← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 165

فتح العلام في دراسة أحاديث بلوغ المرام ط 4

محمد بن علي بن حزام البعداني

Полный текст (5 956 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

فائدة: قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٣/ ٨١): قال أصحابنا: فإن قلنا: فرض كفاية؛ فأقل ما يتأدى به الفرض أن ينتشر الأذان في جميع أهل ذلك المكان؛ فإن كانت قرية صغيرة، بحيث إذا أذن واحد سمعوا كلهم، سقط الفرض بواحد، وإن كان بلدًا كبيرًا، وجب أن يؤذن في كل موضع واحد، بحيث ينتشر الأذان في جميعهم؛ فإن أذَّن واحد فحسب، سقط الحرج عن الناحية التي سمعوه دون غيرهم. مسألة [٤]: هل للنساء الأذان والإقامة ؟ أما تأذينُ النساء للرجال؛ فلا أعلم أحدًا من أهل العلم قال به، وهذا لا يجوز؛ لأنَّ الأذان يحتاج إلى رفع الصوت، والمرأة لا يُشرع لها ذلك، والخطاب، والأوامر في الأذان جاءت للرجال، وقد حكى المتولي وجهًا عن الشافعية بالجواز، وهو وجهٌ شاذٌّ عندهم. وأما إذا انفرد النسوة، فهل يُشْرَعُ لهن الأذان، والإقامة؟ فأقول: أما الوجوب؛ فلا أعلم أحدًا من أهل العلم قال به، واختلفوا: هل يُستحب لهن ذلك، أم لا؟ • فذهبت طائفة من أهل العلم إلى أنه لا يستحب لهن الأذان، ولا الإقامة، وهو قول سعيد بن المسيب، والحسن، والنخعي، والزهري، والثوري، والشافعي في قول، وأحمد في رواية، وأبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد، قالوا: لأنَّ الأذان شُرِعَ لاجتماع الرجال.

стр. 632

• وذهبت طائفة من أهل العلم إلى استحباب الإقامة دون الأذان، وهو قول مالك، وأحمد في رواية، وداود، والشافعي في المشهور عنه، وبه قطع جمهور الشافعية. • وذهبت طائفة من أهل العلم إلى أنَّ ذلك مشروعٌ في حَقِّهِنَّ، وَحَسَنٌ، وهذا القول رواية عن أحمد، وقول للشافعي، وهو ترجيح ابن المنذر، وابن حزم. وقد جاء عن عائشة ﵂: أنها كانت تُؤَذِّنُ، وتُقِيم. أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٢٢٣)، وفي إسناده: ليث بن أبي سليم، وهو ضعيفٌ، مختلطٌ. وأخرج ابن أبي شيبة (١/ ٢٢٣) بإسناد صحيح عن سليمان التيمي، قال: كُنَّا نسأل أنسًا هل على النساء أذانٌ؟ قال: لا، وإنْ فعَلْنَ، فهو ذِكْرٌ. وأخرج أيضًا (١/ ٢٢٣)، بإسناد حَسَنٍ عن ابن عمر أنه سُئِل: هل على النساء أذانٌ؟ فغضب، وقال: أنا أنهى عن ذِكْرِ الله. وهذا القول هو الراجح، والله أعلم. تنبيه: استحباب الأذان في حَقِّهِنَّ مُقَيَّدٌ بما إذا لم تَسْمَعْ أذانَ المِصْرِ، وبما إذا لم ترفع صوتها، والله أعلم. (١)

стр. 633

١٧١ - عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ ﵁، قَالَ: طَافَ بِي وَأَنَا نَائِمٌ رَجُلٌ، فَقَالَ: تَقُولُ: اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، فَذَكَرَ الأَذَانَ بِتَرْبِيعِ التَّكْبِيرِ بِغَيْرِ تَرْجِيعٍ، وَالإِقَامَةَ فُرَادَى، إلَّا قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ قَالَ: فَلَمَّا أَصْبَحْتُ أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ: «إنَّهَا لَرُؤْيَا حَقٍّ». الحَدِيثَ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ. (١) وَزَادَ أَحْمَدُ فِي آخِرِهِ قِصَّةَ قَوْلِ بِلَالٍ فِي أَذَانِ الفَجْرِ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ. (٢)

стр. 634

١٧٢ - وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: مِنَ السُّنَّةِ إذَا قَالَ المُؤَذِّنُ فِي الفَجْرِ: حَيَّ عَلَى الفَلَاحِ، قَالَ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ. (١) ١٧٣ - وَعَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلَّمَهُ الأَذَانَ، فَذَكَرَ فِيهِ التَّرْجِيعَ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. وَلَكِنْ ذَكَرَ التَّكْبِيرَ فِي أَوَّلِهِ مَرَّتَيْنِ فَقَطْ. وَرَوَاهُ الخَمْسَةُ فَذَكَرُوهُ مُرَبَّعًا. (٢) ١٧٤ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: أُمِرَ بِلَالٌ: أَنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ، وَيُوتِرَ الإِقَامَةَ إلَّا الإِقَامَةَ، يَعْنِي قَوْلَهُ: قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ مُسْلِمٌ الِاسْتِثْنَاءَ. (٣) وَلِلنَّسَائِيِّ: أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِلَالًا. (٤) المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث مسألة [١]: عدد كلمات الأذان . • ذهب أحمد، وإسحاق، والثوري، وأبو حنيفة إلى أنَّ عدد كلمات الأذان خمس عشرة كلمة؛ لحديث عبد الله بن زيد، وهو أذان بلال.

стр. 635

• وذهب الشافعي، وطائفة من أهل العلم بالحجاز إلى أنَّ عدد كلمات الأذان تسع عشرة كلمة؛ لحديث أبي محذورة، وهو كالصفة التي قبلها، وفيه زيادة الترجيع. • وذهب مالك إلى أنه سبع عشرة كلمة؛ لحديث أبي محذورة، ولكن جعل التكبير في أوَّلِهِ مرتين فقط، وهذه الرواية قد تقدم أنها مرجوحة. وأما القولان السابقان؛ فالراجح أنه يجوز العمل بالكيفيتين، وإن كانت الأُولى أكثر؛ لحديث عبد الله بن عمر الذي أخرجه أبو داود (٥١٠)، بإسنادٍ صحيح -وهو في «الصحيح المسند» -، قال: كان الأذان على عهد رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مرتين مرتين، والإقامة مرةً مرة؛ إلا أنه يقول: (قد قامت الصلاة) مرَّتين. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ٦٦): فالصواب مذهب أهل الحديث، ومن وافقهم، وهو تسويغ كل ما ثبت في ذلك عن النبي ﷺ ، لا يكرهون شيئًا من ذلك. اهـ وقال أيضًا (٢٢/ ٣٨٦): فَكُلُّ واحد من أذان بلال، وأبي محذورة سُنَّة، فسواء رَجَّعَ المؤذن في الأذان، أو لم يُرَجِّعْ، وسواء أفرد الإقامة، أو ثناها؛ فقد أحسن، واتَّبع السُّنَّةَ. اهـ وقال ابن القيم ﵀ في «زاد المعاد» (٢/ ٣٨٩): ثبت عنه ﷺ أنه سنَّ التأذين بترجيعٍ، وبغير ترجيع، وشَرَعَ الإقامة مثنى، وفُرادى. اهـ

