جعله في مقابل مُراح الغنم.
• وقد ذهب طائفة من أهل العلم إلى تحريم الصلاة فيها، وبطلانها، وهو قول أحمد، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، والشوكاني، والسعدي، وابن عثيمين.
• بينما ذهب الجمهور إلى أن الصلاة مكروهة فيها، وتصحُّ، واستدلوا بحديث: «وجُعِلتْ لي الأرض مسجدًا، وطهورًا».
والراجح القول الأول، وحديثهم عامٌّ، وأدلة القول الأول أحاديثهم خاصَّةٌ، وهي حديث البراء في «مسند أحمد» (٤/ ٢٨٨)، وغيره، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «لا تُصَلُّوا في مبارك الإبل»، وجاء عن جابر بن سمرة في «صحيح مسلم» (١)، والنهي يقتضي الفساد. (٢)
مسألة [٨]: الصلاة في مواضع نزول الإبل، وبروكها في غير مباركها .
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في «الفتح» (٢/ ٤٢٤): فليس المنزل الذي تنزله في سيرها عطنًا لها، ولا تكره الصلاة فيه، والنبي ﷺ إنما كان يعرض بعيره ويصلي إليه في أسفاره، ولم يكن يدخل في أعطان الإبل فيعرض البعير ويصلي إليه فيها، فلا تعارض حينئذٍ بين صلاته إلى بعيره، وبين نهيه عن الصلاة في أعطان الإبل كما توهمه البخاري ومن وافقه، والله أعلم. اهـ
стр. 737
وقال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٥٢٤): ولهذا نهي عن الصلاة في أعطانها؛ للزوم الشيطان لها، بخلاف الصلاة في مباركها في السفر؛ فإنه جائز؛ لأنه عارض. اهـ
وقال ابن القيم ﵀ في «أعلام الموقعين» (١/ ٣٩٦): ولما كانت أعطان الإبل مأوى الشيطان؛ لم تكن مواضع للصلاة، كالحشوش، بخلاف مباركها في السفر؛ فإنَّ الصلاة فيها جائزة؛ لأنَّ الشيطان هناك عارض. اهـ
مسألة [٩]: الصلاة في سطح الكعبة .
أما إذا وقف على طرفها، واستدبر باقيها، فقد قال الإمام النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٣/ ١٩٨): وإن وقف على طرفها، واستدبر باقيها، لم تصح صلاته بالاتفاق؛ لعدم استقبال شيء منها. اهـ
ويدل عليه قوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، وهذا مولي وجهه إلى مكان آخر.
وأما إذا وقف في وسط السطح، وأمامه شيء من الكعبة:
• فذهب الحنابلة إلى جواز النافلة دون الفريضة، وهو ترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في «الاختيارات» (ص ٤٥).
• بينما ذهب الجمهور إلى جواز الصلاة فوقها، فريضةً كانت، أو نافلةً؛ لحديث بلال المتقدم، فقد دلَّ على جواز استقبال بعض البيت.
стр. 738
واختلف الجمهور فيما بينهم: هل يُشترط أن يكون بين يديه شاخص -إذا صلى على ظهر البيت- أم لا؟
• فذهب جمهور الشافعية، وبعض الحنابلة، ومالك في رواية إلى اشتراط ذلك، وقالوا: لا تصحُّ صلاته إذا لم يكن بين يديه شيء.
• وذهب بعض الشافعية، وبعض الحنابلة، وأبو حنيفة، وداود، ومالك في رواية إلى عدم اشتراط ذلك.
وهذا القول أقرب، وقد رجَّحه ابن قدامة، فقال: والأولى أنه لا يُشترط كون شيء منها بين يديه؛ لأنَّ الواجب استقبال موضعها، وهوائها دون حيطانها، بدليل ما لوِ انْهدمت الكعبة صحَّتِ الصلاة إلى موضعها، ولو صلَّى على جبل عالٍ صحَّتِ الصلاة إلى هوائها، كذا ههنا. انتهى.
وقد رجَّح ابن حزم ما رجَّحناه. (١)
стр. 739
فَصْلٌ فِي ذِكْرِ بَعْضِ المَسَائِلِ المُلْحَقَةِ
مسألة [١]: الصلاة في مرابض الغنم .
