ابن الأثير في «النهاية». وقال الخطابي ﵀: المراد التهمة، ومحل التحذير، والنهي إنما هو عن التهمة التي لا سبب لما يوجبها. اهـ وقال النووي ﵀: والمراد التحذير من تحقيق التهمة والإصرار عليها، وتقررها في النفس دون ما يعرض ولا يستقر؛ فإنَّ هذا لا يكلف به كما في الحديث: «تجاوز الله عن أمتي ما حدَّثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم» (٢)، ونقله عياض عن سفيان. اهـ (٣)

стр. 5885

١٤٨٧ - وَعَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللهُ رَعِيَّةً يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ إلَّا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١) الأدب المستفاد من الحديث يستفاد من ا لحديث فائدة عظيمة وهي أنَّ كل من تولَّى مسؤولية صغيرة أو كبيرة؛ فهو مؤتَمَنٌ عليها؛ فإنْ أدَّى الأمانة، وأطاع الله عزوجل فيها فقد أفلح، وإن غشَّ وخان فقد عرَّض نفسه لسخط الله عزوجل، نسأل الله العافية. ١٤٨٨ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «اللهُمَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَاشْقُقْ عَلَيْهِ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. (٢) الأدب المستفاد من الحديث يستفاد من الحديث أنه يجب على ولي الأمر أن يرفق بالمسلمين، وأن ييسر عليهم أمورهم، وإنْ لم يفعل فالأمر عليه شديد، وإن رفق بهم فسيرفق الله به. وفي الحديث الآخر: «من ولَّاه الله شيئًا من أمور المسلمين، فاحتجب دون حاجتهم، وخلَّتهم، وفقرهم؛ احتجب الله دون حاجته يوم القيامة» أخرجه أبو داود، والترمذي من حديث أبي مريم الأزدي ﵁. (٣)
следующие страницы →