سعيد بن راشد المازني، السماك، قال البخاري: منكر الحديث. وقال النسائي: متروك. وفيه أيضًا: عَبَّاد بن كثير، وهو متروك.
واستدل الجمهور أيضًا بحديث علي بن أبي طالب ﵁، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال له: «لا تكشف فخذك، ولا تنظر إلى فخذ حَيٍّ، ولا ميت»، أخرجه أبو داود (٣١٤٠)، وابن ماجه (١٤٦٠)، من رواية ابن جريج، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عاصم بن ضمرة، عن علي ﵁، وله علَّتان:
الأولى: أنَّ ابن جريج لم يسمعه من حبيب بن أبي ثابت، فقد قال في رواية أبي داود: أُخْبِرْتُ عن حبيب. قال ابن المديني: رأيته في كتب ابن جريج (أخبرني إسماعيل بن مسلم).
قلتُ: هو المكي، متروكٌ.
وقال أبو حاتم الرَّازي كما في «العلل» لابنه (٢٣٠٨): لم يسمع ابن جريج هذا الحديث من حبيب، إنما هو حديث عمرو بن خالد الواسطي، فأرى أن ابن جريج أخذه عن الحسن بن ذكوان، عن عمرو بن خالد، عن حبيب.
الثانية: أنَّ حبيب بن أبي ثابت لم تثبت له رواية عن عاصم بالسماع منه، قاله أبو حاتم، والدارقطني.
واستدل الجمهور بحديث: «الفخذ عورة»، وهذا الحديث جاء عن ابن عباس، ومحمد بن جحش، وجرهد.
стр. 702
أما حديث ابن عباس؛ فهو من رواية أبي يحيى القَتَّات، عن مجاهد، عن ابن عباس، وأبو يحيى القَتَّات ضعيفٌ، وقد قال أحمد: روى عنه إسرائيل أحاديث مناكير جدًّا كثيرة.
قلتُ: وهذا الحديث من رواية إسرائيل عنه، كما في «مسند أحمد» (١/ ٢٧٥)، و «سنن الترمذي» (٢٧٩٦).
وأما حديث محمد بن جحش، فأخرجه أحمد من رواية العلاء بن عبدالرحمن، عن أبي كثير مولى محمد بن جحش، عن محمد بن جحش، به، وإسناده ضعيف؛ لجهالة حال أبي كثير، بل قال بعضهم: إنه لا يعرف إلا في هذا الإسناد؛ فيكون مجهول عين.
وأما حديث جرهد، فقال الحافظ ﵀ في «تغليق التعليق» (٢/ ٢٠٩): إنه حديثٌ مضطربٌ جدًّا.
وقال في «فتح الباري»: وقد ضعَّفَه المصنف يعني البخاري في «التاريخ الكبير»؛ للاضطراب في إسناده، وقد ذكرتُ كثيرًا من طرقه في «تغليق التعليق».
وقال في «التغليق» بعد أن ذكر كثيرًا من طرقه: ولو ذهبتُ أحكي ما عندي من طرق هذا الحديث؛ لاحتمل أوراقًا، ولكن الاختصار أولى، والله أعلم.
قلتُ: هذه الثلاثة الأحاديث تدلُّ على أنَّ للحديث أصلًا، ولولا مخالفتها للأحاديث الصحيحة التي ستأتي -إن شاء الله- لحَسَّنَّاه، والذي يظهر ضعفُه، والله أعلم.
стр. 703
• وذهب طائفة من أهل العلم إلى أنَّ الفخذ ليس بعورة، وهو قول ابن أبي ذئب، وداود، والطبري، وأحمد في رواية عنه، رجَّحها طائفة من متأخري أصحابه، والاصطخري من الشافعية، وحكاه بعضهم رواية عن مالك.
واستدل أهل هذا القول بحديث أنس ﵁ في «الصحيحين» (١)، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لَمَّا سار إلى خيبر، حَسَرَ الإزار عن فخذه. هكذا رواية البخاري، وفي رواية مسلم: انحسر. قال أنس فيهما: حتى إني لأنظر إلى فخذ نبي الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وإنَّ ركبتي لتمس فخذ نبي الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.
ولا يصح أن يقال في هذا الحديث إنه انحسر من غير إرادة النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؛ لأنَّ رواية البخاري تدل على أنه حسره بنفسه، وكذلك لو كان من غير قصد؛ لغَطَّاهُ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ولا يصح أن يقال: إنه لم يعرف بانكشاف فخذه؛ لأنَّ الإنسان يشعر بانكشاف فخذه إذا انكشف، ولأنَّ أنسًا قد أخبر أن ركبته كانت تمس فخذ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ورواية البخاري لا تنافي رواية مسلم؛ إذ يمكن أن يُقال: حسر الإزار، فانحسر.
واستدل هؤلاء أيضًا بحديث عائشة ﵂ في «صحيح مسلم» (٢٤٠١)، قالت: كان النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مضطجعًا في بيتي، كاشفًا عن فخذيه، أو ساقيه، فاستأذن أبو بكر، فأذن له، فدخل، ثم استأذن عمر، فأذن له، فدخل، فلما دخل عثمان، سَوَّى ثيابه، ثم قال: «ألا استحي من رجل تستحي منه الملائكة»، وقد أخرجه الطحاوي
стр. 704
في «مشكل الآثار» (٢/ ٢٨٣ - ٢٨٤)، بإسناد صحيح، بل من الوجه الذي أخرجه مسلم بلفظ: كاشفًا عن فخذيه، ولم يشك.
وهذا القول هو الراجح -أعني أنَّ الفخذ ليس من عورة الرجل-، ولكن ينبغي أن يُعْلَمَ أنَّ الفخذ يجب سترها في الصلاة، كما يجب أن يجعل على عاتقيه شيئًا من ثيابه؛ لحديث جابر بن عبدالله ﵄ الذي في الباب: «إذا كان واسعًا؛ فالتحف به، وخالف بين طرفيه، وإن كان ضيقًا؛ فاتزر به».
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ولا يجوز أن يصلي الرجلُ مكشوف الفخذين، سواء قيل هما عورة، أو لا، ولا يطوف عريانًا، بل عليه أن يصلي في ثوب واحد، ولابد من ذلك، إن كان ضيقًا اتزر به، وإن كان واسعًا التحف به، كما أنه لو صلى وحده في بيت كان عليه تغطية ذلك باتفاق العلماء، وأما صلاة الرجل باديَ الفخذين، مع القدرة على الإزار؛ فهذا لا يجوز، ولا ينبغي أن يكون في ذلك خلاف، ومن بنى ذلك على الروايتين في العورة، كما فعله طائفة؛ فقد غلطوا، ولم يقل أحمد ولا غيره أنَّ المصلي يصلي على هذه الحال، كيف وأحمد يأمره بستر المنكبين! فكيف يبيح له كشف الفخذين؟ فهذا هذا. انتهى. (١)
مسألة [٣]: حدُّ العورة من المرأة .
قال ابن المنذر ﵀ في «الأوسط» (٥/ ٦٩): أجمع أهل العلم على أنَّ المرأة،
стр. 705
الحُرَّة، البالغة، عليها أن تُخَمِّرَ رأسها إذا صلَّت، وعلى أنها إنْ صلَّت، وجميع رأسها مكشوف أنَّ صلاتها فاسدة، وأنَّ عليها إعادة الصلاة. اهـ
وقال أيضًا (٥/ ٦٩): وأجمع أكثر أهل العلم على أنَّ للمرأة الحُرَّةِ أن تُصليَّ مكشوفة الوجه.
قلتُ: قوله (أكثر أهل العلم) يشير إلى وجود مخالف، والمخالف هو: أبو بكر بن عبدالرحمن، التابعي، كما في «شرح المهذب» (٣/ ١٦٩)، ولم يعتَدَّ ابن قدامة بخلافه فقال في «المغني» (٢/ ٣٢٦): ولا نعلم فيه خلافًا بين أهل العلم. اهـ
واختلف أهل العلم في القدمين، هل يجب سترهما، أم لا؟
• فذهب الجمهور إلى وجوب سترهما، وأنهما عورة، واستدلوا بحديث أم سلمة الموجود في الباب، وقد تقدم الكلام عليه، واستدلوا بحديث ابن عمر: «لا ينظر الله إلى من جرَّ ثوبه خيلاء»، فقالت أم سلمة: فكيف تصنع النساء بذيولهنَّ؟ قال: «يرخين شبرًا»، فقالت: إذن تنكشف أقدامهن. فقال: «فيرخينه ذراعًا، لا يزدن»، أخرجه الترمذي (١٧٣١)، وهو حديث صحيح.