في «الصحيحين» (١) عن أنسٍ ﵁، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يصلي في مرابض الغنم قبل أن يبنى المسجد، وفي «صحيح مسلم» (٢) عن جابر بن سمرة، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- سأله رجلٌ: أُصَلِّي في مرابض الغنم؟ قال: نعم.
قال الحافظ ابن رجب ﵀: وقد روي الرخصة في ذلك عن ابن عمر، وأبي ذر، وأبي هريرة، وجابر بن سمرة، وابن الزبير، وغيرهم، وهو قول العلماء بعدهم.
وقال ابن المنذر ﵀: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على إباحة الصلاة في مرابض الغنم إلا الشافعي؛ فإنه قال: لا أكره الصلاة في مراح الغنم إذا كان سليمًا من أبوالها، وأبعارها. اهـ. (٣)
مسألة [٢]: الصلاة في مواضع البقر .
قال ابن رجب ﵀ في «الفتح» (٢/ ٤٢٤): وأما مواضع البقر؛ فغير منهي
стр. 740
عن الصلاة فيه عند أكثر العلماء، ومنهم: عطاء، ومالك، وابن المنذر، واستدل له بقول النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أينما أدركتك الصلاة؛ فَصَلِّ، فهو مسجد».اهـ
ثم ذكر حديثين في النهي والإباحة، وكلاهما ضعيفٌ.
مسألة [٣]: الصلاة في الأماكن التي يأوي إليها الشيطان .
قال الإمام النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٣/ ١٦٢): الصلاة في مأوى الشيطان مكروهة بالاتفاق، وذلك مثل مواضع الخمر، والحانة، ومواضع المكوس، ونحوها من المعاصي الفاحشة، والكنائس، والبيع، والحشوش، ونحو ذلك؛ فإن صلي في شيءٍ من ذلك ولم يماس نجاسة بيده ولا ثوبه؛ صَحَّتْ صلاته مع الكراهة؛ لحديث أبي هريرة ﵁، قال: عَرَّسْنَا مع نبي الله ﷺ ، فلم يستيقظ حتى طلعت الشمس، فقال النبي ﷺ : «ليأخذ كل رجل برأس راحلته؛ فإن هذا موضع حضرنا فيه الشيطان»، وذكر الحديث. رواه مسلم (١)، وغيره. انتهى.
وقال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢١/ ١٣): وما عرض الشيطان فيه، كالمكان الذي ناموا فيه عن الصلاة؛ كُرِهَتْ فيه الصلاة. انتهى.
مسألة [٤]: الصلاة في الأرض المغصوبة .
• قال الإمام النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٣/ ١٦٤): الصلاة في الأرض المغصوبة حرامٌ بالاتفاق. اهـ
стр. 741
قلتُ: واختلف العلماء فيما إذا صلَّى: هل تصحُّ صلاته أم لا؟
• فذهب أحمد في رواية إلى أنها لا تصح، وهو أحدُ قولي الشافعي؛ لأنَّ الصلاة عبادة أُتِيَ بها على وجهٍ منهي عنه، فلم تصح كصلاة الحائض.
• وذهب جمهور العلماء إلى أنَّ الصلاة تصحُّ ويأثم المصلي؛ لأنَّ جهة المعصية غير جهة الطاعة، وهذا قول مالك، والشافعي، وأحمد في رواية، وذلك كما لو صلَّى وهو يرى غريقًا يمكنه إنقاذه، فلم ينقذه، أو حريقًا يقدر على إطفائها، فلم يطفئها، وأما قاعدة: النهي يقتضي الفساد، فذلك فيما إذا كان النهي متوجهًا إلى العبادة نفسها، أو إلى شرطها، لا لأمر خارج عنها، والله أعلم. (١)
مسألة [٥]: الصلاة إلى القبر .
• الخلاف في هذه المسألة كالخلاف السابق في مسألة: [الصلاة في المقبرة]، والصحيح هو التحريم، والبطلان؛ لحديث أبي مرثد. وقد ثبت عن عمر ﵁ أنه نهى أنسًا ﵁، أن يصلي إلى القبر. أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٣٧٩) بإسناد صحيح. (٢)
مسألة [٦]: الصلاة إلى المواضع المنهي عن الصلاة فيها .
• ذهب بعض الحنابلة إلى بطلان الصلاة إذا صلَّى إلى موضع منهي عنه.
