قلتُ: وبذلك أفتى الإمام العثيمين ﵀ كما في «مجموع فتاواه» (١٢/ ١٩٥)؛ لعموم حديث أبي سعيد الذي في الباب. ويظهر لي أنه يسكت، ولا يقول شيئًا، كما أن المؤذن لو قال: الصلاة في الرحال. كذلك يسكت، ولا يقول شيئًا؛ فإن الألفاظ المذكورة ليست من ألفاظ الذكر، وإذا تأملنا ألفاظ الأذان التي أمرنا بمتابعة المؤذن فيها نجدها كلها من الذكر، ولما كان لفظ: (حي على الصلاة)، و (حي على الفلاح) ليسا من الذكر؛ أمرنا الشرع أن نقول مكانها: (لا حول ولا قوة إلا بالله).
مسألة [٤]: هل يُتابع المؤذن في الإقامة ؟
• استحب طائفة من أهل العلم من الشافعية، والحنابلة، وغيرهم، متابعة المؤذن في الإقامة، واستدلوا على ذلك بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «بين كل أذانين صلاة»، فقالوا: الإقامة يُطلق عليها أذان. وبهذا أفتى الإمام ابن باز ﵀.
• وقال بعضهم: أما قوله: (قد قامت الصلاة)، فيقول بدلها: (أقامها الله، وأدامها)، واستدلوا على ذلك بحديث عند أبي داود (٥٢٨)، من حديث أبي أمامة ﵁، وفي إسناده رجلٌ مجهولٌ، وشهر بن حوشب.
قال أبو عبد الله غفر الله له: هذا الذي ذهبوا إليه لا أعلم عليه دليلًا صحيحًا، صريحًا، والأدلة التي جاءت في إجابة المؤذن، الظاهر منها أنه أراد الأذان، وهو ظاهرٌ في حديث عمر بن الخطاب ﵁ أكثر من غيره؛ فالظاهر أنه لا يستحب
стр. 667
الإجابة في الإقامة، وبهذا كان يفتي شيخنا مقبل الوادعي ﵀.
قال الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ كما في «فتاواه» (٢/ ١٣٦): وعدم الاستحباب أولى.
وقال الإمام العثيمين ﵀ كما في «مجموع فتاواه» (١٢/ ٢٠١): والراجح أنه لا يتابع. يعني في الإقامة.
قال الشيخ يحيى حفظه الله في «أحكام الجمعة» (ص ٢٧٨): والترديد إنما يكون عند ألفاظ الأذان. (١)
مسألة [٥]: هل يُتابع المؤذن نفسه بصوت منخفض ؟
قال الشيخ العبيكان في كتابه «غاية المرام» (٣/ ١٦١): صرَّح باستحبابه جماعة، وظاهر كلام آخرين: لا يجيب نفسه، قال ابن رجب في القاعدة السبعين: الأرجح أنه لا يجيب نفسه. واختاره الشيخ عبد الرحمن السعدي، وقال: الصحيح أنَّ ذلك لا يُستحب، بل يكفيه الإتيان بِجُمَل الأذان، والإقامة، وترغيب النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في إجابة المؤذن إنما ينصرف إلى السامعين، لا إلى المؤذنين، كما هو المفهوم من السياق. اهـ، واختاره الشيخ محمد بن إبراهيم. انتهى كلام العبيكان.
وقال الشيخ يحيى حفظه الله في «أحكام الجمعة وبدعها»: والترديد إنما يكون عند ألفاظ الأذان، فإذا أذن، ثم ردد، يكون قد أتى بألفاظ الأذان متكررة،
стр. 668
وهذه بدعة منكرة، وسواء ردد بعد الفراغ، أو أثناء الأذان، كله بدعة. اهـ
قال أبو عبدالله غفرالله له: ليس عندي شكٌّ أنَّ هذا من البدع، والله المستعان.
مسألة [٦]: هل يتابع المسلمُ المؤذنَ وهو في صلاته ؟
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ٧٢): إذا سمع المؤذن يؤذن، وهو في صلاة؛ فإنه يتمها، ولا يقول مثل ما يقول، عند جمهور العلماء. اهـ
قلتُ: وقد جاء عن بعض الحنابلة استحباب ذلك، واختاره شيخ الإسلام كما في «الاختيارات الفقهية» (ص ٣٩)، ورجَّحَه الشيخ عبد الرحمن السعدي.
والراجح -والله أعلم- هو قول الجمهور؛ لحديث ابن مسعود ﵁ في «الصحيحين» (١)، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «إنَّ في الصلاة لشُغلًا».
وهو ترجيح الشوكاني في «النيل»، والشيخ ابن عثيمين. (٢)
مسألة [٧]: إذا شُغِل عن الأذان لعذر مع كونه سمعه ؟
الظاهر أنَّ له أن يتابع المؤذن حتى ولو سبقه، فيبدأ بالكلمات التي سبقه بها، ثم يتم معه، وبهذا أفتى النووي -رحمه الله تعالى-. (٣)
стр. 669
مسألة [٨]: إذا سمع مؤذنا آخر يؤذن ؟
قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «الاختيارات» (ص ٣٩): ويجيب مؤذنا ثانيًا، وأكثر حيث يُستحب ذلك كما كان المؤذنان يؤذنان على عهد النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.
وقال العز بن عبد السلام ﵀ كما في «الفتح» (٦١١): يجيب كل واحد بإجابة لتعدد السبب، وإجابة الأول أفضل. اهـ
قلتُ: وبهذا أفتى الإمام العثيمين ﵀ كما في «مجموع فتاواه» (١٢/ ١٩٦ - ١٩٧).
стр. 670
١٨٧ - وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي العَاصِ ﵁، أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ اجْعَلْنِي إمَامَ قَوْمِي، فَقَالَ: «أَنْتَ إمَامُهُمْ، وَاقْتَدِ بِأَضْعَفِهِمْ، وَاتَّخِذْ مُؤَذِّنًا لَا يَأْخُذُ عَلَى أَذَانِهِ أَجْرًا». أَخْرَجَهُ الخَمْسَةُ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: حكم أخذ الأجرة على التأذين .
• ذهب الإمام أحمد، والأوزاعي، وأبو حنيفة، وابن المنذر إلى تحريم ذلك.
واستدلوا بحديث عثمان بن أبي العاص المتقدم، ولأنه عبادة، وقُربة إلى الله؛ فلا يجوز أخذ الأجرة عليها، قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٥ - ١٦].
ولأنَّ أذانه ليس بصحيح؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا؛ فهو رد».
• ورخَّص في أخذ الأجرة: مالك، وبعض الشافعية، وهو رواية عن أحمد، قالوا: لأنه عمل معلوم يجوز أخذ الرزق عليه، فجاز أخذ الأجرة عليه.