• وذهب الثوري، والمزني، وأبو حنيفة، إلى أنَّ القدمين ليسا بعورة، وهو اختيار شيخ الإسلام، وصوَّبه صاحب «الإنصاف».
وأما حديث أم سلمة الذي استدل به المخالف؛ فضعيف، ومع ذلك ففيه تغطية ظهور القدمين؛ لقوله: «سابغًا يغطي ظهور قدميها» وهي إذا سجدت انكشفت قدماها من الباطن.
стр. 706
وأما حديث ابن عمر ﵄: «يرخينه ذراعًا»، فهذا إنما هو الجلباب الذي تلبسه المرأة إذا خرجت من بيتها، وأما داخل بيتها؛ فلا يجب عليها لبسه، والمعروف من النساء عدم تحري تغطية القدمين أمام المحارم، ولم يأتِ دليل صحيح، صريح يوجب عليها تغطية قدميها.
وهذا القول رجَّحه الإمام ابن عثيمين ﵀، وهو الصحيح، والله أعلم. (١)
وأما تغطية الكَفَّينِ؛ فعامة أهل العلم على أنه لا يجب سترهما في الصلاة؛ لعدم ورود دليل يوجب ذلك، خلافًا لأبي بكر بن عبد الرحمن، ورواية عن أحمد، واختارها الخِرَقِي.
وأما بقية بدن المرأة الحُرَّة؛ فقد قال الإمام أحمد: اتفق عامتهم على الدرع، والخمار. (٢)
مسألة [٤]: عورة الأمة .
قال الخِرَقِي ﵀: وصلاة الأمة مكشوفة الرأس جائزة.
قال ابن قدامة ﵀: هذا قول عامة أهل العلم لا نعلم أحدًا خالف في هذا إلا الحسن؛ فإنه من بين أهل العلم أوجب عليها الخمار إذا تزوجت، أو اتخذها الرجل لنفسه، واستحب لها عطاء أن تقنع إذا صلَّت، ولم يوجبه، ولنا أنَّ عمر بن
стр. 707
الخطاب ﵁ كان ينهى الإماء عن التقنع، وقال أبو قلابة: إنَّ عمر بن الخطاب كان لا يدع أمة تقنع في خلافته، وقال: إنما القناع للحرائر. وضرب أمة لآل أنس رآها متقنعة، وقال: اكشفي رأسك، ولا تشبهي بالحرائر. اهـ
وهذا الذي عزاه لعمر ثابتٌ عنه كما في «المُصَنَّفَيْنِ»، و «الأوسط».
• وقد ذهب جمهور العلماء إلى أنَّ عورة الأمة من السُّرَّة إلى الركبة، واستدلوا بحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «إذا زوج أحدكم عبده أمته، أو أجيره؛ فلا ينظر إلى شيء من عورته؛ فإن ما تحت السُّرَّة إلى ركبته من العورة»، وهذا الحديث ضعيفٌ كما تقدم بيان ذلك في [عورة الرجل]، ولذلك ذهب طائفة من أهل العلم إلى أنَّ عورتها ما لا يظهر عادة عند الخدمة، وعند التقليب للشراء، وهو رواية عن أحمد، حيث قال: لا بأس أنْ يقلب الرجل الجارية إذا أراد الشراء من فوق الثوب، ويكشف الذراعين، والساقين، وهذا قول بعض أصحاب الشافعي، وهذا القول هو الراجح، والله أعلم.
• بينما ذهب ابن حزم إلى أن الأمة عورتها كعورة الحرَّة دون أي فرقٍ، وهذا غير صحيح؛ فالصواب وجود الفرق بينهما؛ لما ثبت في «الصحيحين» (١) عن أنس أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لما تزوج صفية بنت حيي قال المسلمون: إنْ حجبها؛ فقد تزوجها، وإن لم يحجُبْها؛ فهي مما ملكت يمينه. وقال تعالى: ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ [الأحزاب:٥٩]، قال
стр. 708
جماعة من المفسرين: أي يعرفن بأنهن حرائر.
ومع ذلك فقد قال الإمام ابن عثيمين ﵀ في «الشرح الممتع» (٢/ ١٥٣): وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: إنَّ الإماء في عهد الرسول ﵊، وإن كُنَّ لا يحتجبن كالحرائر؛ لأن الفتنة بهنَّ أقلُّ، فَهُنَّ يُشبهنَ القواعدَ من النِّساء اللاتي لا يرجون نكاحاً، قال تعالى فيهن: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ [النور:٦٠]، يقول: وأما الإماء التركيَّات الحِسَان الوجوه، فهذا لا يمكن أبداً أن يَكُنَّ كالإماء في عهد الرسول ﵊، ويجب عليها أن تستر كلَّ بدنها عن النَّظر، في باب النَّظر.
وعلَّل ذلك بتعليل جيِّدٍ مقبولٍ، فقال: إن المقصود من الحجاب هو ستر ما يُخاف منه الفِتنة بخلاف الصَّلاة؛ ولهذا يجب على الإنسان أن يستتر في الصَّلاة، ولو كان خاليًا في مكان لا يطَّلع عليه إلا الله، لكن في باب النَّظر إنما يجب التَّستر حيث ينظر الناس.
قال: فالعِلَّة في هذا غير العِلَّة في ذاك، فالعِلَّة في النَّظر: خوف الفتنة، ولا فرق في هذا بين النِّساء الحرائر، والنِّساء الإماء. وقوله صحيح بلا شكٍّ، وهو الذي يجب المصير إليه. انتهى. (١)
مسألة [٥]: انكشاف شيء يسير من العورة من غير قصد .
• ذهب الإمام أحمد، وأبو حنيفة إلى أنَّ الصلاة لا تبطل؛ لحديث عمرو بن
стр. 709
سلمة حين كان يصلي بالناس، وتنكشف بعض عورته، كما في «صحيح البخاري» (٤٣٠٢).
• بينما ذهب الشافعي، وأحمد في رواية إلى البطلان؛ لأنه حكم تعلَّقَ بالعورة، فاستوى قليله، وكثيره كالنظر.
والراجح هو القول الأول.
وهو اختيار شيخ الإسلام ﵀، وعزاه للجمهور، وهو ترجيح الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله تعالى-. (١)
تنبيه: إذا كشف الإنسان شيئًا من عورته تعمدًا؛ بطُلت صلاته، حتى على مذهب الحنابلة. (٢)
مسألة [٦]: انكشاف شيء فاحش من العورة .
أما إذا كان متعمدًا؛ فصلاته باطلة عند جمهور العلماء، وأما إذا كان غير متعمدٍ؛ فإنْ طالَ الزمان، ولم يستر عورته؛ فصلاته باطلة، وإن أعادها سريعًا بعد أنْ انكشفت؛ فلا تبطل صلاته، وهو مذهب طائفة من أهل العلم، وصححه الإمام ابن عثيمين ﵀. (٣)
стр. 710
مسألة [٧]: الستر بما يصف البشرة، أو يجسم العضو .
قال الإمام أبو محمد بن قدامة ﵀ في «المغني» (٢/ ٢٨٦): وَالْوَاجِبُ السَّتْرُ بِمَا يَسْتُرُ لَوْنَ الْبَشَرَةِ؛ فَإِنْ كَانَ خَفِيفًا يَبِينُ لَوْنُ الْجِلْدِ مِنْ وَرَائِهِ، فَيُعْلَمُ بَيَاضُهُ أَوْ حُمْرَتُهُ، لَمْ تَجُزْ الصَّلَاةُ فِيهِ؛ لِأَنَّ السَّتْرَ لَا يَحْصُلُ بِذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ يَسْتُرُ لَوْنَهَا، وَيَصِفُ الْخِلْقَةَ، جَازَتْ الصَّلَاةُ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ السَّاتِرُ صَفِيقًا. اهـ. (١)
مسألة [٨]: وضع الإنسان على عاتقه شيئًا في الصلاة .