• وذهب الجمهور إلى صحة الصلاة؛ لعدم وجود دليل يدل على النهي عن
стр. 742
ذلك، ولا على بطلان الصلاة، وهذا القول هو الصحيح، وهو الذي رجَّحه ابن قدامة، ولكن يستثنى من ذلك القبر، وقد تقدم الكلام على ذلك. (١)
مسألة [٧]: الصلاة على سطوح المواضع المنهي عن الصلاة فيها .
قال ابن قدامة (في «المغني» (٢/ ٤٧٤): وَإِنْ صَلَّى عَلَى سَطْحِ الْحُشِّ، أَوْ الْحَمَّامِ، أَوْ عَطَنِ الْإِبِلِ، أَوْ غَيْرِهَا، فَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْمُصَلِّي فِيهَا؛ لِأَنَّ الْهَوَاءَ تَابِعٌ لِلْقَرَارِ، فَيَثْبُتُ فِيهِ حُكْمُهُ. وَالصَّحِيحُ إنْ شَاءَ اللهُ قَصْرُ النَّهْيِ عَلَى مَا تَنَاوَلَهُ، وَأَنَّهُ لَا يُعَدَّى إلَى غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ إنْ كَانَ تَعَبُّدِيًّا فَالْقِيَاسُ فِيهِ مُمْتَنِعٌ، وَإِنْ عُلِّلَ، فَإِنَّمَا تَعَلَّلَ بِكَوْنِهِ مَظنَّةً لِلنَّجَاسَةِ، وَلَا يُتَخَيَّلُ هَذَا فِي سَطْحِهَا. اهـ
وما صححه ابن قدامة هو الصواب، والله أعلم.
مسألة [٨]: الصلاة داخل الكعبة .
• ذهب جمهور العلماء، ومنهم: الشافعي، والثوري، وأبو حنيفة إلى أن الصلاة تصحُّ داخل البيت، سواء كانت فريضة، أو نافلة، واستدلوا بحديث بلال في «الصحيحين» (٢): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- صلَّى في الكعبة، وما جاز في النَّفْلِ جازَ في الفريضة. وثبت عن عائشة ﵂، أنها قالت: ما أبالي صليت في الحجر، أو في الكعبة. أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٤٩٦) بإسناد صحيح.
стр. 743
• وذهب أحمد، ومالك إلى جواز النفل المطلق دون الفريضة، والوتر، واستدلوا بالآية: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾، والمصلِّي فيها غير مستقبلٍ لجهتها، ورجَّحَ هذا شيخ الإسلام كما في «الاختيارات».
والراجح -والله أعلم- قول الجمهور؛ لأنَّ الأصل أن ما شُرِعَ في النافلة شُرِعَ في الفريضة؛ إلا ما خُصُّ بدليل، وأما الآية؛ فهي عامةٌ تشملُ الفريضة، والنافلة، فبيَّنَ حديث بلال أنَّ من صلى داخلها أنه متوجه أيضًا إلى الكعبة، وإن لم يكن إلى كلها، فإلى بعضها، وهذا القول رجَّحه الإمام السعدي، والإمام ابن عثيمين رحمة الله عليهما. (١)
مسألة [٩]: الصلاة في الكنيسة .
• في الصلاة في الكنيسة أربعة أقوالٍ:
الأول: الجواز مطلقًا، وهذا القول رواية عن أحمد، ورُوي عن أبي موسى، كما في «الأوسط» لابن المنذر (٢/ ١٩٤)، ولكنه لم يصح عنه، ففي إسناده: فرج ابن فضالة، وهو ضعيفٌ، وهذا القول رجَّحه ابن حزم في «المحلى»، واستدلوا على ذلك بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «وجُعِلتْ لي الأرض مسجدًا وطهورًا»، وبحديث أبي سعيد الذي فيه: «الأرض كلها مسجد؛ إلا المقبرة، والحمام»، وقد نقل ابن المنذر الترخيص عن الحسن، والشعبي، والأوزاعي، وعمر بن عبد العزيز، وغيرهم.
стр. 744
الثاني: الجواز فيما إذا لم يكن فيها صورٌ، وإلا فَتُكْرَه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في «الاختيارات» (ص ٤٥): والمنصوص عند أحمد، والمذهب الذي نصَّ عليه عامة الأصحاب كراهة دخول الكنيسة التي فيها التصاوير؛ فالصلاة فيها، وفي كل مكان فيه تصاوير أشد كراهةً، وهذا هو الصواب الذي لا ريب فيه، ولا شك. اهـ
قلتُ: وقد صحَّ عن عمر أنه قال: إنا لا ندخل كنائسكم؛ لما فيها من التصاوير. وجاء عن ابن عباس ﵄ وفي إسناده: خصيف الجزري، وهو ضعيفٌ.