стр. 636

قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٢/ ٥٧): وهذا من الاختلاف المباح؛ فإنْ رَجَّعَ، فلا بأس به، نصَّ عليه أحمد، وكذلك قال إسحاق؛ فإنَّ الأمرين كلاهما قد صح عن النبي ﷺ .اهـ قلتُ: وقد قال بهذا القول أيضًا ابن خزيمة، ورجَّحه الألباني، والوادعي، وابن عثيمين، وقبلهم الشوكاني، والصنعاني، رحمة الله عليهم أجمعين. (١) مسألة [٢]: كيفية الإقامة . • ذهب جمهور العلماء إلى أنَّ الإقامة تُوتَرُ، ولا تُثنى؛ إلا قوله: (قد قامت الصلاة)، فَتُقال مرتين، وهو مذهب أحمد، والشافعي، والزهري، وإسحاق، والأوزاعي، وغيرهم. واستدلوا بحديث أنس الموجود في الباب، وبحديث عبد الله بن زيد الموجود أيضًا في الباب. • وذهب مالك إلى أنَّ الإقامة عشر كلمات، جعل قوله «قد قامت الصلاة» مرةً. واستدل بحديث: «ويوتر الإقامة»، وحديثه مقيد بقوله: «قد قامت الصلاة» بالأدلة التي ذكرناها، وبحديث عبدالله بن عمر ﵄ المتقدم في المسألة السابقة. • وذهب ابن المبارك، والثوري، وأبو حنيفة، إلى جواز تثنية الإقامة، وجعلها سبع عشرة كلمة، واستدلوا بحديث أبي محذورة عند أبي داود (٥٠٢)، وابن

стр. 637

خزيمة (٣٧٧)، وغيرهما، بإسناد حسن، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- علَّمَهُ الإقامة سبع عشرة كلمة، فذكره مثل أذان عبدالله بن زيد، وزيادة: (قد قامت الصلاة) مرتين. والراجح جواز العمل بالكيفية الأُولى، والأخيرة، وإن كانت الكيفية الأُولى أكثر؛ لحديث أنس، وابن عمر المتَقَدِّمَيْنِ في المسألة السابقة، وهو ترجيح ابن خزيمة وشيخ الإسلام ابن تيمية، والصنعاني، والشوكاني، وابن القيم وغيرهم. (١) تنبيه وفائدة: قال ابن خزيمة ﵀ في «صحيحه» (١/ ١٩٤): وهذا من جنس اختلاف المباح، فمباح أن يؤذن المؤذن فيرجع في الأذان، ويثني الإقامة، ومباح أن يثني الأذان ويفرد الإقامة؛ إذ قد صح كلا الأمرين من النبي ﷺ ، فأما تثنية الأذان والإقامة فلم يثبت عن النبي ﷺ الأمر بهما. اهـ مسألة [٣]: التثويب في أذان الفجر . • استدل الجمهور بحديث أنس الموجود في الباب، وبأحاديث أخرى على استحباب أن يقول المؤذن في أذان الصبح: (الصلاة خير من النوم) مرتين بعد قوله: (حَيَّ على الفلاح)، وهو قول ابن عمر (٢)، والحسن، وابن سيرين، والزهري، وأحمد، ومالك، والأوزاعي، وإسحاق، والشافعي، وغيرهم. • وذهب أبو حنيفة إلى أنَّ التثويب بين الأذان والإقامة في الفجر أن يقول: (حَيَّ على الصلاة) مرتين، (حَيَّ على الفلاح) مرتين.

стр. 638

والراجح هو القول الأول، وما ذهب إليه أبو حنيفة، قال فيه إسحاق: هذا شيء أحدثه الناس. وقال أبو عيسى الترمذي ﵀: هذا التثويب الذي كرهه أهل العلم، وهو الذي خرج منه ابن عمر (١) من المسجد لَمَّا سمعه. (٢) مسألة [٤]: هل التثويب في الأذان الأول، أم الثاني ؟ • أخرج أحمد (٣/ ٣٠٨)، والنسائي (٢/ ١٤)، وغيرهما من حديث أبي محذورة، قال: كنتُ أُؤَذِّن في زمن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في صلاة الصبح، فإذا قلت: حَيَّ على الفلاح، قلت: الصلاة خيرٌ من النوم، الأذان الأول. وفي إسناده: أبو سلمان، مجهول حال. وله طريق أخرى عند أحمد (٣/ ٣٠٨)، وأبي داود (٥٠١)، والنسائي (٢/ ٧)، وغيرهم، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال له: «وإذا أَذَّنْتَ بالأول من الصبح، فقل: الصلاة خير من النوم»، وفي إسناده مجهولان. وأخرج البيهقي (١/ ٤٢٣) بإسناد حسن عن ابن عمر، قال: كان في الأذان الأول بعد (الفلاح): الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم. وأخرجه ابن المنذر في «الأوسط» (٣/ ٢٢)، من نفس الوجه عن ابن عمر ﵄: أنه كان يقول: حي على الفلاح، حي على الفلاح، الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم. في الأذان الأول مرتين. يعني في الصبح.

стр. 639

فأخذ بعض أهل العلم من هذه الآثار أنَّ التثويب في الأذان الأول من أذاني الفجر، وذهب إلى هذا الصنعاني، وابن رسلان، والإمام الألباني. وأما استدلال بعضهم لكونه في الأذان الثاني بحديث نُعيم بن النَّحَّام عند البيهقي (١/ ٤٢٣)، قال: كنت مع امرأتي في مرطها في غداة باردة، فنادى منادي رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إلى صلاة الصبح، فلما سمعت، قلت: لو قال: (ومن قعد فلا حرج)، قال: فلما قال: الصلاة خير من النوم، قال: ومن قعد فلا حرج. فلا يستقيم؛ لأنَّ إسناده منقطع؛ فإنَّ محمد بن إبراهيم التيمي لم يدرك نعيم بن النحام كما يُعلم ذلك من تاريخ وفاة نعيم، وولادة محمد بن إبراهيم. وقد صحَّ حديث نعيم بن النحام من وجه آخر أخرجه ابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (٢/ ٦٧)، والحاكم (٣/ ٢٥٩) بإسناد صحيح بلفظ: أذَّنَ مؤذن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في ليلة فيها برد، وأنا تحت لحافي، فتمنيت أن يلقي الله على لسانه (ولا حرج)، فقال: ولا حرج. (١) فهذا اللفظ هو المحفوظ، وليس فيه موضع الشاهد. قال أبو عبد الله غفر الله له: أصح حديث في هذا الباب حديث أنس ﵁ الذي في الكتاب: «من السنة إذا قال المؤذن في أذان الفجر: حي على الفلاح، قال: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم». وظاهر هذا الحديث أنَّ المراد به الأذان الثاني؛ لأنه أضاف الأذان إلى الفجر، والأذان الأول أضافه النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إلى الليل بقوله: «إنَّ بلالًا يؤذن بليل ... »