• ذهب الإمام أحمد في المشهور عنه إلى وجوب ذلك، وهو قول ابن المنذر، واستدلوا بحديث أبي هريرة الموجود في الباب: «لا يُصلين أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء»، والنهي يقتضي الفساد.
قال: وإذا كان ضَيِّقًا، فلا يجب عليه؛ لحديث جابر: «وإن كان ضيقًا؛ فاتزر به». وهذا القول رجحه الإمام ابن باز -رحمه الله تعالى-، وقبله ابن حزم، والشوكاني، وهو ظاهر اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
• وذهب جمهور العلماء إلى أن ذلك سنة، وليس بواجب، واستدلوا بقوله في حديث جابر ﵁: «وإن كان ضيقًا؛ فاتزر به»، وقالوا أيضًا: إن ستر العاتقين ليس من أجل أن العاتقين عورة، بل من أجل تمام اللباس، وشد الإزار؛ لأنك إذا لم تشده ربما ينسلخ ويسقط، وهذا القول رجَّحه الشيخ السعدي، والشيخ
стр. 711
ابن عثيمين.
والراجح -والله أعلم- هو القول الأول. (١)
مسألة [٩]: هل يجب تعميم الثوب على المنكبين ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٢/ ٢٩٠): وَلَا يَجِبُ سَتْرُ الْمَنْكِبَيْنِ جَمِيعِهِمَا، بَلْ يُجْزِئُ سِتْرُ بَعْضِهِمَا، وَيُجْزِئُ سَتْرُهُمَا بِثَوْبٍ خَفِيفٍ يَصِفُ لَوْنَ الْبَشَرَةِ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ سَتْرِهِمَا بِالْحَدِيثِ، وَلَفْظُهُ: «لَا يُصَلِّي الرَّجُلُ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ»، وَهَذَا يَقَعُ عَلَى مَا يَعُمُّ الْمَنْكِبَيْنِ، وَمَا لَا يَعُمُّهُمَا. اهـ
مسألة [١٠]: هل يجزئه أن يجعل على عاتقه حبلاً، أو خيطًا ؟
• ذكر ابن قدامة ﵀ في هذه المسألة قولين عند الحنابلة، ثم قال: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ؛ فَلْيُخَالِفْ بَيْنَ طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ».اهـ
قلتُ: وكذلك في الحديث: «منه شيء»، و (من) للتبعيض، يعني من الثياب.
وقال الإمام ابن أبي شيبة (١/ ٣٤٩): حدثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق عن إبراهيم التيمي قال: كان الرجل من أصحاب محمد ﷺ إذا لم يجد رداء يصلي فيه وضع على عاتقه عقالا، ثم صلى. وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات. (٢)
стр. 712
مسألة [١١]: إذا لم يقدر على ستر عورته، فهل يصلي قائمًا، أم قاعدًا ؟
قال ابن قدامة ﵀: وجملة ذلك أنَّ العادم للسترة لا تسقط عنه الصلاة، لا نعلم فيه خلافًا. اهـ.
• وقد اختلف أهل العلم فيما إذا لم يجد السترة: هل يصلي قائمًا، أم قاعدًا؟ فذهب أحمد، والأوزاعي، وأصحاب الرأي إلى أنه يصلي قاعدًا، وبه قال عطاء، وعكرمة، وقتادة، وجاء عن ابن عمر كما في «الأوسط»، ولا يثبت؛ لأن في إسناده: عبد العزيز بن عبيد الله الحمصي، وهو شديد الضعف، قالوا: ويومئ بالركوع، والسجود.
• وذهب مالك، والشافعي، وابن المنذر إلى أنه يصلي قائمًا بركوع، وسجود؛ لحديث عمران بن حصين ﵁ في «البخاري»: «صلِّ قائمًا؛ فإنْ لم تستطع فقاعدًا» (١)، قالوا: وهذا مستطيع للقيام من غير ضرر، وهذا قول مجاهد، وهذا القول هو الصحيح، وينبغي له أن يصلي في مكان يستتر به عن أعين الناس، وذلك لقوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨]، وللحديث السابق، والستر هنا ساقط عنه؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، فيقوم لوجود مقتضى القيام، ويصلي عاريًا؛ لسقوط مقتضى الستر، وهو العجز. (٢)
تنبيه: قال ابن قدامة ﵀ (٢/ ٣١٣): وإنْ صلَّى العريان قائمًا، وركع،
стр. 713
وسجد، صحَّتْ صلاته أيضًا في ظاهر كلام أحمد ﵀، وهو قول أصحاب الرأي. اهـ
مسألة [١٢]: إذا لم يجد إلا ما يستر عورته، أو منكبيه ؟
قال ابن قدامة ﵀: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا مَا يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ، أَوْ مَنْكِبَيْهِ، سَتَرَ عَوْرَتَهُ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «إذَا كَانَ الثَّوْبُ وَاسِعًا؛ فَالْتَحِفْ بِهِ، وَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا فَاتَّزِرْ بِهِ»، وَهَذَا الثَّوْبُ ضَيِّقٌ، وَفِي «المُسْنَدِ» عَنْ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ، أَوْ عَنْ عُمَرَ، قَالَ: «لَا يَشْتَمِلْ أَحَدُكُمْ اشْتِمَالَ الْيَهُودِ، لِيَتَوَشَّحْ، وَمَنْ كَانَ لَهُ ثَوْبَانِ؛ فَلْيَأْتَزِرْ وَلْيَرْتَدِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ثَوْبَانِ؛ فَلْيَتَّزِرْ، ثُمَّ لِيُصَلِّ» (١)، وَلِأَنَّ السَّتْرَ لِلْعَوْرَةِ وَاجِبٌ مُتَّفَقٌ عَلَى وُجُوبِهِ مُتَأَكِّدٌ، وَسَتْرَ الْمَنْكِبَيْنِ فِيهِ مِنْ الْخِلَافِ وَالتَّخْفِيفِ مَا فِيهِ، فَلَا يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ. انتهى.
قلتُ: وهذا قول عامة أهل العلم، غير رواية شاذة عن أحمد. (٢)
مسألة [١٣]: إذا لم يجد إلا ما يستر بعض عورته ؟
قال ابن قدامة ﵀: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا مَا يَسْتُرُ بَعْضَ الْعَوْرَةِ سَتَرَ الْفَرْجَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا أَفْحَشُ، وَسَتْرَهُمَا آكَدُ، وَهُمَا مِنْ الْعَوْرَةِ بِغَيْرِ خِلَافٍ؛ فَإِنْ كَانَ لَا يَكْفِي إلَّا أَحَدَهُمَا سَتَرَ أَيَّهُمَا شَاءَ. انتهى. (٣)
стр. 714
مسألة [١٤]: إذا وجد العريان جلدًا طاهرًا ؟
قال ابن قدامة ﵀: وَإِذَا وَجَدَ الْعُرْيَانُ جِلْدًا طَاهِرًا، أَوْ وَرَقًا يُمْكِنُهُ خَصْفُهُ عَلَيْهِ، أَوْ حَشِيشًا يُمْكِنُهُ أَنْ يَرْبِطَهُ عَلَيْهِ فَيَسْتُرَ بِهِ، لَزِمَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى سَتْرِ عَوْرَتِهِ بِطَاهِرٍ لَا يَضُرُّهُ؛ فَلَزِمَهُ كَمَا لَوْ قَدَرَ عَلَى سَتْرِهَا بِثَوْبٍ. اهـ. (١)
مسألة [١٥]: إذا وجد طينًا يطلي به جسده ؟
• الظاهر عن الإمام أحمد أنه لا يلزمه ذلك؛ لأنه يجف، ويتناثر عند الركوع، والسجود، ولأنَّ فيه مشقة شديدة.