الثالث: الكراهة مطلقًا، وهو قول أصحاب الشافعي، ورواية عن أحمد، وذلك أنه لا تكاد تخلو كنيسة من الصور، ولأنها مكان يعبد بها غير الله؛ فهي مأوى للشياطين.
الرابع: المنع من الصلاة فيها، وهو قول مالك، فقد كره الصلاة فيها؛ لنجاستها من أقدامهم، ولما فيها من الصور، وقال: لا يُنْزَلُ بها إلا من ضرورة. وظاهر كلام مالك هو التحريم، كما يُشْعِرُ بذلك تعليله، وكلامه في «المدونة الكبرى» (١/ ٩٠ - ٩١).
والذي يظهر لي أنَّ الراجح هو القول الثالث، وهو الكراهة مطلقًا، وهي أشد كراهة عند وجود الصور، وأما ما نُقِل عن السلف من ترخيصٍ، فقد قال ابن رجب ﵀ كما في «فتح الباري»: وأكثر المنقول عن السلف في ذلك قضايا أعيان،
стр. 745
لا عموم لها، فيمكن حملها على ما لم يكن فيه صور.
وأما كون الصور التي فيها منكرٌ؛ فيحرم السكوت عليه، فقد قال ابن رجب: ... ، ولعل الفرق أن صور البِيَعِ، والكنائس تُقَرُّ، ولا يلزم إزالتها، كما يقر أصل البيع، والكنائس، بخلاف الصور التي في بيوت المسلمين؛ فإنه يجب إزالتها، ومحوها. (١)
مسألة [١٠]: الصلاة إلى النار .
قال ابن رجب ﵀ في «فتح الباري» (٢/ ٤٢٧): وقد كره أكثر العلماء الصلاة إلى النار، منهم: ابن سيرين، كره الصلاة إلى تنور، وقال: هو بيت نار. وقال سفيان: يُكْرَهُ أن يُوْضَعَ السِّرَاج في قبلة المسجد.
ثم قال ﵀: ووجه الكراهة: أن فيه تشبُّهًا بِعُبَّادِ النَّارِ في الصورة الظاهرة، فكره ذلك، وإن كان المصلي يصلي لله، كما كرهت الصلاة في وقت طلوع الشمس وغروبها؛ لمشابهة سجود المصلي فيه سجود عباد الشمس لها في الصورة، وكما تُكْرَهُ الصلاة إلى صنم، والى صورة مصورة. اهـ
مسألة [١١]: صلاة الرجل مستقبلاً وجه غيره .
قال الإمام النووي ﵀ في شرح حديث (٥١٤): وأما استقبال المصلي وجهَ
стр. 746
غيره، فمذهبنا، ومذهب الجمهور كراهته، ونقله القاضي عياض عن عامة أهل العلم رحمهم الله تعالى.
قلتُ: وقد أفتى بذلك أيضًا شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في «اقتضاء الصراط المستقيم» (١/ ١٩٢).
مسألة [١٢]: الصلاة في موضع الخسف، والعذاب .
• قال الإمام البخاري ﵀ في «صحيحه»: [باب الصلاة في موضع الخسف، والعذاب]، ويُذْكَرُ عن علي رضوان الله عليه أنه كره الصلاة بخسف بابل.
ثم استدل البخاري على ذلك بما أسنده عن ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في الحِجْر: «لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين؛ إلا أن تكونوا باكين؛ فإن لم تكونوا باكين، فلا تدخلوا عليهم، لا يصيبكم ما أصابهم» (١). ا هـ
قلتُ: أما أثر علي؛ فقد ثبت عنه كما بين ذلك الحافظ ابن رجب، والحافظ ابن حجر بإسنادين، أحدهما فيه ضعفٌ، والآخر حسنٌ، وقد كره الإمام أحمد الصلاة في أرض الخسف تبعًا لعلي بن أبي طالب ﵁.
قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «الاختيارات» (ص ٤٥): ومقتضى كلام الآمدي، وأبي الوفاء بن عقيل أنه لا تصحُّ الصلاة في أرض الخسف، وهو قوي، ونصُّ أحمد: لا يصلي فيه. اهـ
стр. 747
• وذهب ابن حزم في «المحلى» (٤٣٨) إلى الجواز.