стр. 640

الحديث، ولم أجد أحدًا من الفقهاء المتقدمين قيَّد التثويب في أحد الأذانين، بل يطلقون مشروعية التثويب في أذان الفجر. قال الإمام العثيمين ﵀ في «فتاواه» (١٢/ ١٨٥): أما كلام فقهائنا فظاهره أنَّ التثويب يكون في أذان صلاة الفجر، سواء كان قبل الوقت، أم بعده. اهـ قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٣/ ٩٢): ثم ظاهر إطلاق الأصحاب أنه يشرع في كل أذان للصبح، سواء ما قبل الفجر وبعده، وقال صاحب «التهذيب»: إنْ ثوَّب في الأذان الأول؛ لم يثوب في الثاني في أصح الوجهين. اهـ قلتُ: وأما حديث أبي محذورة فضعيف، وقد حمله الإمام ابن باز، والإمام العثيمين على أنَّ المراد بالأذان الأول، أي: أذان الفجر؛ لأنه أول بالنسبة للإقامة، وفي الحديث: «بين كل أذانين صلاة». وأما أثر ابن عمر ﵄؛ فليس بصريح ونصٍّ في المسألة؛ لكون الراوي قد فسَّر الأذان الأول بالصبح -في رواية ابن المنذر- وأذان الصبح يعتبر هو الأذان الأول بالنسبة لأذان الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء. وقد رجح الإمام ابن باز والإمام العثيمين أنَّ التثويب في الأذان الثاني، وبالله التوفيق. (١)

стр. 641

١٧٥ - وَعَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ ﵁ قَالَ: رَأَيْت بِلَالًا يُؤَذِّنُ وَأَتَتَبَّعُ فَاهُ، هَهُنَا وَهَهُنَا، وَإِصْبَعَاهُ فِي أُذُنَيْهِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. (١)

стр. 642

وَلِابْنِ مَاجَهْ: وَجَعَلَ إصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ (١) وَلِأَبِي دَاوُد: لَوَى عُنُقَهُ، لَمَّا بَلَغَ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، يَمِينًا وَشِمَالًا وَلَمْ يَسْتَدِرْ. (٢) وَأَصْلُهُ فِي «الصَّحِيحَيْنِ». (٣) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: حكم وضع الأصبعين في الأذنين أثناء الأذان . • ذهب جمهور العلماء إلى استحباب وضع المؤذن أصبعيه في أذنيه أثناء الأذان. واستدلوا بحديث أبي جحيفة الذي في الباب، قال الترمذي عَقِبَ حديث أبي جحيفة: وعليه العمل عند أهل العلم، يستحبون أن يجعل المؤذن أصبعيه في أذنيه. اهـ واستدلوا أيضًا بحديث سعد القرظ عند ابن ماجه (٧١٠): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمر بلالًا أن يجعل إصبعيه في أذنيه، وقال: «إنه أرفع لصوتك». وإسناده ضعيف؛ فهو من رواية عبدالرحمن بن سعد بن عمار بن سعد القرظ، عن أبيه، عن جده، عن سعد، به، وعبدالرحمن ضعيف، وأبوه مجهول، وجده

стр. 643

مجهول الحال. وفي الباب أحاديث أخرى لم يثبت منها شيء كما في «نصب الراية» (١/ ٢٧٨)، و «الفتح» لابن رجب (٦٣٤)، و «سنن البيهقي» (١/ ٣٩٦). • وقد ذهب مالك إلى أنَّ ذلك واسعٌ، إنْ وضع، وإنْ لم يضع. • وذهب إسحاق، والأوزاعي إلى استحباب وضعهما في الأذنين في الإقامة أيضًا. • وجاء عن أحمد رواية أنه يضم أصابعه على راحتيه، ويضعهما على أُذُنَيْهِ. والراجح هو مذهب الجمهور، والله أعلم؛ لأنَّ هذا هو الذي جرى عليه العمل من التابعين ومن بعدهم، فقد ثبت ذلك عن ابن سيرين كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (١/ ٢١٠ - ٢١١). وجاء عن سعيد بن جبير، والشعبي بإسنادين ضعيفين كما في «كتاب الصلاة» لأبي نعيم (ص ١٦٩)، وبالله التوفيق. (١) مسألة [٢]: الالتفات عند الحيعلتين . • ذهب جمهور العلماء إلى استحباب الالتفات في الحيعلتين، يمينًا، وشمالًا، وهو قول أحمد، والشافعي، وإسحاق، والأوزاعي، والثوري، وأبي ثور، وغيرهم؛ لحديث أبي جُحيفة الموجود في الباب.

стр. 644

وقد أخرج الالتفات صاحبا «الصحيحين»، ولم يَقُلْ هؤلاء بالدوران؛ إلا أنّ أحمد، وإسحاق، وأبا حنيفة، قالوا بالدوران إذا أذَّن بالمنارة، وليس على الدوران حديث صحيح، فقد جاء في حديث أبي جُحيفة ذِكْرُ الدَّوران في رواية عبد الرزاق، عن سفيان المتقدمة، وبَيَّنَ الحافظ أنها مدرجة، وجاء من رواية: حجاج بن أرطاة، وهو ضعيفٌ، ومن طريق أخرى فيها: محمد بن عبيد الله العرزمي، وهو شديد الضَّعْفِ. (١)

стр. 645

فَصْلٌ فِيمَا يُسْتَحَبُّ لِلْمُؤَذِّنِ فِي أَذَانِهِ أولا: استقبال القبلة. قال ابن المنذر ﵀ في «الأوسط» (٣/ ٢٨): أجمع أهل العلم على أنَّ من السُّنَّةِ أنْ تُستقبل القبلة في الأذان. انتهى. (١) ثانيًا: الأذان قائمًا. أخرج البخاري (٥٩٥)، من حديث أبي قتادة ﵁: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال لبلال: «قُمْ؛ فأَذِّنْ». قال ابن المنذر ﵀ في «الأوسط» (٣/ ٤٦): ولم يختلف أهل العلم في أنَّ من السُّنَّةِ أن يؤذن وهو قائمٌ؛ إلا من عِلَّةٍ. انتهى. (٢) ثالثًا: الأذان من مكان مرتفع. أخرج أبو داود في «سننه» (٥١٩)، عن عروة بن الزبير، عن امرأة من بني النجار، قالت: كان بيتي أطول بيتٍ حول المسجد، وكان بلال يؤذن عليه الفجر، فيأتي بسَحَرٍ، فيجلس على البيت ينظر إلى الفجر، فإذا رآه تمطى، ثم قال: اللهم، إني استعينك، واستعديك على قريش أن يقيموا دينك. قالت: ثم يؤذن. وإسناده حسن، في إسناده: ابن إسحاق، وقد صرَّح بالتحديث في «سيرة ابن هشام» كما في