• واختار ابن عقيل الحنبلي، وبعض الشافعية أنه يلزمه.
قال ابن قدامة ﵀: وَالْأَوْلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ فِيهِ مَشَقَّةً، وَيَلْحَقُهُ بِهِ ضَرَرٌ، وَلَا يَحْصُلُ لَهُ كَمَالُ السَّتْرِ. (٢)
مسألة [١٦]: إذا أُعْطِيَ سترةً ؟
قال ابن قدامة ﵀: وَإِذَا بُذِلَ لَهُ سُتْرَةٌ لَزِمَهُ قَبُولُهَا إذَا كَانَتْ عَارِيَّةً؛ لِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى سَتْرِ الْعَوْرَةِ بِمَا لَا ضَرَرَ فِيهِ، وَإِنْ وُهِبَ لَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ فِيهِ مِنَّةً، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَلْزَمَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْعَارَ فِي بَقَاءِ عَوْرَتِهِ مَكْشُوفَةً أَكْبَرُ مِنْ الضَّرَرِ فِي الْمِنَّةِ الَّتِي تَلْحَقُهُ، وَإِنْ وَجَدَ مَنْ يَبِيعُهُ ثَوْبًا بِثَمَنِ مِثْلِهِ، أَوْ يُؤَجِّرُهُ بِأُجْرَةِ مِثْلِهِ، أَوْ زِيَادَةٍ يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهَا، وَقَدَرَ عَلَى ذَلِكَ الْعِوَضِ، لَزِمَهُ قَبُولُهُ، وَإِنْ كَانَتْ كَثِيرَةً
стр. 715
لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهَا، لَمْ يَلْزَمْهُ، كَمَا قُلْنَا فِي شِرَاءِ الْمَاءِ لِلْوُضُوءِ. انتهى. (١)
مسألة [١٧]: إذا وجد العريان ثوبًا نجسًا ؟
• ذهب الإمام أحمد، ومالك، والمزني إلى أنه يصلي فيه؛ لأنَّ ستر العورة آكد من إزالة النجاسة.
• وذهب الشافعي، وأبو ثور إلى أنه يصلي عريانًا، ولا يعيد؛ لأنها سترة نجسة، فلم تجز له الصلاة فيها.
• وقال أبو حنيفة: إن كان جميعه نجسًا؛ فهو مُخَيَّرٌ.
والراجح هو القول الأول، والله أعلم، ثم وجدت شيخ الإسلام ﵀ يرجحه، وبالله التوفيق. (٢)
مسألة [١٨]: هل يصلي العُرَاةُ جماعةً ؟
• في هذه المسألة قولان:
الأول: أنهم يصلون جماعة، ويكون إمامهم وسطهم، وهو قول أحمد، وقولٌ للشافعي، وبه قال قتادة.
الثاني: أنهم يصلون فُرادَى، وهو قول مالك، والأوزاعي، وأصحاب الرأي، وزاد مالك: وإنْ كانوا في ظُلمةٍ صَلَّوا جماعة، ويتقدمهم إمامهم. وهو قول عن الشافعي.
стр. 716
قلتُ: الراجح -والله أعلم- هو القول الأول، ولا يلزم أن يكون إمامهم وسطهم، بل يتقدمهم، ويغضُّون أبصارهم عنه. (١)
مسألة [١٩]: إذا كان مع أحد العُراة ثوب .
قال ابن قدامة ﵀: فَإِنْ كَانَ مَعَ الْعُرَاةِ وَاحِدٌ لَهُ ثَوْبٌ، لَزِمَتْهُ الصَّلَاةُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى السُّتْرَةِ؛ فَإِنْ أَعَارَهُ وَصَلَّى عُرْيَانًا، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ؛ لِتَرْكِهِ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُعِيرَهُ بَعْدَ صَلَاتِهِ فِيهِ لِغَيْرِهِ لِيُصَلِّيَ فِيهِ؛ لِقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة:٢]، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ.
قال: فَإِذَا بَذَلَهُ لَهُمْ صَلَّى فِيهِ وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ، وَلَمْ تَجُزْ لَهُمْ الصَّلَاةُ عُرَاةً؛ لِأَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَى السَّتْرِ، إلَّا أَنْ يَخَافُوا ضِيقَ الْوَقْتِ، فَيُصَلُّون عُرَاةً؛ إلَّا الوَاحِد الَّذِي يُعِيرُ الثَّوْب. انتهى مُلَخَّصًا (٢/ ٣٢١ - ٣٢٢).
مسألة [١]: استقبال القبلة .
استقبال القبلة شرطٌ من شروط صحة الصلاة؛ إلا في حالتين، وذلك بإجماع أهل العلم، نقل الإجماع ابن حزم، وابن رشد، والنووي، وغيرهم؛ لقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة:١٤٤]، والحالتان هما: صلاة النافلة على الراحلة في السفر، وصلاة المطلوب الخائف. (١)
مسألة [٢]: هل يستقبل عين القبلة، أو جهتها ؟
أما من عاين الكعبة؛ فيجب عليه استقبال عينها بالإجماع، نقله ابن عبدالبر في «التمهيد» (١٧/ ٥٤)، وابن قدامة في «المغني» (٢/ ١٠٠).
وأما من لم يشاهدها؛ فجمهور العلماء على أنه يجب عليه الجهة؛ لقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، أي: جهته، ولحديث أبي هريرة الذي في الباب، ولأنَّ استقبال عينها للبعيد غير مستطاع، وخالف الشافعي في قولٍ، فأوجب استقبال عينها، والراجح قول الجمهور.
قال ابن رجب ﵀ في «الفتح» (٢/ ٢٩٦): وقد أجمعت الأمة على صحة الصف المستطيل مع البعد عن الكعبة، مع العلم بأنه لا يمكن أن يكون كل واحد منهم مستقبلًا لعينها بحيث أنه لو خرج من وسط وجهه خط مستقيم لوصل إلى الكعبة على الاستقامة؛ فإن هذا لا يمكن إلا مع التقوس ولو شيئًا يسيرًا، وكلما كثر البعد قلَّ هذا التقوس، لكن لابد منه، ومن حكى عن الإمام أحمد رواية
стр. 719
بوجوب التقوس لطرفي الصف الطويل فقد أخطأ، وقال عليه ما لم يقله، بل لو سمعه؛ لبادر إلى إنكاره والتبري من قائله، وهو خلاف عمل المسلمين في جميع الأمصار والأعصار. اهـ
قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ٢٠٩): فَمَنْ تَوَهَّمَ أَنَّ الْفَرْضَ أَنْ يَقْصِدَ الْمُصَلِّي الصَّلَاةَ فِي مَكَانٍ لَوْ سَارَ عَلَى خَطٍّ مُسْتَقِيمٍ وَصَلَ إلَى عَيْنِ الْكَعْبَةِ فَقَدْ أَخْطَأَ، وَمَنْ فَسَّرَ وُجُوبَ الصَّلَاةِ إلَى الْعَيْنِ بِهَذَا وَأَوْجَبَ هَذَا فَقَدَ أَخْطَأَ، وَإِنْ كَانَ هَذَا قَدْ قَالَهُ قَائِلٌ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ؛ فَهَذَا الْقَوْلُ خَطَأٌ خَالَفَ نَصَّ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَإِجْمَاعَ السَّلَفِ، بَلْ وَإِجْمَاعَ الْأُمَّةِ؛ فَإِنَّ الْأُمَّةَ مُتَّفِقَةٌ عَلَى صِحَّةِ صَلَاةِ الصَّفِّ الْمُسْتَطِيلِ الَّذِي يَزِيدُ طُولُهُ عَلَى سَمْتِ الْكَعْبَةِ بِأَضْعَافٍ مُضَاعَفَةٍ، وَإِنْ كَانَ الصَّفُّ مُسْتَقِيمًا لَا انْحِنَاءَ فِيهِ وَلَا تَقَوُّسَ. اهـ. (١)
مسألة [٣]: من صلى إلى غير القبلة من غير اجتهاد .