стр. 671
والراجح هو القول الأول، وهو ترجيح ابن حزم، والشيخ ابن عثيمين رحمهما الله. (١)
مسألة [٢]: أخذ الرزق على الأذان .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٢/ ٧٠): وَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي جَوَازِ أَخْذِ الرِّزْقِ عَلَيْهِ، وَهَذَا قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ بِالْمُسْلِمِينَ حَاجَةً إلَيْهِ، وَقَدْ لَا يُوجَدُ مُتَطَوِّعٌ بِهِ، وَإِذَا لَمْ يُدْفَعْ الرِّزْقُ فِيهِ يُعَطَّلُ، وَيَرْزُقُهُ الْإِمَامُ مِنْ الْفَيْءِ؛ لِأَنَّهُ الْمُعَدُّ لِلْمَصَالِحِ، فَهُوَ كَأَرْزَاقِ الْقُضَاةِ وَالْغُزَاةِ، وَإِنْ وُجِدَ مُتَطَوِّعٌ بِهِ لَمْ يَرْزُقْ غَيْرَهُ؛ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ. اهـ
стр. 672
١٨٨ - وَعَنْ مَالِكِ بْنِ الحُوَيْرِثِ ﵁ قَالَ: قَالَ لَنَا النَّبِيُّ ﷺ : «إذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمُ» الحَدِيثَ. أَخْرَجَهُ السَّبْعَةُ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: أذان الفاسق .
• ذهب الشافعي، وأصحابه، وهو وجهٌ عند الحنابلة إلى أنَّ أذانه يجزئ، ورجَّح ذلك ابن حزم، واستدل لذلك بحديث الباب: «ليؤذن لكم أحدكم»، قال: والفاسق أحدنا بلا شك؛ لأنه مسلمٌ، قال: ولا شك في اختيار العدل. وهذا ترجيح الإمام ابن باز، والإمام العثيمين.
• وذهب جمعٌ من الحنابلة إلى أنه لا يجزئ، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، والشوكاني في «السيل»، واستدلوا على ذلك بحديث: «الإمام ضامنٌ، والمؤذنُ مؤتمن».
قال أبو عبد الله غفر الله له: الراجح القول الأول، وهو الإجزاء، ولكن ينبغي أن لا يجعل على الأذان رجلٌ فاسقٌ؛ للحديث المذكور، ولقوله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦]، والله أعلم. (٢)
стр. 673
مسألة [٢]: أذان الصبي .
• نقل ابن المنذر ﵀ في «الأوسط» (٣/ ٤٠) عن طائفة كثيرة من أهل العلم الترخيص في أذان الصبي، ونقل الكراهة عن مالك، والثوري، وكِلَا القولين رواية عن أحمد.
قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «الاختيارات» (ص ٣٧): اختلف الأصحاب في تحقيق موضع الخلاف، منهم من يقول: موضع الخلاف سقوط الفرض به، والسنة المؤكدة إذا لم يوجد سواه، وأما صحة أذانه في الجملة، وكونه جائزًا إذا أذن غيره؛ فلا خلاف في جوازه. ومنهم من أطلق الخلاف؛ لأن أحمد قال: لا بأس أن يؤذن الغلام قبل أن يحتلم إذا كان قد راهق. وقال في رواية علي بن سعيد وقد سئل عن الغلام يؤذن قبل أن يحتلم، فلم يعجبه: والأشبه أن الأذان الذي يسقط الفرض عن أهل القرية، ويعتمد في وقت الصلاة والصيام، لا يجوز أن يباشره صبي قولًا واحدًا، ولا يسقط الفرض، ولا يعتد به في مواقيت العبادات، وأما الأذان الذي يكون سنة مؤكدة في مثل المساجد التي في المصر، ونحو ذلك؛ فهذا فيه الروايتان، والصحيح جوازه. اهـ
قلتُ: و هذا الذي رجَّحه شيخ الإسلام هو ظاهر ترجيح ابن حزم أيضًا، فقد قال في «المحلَّى» (٣٢٣): فإذا أذن البالغ، لم يمنع من لم يبلغ من الأذان بعده. وقال أيضًا: وإذا تأدى الفرض؛ فالأذان فعلُ خيرٍ، لا يمنع الصبيان منه؛ لأنه ذكر لله تعالى، وتطوعٌ، وبِرٌّ. اهـ
стр. 674
مسألة [٣]: أذان العبد .
قال ابن المنذر ﵀ في «الأوسط» (٣/ ٤٢): فإذا أذن عبدٌ، أو مكاتب، أو مُدَبَّر، أجزأ في قول الشافعي، وإسحاق، والنعمان، ويعقوب، ومحمد، وكل من نحفظ عنهم من أهل العلم. اهـ
قلتُ: صحَّ عن عمر ﵁ عند ابن المنذر (٣/ ٤١)، أنه قال لجلسائه: مَنْ مؤذِنُكُم؟ قالوا: عبيدنا، وموالينا. قال: إنَّ ذلك لنقصًا كثيرًا.
وهذا الأثر محمول على ذَمِّهِم؛ لانشغالهم عن هذه الفضيلة، وجعلها على العبيد، والموالي، لا لأنهم جعلوها على العبيد والموالي فحسب، والله أعلم.
مسألة [٤]: الأذان والإقامة لمن صلَّى في بيته .
• في هذه المسألة أقوال:
الأول: يجزئه أذان المصر، وإقامته، وهو قول مجاهد، والشعبي، والنخعي، وعكرمة، وأحمد، وأصحاب الرأي، وإنْ أذَّنَ، وأقام؛ فحسنٌ.
الثاني: تجزئه الإقامة، وهو قول مالك، وقال الحسن، وابن سيرين: إنْ شاء أقام.
الثالث: تجزئ الإقامة إلا في الفجر؛ فإنه يؤذن، ويقيم، وهذا قول ابن سيرين، والنخعي.
الرابع: أنَّ من صلَّى بغير أذان، ولا إقامة يعيد الصلاة، ويجزيه الإقامة. وهو
стр. 675
قول عطاء.
قال ابن المنذر ﵀: أحبُّ إليَّ أن يؤذن، ويقيم إذا صلَّى وحده، ويجزيه إنْ أقام، وإنْ لم يؤذن، ولو صلَّى بغير أذان ولا إقامة لم يجب عليه الإعادة. انتهى.
قال النووي ﵀ في «شرح مسلم» (٥٣٤): وذهب جمهور السلف والخلف إلى أنَّ الإقامة سنة في حقه، ولا يكفيه إقامة الجماعة، واختلفوا في الأذان. انتهى المراد.
قلتُ: والذي استحبَّهُ ابن المنذر هو الذي نختاره؛ لحديث مالك بن الحويرث الذي في الباب. (١)
مسألة [٥]: الأذان، والإقامة لمن صلَّى في مسجدٍ قد صلَّى فيه أهله .
• ذهب أحمد، والشافعي في قولٍ، وهو قول الزهري، و سعيد بن المسيب، وقتادة، إلى مشروعية الأذان، والإقامة لمن صلَّى في مسجد قد صلَّى فيه أهله، وصحَّ ذلك عن أنس عند ابن أبي شيبة (١/ ٢٢١)، وابن المنذر (٣/ ٦١).
• وقالت طائفة: يقيم. رُوِيَ هذا القول عن طاوس، وعطاء، ومجاهد، وبه قال مالك، والأوزاعي.
• وقالت طائفة: ليس عليه أن يؤذن، ولا يقيم، هكذا قال الحسن، ورُوِيَ عن الشعبي، وعكرمة، وقال به النعمان، وأصحابه، والثوري، وإسحاق، وأحمد
стр. 676
في رواية.