стр. 646

«الإرواء» (٢٢٩). وجاء في الحديث في أذان بلال، وابن أم مكتوم للصبح، قال: ولم يكن بينهما إلا أن ينزل هذا، ويرقى هذا. (١) قال ابن المنذر ﵀: فقوله: (ينزل هذا، ويرقى هذا) يدل على أنَّ أذانهما كان على منارة، أو على شيء مرتفع. قلتُ: أما المنارة؛ فلم يكن هناك منارة، ولكن على شيء مرتفع. وقد استدل أهل العلم بهذين الحديثين على استحباب الأذان من مكان مرتفع. (٢) هل يقيم للصلاة من مكان مرتفع؟ جاء عن بعض الحنابلة، والشافعية، أنهم استحبوا أن يقيم من موضع أذانه، ونصَّ عليه أحمد، واستدلوا بحديث بلال عند أبي داود (٩٣٧): «لا تسبقني بآمين»، يعني لو كان يقيم في موضع صلاته؛ لما خاف أن يسبقه بالتأمين. واستدلوا بحديث ابن عمر عند أبي داود (٥١٠) بإسناد صحيح، قال: كُنَّا إذا سمعنا الإقامة توضأنا، ثم خرجنا. قلتُ: حديث بلال ضعيفٌ، فيه انقطاع؛ لأنَّ أبا عثمان النهدي لم يلقَ بلالًا، ولا النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وأما حديث ابن عمر فليس بصريح؛ لأنَّ من كان قريبًا من

стр. 647

المسجد يسمع الإقامة، وإنْ أقام المؤذن داخل المسجد. وقد جاء ما يدل بظاهره على خلاف ذلك، وهو ما أخرجه مسلم في «صحيحه» (٦٠٦)، من حديث جابر بن سمرة ﵄، قال: كان بلال يؤذن إذا دحضت، فلا يقيم حتى يخرج النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فإذا خرج أقام الصلاة حين يرآه. قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٣/ ١٠٦): قال المحاملي في «المجموع»، وصاحب «التهذيب»: ولا يُستحب في الإقامة أن تكون على موضع عالٍ. اهـ وقال المرداوي في «الإنصاف» (١/ ٣٨٩): وقال في «النصيحة»: السُّنَّة أن يؤذن على المنارة، ويقيم أسفل. وهو الصواب، وعليه العمل في جميع الأمصار، والأعصار. انتهى المراد. (١)

стр. 648

١٧٦ - وَعَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْجَبَهُ صَوْتُهُ، فَعَلَّمَهُ الأَذَانَ. رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ. (١) فائدة الحديث هذا الحديث يدل على تقديم حسن الصوت بالأذان، ومثله حديث عبدالله بن زيد في رؤيته للأذان عند أن أخبر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فقال: «إنها لرؤيا حقٍّ إن شاء الله، قم مع بلال، فألقها عليه؛ فإنه أندى صوتًا منك». قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٢/ ٩٠): وَإِذَا تَشَاحَّ نَفْسَانِ فِي الْأَذَانِ؛ قُدِّمَ أَكْمَلَهُما فِي الْخِصَالِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي التَّأْذِينِ، فَيُقَدَّمُ مَنْ كَانَ أَعْلَى صَوْتًا؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِعَبْدِ الله بْنِ زَيْدٍ: «أَلْقِهِ عَلَى بِلَالٍ؛ فَإِنَّهُ أَنْدَى صَوْتًا مِنْك»، وَقَدَّمَ أَبَا مَحْذُورَةَ؛ لِصَوْتِهِ، وَكَذَلِكَ يُقَدَّمُ مَنْ كَانَ أَبْلَغَ فِي مَعْرِفَةِ الْوَقْتِ، وَأَشَدَّ مُحَافَظَةً عَلَيْهِ، وَمَنْ يَرْتَضِيهِ الْجِيرَانُ؛ لِأَنَّهُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ يَبْلُغُهُمْ صَوْتُهُ، وَمَنْ هُوَ أَعَفُّ عَنْ النَّظَرِ؛ فَإِنْ تَسَاوَيَا مِنْ جَمِيعِ الْجِهَاتِ أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ، لَاسْتَهَمُوا» (٢). ا هـ

стр. 649

بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَةِ مسألة [١]: التلحين في الأذان . أخرج ابن أبي شيبة في «مصنفه» (١/ ٢٠٧)، بإسناد صحيح عن عمر بن عبد العزيز، أنه كان له مؤذنٌ أَذَّنَ، فطرَّبَ في أذانِه، فقال له عمر بن عبد العزيز: أَذِّنْ أذانًا سمحًا، وإلا فاعتزلنا. وقد ذكر هذا الأثر البخاري في «صحيحه»، وعلَّقَهُ بصيغة الجزم. قال الإمام أحمد ﵀ كما في «غاية المرام» (٣/ ١٥٧): كل شيء محدث أكرَهُهُ مثل التطريب. وقال ابن رجب ﵀ في «فتح الباري» (٣/ ٤٢٩): والقول في الأذان بالتطريب كالقول في قراءة القرآن بالتلحين، وكرهه مالك والشافعي أيضا، وقال إسحاق: هو بدعة. نقله عنه إسحاق بن منصور. اهـ وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀ في «الشرح الممتع» (٢/ ٦٢): الأذان المُلَحَّن، المطرب به، أي: يؤذن على سبيل التطريب به، كأنما يجر ألفاظ أغنية؛ فإنه يجزئ، لكنه يُكره. وقال الشيخ علي بن محفوظ في كتابه «الإبداع» (ص ١٧٦): ومن البدع المكروهة تحريمًا: التلحين في الأذان، وهو التطريب، أي: التغني به، بحيث

стр. 650

يؤدي إلى تغيير كلمات الأذان، وكيفياتها بالحركات، والسكنات، ونقض بعض حروفها، أو زيادة فيها محافظة على توقيع الألحان، فهذا لا يحل إجماعًا في الأذان، ولا يحل أيضًا سماعه؛ لأنَّ فيه تشبهًا بالفسقة؛ فإنهم يترنمون، وخروجًا عن المعروف شرعًا في الأذان، وفي القرآن. اهـ. (١) مسألة [٢]: الكلام في أثناء الأذان . • قال ابن المنذر ﵀ في «الأوسط» (٣/ ٤٣): اختلف أهل العلم في الكلام في الأذان، فرخَّصت فيه طائفةٌ، وممن رخَّص فيه: الحسن البصري، وعطاء، وقتادة، وروينا عن سليمان بن صرد (٢)، وكانت له صحبة، أنه كان يأمر بالحاجة له، وهو في أذانه، وكان عروة بن الزبير يتكلم في أذانه، وكان أحمد بن حنبل يُرخِّصُ في الكلام في الأذان. ثم ذكر الكراهة في ذلك عن النخعي، وابن سيرين، والأوزاعي، ومالك، والثوري، والشافعي، وإسحاق. قال أبو عبد الله غفر الله له: الظاهر أنه إِنِ احتاج إلى الكلام، فلا بأس به؛ لعدم وجود دليل يمنع ذلك، ويُشْتَرَطُ عدم الإطالة؛ لئلا يقطع الموالاة عن الأذان، والله أعلم.