قال ابن عبد البر ﵀ في «التمهيد» (١٧/ ٥٤): وأجمعوا على أنه من صلَّى إلى غير القبلة من غير اجتهاد حمله على ذلك أنَّ صلاته غير مجزئة عنه، وعليه إعادتها إلى القبلة، كما لو صلى بغير طهارة. اهـ
مسألة [٤]: من صلَّى إلى غير القبلة بعد الاجتهاد ثم تبين له ذلك .
• في هذه المسألة ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنَّ صلاته تجزئه، وليس عليه إعادة، وهذا قول جمهور العلماء،
стр. 720
واستدلوا بحديث عامر بن ربيعة، وجابر بن عبد الله الَّلذينِ تقدَّما، وهما ضعيفان، وقالوا: إنه قد أتى بما أُمِرَ به، وهو في حالة عدم معرفة القبلة الواجب عليه هو الاجتهاد، قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]، وهو قد أدَّى ما عليه.
القول الثاني: أنَّ عليه الإعادة؛ لأنَّ الاستقبال شرطٌ، وقد فات، وهو قول الشافعي في قولٍ، وعنه قولٌ كقول الجمهور، وهو قول الطبري.
القول الثالث: أنَّ عليه الإعادة ما دام الوقت باقيًا، وهو قول مالك، والأوزاعي.
والراجح -والله أعلم- هو القول الأول.
قال ابن عبد البر في «التمهيد»: النظر في هذا الباب يشهد أن لا إعادة على من صلى إلى غير القبلة، وكان مجتهدًا لخفاء ناحيتها عليه؛ لأنه قد عمل ما أُمر به، وأدَّى ما افتُرِض عليه من اجتهاده بطلب الدليل على القبلة، حتى حسب أنه مستقبلها، ثم لما صلى بان له خطؤه، وقد كان العلماء مجمعين على أنه قد فعل ما أبيح له فعله، بل ما لَزِمَهُ، ثم اختلفوا في إيجاب القضاء عليه إذا بان له أنه أخطأ القبلة، وإيجاب الإعادة إيجاب فرض، والفرائض لا تثبت إلا بيقين لا مدفع له. انتهى.
وقد رجح عدم الإعادة شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٢٢٤). (١)
стр. 721
مسألة [٥]: من انحرف عن القبلة يسيرًا، ثم تبين له ذلك .
قال البغوي ﵀ في «شرح السنة» (٢/ ٣٢٦): أما إذا بان أنه كان منحرفًا يمنةً، أو يسرةً، والجهة واحدة؛ فلا إعادة عليه بالاتفاق. انتهى.
قال ابن رجب ﵀ في «الفتح» (٢/ ٢٩٢): وقال مجاهد فيمن مال عن القبلة: لا يضره؛ ما بين المشرق والمغرب قبلة. وقال الحسن فيمن التفت في صلاته: إنِ استدبر القبلة؛ بطلت صلاته، وإنِ التفت عن يمينه، أو شماله؛ مضت صلاته. وروي عن حميد بن عبد الرحمن أنه أعاد صلاة صلاها في مسجد، قيل له: إنَّ في قبلته تياسرًا. ومذهب مالك: أنه إنْ علم في الصلاة أنه استدبر القبلة، أو شرَّق، أو غرَّب؛ قطع وابتدأ الصلاة، وإن علم بذلك بعد الصلاة؛ أعاد في الوقت، وأن علم أنه انحرف يسيرًا؛ فلينحرف الى القبلة ويبني. ذكره في «تهذيب المدونة». ومذهب أحمد: أنَّ ما بين المشرق والمغرب قبلة، لم تختلف نصوصه في ذلك، ولم يذكر المتقدمون من أصحابه فيه خلافًا، وإنما ذكره القاضي أبو يعلى ومن بعده، وأخذوه من لفظ له محتمل، ليس بنص ولا ظاهر، والمحتمل يعرض على كلامه الصريح، ويحمل عليه، ولا يعد مخالفًا له بمجرد احتمال بعيد، ولكن الشافعي له قولان في المسألة، وأما أحمد فلم يختلف قوله في ذلك، وقد صرح بمخالفة الشافعي فيه. قال أحمد في رواية جعفر بن محمد: بين المشرق والمغرب قبلة، ولا يبالي مغرب الصيف ولا مغرب الشتاء، إذا صلى بينهما فصلاته صحيحة جائزة، إلا أنا نستحب أن يتوسط القبلة، ويجعل المغرب عن يمينه، والمشرق عن
стр. 722
يساره، يكون وسطًا بين ذلك، وإن هو صلى فيما بينهما وكان إلى أحد الشقين أميل؛ فصلاته تامة إذا كان بين المشرق والمغرب، ولم يخرج بينهما. ونقل عنه جماعة كثيرون هذا المعنى. اهـ.
مسألة [٦]: إذا بان له يقينًا الخطأ، وهو في الصلاة ؟
• هذه المسألة مبنية على مسألة الإجزاء ممن صلى مجتهدًا، فتبين أنه صلَّى إلى غير القبلة.
وقد تقدم أنْ رجَّحْنَا قولَ الجمهور، أنه يجزئه، فإذا قلنا بذلك، وعلم الخطأ أثناء الصلاة؛ فإنه يستدير إلى جهة الكعبة، ويبني على ما مضى من صلاته؛ لأنَّ ما مضى منها كان صحيحًا.
ويدل على هذا القول حديث أهل قباء حين تحولوا في الصلاة إلى القبلة، وبنوا على ما مضى من صلاتهم، والجامع بين الصورتين أنَّ كلًّا منهما قد فعل ما يجوز له فعله.
ومن قال بأنَّ الصلاة لا تجزئ إذا تبين الخطأ أوجب عليه الإعادة.
والراجح القول الأول. (١)
стр. 723
٢٠٥ - وَعَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ ﵁ قَالَ: رَأَيْت رَسُولَ اللهِ ﷺ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١) زَادَ البُخَارِيُّ: يُومِئُ بِرَأْسِهِ وَلَمْ يَكُنْ يَصْنَعُهُ فِي المَكْتُوبَةِ. (٢)
٢٠٦ - وَلِأَبِي دَاوُد مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ: وَكَانَ إذَا سَافَرَ فَأَرَادَ أَنْ يَتَطَوَّعَ اسْتَقْبَلَ بِنَاقَتِهِ القِبْلَةَ، فَكَبَّرَ ثُمَّ صَلَّى حَيْثُ كَانَ وَجْهُ رِكَابِهِ. وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ. (٣)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين
مسألة [١]: صلاة النافلة على الراحلة في السفر .
قال ابن عبد البر ﵀ في «التمهيد» (١٧/ ٧٢): أجمعوا على أنه جائز لكل من سافر سفرًا تُقْصَرُ فيه الصلاة أن يصلي التطوع على دابته، وراحلته، حيث توجهت به، يومئ إيماءً يجعل السجود أخفض من الركوع، ويتشهد، ويسلم، وهو جالسٌ على دابته، وفي محمله. انتهى.
قلتُ: ويدل عليه أحاديث الباب، وقوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥]، وهذه الآية نزلت في ذلك كما في «صحيح مسلم» (٧٠٠)(٣٣)، من حديث عبد الله بن عمر ﵄، واختلفوا في السفر القصير، فذهب الجمهور إلى
стр. 724
جوازه، وخالف مالك، والراجح قول الجمهور؛ لعموم الأدلة. (١)
مسألة [٢]: صلاة النافلة على الراحلة في الحضر .
• ذهب إلى جواز ذلك أبو يوسف، وأبو سعيد الاصطخري من الشافعية، والطبري.
والراجح ما ذهب إليه جمهور العلماء من كون ذلك خاصًّا في السفر؛ لأنَّ الأدلة جاءت في السفر، والرُّخصة لا تتجاوز إلى غيرها. (٢)
مسألة [٣]: قبلة المصلي على راحلته .