• وروي عن طائفة من السلف كراهة إعادتهما، منهم: عبدالرحمن بن أبي ليلى وغيره، وحكي أيضًا عن أبي يوسف، ومحمد.
قال ابن المنذر ﵀: يؤذن، ويقيم أحبُّ إليَّ، وإنْ اقتصر على أذان أهل المسجد، فصلى؛ فلا إعادة عليه، ولا أحبُّ أن يفوته فضلُ الأذانِ. اهـ
قلتُ: الراجح القول الأول، وهو الذي استحبَّه ابن المنذر، ونستَحِبُّه نحنُ أيضًا. (١)
стр. 677
١٨٩ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لِبِلَالٍ: «إذَا أَذَّنْت فَتَرَسَّلْ، وَإِذَا أَقَمْت فَاحْدُرْ وَاجْعَلْ بَيْنَ أَذَانِك وَإِقَامَتِك قَدْرَ مَا يَفْرُغُ الآكِلُ مِنْ أَكْلِهِ» الحَدِيثَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَضَعَّفَهُ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: صفة التأذين، والإقامة .
قال ابن المنذر ﵀ في «الأوسط» (٣/ ٥١): هذا على مذهب الثوري، والشافعي، وإسحاق، وأبي ثور، والنعمان، وصاحبيه، وكذلك نقول -يعني بما دل عليه حديث جابر- وكيف ما جاء بالأذان، والإقامة أجزأ. اهـ
مسألة [٢]: الفصل بين الأذان والإقامة .
استحب أهل العلم للمؤذن أن يفصل بين الأذان، والإقامة.
ويدل عليه حديث جابر بن سمرة في «صحيح مسلم» (٢): «كان بلال يؤذن إذا دحضت الشمس، ثم لا يقيم حتى يرى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فإذا دخل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أقام الصلاة حين يراه».
стр. 678
واختلف أهل العلم في صلاة المغرب:
• فذهب الشافعي، وأبو حنيفة، إلى أنه لا يتنفل قبل المغرب، ولا يفصل بين الأذان، والإقامة.
والراجح ما ذهب إليه أحمد من استحباب السنة قبل المغرب بدليل حديث أنس في «الصحيحين» (١)، أنَّ المؤذن كان إذا أذَّن المغرب قام الصحابة، فابتدروا السواري يصلون.
ولحديث عبد الله بن مغفل في «صحيح البخاري» (١١٨٣): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «صلُّوا قبل المغرب»، قالها ثلاثًا، وقال في الثالثة: «لمن شاء». (٢)
стр. 679
١٩٠ - وَلَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا يُؤَذِّنُ إلَّا مُتَوَضِّئٌ». وَضَعَّفَهُ أَيْضًا. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: الأذان على طهارة .
• ذهب عطاء، ومجاهد، والأوزاعي، إلى أنه لا يؤذن إلا متوضئ، واستدل لهم بحديث الباب.
• وذهب جمهور أهل العلم إلى ترخيص الأذان بغير طهارة، قالوا: والأفضل أن يكون على طهارة؛ لحديث المهاجر بن قنفذ، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، قال: «إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهارة». (٢)
واختلفوا في أذان الجُنُب:
• فذهب إسحاق، وأحمد في رواية إلى أنه لا يجزئ.
• وذهب الجمهور إلى إجزائه، وهو الصحيح؛ لعدم وجود دليل يمنع ذلك، وقد كان النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يذكر الله على كل أحيانه، كما في «صحيح مسلم» (٣) من حديث عائشة ﵂. (٤)
стр. 680
١٩١ - وَلَهُ عَنْ زِيَادِ بْنِ الحَارِثِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «وَمَنْ أَذَّنَ فَهُوَ يُقِيمُ». وَضَعَّفَهُ أَيْضًا. (١)
١٩٢ - وَلِأَبِي دَاوُد مِنْ حَدِيثِ عَبْدِاللهِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ قَالَ: أَنَا رَأَيْته يَعْنِي الأَذَانَ وَأَنَا كُنْت أُرِيدُهُ، قَالَ: «فَأَقِمْ أَنْتَ»، وَفِيهِ ضَعْفٌ أَيْضًا. (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين
مسألة [١]: من الذي يتولى الإقامة ؟
• ذهبت طائفة من أهل العلم إلى أنه يُستحب أن يتولى الإقامة من تولى الأذان، وهذا مذهب الشافعي، وأحمد، واستدلوا بحديث زياد بن الحارث المتقدم.
• وقال مالك، وأبو حنيفة: لا فرق بينه، وبين غيره، واستدلوا بحديث عبد الله ابن زيد المتقدم في الباب.
والراجح القول الأول؛ لأنَّ هذا هو صنيع المؤذنين -منهم: بلال- على عهد النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. (٣)
стр. 681
١٩٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «المُؤَذِّنُ أَمْلَكُ بِالأَذَانِ، وَالإِمَامُ أَمْلَكُ بِالإِقَامَةِ».رَوَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ وَضَعَّفَهُ. (١)
١٩٤ - وَلِلْبَيْهَقِيِّ نَحْوُهُ عَنْ عَلِيٍّ مِنْ قَوْلِهِ. (٢)
الحكم المستفاد من الحديث
استدل أهل العلم بهذا الحديث، وبأثر علي على أنَّ المؤذنَ أملك بالأذان، أي: أن وقت ابتداء الأذان إليه؛ لأنه هو الأمين على الوقت، والموكول بارتقابه، وعلى أنَّ الإمام أملك بالإقامة، فلا يقيم المؤذن إلا بعد إشارة الإمام بذلك.
وحديث الباب -وإن كان ضعيفًا- لكن يغني عنه حديث ابن عباس، وعائشة في «الصحيحين» (٣): أنَّ بلالًا كان يأتي النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قبل صلاة الفجر، وهو مضطجعٌ
стр. 682
على شِقِّهِ الأيمن، فيؤذنه بالصلاة، ثم يقيم.
وكذلك حديث جابر بن سمرة في «صحيح مسلم» (١): أنَّ بلالًا كان لا يقيم حتى يخرج النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. (٢)
١٩٥ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا يُرَدُّ الدُّعَاءُ بَيْنَ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ». رَوَاهُ النَّسَائِيّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ. (٣)
الحكم المستفاد من الحديث
في هذا الحديث دلالة على أنَّ الوقت بين الأذان، والإقامة من أوقات الإجابة.
فينبغي لكل مسلم أن يحرص على هذه الأوقات، ويسأل الله العظيم من فضله، وإذا كان في صلاة؛ فَلْيَدْعُ في سجوده، فقد قال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجدٌ، فأكثروا من الدعاء فيه»، أخرجه مسلم (٤٨٢) عن أبي هريرة ﵁؛ فيجتمع في ذلك سببان من أسباب الإجابة، والله المستعان.
стр. 683
١٩٦ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: اللهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ، وَالصَّلَاةِ القَائِمَةِ، آتِ مُحَمَّدًا الوَسِيلَةَ وَالفَضِيلَةَ وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ، حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ» (١). أَخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ. (٢)
قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من قال حين يسمع النداء».