стр. 651

١٧٧ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁، قَالَ: صَلَّيْت مَعَ النَّبِيِّ ﷺ العِيدَيْنِ، غَيْرَ مَرَّةٍ وَلَا مَرَّتَيْنِ، بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (١) ١٧٨ - وَنَحْوُهُ فِي المُتَّفَقِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ وَغَيْرِهِ. (٢) الحكم المستفاد من الحديثين دل الحديثان على أنه لا يؤذن لصلاة العيد، ولا يقام لها، ومثلهما حديث جابر ﵁ في «صحيح مسلم» (٨٨٥)، وفيه: «لا إقامة، ولا نداء، ولا شيء». قال النووي ﵀ في «شرح مسلم» (٦/ ١٧٤): في هذا دليل على أنه لا أذان، ولا إقامة للعيد، وهو إجماع العلماء اليوم، وهو المعروف من فعل النبي ﷺ ، والخلفاء الراشدين، ونقل عن بعض السلف فيه شيء خلاف إجماع من قبله وبعده. اهـ قال الحافظ ابن رجب ﵀ في «الفتح» (٩٥٧): ولا خلاف بين أهل العلم في هذا، وأن النبي ﷺ ، وأبا بكر، وعمر، كانوا يصلون العيد بغير أذان ولا إقامة، قال مالك: تلك السنة التي لا اختلاف فيها عندنا. واتفق العلماء على أن الأذان والإقامة للعيدين بدعة ومحدث، وممن قالَ: (إنه بدعة): عبد الرحمن بن أبزى، والشعبي، والحكم، وقال ابن سيرين: وهو

стр. 652

محدث. وقال سعيد بن المسيب، والزهري: أول من أحدث الأذان في العيدين معاوية. وقال ابن سيرين: أول من أحدثه آل مروان. وعن الشعبي قالَ: أول من أحدثه بالكوفة ابن دراج، وكان المغيرة بن شعبة استخلفه. وقال حصين: أول من أذن في العيدين زياد. وروى ابن أبي شيبة: نا يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، عن عطاء بن يسار، أن ابن الزبير سأل ابن عباس؟ -وكان الذي بينهما حسنًا يومئذ- فقال: لا تؤذن، ولا تقم. فلما ساء الذي بينهما؛ أذن، وأقام. وقال الشافعي: قال الزهري: وكان النبي ﷺ يأمر في العيدين المؤذن فيقول: الصلاة جامعة. واستحب ذلك الشافعي، وأصحابنا، واستدلوا بمرسل الزهري، وهو ضعيف. وبالقياس على صلاة الكسوف؛ فإن النَّبيّ ﷺ صح عنه أنه أرسل مناديًا ينادي: «الصَّلاة جامعة». وقد يفرق بين الكسوف والعيد: بأن الكسوف لم يكن الناس مجتمعين لهُ، بل كانوا متفرقين في بيوتهم وأسواقهم، فنودوا لذلك، وأما العيد فالناس كلهم مجتمعون له قبل خروج الإمام. وقول جابر: (ولا إقامة، ولا نداء، ولا شيء) يدخل فيه نفي النداء بـ «الصَّلاة جامعة».اهـ

стр. 653

١٧٩ - وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ، فِي الحَدِيثِ الطَّوِيلِ فِي نَوْمِهِمْ عَنِ الصَّلَاةِ ثُمَّ أَذَّنَ بِلَالٌ، فَصَلَّى النَّبِيُّ ﷺ كَمَا كَانَ يَصْنَعُ كُلَّ يَوْمٍ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: هل يُؤَذَّن للفائتة، ويقام، أم لا ؟ • اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال: الأول: أنه يُؤَذَّنُ، ويُقَام، وإن كانت الفوائت أكثر من واحدة، يُؤَذَّن مرة، ثم يُقَام لكل صلاة، وهذا قول أحمد، والشافعي، وأبي ثور، واستدلوا بحديث أبي قتادة الموجود في الباب، وبحديث ابن مسعود في «مسند أحمد» (١/ ٣٧٥)، وغيره، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يوم الخندق شغله وأصحابَه المشركون عن صلاة الظهر، والعصر، والمغرب، حتى خرج وقتها، قال: فصلاها النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فأمر بلالًا، فأذن، ثم أمره، فأقام، فصلَّى الظهر، ثم أمره، فأقام، فصلَّى العصر، ثم أمره، فأقام، فصلَّى المغرب. الحديث، ولكن في سنده انقطاع، أبو عبيدة يرويه عن أبيه ابن مسعود، ولم يسمع منه، ولكن قد جاء الحديث عن أبي سعيد، وسنده صحيح، وليس فيه ذكر الأذان، أخرجه النسائي (٢/ ١٧)، وغيره، وهو في «الصحيح المسند»، فالاعتماد على حديث أبي قتادة، وأبي سعيد. الثاني: يقيم للفائتة، أو الفوائت، ولا يؤذن، وهو قول مالك، والأوزاعي، وإسحاق، وهو قول للشافعي، ورواية عن أحمد، واستدلوا بحديث أبي سعيد

стр. 654

الذي أشرنا إليه قريبًا، ولكن يَرِدُ عليهم حديث أبي قتادة. الثالث: يؤذن لكل صلاة، ويقيم، وهو قول أبي حنيفة، واستدل بحديث أبي قتادة، وَيُرَدُّ عليه بحديث أبي سعيد؛ فإن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يؤذن لكل صلاة. والراجح -والله أعلم- هو القول الأول، والأذان للفائتة ليس بواجب؛ لأن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قضى الفوائت كما في حديث أبي سعيد بدون أذان. (١) مسألة [٢]: الأذان للمسافرين . • ذهب جمهور أهل العلم إلى مشروعيته للمسافر، وحكى ابن المنذر عن طائفة أنهم قالوا: ليس على المسافر أذان في جميع صلواته، بل يكتفي بالإقامة؛ إلا الفجر؛ فإنه يؤذن، ويقيم. قلتُ: وذهب طائفة من أهل العلم إلى الوجوب، وهو ظاهر تبويب ابن المنذر، فقد بَوَّبَ في كتابه «الأوسط»: [باب الأمر بالأذان والإقامة في السفر للصلوات كلها]، ثم استدل بحديث أبي قتادة الموجود في الباب، وبحديث مالك بن الحويرث، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمره وصاحبه بالأذان، والإقامة. وأخرجه مسلم برقم (٦٧٤) (٢٩٣). (٢) قال الإمام ابن عثيمين ﵀ في «الشرح الممتع» (٢/ ٣٩): وهما واجبان