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في «الفتح» (١٠٩٧): وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ: «حَيْثُ كَانَ وَجْهه» عَلَى أَنَّ جِهَة الطَّرِيق تَكُون بَدَلًا عَنْ الْقِبْلَة، حَتَّى لَا يَجُوز الِانْحِرَاف عَنْهَا عَامِدًا قَاصِدًا لِغَيْرِ حَاجَة الْمَسِير؛ إِلَّا إِنْ كَانَ سَائِرًا فِي غَيْر جِهَة الْقِبْلَة، فَانْحَرَفَ إِلَى جِهَة الْقِبْلَة؛ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَضُرّهُ عَلَى الصَّحِيح. اهـ. (٣)
مسألة [٤]: كيفية الركوع، والسجود على الراحلة .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٢/ ٩٧): وَحُكْمُ الصَّلَاةِ عَلَى الرَّاحِلَةِ أَنَّهُ يُومِئُ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَيَجْعَلُ السُّجُودَ أَخْفَضَ مِنْ الرُّكُوعِ، قَالَ جَابِرٌ: بَعَثَنِي رَسُولُ ﷺ فِي حَاجَةٍ، فَجِئْت وَهُوَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ، وَالسُّجُودُ
стр. 725
أَخْفَضُ مِنْ الرُّكُوعِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (١). ا هـ.
قلتُ: وقد تقدم في كلام ابن عبد البر ﵀ أنَّ هذا قول عامة أهل العلم.
مسألة [٥]: هل يستقبل القبلة في أول النافلة ؟
• ذهب أحمد في رواية عنه، وهو وجه عند الشافعية إلى وجوب ذلك، واستدلوا بحديث أنس الذي في الباب.
• وذهب جمهور العلماء، وهو رواية عن أحمد إلى عدم وجوب ذلك؛ لأنَّ الأدلة المتكاثرة في ذلك جاءت بدون تقييد الاستقبال في بداية النافلة، وحديث أنس فعلٌ، والفعل لا تزيد دلالته على الاستحباب.
والراجح هو قول الجمهور، والله أعلم. (٢)
وقد رجَّح قول الجمهور أيضًا ابن القيم في «زاد المعاد» (١/ ٤٧٦)، والشيخ السعدي، والشيخ ابن عثيمين، والشيخ مقبل الوادعي رحمة الله عليهم. (٣)
مسألة [٦]: إذا كان على الراحلة محملٌ واسعٌ، فكيف يصلي ؟
• في هذه المسألة روايتان عن أحمد، وهما وجهان عند الشافعية.
قال ابن القيم ﵀ كما في «بدائع الفوائد» (٤/ ١٠٩): الذي أوجب هذا أن الصحابة لم يكن سفرهم ولا حَجُّهم في المحامل، وإنما حدث في زمن الحجاج؛
стр. 726
فالصلاة فيها دائرة الشبه بين الصلاة في السفينة، والصلاة على الراحلة، فمن راعى شبهها بالسفينة أوجب الاستقبال؛ لأن المحمل بيت سائر في البر كما أن السفينه بيت سائر في البحر، ومن راعى مشقة الاستدارة على المصلي والبعير أسقط الاستقبال، وهو الأقيس، والله أعلم. اهـ
قلتُ: والراجح هو مشروعية الصلاة في المحامل كالصلاة على الراحلة، كما رجحه ابن القيم، والله أعلم. (١)
مسألة [٧]: الماشي في السفر، هل له أن يتنفل ؟
• ذهب إلى جواز ذلك عطاء، والشافعي، وأحمد في رواية، واحتجوا بأن الصلاة أُبيحت للراكب كي لا ينقطع عن القافلة في السفر، وهذا المعنى موجود في الماشي، ولأنه إحدى سير المسافر، فأُبيحت الصلاة فيها كالأخرى.
• وذهب أحمد في المشهور، ومالك، وأبو حنيفة، وأهل الظاهر إلى عدم الجواز؛ لأنه لم ينقل، ولا هو في معنى المنقول، ولأنَّ قوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة:١٤٤] عامٌّ ترك في موضع الإجماع بشروط موجودة ههنا، فيبقى وجوب الاستقبال فيما عداه على مقتضى العموم.
وهذا القول هو الراجح، والله أعلم. (٢)
стр. 727
مسألة [٨]: صلاة الفريضة على الراحلة .
نقل طائفة من أهل العلم الإجماع على عدم الجواز، ومنهم: ابن بطال، وعياض، والنووي، وابن الملقن.
ويدل على ذلك حديث عامر ﵁ الذي في الباب. (١)
مسألة [٩]: إذا اشتد الخوف، وكان مطلوبًا ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٢/ ٩٢ - ٩٣): إذَا اشْتَدَّ الْخَوْفُ، بِحَيْثُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الصَّلَاةِ إلَى الْقِبْلَةِ، فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى حَسَبِ حَالِهِ، رَاجِلًا وَرَاكِبًا إلَى الْقِبْلَةِ إنْ أَمْكَنَ، أَوْ إلَى غَيْرِهَا إنْ لَمْ يُمْكِنْ، وَإِذَا عَجَزَ عَنْ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، أَوْمَأَ بِهِمَا، وَيَنْحَنِي إلَى السُّجُودِ أَكْثَرَ مِنْ الرُّكُوعِ عَلَى قَدْرِ طَاقَتِهِ؛ لقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة:٢٣٩].
وَرَوَى مَالِكٌ (٢)، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: فَإِنْ كَانَ خَوْفًا هُوَ أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ؛ صَلَّوْا رِجَالًا، قِيَامًا عَلَى أَقْدَامِهِمْ، أَوْ رُكْبَانًا، مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ وَغَيْرَ مُسْتَقْبِلِيهَا. قَالَ نَافِعٌ: لَا أَرَى ابْنَ عُمَرَ حَدَّثَهُ إلَّا عَنْ رَسُولِ الله ﷺ .اهـ. (٣)
وَقال ابن المنذر ﵀ في «الأوسط» (٥/ ٤٢): كُلُّ مَنْ أَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ
стр. 728
العِلْمِ يَقُوْلُ: إِنَّ المطْلُوْبَ يُصَلِّي عَلَى دَابَّتِهِ، كَذَلِكِ قَالَ عَطَاءُ بنُ أَبِي رَبَاح، وَالأَوْزَاعِيُّ، والشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَأَبُو ثَوْرٍ.
مسألة [١٠]: إذا كان طالبًا للعدو، خائفًا فواته .
• جاء عن أحمد رواية أنه يصلي على حسب حاله، كالمطلوب سواء، وروي ذلك عن شرحبيل بن حسنة، وهو قول الأوزاعي.
• وذهب عامة أهل العلم، وهو رواية عن أحمد إلى أنه لا يصلي؛ إلا صلاة آمن؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾، فَشَرَطَ الخوفَ، وهذا غير خائفٍ.
وهذا القول هو الراجح. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث
مسألة [١]: الصلاة في المقبرة .
• ذهب أحمد، وأبو ثور، وابن حزم، وغيرهم إلى عدم الجواز، وإلى بطلان الصلاة.
واستدلوا بحديث أبي سعيد المتقدم في الباب، وبحديث عائشة ﵂ في «الصحيحين» (١) أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «لَعَنَ الله اليهود، والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد».
وبحديث جندب ﵁ في «صحيح مسلم» (٥٣٢): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم، وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد؛ فإني أنهاكم عن ذلك»، وبحديث ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم، ولا تتخذوها قبورًا»، رواه مسلم (٧٧٧).