ظاهره أنه يقول ذلك في حال سماع النداء، ولكن بيَّن حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ في «صحيح مسلم» (٣٨٤): أنَّ ذلك بعد النداء؛ ففيه: «إِذَا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذِّنَ، فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ، ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ؛ فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا، ثُمَّ سَلُوا اللهَ لِي الْوَسِيلَةَ؛ فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ الله، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ، فَمَنْ سَأَلَ لِي الْوَسِيلَةَ؛ حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ».
قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «اللهم رب هذه الدعوة التامة».
قال الحافظ ابن حجر ﵀: والمراد بها دعوة التوحيد، كقوله تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ [الرعد:١٤]، وقيل لدعوة التوحيد: تامة؛ لأن الشركة نقصٌ.
وقال الحافظ ابن رجب ﵀: المراد بالدعوة التامة: دعوة الأذان؛ فإنها
стр. 684
دعاء إلى أشرف العبادات، والقيام في مقام القُرب، والمناجاة؛ فلذلك كانت دعوة تامة، أي: كاملة لا نقص فيها، بخلاف ما كانت دعوات أهل الجاهلية. اهـ
قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «والصلاة القائمة».
قال الحافظ ابن رجب ﵀: أي: التي ستقوم، وتحضر.
فائدة: قال الحافظ ابن رجب ﵀ في «فتح الباري» (٣/ ٤٦٧): وإذا قيل: كيف جعل هذه الدعوة مربوبة، مع أن فيها كلمة التوحيد، وهي من القرآن، والقرآن غير مربوب، ولا مخلوق؟ أجيب عن هذا بوجوه:
منها: أن المربوب هو الدعوة إلى الصلاة خاصة، وهو قوله: (حَيَّ على الصلاة، حَيَّ على الفلاح)، وليس ذلك في القرآن، ولم يرد به التكبير والتهليل، وفيه بعد.
ومنها: أن المربوب هو ثوابها، وفيه ضعف.
ومنها: أن هذه الكلمات من التهليل، والتكبير هي من القرآن بوجه، وليست منه بوجه، كما قال ﷺ : «أفضل الكلام بعد القرآن أربع، وَهُنَّ من القرآن: سبحان الله والحمد الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر» (١)، فهي من القرآن إذا وقعت في أثناء القرآن، وليست منه إذا وقعت في كلام خارج عنه؛ فيصح أنْ تكون الكلمات الواقعة من ذلك في ضمن ذلك مربوبة. انتهى المراد.
стр. 685
قوله: «حلَّت له شفاعتي».
قال ابن رجب ﵀ (٣/ ٤٧٠): وليس المراد بهذه الشفاعة الشفاعة في فصل القضاء؛ فإن تلك عامة لكل أحد، ولا الشفاعة في الخروج من النار، ولابد؛ فإنه قد يقول ذلك من لا يدخل النار، وإنما المراد والله أعلم: أنه يصير في عناية رسول الله ﷺ ، بحيث تتحتم له شفاعته؛ فان كان ممن يدخل النار بذنوبه شفع له في إخراجه منها، أو في منعه من دخولها، وإن لم يكن من أهل النار؛ فيشفع له في دخوله الجنة بغير حساب، أو في رفع درجته في الجنة. اهـ
стр. 686
فَصْلٌ فِي بَعْضِ المَسَائِلِ الأُخْرَى الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالأَذَانِ
مسألة [١]: رفع الصوت في الأذان .
قال العبيكان في كتابه «غاية المرام» (٣/ ١٣٥): ورفع الصوت بالأذان ركنٌ؛ ليحصل السماع، ما لم يؤذن لحاضر، فبقدر ما يسمعه، قال في «الإنصاف»: ويستحب رفع الصوت قدر طاقته؛ لأنه أبلغ في الإعلام. انتهى.
قلتُ: ويدل على ذلك حديث أبي سعيد في «صحيح البخاري» (٦٠٩): أنه قال لابن أبي صعصعة: «أراك رجلًا تُحِبُّ الغنم، والبادية، فإذا كنت في غنمك، أو باديتك، فارفع صوتك في التأذين؛ فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جِنٌّ ولا إنس ولا شيء؛ إلا شهد له يوم القيامة».
مسألة [٢]: الرِّدَّةُ تُبطل الأذان .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٢/ ٨٤): وَالرِّدَّةُ تُبْطِلُ الْأَذَانَ إنْ وُجِدَتْ فِي أَثْنَائِهِ؛ فَإِنْ وُجِدَتْ بَعْدَهُ، فَقَالَ الْقَاضِي: قِيَاسُ قَوْلِهِ فِي الطَّهَارَةِ أَنْ تُبْطِلَ أَيْضًا، وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا لَا تُبْطِلُ؛ لِأَنَّهَا وُجِدَتْ بَعْدَ فَرَاغِهِ، وَانْقِضَاءِ حُكْمِهِ، بِحَيْثُ لَا يُبْطِلُهُ شَيْءٌ مِنْ مُبْطِلَاتِهِ، فَأَشْبَهَ سَائِرَ الْعِبَادَاتِ إذَا وُجِدَتْ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهَا. اهـ
стр. 687
مسألة [٣]: هل يجوز للرجل أن يؤذن ويبني على أذان غيره ؟
• ذهب الشافعي، وهو مذهب الحنابلة إلى أنه لا يبني، وإذا لم يستطع المؤذن الأول إكمال أذانه؛ فإنه يستأنف الأذان من أوله.
• وذهب أبو ثور، وأصحاب الرأي إلى جواز البناء.
قلتُ: وهذا القول هو الصحيح؛ لأنَّ عبادة الأذان لا ينبني صحة آخرها على صحة أولها، وليست عبادة مرتبطة بعضها ببعض، ولكن يُشترط أن لا يطول الفصل، والله أعلم. (١)
مسألة [٤]: لا يصح الأذان إلا مرتبًا .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٢/ ٨٤): وَلَا يَصِحُّ الْأَذَانُ إلَّا مُرَتَّبًا؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ يَخْتَلُّ بِعَدَمِ التَّرْتِيبِ، وَهُوَ الْإِعْلَامُ؛ فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مُرَتَّبًا، لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ أَذَانٌ، وَلِأَنَّهُ شُرِعَ فِي الْأَصْلِ مُرَتَّبًا، وَعَلَّمَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَبَا مَحْذُورَةَ مُرَتَّبًا. اهـ
وقال الإمام ابن عثيمين ﵀ في «الشرح الممتع» (٢/ ٦١): والدَّليل: أنَّ الأذان عبادة وردت على هذه الصِّفة؛ فيجب أنْ تُفعَلَ كما وردت؛ لقول النبي ﷺ : «من عَمِلَ عملاً ليس عليه أمرُنا فهو رَدٌّ».اهـ
مسألة [٥]: قول المؤذن: الصلاة في الرحال .
جاء في «الصحيحين» (٢) عن ابن عمر ﵄: أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يأمر
стр. 688
المؤذن إذا كانت ليلة باردة، أو ذات مطر في السفر، أن يقول: «ألا صَلُّوا في رحالكم».