стр. 655

على المقيمين والمسافرين، ودليله: أنَّ النبي ﷺ قال لمالك بن الحويرث وصحبِه: «إذا حضرت الصَّلاةُ فليؤذِّن لكم أحدُكُم»، وهم وافدون على الرَّسول ﵊، مسافرون إلى أهليهم، فقد أمر الرَّسول ﵊ أن يُؤذِّن لهم أحدُهم، ولأنَّ النبي ﷺ لم يَدَعِ الأذان ولا الإقامة حَضَراً، ولا سَفَراً، فكان يُؤذِّن في أسفاره، ويأمر بلالاً أن يُؤذِّنَ؛ فالصَّواب: وجوبُه على المقيمين والمسافرين. اهـ قلتُ: والقول بالوجوب هو رواية عن أحمد، كما في «الإنصاف» (١/ ٣٨٠)، وجزم به الشوكاني في «السيل الجرَّار» (١/ ١٩٧)، وصححه السعدي في «المختارات الجلية» (ص ٣٧)، واستظهره الشيخ محمد بن إبراهيم في «فتاواه» (٢/ ١١٤). وبالغ ابن حزم، فقال بشرطيته للصلاة، فإذا تركه أعاد الصلاة، كما في «المحلَّى» (٣١٥). والصحيح هو القول بالوجوب.

стр. 656

بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَةِ مسألة [١]: الأذان راكبًا في السفر . ثبت عن ابن عمر بإسناد صحيح أنه كان يؤذن على البعير، وينزل، فيقيم. أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٢١٣)، ومن طريقه ابن المنذر (٣/ ٤٩ - ٥٠). قال ابن المنذر ﵀ في «الأوسط» (٣/ ٥٠): سنَّ رسول الله ﷺ الأذان، فإذا أتى بالأذان؛ فقد أتى به، راكبًا أَذَّنَ أو نَازلًا، ولا نحفظ منع المؤذن أن يؤذن راكبًا عن أحد من أهل العلم.

стр. 657

١٨٠ - وَلَهُ عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَتَى المُزْدَلِفَةَ، فَصَلَّى بِهَا المَغْرِبَ وَالعِشَاءَ، بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ. (١) ١٨١ - وَلَهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: جَمَعَ بَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ. (٢) وَزَادَ أَبُو دَاوُد: لِكُلِّ صَلَاةٍ، (٣) وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: وَلَمْ يُنَادِ فِي وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا. (٤) المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث مسألة [١]: الأذان والإقامة للصلاتين المجموعتين . • في هذه المسألة أقوال عند أهل العلم: القول الأول: يؤذن أذان واحد، ويقام لكل صلاة، وهو قول أحمد في رواية، والشافعي في القديم. واستدلوا بحديث جابر بن عبد الله الذي في الباب، وبحديث ابن عمر أيضًا،

стр. 658

ورجَّحه ابن حزم، والطحاوي. القول الثاني: يكتفي بأذان وإقامة، ولا يقيم للثانية، وهو قول أبي حنيفة، وكأنه أخذ برواية ابن عمر التي تقدم أنها ليست بمحفوظة. القول الثالث: يكتفي بإقامتين من غير أذان، وهو قول الشافعي في الجديد، والثوري، ورواية عن أحمد. واستدلوا بحديث ابن عمر الذي في الباب، وبحديث أسامة بن زيد ﵄ في «الصحيحين» (١)، فقد ذكر الإقامة للصلاتين، ولم يذكر الأذان. القول الرابع: يجمع بينهما بأذانين وإقامتين، وهو قول مالك، والبخاري، وصحَّ عن ابن مسعود ﵁، كما في «صحيح البخاري» (١٦٧٥). القول الخامس: التخيير بين الصفات التي تقدمت، وهو المشهور عن أحمد. قال أبو عبد الله غفر الله له: الراجح هو القول الأول؛ لصحة دليله، وقوة مأخذه، ولا يصح القول بالتخيير؛ لأن حجة الوداع كانت مرة واحدة؛ فلابد من الترجيح، والله أعلم. (٢)

стр. 659

١٨٢ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ ﵃، قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ وَكَانَ رَجُلًا أَعْمَى لَا يُنَادِي، حَتَّى يُقَالَ لَهُ: أَصْبَحْت، أَصْبَحْت». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِي آخِرِهِ إدْرَاجٌ. (١) ١٨٣ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ بِلَالًا أَذَّنَ قَبْلَ الفَجْرِ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَرْجِعَ، فَيُنَادِيَ: أَلَا إنَّ العَبْدَ نَامَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَضَعَّفَهُ. (٢) المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين مسألة [١]: الأذان قبل دخول الوقت . قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٢/ ٦٢): الْأَذَانُ قَبْلَ الْوَقْتِ فِي غَيْرِ الْفَجْرِ لَا يُجْزِئُ، وَهَذَا لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، قال ابن المنذر ﵀: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ مِنْ السُّنَّةِ أَنْ يُؤَذَّنَ لِلصَّلَوَاتِ بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِهَا، إلَّا الْفَجْرَ، وَلِأَنَّ الأَذَانَ شُرِعَ لِلإِعْلَامِ بِالوَقْتِ؛ فَلَا يُشْرَعُ قَبْلَ الوَقْتِ؛ لِئَلَّا يَذْهَبَ مَقْصُودُهُ. اهـ

стр. 660

وأما الأذان قبل الفجر، فاختلف أهل العلم فيه: • فذهب جمهور العلماء إلى مشروعيته؛ لحديث ابن عمر، وعائشة الَّلذّيْنِ في الباب. • وخالف الثوري، وأبو حنيفة، ومحمد بن الحسن، فقالوا: بالمنع، واستدلوا بحديث ابن عمر ﵄ الذي في الباب: «ألا إنَّ العبد نام»، وتقدم أنه ضعيف. وقد استُدِلَّ لهم بحديث مالك بن الحويرث: «إذا حضرت الصلاة؛ فليؤذن لكم أحدكم». والجواب: أنَّ هذا الحديث على عمومه في جميع الصلوات، حتى الفجر، ولكن قد جاءت الأدلة بإثبات أذان آخر قبل أذان الفجر، كما في حديث ابن عمر، وعائشة، وكما في حديث ابن مسعود ﵃ في «الصحيحين» (١): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «لا يمنعن أحدًا منكم أذانُ بلال من سحوره؛ فإنه يؤذن بليل؛ ليوقظ نائمكم، ويرجع قائمكم». وهذا الأذان ليس للفجر، إنما هو للسبب المذكور في حديث ابن مسعود؛ ولهذا فإن طائفة من أهل العلم يقولون بعدم الاكتفاء بهذا الأذان الذي قبل الفجر، بل يوجبون أذانًا عند دخول الوقت، وهذا هو الثابت عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وممن ذهب إلى ذلك: أحمد في رواية، وابن خزيمة، وابن المنذر، وطائفة من أهل الحديث، وهو ترجيح ابن حزم، ثم الشيخ ابن عثيمين، وهو الراجح، خلافًا لما ذهب إليه