• وذهب جمهور العلماء إلى كراهة الصلاة في المقبرة، وإذا صلَّى؛ فصلاته صحيحة، وهو رواية عن أحمد، واستدلوا بحديث: «وجُعِلت ليَ الأرضُ مسجدًا، وطهورًا». (٢)
والجواب: أنَّ هذا حديث عامٌّ، ولا يعارض الأدلة الخاصة المتقدمة، بل هذا
стр. 731
الحديث العام مخصوصٌ بالأحاديث المتقدمة؛ فالصواب هو القول الأول، وهو الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، والشوكاني، والسعدي، وابن عثيمين، والوادعي رحمة الله عليهم. (١)
فائدة: قال شيخ الإسلام ﵀ (١٧/ ٥٠٢ - ٥٠٣): وَالمَقَابِرُ نَهَى عَنْهَا؛ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّشَبُّهِ بِالمُتَّخِذِينَ الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، وَإِنْ كَانَ المُصَلِّي قَدْ لَا يَقْصِدُ الصَّلَاةَ لِأَجْلِ فَضِيلَةِ تِلْكَ الْبُقْعَةِ، بَلْ اتَّفَقَ لَهُ ذَلِكَ، لَكِنَّ فِيهِ تَشَبُّهٌ بِمَنْ يَقْصُدُ ذَلِكَ؛ فَنَهَى عَنْهُ كَمَا يَنْهَى عَنْ الصَّلَاةِ المُطْلَقَةِ وَقْتَ الطُّلُوعِ وَالْغُرُوبِ، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ فَضِيلَةَ ذَلِكَ الْوَقْتِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّشَبُّهِ بِمَنْ يَقْصِدُ فَضِيلَةَ ذَلِكَ الْوَقْتِ وَهُمْ المُشْرِكُونَ، فَنَهْيُهُ عَنْ الصَّلَاةِ فِي هَذَا الزَّمَانِ كَنَهْيِهِ عَنْ الصَّلَاةِ فِي ذَلِكَ المَكَانِ. اهـ
وقال ﵀ في (٢١/ ٣٢١): وَكَذَلِكَ تَعْلِيلُ النَّهْيِ عَنْ الصَّلَاةِ فِي المَقْبَرَةِ بِنَجَاسَةِ التُّرَابِ هُوَ ضَعِيفٌ؛ فَإِنَّ النَّهْيَ عَنْ المَقْبَرَةِ مُطْلَقًا، وَعَنْ اتِّخَاذِ الْقُبُورِ مَسَاجِدَ، وَنَحْوِ ذَلِكَ ممَّا يُبَيِّنُ أَنَّ النَّهْيَ لِمَا فِيهِ مِنْ مَظِنَّةِ الشِّرْكِ، وَمُشَابَهَةِ المُشْرِكِينَ، وَأَيْضًا فَنَجَاسَةُ تُرَابِ المَقْبَرَةِ فِيهِ نَظَرٌ. اهـ
مسألة [٢]: هل يُشترط في المقبرة تعدد القبور ؟
• اختار بعض الحنابلة أنه لا يحرم الصلاة في المقبرة حتى يتعدد فيها القبور، من ثلاثة فصاعدًا.
стр. 732
• وردَّ هذا القول طائفة من الحنابلة، منهم: شيخ الإسلام ابن تيمية، حيث قال كما في «الاختيارات» (ص ٤٤): وذكر طائفة من أصحابنا أن وجود القبر والقبرين لا يمنع من الصلاة؛ لأنه لا يتناوله اسم المقبرة، وإنما المقبرة ثلاثة قبور فصاعدًا، وليس في كلام أحمد، وعامة أصحابه هذا الفرق، بل عموم كلامهم، وتعليلهم، واستدلالهم يوجب منع الصلاة عند قبر واحد من القبور، وهو الصواب، والمقبرة كل ما قبر فيه، لا أنه جمع قبر. اهـ
مسألة [٣]: صلاة الجنازة في المقبرة .
• ذهب إلى مشروعية الصلاة في المقبرة على الجنازة جمهور العلماء، وهو مذهب الحنابلة، واستدلوا بحديث أبي هريرة ﵁ في «الصحيحين» (١)، وجاء عن غيره، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- صلَّى على قبرٍ بعدما دُفِنَ.
• وذهب أحمد في رواية إلى أنها لا تصح؛ لأنها صلاة، فيشملها النهي المتقدم، وهو قول الشافعي، وإسحاق.
قال الإمام ابن عثيمين ﵀ في «الشرح الممتع» (٢/ ٢٣٦ - ٢٣٧): وما دام أنه قد ثبت أن رسول الله ﷺ صَلَّى على القبر؛ فلا فرق بين أن يُصلَّى على جنازة مدفونة، أو على جنازة غير مدفونة؛ لأن العِلَّة واحدة، وهي أن هذا الميِّت الذي يُصلَّى عليه كان في المقبرة، وعَمَلُ الناس على هذا، أنه يُصلَّى على الميت، ولو قبل الدَّفن في المقبرة. انتهى. (٢)
стр. 733
ومما يدل على الجواز، ما أخرجه عبد الرزاق (١/ ٤٠٧)، ومن طريقه ابن المنذر في «الأوسط» (٢/ ١٨٥)، عن ابن جريج، قال: قلتُ لنافعٍ: أكان ابن عمر يكره أن يصلَّى وسط القبور؟ قال: لقد صلينا على عائشة، وأم سلمة وسط البقيع، والإمام يوم صلينا على عائشة أبو هريرة، وحضر ذلك ابن عمر، وإسناده صحيح.
مسألة [٤]: الصلاة في الحمام .
• ذهب طائفة من أهل العلم إلى التحريم، والبطلان، وهو مذهب أحمد، وأبي ثور، والظاهرية، واستدلوا بحديث أبي سعيد الموجود في الباب.
• وذهب الجمهور إلى الكراهة فقط، واستدلوا بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «وَجُعِلت لي الأرض مسجدًا، وطهورًا».
والراجح القول الأول، وهو ترجيح الشوكاني، والسعدي، وابن إبراهيم، وابن عثيمين، وأما دليل الجمهور؛ فهو عامٌّ مخصوصٌ بدليلنا. (١)
مسألة [٥]: الصلاة في الحش .
الحَُش: بضم الحاء، وفتحها، هو المكان المتَّخَذُ للغائط، والبول.
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٢/ ٤٧١): ولا أعلم في منع الصلاة فيه نصًّا؛ إلا أنه قد منع من ذكر الله تعالى فيه، والكلام، فَمَنْعُ الصلاةِ فيه أولى، ولأنه إذا منع من الصلاة في هذه المواضع؛ لكونها مظانٌ للنجاسة، فهذا أولى؛ لأنه بني لها. اهـ
стр. 734
قلتُ: أخرج عبد الرزاق في «مصنفه» (١٥٨٥)، عن ابن عباس، أنه قال: لا تصلين إلى حش، ولا في الحمام، ولا في المقبرة. وإسناده صحيح، لولا عنعنة حبيب بن أبي ثابت، قال ابن حزم: ما نعلم لابن عباس في هذا مخالفًا من الصحابة.
قال الإمام ابن عثيمين ﵀: فلا تصحُّ الصلاة فيه، لأنه نجس خبيث، ولأنَّه مأوى الشياطين، والشياطين خبيثة، فأحبُّ الأماكن إلى الشياطين أنجس الأماكن، قال تعالى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ﴾ [النور:٢٦]، وهذا من حكمة الله؛ فالمساجد بيوت الله، ومأوى الملائكة، أما الحُشوش؛ فهي مأوى الشَّياطين، فلهذا يُشرع للإنسان عند دخول الخلاء أن يقول: «أعوذ بالله من الخُبْثِ والخَبَائث»، فلا ينبغي أن يكون هذا المكان الخبيث الذي هو مأوى الخبائث مكانًا لعبادة الله، وكيف يستقيم هذا، وأنت تقول في الصَّلاة: أعوذ بالله من الشيطان الرَّجيم، وأنت في مكان الشَّياطين؟!. انتهى «الشرح الممتع» (٢/ ٢٣٧).
وقال شيخ الإسلام ﵀ كما في «الفتاوى» (٢٠/ ٥٢٤ - ٥٢٥): والحشوش محتضرة؛ فهي أولى بالنهي من أعطان الإبل. اهـ. (١)
مسألة [٦]: الصلاة في المزبلة، والمجزرة، وقارعة الطريق .
الْمَزْبَلَةُ: هي الموضع الذي يُجمَعُ فيه الزِّبْلُ، وهو السرجين: (أرواث
стр. 735
البهائم).
والْمَجْزَرَةُ: الموضع الذي يَذبَحُ القصابون، وشبههم فيه البهائم.
وَقَارِعَةُ الطَّرِيْقِ: يعني التي تقرعها الأقدام، وهي الجادة المسلوكة التي تسلكها السَّابِلَةُ.