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في «الفتح» (٦٣٢): وَقَوْله: «أَوْ» لِلتَّنْوِيعِ لَا لِلشَّكِّ، وَفِي «صَحِيح أَبِي عَوَانَةَ»: «لَيْلَةٌ بَارِدَةٌ، أَوْ ذَاتُ مَطَرٍ، أَوْ ذَاتُ رِيحٍ»، وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ كُلًّا مِنْ الثَّلَاثَة عُذْرٌ فِي التَّأَخُّر عَنْ الْجَمَاعَة.
وَنَقَلَ اِبْن بَطَّالٍ فِيهِ الْإِجْمَاع، لَكِنَّ الْمَعْرُوفَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّة أَنَّ الرِّيح عُذْرٌ فِي اللَّيْل فَقَطْ. وَظَاهِر الْحَدِيث اِخْتِصَاص الثَّلَاثَة بِاللَّيْلِ، لَكِنْ فِي «السُّنَن» مِنْ طَرِيق: اِبْن إِسْحَاقَ، عَنْ نَافِع فِي هَذَا الْحَدِيث: «فِي اللَّيْلَة المَطِيرَة وَالْغَدَاة الْقَرَّة».
وَفِيهَا بِإِسْنَادٍ صَحِيح مِنْ حَدِيث أَبِي الْمَلِيحِ عَنْ أَبِيهِ: «أَنَّهُمْ مُطِرُوا يَوْمًا، فَرَخَّصَ لَهُمْ».
وَلَمْ أَرَ فِي شَيْء مِنْ الْأَحَادِيث التَّرَخُّص بِعُذْرِ الرِّيح فِي النَّهَار صَرِيحًا، لَكِنَّ الْقِيَاسَ يَقْتَضِي إِلْحَاقَهُ، وَقَدْ نَقَلَهُ اِبْن الرِّفْعَة وَجْهًا. انتهى.
قوله في الحديث: «في السَّفَر».
ظاهره اختصاص ذلك في السفر، ولكن قد صحَّ عن ابن عباس أنه أمر المؤذن بذلك في الحضر، ثم رفعه إلى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. متفق عليه (١)، وبهذا أخذ الجمهور، ولم يقيدوه بالسفر. (٢)
стр. 689
مسألة [٦]: موضع قول المؤذن: «صلوا في رحالكم» .
ثبت في موضع قولها ثلاث كيفيات:
الأُولى: بدل قوله: حَيَّ على الصلاة؛ لحديث ابن عباس في «الصحيحين» (١)، أنه جلس على المنبر، فقال لمؤذنه: إذا قلت أشهد أنَّ محمدًا رسول الله؛ فلا تقل: حَيَّ على الصلاة، قل: صلوا في بيوتكم. فكأن الناس استنكروا، فقال: فعله من هو خير مني، إنَّ الجمعة عَزْمة، وإني كرهت أن أُخرجكم فتمشون في الطين، والدحض.
الثانية: بعد فراغه من الأذان؛ لحديث ابن عمر في «البخاري» (٦٣٢): أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يأمر مؤذنًا يؤذن، ثم يقول على أثره: «ألا صلوا في الرحال» في الليلة الباردة، أو المطيرة في السفر.
وأخرج مسلم (٦٩٧)(٢٤) إسناده، ولم يسق لفظه.
الثالثة: أن يقولها بعد الحيعلتين، قبل فراغه من الأذان.
أخرجه النسائي (٢/ ١٤)، فقال: أخبرنا قتيبة، ثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عمرو بن أوس، يقول: أنبأنا رجلٌ من ثقيف، أنه سمع مؤذن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في ليلة مطيرة في السفر، يقول: حَيَّ على الصلاة، حَيَّ على الفلاح، صلُّوا في رحالكم. إسناده صحيح على شرط الشيخين.
وأخرجه أحمد (٥/ ٣٧٣)، حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن جريج، أخبرني
стр. 690
عمرو بن دينار به، فذكره، وقد صحح الحديث شيخنا الإمام مقبل الوادعي ﵀ في «الصحيح المسند».
مسألة [٧]: مقاتلة أهل بلد تركوا الأذان .
قال العبيكان في كتابه «غاية المرام» (٣/ ٨٤): فإنْ ترك الأذان، والإقامة أهلُ بلدٍ، قاتلهم الإمام، أو نائبه، حتى يفعلوهما؛ لأنهما من أعلام الدين الظاهرة، فقوتلوا على تركهما، كصلاة العيد، وإذا قام بهما من يحصل به الإعلام غالبًا، أجزأ عن الكل، وإن كان واحدًا، نص عليه.
قال الشيخ ابن إبراهيم ﵀: ثم هل هو في تركهما معًا؟ اختاره ابن نصر الله، والله أعلم أنه ينبغي أن لا يكون الأمر كذلك، وأنَّ مجرد ترك الأذان يكفي لكون إغارة النبي ﷺ ، وعدمها على الأذان، ولم تذكر الإقامة. اهـ. (١)
مسألة [٨]: متى يقوم الناس إذا أُقيمت الصلاة ؟
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في «الفتح» (رقم:٦٣٧): وَقَالَ مَالِك فِي «الْمُوَطَّإ»: لَمْ أَسْمَعْ فِي قِيَام النَّاس حِينَ تُقَامُ الصَّلَاة بِحَدٍّ مَحْدُودٍ، إِلَّا أَنِّي أَرَى ذَلِكَ عَلَى طَاقَة النَّاس؛ فَإِنَّ مِنْهُمْ الثَّقِيلَ، وَالْخَفِيفَ.
وَذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إِلَى أَنَّهُمْ إِذَا كَانَ الْإِمَام مَعَهُمْ فِي الْمَسْجِد لَمْ يَقُومُوا حَتَّى تَفْرُغَ الْإِقَامَةُ، وَعَنْ أَنَس أَنَّهُ كَانَ يَقُوم إِذَا قَالَ الْمُؤَذِّن: قَدْ قَامَتْ الصَّلَاة. رَوَاهُ اِبْن
стр. 691
الْمُنْذِرِ وَغَيْره، وَكَذَا رَوَاهُ سَعِيد بْن مَنْصُور مِنْ طَرِيق: أَبِي إِسْحَاق، عَنْ أَصْحَاب عَبْدالله، وَعَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب قَالَ: إِذَا قَالَ الْمُؤَذِّن: اللهُ أَكْبَر. وَجَبَ الْقِيَام، وَإِذَا قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاة. عُدِّلَتْ الصُّفُوفُ، وَإِذَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله. كَبَّرَ الْإِمَام. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: يَقُومُونَ إِذَا قَالَ: حَيَّ عَلَى الْفَلَاح. فَإِذَا قَالَ: قَدْ قَامَتْ الصَّلَاة. كَبَّرَ الْإِمَام، وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ الْإِمَام فِي الْمَسْجِد؛ فَذَهَبَ الْجُمْهُور إِلَى أَنَّهُمْ لَا يَقُومُونَ حَتَّى يَرَوْهُ. انتهى المراد.