стр. 661

مالك، وأحمد، والشافعي، وأصحابهم، من أنَّ الأذان الذي قبل الفجر يكفي عن الأذان الآخر الذي عند دخول الوقت. وقد استدلوا بحديث زياد بن الحارث الصُّدَائي، قال: أمرني النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فأذنتُ للصبح، فجعلتُ أقول: أقيم يا رسول الله؟ فجعل ينظر إلى ناحية المشرق، فيقول: «لا»، حتى إذا طلع الفجر، نزل، فبرز، ثم انصرف إليَّ وقد تلاحق أصحابه، فتوضأ، فأراد بلال أن يقيم، فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنَّ أخا صُداء قد أذَّن، ومن أذن؛ فهو يقيم» (١)، قال: فأقمت. رواه أبو داود، والترمذي، وهذا الحديث الذي استدلوا به ضعيفٌ، فيه: عبدالرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي، وهو ضعيفٌ. (٢) مسألة [٢]: وقت الأذان الأول . • ذهب جمهور الشافعية، والحنابلة إلى أنَّ وقت الأذان الأول من بعد نصف الليل؛ لأنَّه بذلك يخرج وقت العشاء المختار. وقد ردَّ هذا القول ابن حزم في «المحلَّى» بكلام قوي، وحاصله، بأنَّ هذه دعوى مفتقرة إلى دليل. والصحيح ما ذهب إليه بعض الشافعية، وصححه جماعة، منهم: البيهقي،

стр. 662

وشيخ الإسلام ابن تيمية، والشوكاني، وغيرهم، من أنه يكون مُقاربًا لطلوع الفجر. واستدل هؤلاء بحديث عائشة في «الصحيحين» أنها ذكرت أذان بلال، وابن أم مكتوم، قالت: ولم يكن بينهما إلا أن ينزل هذا، ويرقى هذا. وقد قيل: إنه من قول القاسم بن محمد، ورجَّح الحافظ في «الفتح» (٦٢٢)، أنه من قول عائشة، واستدلوا أيضًا بحديث ابن مسعود الذي تقدم ذكره في المسألة السابقة. (١)

стр. 663

١٨٤ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إذَا سَمِعْتُمُ النِّدَاءَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ المُؤَذِّنُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١) ١٨٥ - وَلِلْبُخَارِيِّ عَنْ مُعَاوِيَةَ. (٢) ١٨٦ - وَلِمُسْلِمٍ عَنْ عُمَرَ، فِي فَضْلِ القَوْلِ كَمَا يَقُولُ المُؤَذِّنُ كَلِمَةً كَلِمَةً، سِوَى الحَيْعَلَتَيْنِ، فَيَقُولُ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاللهِ. (٣) المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث مسألة [١]: حكم القول مثل ما يقول المؤذن . • ذهب أهل الظاهر، والحنفية، وابن وهب، إلى وجوب إجابة المؤذن، واستدلوا بحديث أبي سعيد الذي في الباب. • بينما ذهب الجمهور من أهل العلم إلى الاستحباب، واستدلوا بما أخرجه مسلم (٣٨٢)، وغيره: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- سمع مؤذِّنًا، فلما كبَّرَ قال: «على الفطرة»،

стр. 664

فلما تشهد قال: «خرج من النار»، قالوا: فلما قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- غير ما قال المؤذن، عُلِمَ أنَّ الأمر بذلك للاستحباب. واستدلوا على ذلك بحديث سعد بن أبي وقاص ﵁ عند مسلم (٣٨٦): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «من قال حين يسمع النداء: وأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، رضيت بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًّا؛ غُفِر له ذنبه». وهذا الذكر لو قاله الإنسان؛ شُغِل عن القول بمثل ما يقول المؤذن. واستدل الإمام الألباني ﵀ على أنَّ الأمر ليس للوجوب بما صحَّ في «موطإ مالك» (١/ ١٠٣) عن ثعلبة بن أبي مالك القرظي: أنهم كانوا في زمان عمر ﵁ يصلون يوم الجمعة حتى يخرج عمر، فإذا خرج عمر، وجلس على المنبر، وأذَّن المؤذن جلسنا نتحدث، فإذا سكت المؤذن وقام عمر يخطب أنصتنا، فلم يتكلم منا أحد. قال الإمام الألباني ﵀ في «تمام المنة»: في هذا الأثر دليل على عدم وجوب إجابة المؤذن؛ لجريان العمل في عهد عمر على التحدث في أثناء الأذان، وسكوت عمر عليه. اهـ وهذا ترجيح الإمام ابن باز كما في «مجموع فتاواه» (١٠/ ٣٥٧)، والإمام العثيمين كما في «مجموع فتاواه» (١٢/ ١٩٦). وهذا القول هو الراجح، والله أعلم. (١)

стр. 665

مسألة [٢]: هل يقال مثله في الحيعلتين ؟ قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى-: ظاهر قوله «مثل» أنه يقول مثله في جميع الكلمات، لكن حديث عمر، وحديث معاوية يدلان على أنه يستثنى من ذلك: (حيَّ على الصلاة)، و (حيَّ على الفلاح)، فيقول بدلهما: لا حول ولا قوة إلا بالله، كذلك استدل به ابن خزيمة، وهو المشهور عند الجمهور. • وقد ذهب بعض الحنابلة إلى أنه يجزئه أن يقول مثل المؤذن، وأن يقول: (لا حول ولا قوة إلا بالله)، ومال إليه ابن المنذر، واختاره الشوكاني في «الدراري». والراجح هو قول الجمهور؛ لأنَّ حديث أبي سعيد مُبَيَّنٌ بحديث عمر بن الخطاب، وهو ترجيح ابن القيم، والصنعاني، ثم الإمام ابن باز، والعثيمين. (١) مسألة [٣]: هل يُتابع المؤذن بالتثويب ؟ جاء عن بعض أهل العلم أنهم قالوا: يقول: (صدقت، وبررت). قال الصنعاني ﵀: هذا استحسان من قائله، وإلا فليس فيه سنة تُعتمد. اهـ قال العبيكان في كتابه «غاية المرام» (٣/ ١٦٥ - ١٦٦): وقال الشيخ عبدالرحمن بن حسن: والأظهر أنه يقول في التثويب كما يقول المؤذن. اهـ، واختاره الشيخ محمد بن إبراهيم. اهـ