وهذه الثلاثة المواضع جاء النهي عن الصلاة فيها في حديث ابن عمر ﵄، وقد تقدم أنه ضعيفٌ، وقد أخذ به بعض أهل العلم من الحنابلة، وغيرهم.
قال ابن قدامة ﵀: وَلَمْ يَذْكُرْهَا الْخِرَقِيِّ؛ فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ جَوَّزَ الصَّلَاةَ فِيهَا، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﵊: «جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا»، وَهُوَ صَحِيحٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاسْتَثْنَى مِنْهُ: الْمَقْبَرَةَ، وَالْحَمَّامَ، وَمَعَاطِنَ الْإِبِلِ، بِأَحَادِيثَ صَحِيحَةٍ خَاصَّةٍ، فَفِيمَا عَدَا ذَلِكَ يَبْقَى عَلَى الْعُمُومِ. انتهى، وقول الجمهور هو الراجح. (١)
مسألة [٧]: معاطنُ الإبل .
• اختلفوا في تفسير العطن، فقال الشافعي: هو الموضع الذي تُناخُ فيه الإبل إذا رويت.
• وقال أحمد: هو المكان الذي تقيم فيه الإبل، وتأوي إليه.
والظاهر أنها تشمل المعنيين، وجوَّد ابن قدامة ما ذهب إليه أحمد، وقال: لأنه
стр. 736
جعله في مقابل مُراح الغنم.
• وقد ذهب طائفة من أهل العلم إلى تحريم الصلاة فيها، وبطلانها، وهو قول أحمد، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، والشوكاني، والسعدي، وابن عثيمين.
• بينما ذهب الجمهور إلى أن الصلاة مكروهة فيها، وتصحُّ، واستدلوا بحديث: «وجُعِلتْ لي الأرض مسجدًا، وطهورًا».
والراجح القول الأول، وحديثهم عامٌّ، وأدلة القول الأول أحاديثهم خاصَّةٌ، وهي حديث البراء في «مسند أحمد» (٤/ ٢٨٨)، وغيره، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «لا تُصَلُّوا في مبارك الإبل»، وجاء عن جابر بن سمرة في «صحيح مسلم» (١)، والنهي يقتضي الفساد. (٢)
مسألة [٨]: الصلاة في مواضع نزول الإبل، وبروكها في غير مباركها .
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في «الفتح» (٢/ ٤٢٤): فليس المنزل الذي تنزله في سيرها عطنًا لها، ولا تكره الصلاة فيه، والنبي ﷺ إنما كان يعرض بعيره ويصلي إليه في أسفاره، ولم يكن يدخل في أعطان الإبل فيعرض البعير ويصلي إليه فيها، فلا تعارض حينئذٍ بين صلاته إلى بعيره، وبين نهيه عن الصلاة في أعطان الإبل كما توهمه البخاري ومن وافقه، والله أعلم. اهـ
стр. 737
وقال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٥٢٤): ولهذا نهي عن الصلاة في أعطانها؛ للزوم الشيطان لها، بخلاف الصلاة في مباركها في السفر؛ فإنه جائز؛ لأنه عارض. اهـ
وقال ابن القيم ﵀ في «أعلام الموقعين» (١/ ٣٩٦): ولما كانت أعطان الإبل مأوى الشيطان؛ لم تكن مواضع للصلاة، كالحشوش، بخلاف مباركها في السفر؛ فإنَّ الصلاة فيها جائزة؛ لأنَّ الشيطان هناك عارض. اهـ
مسألة [٩]: الصلاة في سطح الكعبة .
أما إذا وقف على طرفها، واستدبر باقيها، فقد قال الإمام النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٣/ ١٩٨): وإن وقف على طرفها، واستدبر باقيها، لم تصح صلاته بالاتفاق؛ لعدم استقبال شيء منها. اهـ
ويدل عليه قوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، وهذا مولي وجهه إلى مكان آخر.
وأما إذا وقف في وسط السطح، وأمامه شيء من الكعبة:
• فذهب الحنابلة إلى جواز النافلة دون الفريضة، وهو ترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في «الاختيارات» (ص ٤٥).
• بينما ذهب الجمهور إلى جواز الصلاة فوقها، فريضةً كانت، أو نافلةً؛ لحديث بلال المتقدم، فقد دلَّ على جواز استقبال بعض البيت.
стр. 738
واختلف الجمهور فيما بينهم: هل يُشترط أن يكون بين يديه شاخص -إذا صلى على ظهر البيت- أم لا؟
• فذهب جمهور الشافعية، وبعض الحنابلة، ومالك في رواية إلى اشتراط ذلك، وقالوا: لا تصحُّ صلاته إذا لم يكن بين يديه شيء.
• وذهب بعض الشافعية، وبعض الحنابلة، وأبو حنيفة، وداود، ومالك في رواية إلى عدم اشتراط ذلك.
وهذا القول أقرب، وقد رجَّحه ابن قدامة، فقال: والأولى أنه لا يُشترط كون شيء منها بين يديه؛ لأنَّ الواجب استقبال موضعها، وهوائها دون حيطانها، بدليل ما لوِ انْهدمت الكعبة صحَّتِ الصلاة إلى موضعها، ولو صلَّى على جبل عالٍ صحَّتِ الصلاة إلى هوائها، كذا ههنا. انتهى.
وقد رجَّح ابن حزم ما رجَّحناه. (١)
стр. 739
فَصْلٌ فِي ذِكْرِ بَعْضِ المَسَائِلِ المُلْحَقَةِ
مسألة [١]: الصلاة في مرابض الغنم .
في «الصحيحين» (١) عن أنسٍ ﵁، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يصلي في مرابض الغنم قبل أن يبنى المسجد، وفي «صحيح مسلم» (٢) عن جابر بن سمرة، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- سأله رجلٌ: أُصَلِّي في مرابض الغنم؟ قال: نعم.
قال الحافظ ابن رجب ﵀: وقد روي الرخصة في ذلك عن ابن عمر، وأبي ذر، وأبي هريرة، وجابر بن سمرة، وابن الزبير، وغيرهم، وهو قول العلماء بعدهم.
وقال ابن المنذر ﵀: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على إباحة الصلاة في مرابض الغنم إلا الشافعي؛ فإنه قال: لا أكره الصلاة في مراح الغنم إذا كان سليمًا من أبوالها، وأبعارها. اهـ. (٣)
مسألة [٢]: الصلاة في مواضع البقر .
قال ابن رجب ﵀ في «الفتح» (٢/ ٤٢٤): وأما مواضع البقر؛ فغير منهي
стр. 740
عن الصلاة فيه عند أكثر العلماء، ومنهم: عطاء، ومالك، وابن المنذر، واستدل له بقول النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أينما أدركتك الصلاة؛ فَصَلِّ، فهو مسجد».اهـ
ثم ذكر حديثين في النهي والإباحة، وكلاهما ضعيفٌ.
مسألة [٣]: الصلاة في الأماكن التي يأوي إليها الشيطان .
قال الإمام النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٣/ ١٦٢): الصلاة في مأوى الشيطان مكروهة بالاتفاق، وذلك مثل مواضع الخمر، والحانة، ومواضع المكوس، ونحوها من المعاصي الفاحشة، والكنائس، والبيع، والحشوش، ونحو ذلك؛ فإن صلي في شيءٍ من ذلك ولم يماس نجاسة بيده ولا ثوبه؛ صَحَّتْ صلاته مع الكراهة؛ لحديث أبي هريرة ﵁، قال: عَرَّسْنَا مع نبي الله ﷺ ، فلم يستيقظ حتى طلعت الشمس، فقال النبي ﷺ : «ليأخذ كل رجل برأس راحلته؛ فإن هذا موضع حضرنا فيه الشيطان»، وذكر الحديث. رواه مسلم (١)، وغيره. انتهى.
وقال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢١/ ١٣): وما عرض الشيطان فيه، كالمكان الذي ناموا فيه عن الصلاة؛ كُرِهَتْ فيه الصلاة. انتهى.
مسألة [٤]: الصلاة في الأرض المغصوبة .
• قال الإمام النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٣/ ١٦٤): الصلاة في الأرض المغصوبة حرامٌ بالاتفاق. اهـ