والراجح القول الأول، والله أعلم.
مسألة [١٣]: الصلاة خلف النائم .
• قال الإمام الطبراني ﵀ في «الأوسط» (٥٢٤٢): حدثنا محمد بن الفضل السَّقَطِي، قال: حدثنا سهل بن صالح الأنطاكي، قال: حدثنا شجاع بن الوليد، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «نُهِيتُ أن أصلي خلف المتحدثين، والنيام».
قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن محمد بن عمرو إلا شجاع بن الوليد، تفرد به سهل بن صالح.
قلتُ: هذا إسناد حسنٌ، رجاله كلهم ثقات؛ إلا محمد بن عمرو، فهو مُخْتَلَفٌ فيه، والراجح تحسين حديثه إذا لم يخالف.
وأما شيخ الطبراني، فترجمته في «تاريخ بغداد» (٣/ ١٥٣)، و «سؤالات الحاكم للدارقطني» (١٤٦)، قال الدارقطني: صدوقٌ. وقال الخطيب: ثقةٌ. وقد حسَّنَه الإمام الألباني في «الإرواء».
ثم وجدت له شاهدًا من مراسيل مجاهد: أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٢٥٧) عن إسماعيل ابن علية، عن ليث، عن مجاهد رفعه: لا تأتم بنائم ولا متحدث. وفيه مع إرساله ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف، وهو يزيد حديث أبي هريرة ﵁-
стр. 748
قوة، والله أعلم.
• وقد ذهب إلى كراهة الصلاة إلى النائم طائفة من أهل العلم، منهم: أحمد، وإسحاق؛ لدلالة الحديث السابق، وعلل ذلك بعضُ أصحاب أحمد بأنه لا يُؤْمَنُ أن يكون من النائم ما يشغل المصلي.
• وذهب الشافعية، والإمام البخاري إلى الجواز، واستدلوا بحديث عائشة، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يصلي إليها، وهي معترضة بين يديه. (١)
وأُجيب عنه: بأن الحاجة دعت إليه لضيق البيت، أو أنه لبيان الجواز.
قال الحافظ ابن رجب ﵀: وإذا خالف، وصلَّى؛ فلا إعادة عليه في ظاهر مذهب أحمد، وإسحاق، وهو قول جمهور العلماء، وعن أحمد أنه يعيد الفريضة. اهـ
قلتُ: الصلاة صحيحة بدون شك، ولا ريب، والله أعلم. (٢)
مسألة [١٤]: الصلاة خلف المتحدث .
قال ابن رجب ﵀ في «الفتح» (٢/ ٦٩١): وأما الصلاة خلف المتحدث؛ فقد كرهها أكثر العلماء، قال ابن المنذر ﵀: روينا عن ابن مسعود، وسعيد بن جبير أنهما كرها الصلاة إلى المتحدثين، وبه قال أحمد، وأبو ثور، ورخص فيه الزهري، والنعمان.
قلتُ: أما أثر ابن مسعود ﵁ فهو عند ابن أبي شيبة (٢/ ٢٥٧) بإسناد
стр. 749
صحيح.
وأما الراجح فهو ما ذهب إليه الجمهور؛ لدلالة الحديث السابق الذي في المسألة السابقة.
وعلل أحمد الكراهة بأنَّ المتحدث يشغل المصلي إليه، ولا إعادة على من صلى إلى متحدثٍ عند الجمهور. (١)
стр. 750
٢١٠ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ المَسْجِدَ، فَلْيَنْظُرْ، فَإِنْ رَأَى فِي نَعْلَيْهِ أَذًى أَوْ قَذَرًا فَلْيَمْسَحْهُ وَلْيُصَلِّ فِيهِمَا». أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ. (١)
٢١١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إذَا وَطِئَ أَحَدُكُمُ الأَذَى بِخُفَّيْهِ فَطَهُورُهُمَا التُّرَابُ» (٢). أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (٣)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين
مسألة [١]: حكم طهارة البدن، والثوب، والمكان .
• أشار الحافظ ابن حجر ﵀ بهذه الأحاديث إلى: الشرط الثامن من شروط صحة الصلاة، وهو: طهارة البدن، والثوب، والمكان .
• وقد ذهب إلى اشتراط ذلك جمهور العلماء.