قلتُ: أما إذا كان الإمام خارج المسجد؛ فالراجح ما ذهب إليه الجمهور؛ لحديث أبي قتادة في «الصحيحين» (١): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «إذا أُقيمت الصلاة، فلا تقوموا حتى تروني».
وأما إذا كان في المسجد فالراجح ما ذهب إليه مالك ﵀؛ لعدم وجود دليل على التحديد، والله أعلم. (٢)
стр. 692
بَابُ شُرُوطِ الصَّلاةِ
الشرط في اللغة: هو تعليق وجود شيء؛ بوجود آخر.
وفي الاصطلاح: هو ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده الوجود لذاته. تقدم معنا بعض شروط الصلاة، وبعضها لم يتقدم، ولم يذكر المؤلف لها حديثًا؛ لشهرتها، وهي:
الشرط الأول: الإسلام .
وهذا شرطٌ من شروط صحة الصلاة بإجماع أهل العلم، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ [التوبة:٥٤].
الشرط الثاني: العقل .
فالمجنون لا تقبل صلاته؛ لأنه لا يعقل ما يقول، وقد قال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «رُفِعَ القلم عن ثلاثة، ومنهم: المجنون حتى يعقل». (١)
الشرط الثالث: التمييز .
فالصبي الذي لا يميز لا تصحُّ صلاته، وهذه الشروط الثلاثة مُجْمَعٌ عليها في الصلاة.
стр. 693
الشرط الرابع: دخول الوقت .
وقد تقدم الكلام عليه، والدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء:١٠٣]، وهو شرطٌ مُجْمَعٌ عليه.
الشرط الخامس: الطهارة .
لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ» (١)، وقوله أيضًا: «لا تُقبل صلاةٌ بغير طهور، ولا صدقة من غلول». (٢)
وهذا الشرط مُجمعٌ عليه أيضًا.
стр. 694
١٩٧ - عَنْ عَلِيِّ بْنِ طَلْقٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إذَا فَسَا أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَنْصَرِفْ، وَلْيَتَوَضَّأْ، وَلْيُعِدِ الصَّلَاةَ».رَوَاهُ الخَمْسَةُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (١)
١٩٨ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولَ اللهِ ﷺ : «مَنْ أَصَابَهُ قَيْءٌ، أَوْ رُعَافٌ، أَوْ مَذْيٌ فَلْيَنْصَرِفْ فَلْيَتَوَضَّأْ، ثُمَّ لِيَبْنِ عَلَى صَلَاتِهِ، وَهُوَ فِي ذَلِكَ لَا يَتَكَلَّمُ».رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَضَعَّفَهُ أَحْمَدُ. (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين
مسألة [١]: إذا أحدث المصلي في صلاته، فهل عليه الإعادة، أم يجوز له البناء ؟
قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٤/ ٧٥): إنْ أحدثَ المصلي في صلاته باختياره، بَطُلَتْ صلاته بالإجماع، سواء كان حدثه عمدًا، أو سهوًا، سواء علم أنه في صلاة، أم لا.
وقال ابن سيرين كما في «مصنف ابن أبي شيبة» بإسناد صحيح (٢/ ١٩٦): أجمعوا على أنه إذا تكلم استأنف. اهـ
• واختلفوا فيما إذا سبقه الحدث، فتوضأ ولم يتكلم، هل يجزئه البناء، أم عليه الإعادة؟ على قولين:
стр. 695
الأول: أنَّ له أن يبني، جاء ذلك عن علي ﵁ بإسناد حسن، وصحَّ ذلك عن ابن عمر ﵄ في الرعاف، كما في «سنن البيهقي» (٢/ ٢٥٦)، وهو مذهب الشافعي في القديم، ورواية عن أحمد، وهو مذهب الأوزاعي، وأبي حنيفة، وهو قول جماعة من التابعين، وقد استدلوا بحديث عائشة ﵂: «من أصابه قيءٌ، أو رعافٌ ... ؛ فليبن على صلاته».
الثاني: أنَّ عليه الإعادة، وهو مذهب الشافعي في الجديد، والمشهور من مذهب أحمد، وهو قول مالك وآخرين، وجاء عن المسور بن مخرمة، أخرجه البيهقي (٢/ ٢٥٧)، من رواية الزهري عنه، ولم يسمع منه، واستدلوا بحديث علي بن طلق الذي في الباب.
قال أبو عبد الله غفر الله له: الأقرب -والله أعلم- هو القول بالإعادة؛ لأنه استدبر القبلة، ولعدم وجود دليل صحيح على البناء، وأما حديث عائشة؛ فضعيفٌ، وقد تقدم الكلام عليه في (نواقض الوضوء) برقم (٧٠).
والأصل عدم البناء، وكما أنه لا يصح له البناء إذا أحدث باختياره، فكذلك إذا سبقه الحدث؛ لعدم وجود الفارق بينهما من حيث زوال الطهارة، وكما أنه إذا تكلم لا يجوز له البناء؛ لأنه ارتكب مبطلًا من مبطلات الصلاة وهو الكلام فكذلك إذا استدبر القبلة فقد ارتكب مبطلًا من مبطلات الصلاة، فلماذا يُفرَّق بينهما؟!. (١)
تنبيه: ذكر الحافظ هذه الأحاديث إشارةً إلى: الشرط السادس، وهو: ستر العورة ، وقد عبَّر الفقهاء بهذا التعبير (ستر العورة في الصلاة).
والأمر كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في «الاختيارات» (ص ٤٣): والله أمر بقدر زائد على ستر العورة في الصلاة، وهو أخذ الزينة، فقال: «خذوا زينتكم عند كل مسجد»، فعلَّقَ الأمر باسم الزينة، لا بستر العورة إيذانًا بأن العبد ينبغي له أن يلبس أَزْيَنَ ثيابه، وأجملها. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث
مسألة [١]: حكم ستر العورة .
• في هذه المسألة ثلاثة أقوال:
الأول: أن ستر العورة شرطٌ من شروط صحة الصلاة، وهذا قول جمهور العلماء، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف:٣١]، وبحديث عائشة، وجابر اللَّذَيْنِ في الباب، وفي حديث جابر: «إن كان واسعًا؛ فالتحف به، وإن كان ضَيِّقًا؛ فاتَّزِرْ به»، فلابد من الاتزار.
قال الإمام ابن عثيمين ﵀: وإذا كان واجبًا في العبادة، فكل واجبٍ في العبادة هو شرطٌ لصحتها، فإذا تركه الإنسان عمدًا؛ بَطُلَتْ هذه العبادة. اهـ
قلتُ: وكذلك من المعلوم في كتب الأصول أنَّ الأمر بالشيء يستلزم النهي
стр. 698
عن ضده، فالأمر بستر العورة يستلزم النهي عن كشفها، والنهي يقتضي الفساد، كما هو مقرر في علم الأصول.
واستدلوا بما قاله ابن عبد البر ﵀ كما في «المغني» (٢/ ٢٨٤): احتج من قال: (الستر من فرائض الصلاة) بالإجماع على إفساد من ترك ثوبه وهو قادر على الاستتار به، وصلَّى عريانًا، قال: وهذا أجمعوا عليه كلهم. اهـ
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ١١٧): لا تجوز الصلاة عريانًا مع قدرته على اللباس باتفاق العلماء.