стр. 666

قلتُ: وبذلك أفتى الإمام العثيمين ﵀ كما في «مجموع فتاواه» (١٢/ ١٩٥)؛ لعموم حديث أبي سعيد الذي في الباب. ويظهر لي أنه يسكت، ولا يقول شيئًا، كما أن المؤذن لو قال: الصلاة في الرحال. كذلك يسكت، ولا يقول شيئًا؛ فإن الألفاظ المذكورة ليست من ألفاظ الذكر، وإذا تأملنا ألفاظ الأذان التي أمرنا بمتابعة المؤذن فيها نجدها كلها من الذكر، ولما كان لفظ: (حي على الصلاة)، و (حي على الفلاح) ليسا من الذكر؛ أمرنا الشرع أن نقول مكانها: (لا حول ولا قوة إلا بالله). مسألة [٤]: هل يُتابع المؤذن في الإقامة ؟ • استحب طائفة من أهل العلم من الشافعية، والحنابلة، وغيرهم، متابعة المؤذن في الإقامة، واستدلوا على ذلك بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «بين كل أذانين صلاة»، فقالوا: الإقامة يُطلق عليها أذان. وبهذا أفتى الإمام ابن باز ﵀. • وقال بعضهم: أما قوله: (قد قامت الصلاة)، فيقول بدلها: (أقامها الله، وأدامها)، واستدلوا على ذلك بحديث عند أبي داود (٥٢٨)، من حديث أبي أمامة ﵁، وفي إسناده رجلٌ مجهولٌ، وشهر بن حوشب. قال أبو عبد الله غفر الله له: هذا الذي ذهبوا إليه لا أعلم عليه دليلًا صحيحًا، صريحًا، والأدلة التي جاءت في إجابة المؤذن، الظاهر منها أنه أراد الأذان، وهو ظاهرٌ في حديث عمر بن الخطاب ﵁ أكثر من غيره؛ فالظاهر أنه لا يستحب

стр. 667

الإجابة في الإقامة، وبهذا كان يفتي شيخنا مقبل الوادعي ﵀. قال الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ كما في «فتاواه» (٢/ ١٣٦): وعدم الاستحباب أولى. وقال الإمام العثيمين ﵀ كما في «مجموع فتاواه» (١٢/ ٢٠١): والراجح أنه لا يتابع. يعني في الإقامة. قال الشيخ يحيى حفظه الله في «أحكام الجمعة» (ص ٢٧٨): والترديد إنما يكون عند ألفاظ الأذان. (١) مسألة [٥]: هل يُتابع المؤذن نفسه بصوت منخفض ؟ قال الشيخ العبيكان في كتابه «غاية المرام» (٣/ ١٦١): صرَّح باستحبابه جماعة، وظاهر كلام آخرين: لا يجيب نفسه، قال ابن رجب في القاعدة السبعين: الأرجح أنه لا يجيب نفسه. واختاره الشيخ عبد الرحمن السعدي، وقال: الصحيح أنَّ ذلك لا يُستحب، بل يكفيه الإتيان بِجُمَل الأذان، والإقامة، وترغيب النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في إجابة المؤذن إنما ينصرف إلى السامعين، لا إلى المؤذنين، كما هو المفهوم من السياق. اهـ، واختاره الشيخ محمد بن إبراهيم. انتهى كلام العبيكان. وقال الشيخ يحيى حفظه الله في «أحكام الجمعة وبدعها»: والترديد إنما يكون عند ألفاظ الأذان، فإذا أذن، ثم ردد، يكون قد أتى بألفاظ الأذان متكررة،

стр. 668

وهذه بدعة منكرة، وسواء ردد بعد الفراغ، أو أثناء الأذان، كله بدعة. اهـ قال أبو عبدالله غفرالله له: ليس عندي شكٌّ أنَّ هذا من البدع، والله المستعان. مسألة [٦]: هل يتابع المسلمُ المؤذنَ وهو في صلاته ؟ قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ٧٢): إذا سمع المؤذن يؤذن، وهو في صلاة؛ فإنه يتمها، ولا يقول مثل ما يقول، عند جمهور العلماء. اهـ قلتُ: وقد جاء عن بعض الحنابلة استحباب ذلك، واختاره شيخ الإسلام كما في «الاختيارات الفقهية» (ص ٣٩)، ورجَّحَه الشيخ عبد الرحمن السعدي. والراجح -والله أعلم- هو قول الجمهور؛ لحديث ابن مسعود ﵁ في «الصحيحين» (١)، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «إنَّ في الصلاة لشُغلًا». وهو ترجيح الشوكاني في «النيل»، والشيخ ابن عثيمين. (٢) مسألة [٧]: إذا شُغِل عن الأذان لعذر مع كونه سمعه ؟ الظاهر أنَّ له أن يتابع المؤذن حتى ولو سبقه، فيبدأ بالكلمات التي سبقه بها، ثم يتم معه، وبهذا أفتى النووي -رحمه الله تعالى-. (٣)

стр. 669

مسألة [٨]: إذا سمع مؤذنا آخر يؤذن ؟ قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «الاختيارات» (ص ٣٩): ويجيب مؤذنا ثانيًا، وأكثر حيث يُستحب ذلك كما كان المؤذنان يؤذنان على عهد النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. وقال العز بن عبد السلام ﵀ كما في «الفتح» (٦١١): يجيب كل واحد بإجابة لتعدد السبب، وإجابة الأول أفضل. اهـ قلتُ: وبهذا أفتى الإمام العثيمين ﵀ كما في «مجموع فتاواه» (١٢/ ١٩٦ - ١٩٧).

стр. 670

١٨٧ - وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي العَاصِ ﵁، أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ اجْعَلْنِي إمَامَ قَوْمِي، فَقَالَ: «أَنْتَ إمَامُهُمْ، وَاقْتَدِ بِأَضْعَفِهِمْ، وَاتَّخِذْ مُؤَذِّنًا لَا يَأْخُذُ عَلَى أَذَانِهِ أَجْرًا». أَخْرَجَهُ الخَمْسَةُ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: حكم أخذ الأجرة على التأذين . • ذهب الإمام أحمد، والأوزاعي، وأبو حنيفة، وابن المنذر إلى تحريم ذلك. واستدلوا بحديث عثمان بن أبي العاص المتقدم، ولأنه عبادة، وقُربة إلى الله؛ فلا يجوز أخذ الأجرة عليها، قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٥ - ١٦]. ولأنَّ أذانه ليس بصحيح؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا؛ فهو رد». • ورخَّص في أخذ الأجرة: مالك، وبعض الشافعية، وهو رواية عن أحمد، قالوا: لأنه عمل معلوم يجوز أخذ الرزق عليه، فجاز أخذ الأجرة عليه.
следующие страницы →