القول الثاني: هو شرطٌ مع الذِّكر دون السهو، وهو قول إسحاق، وبعض المالكية، وهذا التفصيل ليس عليه دليلٌ.
القول الثالث: أن ستر العورة واجبٌ فقط؛ فإنْ صلَّى مكشوف العورة صَحَّتْ صلاته، سواء تعمدَ، أو سها، وهذا ترجيح الشوكاني ﵀.
وقد استدل له الشوكاني بحديث سهل بن سعد ﵁ في «الصحيحين» (١)، قال: كان الرجال يصلُّون مع النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عاقدي أُزُرِهِم على أعناقهم، كهيئة الصبيان، وقال للنساء: «لا ترفعن رؤوسكن حتى يستوي الرجال جلوسًا».
وبحديث عمرو بن سلمة في «البخاري» (٤٣٠٢): أنه كان يصلي بقومه في بردة صغيرة، فكان إذا سجد تقلَّصت عنه، فيبدو بعض عورته، حتى قالت امرأة: ألا تُغطُّون عَنَّا است قارئكم.
стр. 699
وأجاب الشوكاني عن أدلة الجمهور: بأنها لا تفيد أكثر من الوجوب.
والراجح -والله أعلم- هو قول الجمهور؛ لما تقدم، وأما أدلة الشوكاني؛ فحديث سهل ليس بصريح؛ فإنَّ فيه خشية انكشاف العورة فقط، وقد قيل أيضًا: إنما نُهِي النساء عن ذلك؛ لئلا يلمحن عند رفع رؤوسهن من السجود شيئًا من عورات الرجال بسبب ذلك عند نهوضهن.
قال الحافظ ﵀: ويؤخذ منه أنه لا يجب التستر من أسفل. اهـ
وأما حديث عمرو بن سلمة؛ فيجاب عنه بأنَّ الظهور اليسير من العورة مع عدم القصد، لا يضرُّ، والله أعلم. (١)
مسألة [٢]: حدُّ العورة من الرجل .
قال ابن المنذر ﵀ في «الأوسط»: لم يختلف أهل العلم أن مما يجب على المرء ستره في الصلاة القُبُل، والدُّبُر. انتهى.
• وقد ذهب جمهور العلماء إلى أنَّ عورة الرجل ما بين السُّرَّة والرُّكْبَة.
واستدلوا على ذلك بحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «إذا زَوَّجَ أحدُكُم خادِمَهُ عبدَهُ، أو أجيرَهُ؛ فلا ينظر إلى ما دون السُّرَّة، وفوق الرُّكْبَة»، وفي رواية: «فإنَّ ما تحت السُّرَّة إلى الركبة من عورته».
وهذا الحديث أخرجه أحمد (٢/ ١٨٧)، وأبو داود (٤٩٦)، والدارقطني (١/ ٢٣٠)، والبيهقي (٢/ ٢٢٩)، وغيرهم، وهو من رواية: سَوَّار بن داود، عن
стр. 700
عمرو بن شعيب به، وسوار بن داود الرَّاجح أنه حسن الحديث إذا لم يخالف، فقد قال الحافظ في «التقريب»: صدوق له أوهام. وهو إن شاء الله كما يقول، وهذا الحديث قد ذكره الذهبي في «الميزان» مُشِيرًا إلى أنه قد ضُعِّفَ بسببه.
وهذا الحديث، الظاهر أنه ضعيفٌ لأمرين:
الأمر الأول: أن سَوَّار بن داود قد اضطرب في ألفاظه، فتارة يرويه بلفظ: «عبده، أو أجيره»، ولا ذِكْر للأمة، وتارة: «عبده، أمته»، وتارة يرويه بِجَعْلِ الخطاب للسيد، أنْ لا ينظر إلى عورة عبده، أو أجيره، وتارة يجعله خطابًا للأمة، أنْ لا تنظر إلى عروة السيد.
الأمر الثاني: أنَّ الأوزاعي ﵀ قد جوَّدَ الحديث، وأتقن لفظه، فقد قال البيهقي في «السنن الكبرى» (٢/ ٢٢٦): أخبرنا أبو علي الرُّوذباري، نا محمد بن بكر، ثنا أبو داود، ثنا محمد بن عبد الله بن ميمون، ثنا الوليد، ثنا الأوزاعي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، قال: «إذا زوج أحدكم عبده أمته، أو أجيره؛ فلا ينظرن إلى عورتها»، وهذا إسناد صحيح إلى الأوزاعي.
فَبَيَّنَ الأوزاعي في روايته أنَّ الخطاب للسيد أنْ لا ينظر إلى عورة أمته، ولم يذكر التحديد في عورتها، فهذه الرواية هي المحفوظة بدون شك؛ لإمامة الأوزاعي، وضعف سَوَّار بن داود، فكيف تكون زيادة سَوَّار محفوظة؟!
وقد جاء الحديث عن أبي أيوب الأنصاري بلفظ: «أَسْفَلُ السُّرَّة، وفوق الرُّكْبَتَيْنِ من العَوْرَةِ»، أخرجه الدارقطني (١/ ٢٣١)، وإسناده ضعيفٌ جدًّا، ففيه:
стр. 701
سعيد بن راشد المازني، السماك، قال البخاري: منكر الحديث. وقال النسائي: متروك. وفيه أيضًا: عَبَّاد بن كثير، وهو متروك.
واستدل الجمهور أيضًا بحديث علي بن أبي طالب ﵁، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال له: «لا تكشف فخذك، ولا تنظر إلى فخذ حَيٍّ، ولا ميت»، أخرجه أبو داود (٣١٤٠)، وابن ماجه (١٤٦٠)، من رواية ابن جريج، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عاصم بن ضمرة، عن علي ﵁، وله علَّتان:
الأولى: أنَّ ابن جريج لم يسمعه من حبيب بن أبي ثابت، فقد قال في رواية أبي داود: أُخْبِرْتُ عن حبيب. قال ابن المديني: رأيته في كتب ابن جريج (أخبرني إسماعيل بن مسلم).
قلتُ: هو المكي، متروكٌ.
وقال أبو حاتم الرَّازي كما في «العلل» لابنه (٢٣٠٨): لم يسمع ابن جريج هذا الحديث من حبيب، إنما هو حديث عمرو بن خالد الواسطي، فأرى أن ابن جريج أخذه عن الحسن بن ذكوان، عن عمرو بن خالد، عن حبيب.
الثانية: أنَّ حبيب بن أبي ثابت لم تثبت له رواية عن عاصم بالسماع منه، قاله أبو حاتم، والدارقطني.
واستدل الجمهور بحديث: «الفخذ عورة»، وهذا الحديث جاء عن ابن عباس، ومحمد بن جحش، وجرهد.
стр. 702
أما حديث ابن عباس؛ فهو من رواية أبي يحيى القَتَّات، عن مجاهد، عن ابن عباس، وأبو يحيى القَتَّات ضعيفٌ، وقد قال أحمد: روى عنه إسرائيل أحاديث مناكير جدًّا كثيرة.
قلتُ: وهذا الحديث من رواية إسرائيل عنه، كما في «مسند أحمد» (١/ ٢٧٥)، و «سنن الترمذي» (٢٧٩٦).
وأما حديث محمد بن جحش، فأخرجه أحمد من رواية العلاء بن عبدالرحمن، عن أبي كثير مولى محمد بن جحش، عن محمد بن جحش، به، وإسناده ضعيف؛ لجهالة حال أبي كثير، بل قال بعضهم: إنه لا يعرف إلا في هذا الإسناد؛ فيكون مجهول عين.
وأما حديث جرهد، فقال الحافظ ﵀ في «تغليق التعليق» (٢/ ٢٠٩): إنه حديثٌ مضطربٌ جدًّا.
وقال في «فتح الباري»: وقد ضعَّفَه المصنف يعني البخاري في «التاريخ الكبير»؛ للاضطراب في إسناده، وقد ذكرتُ كثيرًا من طرقه في «تغليق التعليق».
وقال في «التغليق» بعد أن ذكر كثيرًا من طرقه: ولو ذهبتُ أحكي ما عندي من طرق هذا الحديث؛ لاحتمل أوراقًا، ولكن الاختصار أولى، والله أعلم.
قلتُ: هذه الثلاثة الأحاديث تدلُّ على أنَّ للحديث أصلًا، ولولا مخالفتها للأحاديث الصحيحة التي ستأتي -إن شاء الله- لحَسَّنَّاه، والذي يظهر ضعفُه، والله أعلم.
стр. 703
• وذهب طائفة من أهل العلم إلى أنَّ الفخذ ليس بعورة، وهو قول ابن أبي ذئب، وداود، والطبري، وأحمد في رواية عنه، رجَّحها طائفة من متأخري أصحابه، والاصطخري من الشافعية، وحكاه بعضهم رواية عن مالك.
واستدل أهل هذا القول بحديث أنس ﵁ في «الصحيحين» (١)، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لَمَّا سار إلى خيبر، حَسَرَ الإزار عن فخذه. هكذا رواية البخاري، وفي رواية مسلم: انحسر. قال أنس فيهما: حتى إني لأنظر إلى فخذ نبي الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وإنَّ ركبتي لتمس فخذ نبي الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.
ولا يصح أن يقال في هذا الحديث إنه انحسر من غير إرادة النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؛ لأنَّ رواية البخاري تدل على أنه حسره بنفسه، وكذلك لو كان من غير قصد؛ لغَطَّاهُ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ولا يصح أن يقال: إنه لم يعرف بانكشاف فخذه؛ لأنَّ الإنسان يشعر بانكشاف فخذه إذا انكشف، ولأنَّ أنسًا قد أخبر أن ركبته كانت تمس فخذ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ورواية البخاري لا تنافي رواية مسلم؛ إذ يمكن أن يُقال: حسر الإزار، فانحسر.
واستدل هؤلاء أيضًا بحديث عائشة ﵂ في «صحيح مسلم» (٢٤٠١)، قالت: كان النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مضطجعًا في بيتي، كاشفًا عن فخذيه، أو ساقيه، فاستأذن أبو بكر، فأذن له، فدخل، ثم استأذن عمر، فأذن له، فدخل، فلما دخل عثمان، سَوَّى ثيابه، ثم قال: «ألا استحي من رجل تستحي منه الملائكة»، وقد أخرجه الطحاوي
стр. 704
في «مشكل الآثار» (٢/ ٢٨٣ - ٢٨٤)، بإسناد صحيح، بل من الوجه الذي أخرجه مسلم بلفظ: كاشفًا عن فخذيه، ولم يشك.
وهذا القول هو الراجح -أعني أنَّ الفخذ ليس من عورة الرجل-، ولكن ينبغي أن يُعْلَمَ أنَّ الفخذ يجب سترها في الصلاة، كما يجب أن يجعل على عاتقيه شيئًا من ثيابه؛ لحديث جابر بن عبدالله ﵄ الذي في الباب: «إذا كان واسعًا؛ فالتحف به، وخالف بين طرفيه، وإن كان ضيقًا؛ فاتزر به».
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ولا يجوز أن يصلي الرجلُ مكشوف الفخذين، سواء قيل هما عورة، أو لا، ولا يطوف عريانًا، بل عليه أن يصلي في ثوب واحد، ولابد من ذلك، إن كان ضيقًا اتزر به، وإن كان واسعًا التحف به، كما أنه لو صلى وحده في بيت كان عليه تغطية ذلك باتفاق العلماء، وأما صلاة الرجل باديَ الفخذين، مع القدرة على الإزار؛ فهذا لا يجوز، ولا ينبغي أن يكون في ذلك خلاف، ومن بنى ذلك على الروايتين في العورة، كما فعله طائفة؛ فقد غلطوا، ولم يقل أحمد ولا غيره أنَّ المصلي يصلي على هذه الحال، كيف وأحمد يأمره بستر المنكبين! فكيف يبيح له كشف الفخذين؟ فهذا هذا. انتهى. (١)
مسألة [٣]: حدُّ العورة من المرأة .
قال ابن المنذر ﵀ في «الأوسط» (٥/ ٦٩): أجمع أهل العلم على أنَّ المرأة،
стр. 705
الحُرَّة، البالغة، عليها أن تُخَمِّرَ رأسها إذا صلَّت، وعلى أنها إنْ صلَّت، وجميع رأسها مكشوف أنَّ صلاتها فاسدة، وأنَّ عليها إعادة الصلاة. اهـ
وقال أيضًا (٥/ ٦٩): وأجمع أكثر أهل العلم على أنَّ للمرأة الحُرَّةِ أن تُصليَّ مكشوفة الوجه.
قلتُ: قوله (أكثر أهل العلم) يشير إلى وجود مخالف، والمخالف هو: أبو بكر بن عبدالرحمن، التابعي، كما في «شرح المهذب» (٣/ ١٦٩)، ولم يعتَدَّ ابن قدامة بخلافه فقال في «المغني» (٢/ ٣٢٦): ولا نعلم فيه خلافًا بين أهل العلم. اهـ
واختلف أهل العلم في القدمين، هل يجب سترهما، أم لا؟
• فذهب الجمهور إلى وجوب سترهما، وأنهما عورة، واستدلوا بحديث أم سلمة الموجود في الباب، وقد تقدم الكلام عليه، واستدلوا بحديث ابن عمر: «لا ينظر الله إلى من جرَّ ثوبه خيلاء»، فقالت أم سلمة: فكيف تصنع النساء بذيولهنَّ؟ قال: «يرخين شبرًا»، فقالت: إذن تنكشف أقدامهن. فقال: «فيرخينه ذراعًا، لا يزدن»، أخرجه الترمذي (١٧٣١)، وهو حديث صحيح.
• وذهب الثوري، والمزني، وأبو حنيفة، إلى أنَّ القدمين ليسا بعورة، وهو اختيار شيخ الإسلام، وصوَّبه صاحب «الإنصاف».
وأما حديث أم سلمة الذي استدل به المخالف؛ فضعيف، ومع ذلك ففيه تغطية ظهور القدمين؛ لقوله: «سابغًا يغطي ظهور قدميها» وهي إذا سجدت انكشفت قدماها من الباطن.