واستدلوا بأحاديث الباب، وبقوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر:٤]، وبحديث
стр. 751
أسماء بنت أبي بكر ﵄، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال في دم الحيض يصيب الثوب: «تَحُتُّهُ، وَتَقْرُصُه، وَتَنْضَحُه، ثُمَّ تُصَلِّي فِيْهِ».
وهذه الأدلة تدل على اشتراط الطهارة في الثوب، وأما أدلتهم في اشتراط الطهارة في البدن، فأحاديث الاستنزاه من البول، وأحاديث الاستنجاء، والاستجمار كلها تفيد أنه يجب التنزه من النجاسة في البدن، وأما أدلتهم في اشتراطها في المكان، فقوله تعالى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ ... [البقرة:١٢٥].
وحديث الأعرابي الذي بال في المسجد، فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنَّ هذه المساجد لا تصلح لشيء من البول، ولا للقذر، إنما هو التسبيح، والتكبير، وقراءة القرآن» (١)، ثم أمر بذنوب من ماء، فأُهْرِيْقَ عليه.
ويدل إجمالًا على جميع ما تقدم قوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف:٣١].
• وقد ذهب مالك في رواية عنه إلى أنَّ إزالة النجاسة سنة، لكن قال النووي: وعن مالك في إزالة النجاسة ثلاث روايات، أصحها، وأشهرها: أنه إنْ صلى عالمًا بها لم تصح صلاته، وإن كان جاهلًا، أو ناسيًا، صَحَّتْ.
• وذهب أحمد في رواية عنه غير مشهورة إلى أنَّ ذلك واجبٌ، وليس بشرط، ورجَّح ذلك الإمام الشوكاني ببحث قوي كما في «النيل».
стр. 752
وأجاب عن أدلة الجمهور: بأنها لا تفيد أكثر من الوجوب، واستدل لعدم الشرطية بحديث أبي سعيد.
لكن قال الإمام ابن عثيمين ﵀: ولكن بلا شك القول الراجح هو قول الجمهور؛ لأنَّ هذا الواجب خاصٌّ بالصلاة، وكل ما وجب في العبادة؛ فإنَّ فواته مبطل لها إذا كان عمدًا. ثم استدل على ذلك بحديث: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا؛ فهو ردٌّ» اهـ
قلتُ: ومن القواعد الأصولية المقررة أن الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضده، وأنَّ النهي يقتضي الفساد، وأما حديث أبي سعيد الخدري الذي استدل به الشوكاني على عدم الشرطية -وهو حديث الباب- فهو محمول على من صلَّى بالنجاسة جاهلًا بها، أو ناسيًا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في «الاختيارات» (ص ٤٣): ومن صلَّى بالنجاسة ناسيًا، أو جاهلًا؛ فلا إعادة عليه، قاله طائفة من العلماء؛ لأنَّ ما كان مقصوده اجتناب المحظور إذا فعله العبد مخطئًا، أو ناسيًا، لا تبطل العبادة به. اهـ
ولهذا فالراجح -والله أعلم- هو قول الجمهور، وهو ترجيح ابن حزم، وشيخ الإسلام، وابن القيم، وابن باز، وابن عثيمين رحمة الله عليهم أجمعين. (١)
стр. 753
مسألة [٢]: إذا رأى نجاسة على بدنه، أو ثيابه بعد أن صلَّى ؟
قال ابن قدامة ﵀: وَإِذَا صَلَّى، ثُمَّ رَأَى عَلَيْهِ نَجَاسَةً فِي بَدَنِهِ، أَوْ ثِيَابِهِ، لَا يَعْلَمُ: هَلْ كَانَتْ عَلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ، أَوْ لَا؟ فَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهَا فِي الصَّلَاةِ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهَا كَانَتْ فِي الصَّلَاةِ، لَكِنْ جَهِلَهَا حَتَّى فَرَغَ مِنْ الصَّلَاةِ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا: لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ، هَذَا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ (١)، وَعَطَاءٍ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَسَالِمٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالنَّخَعِيِّ، وَالزُّهْرِيِّ، وَيَحْيَى الْأَنْصَارِيِّ، وَإِسْحَاقَ وَابْنِ الْمُنْذِرِ، وَالثَّانِيَةُ: يُعِيدُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي قِلَابَةَ، وَالشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهَا طَهَارَةٌ مُشْتَرَطَةٌ لِلصَّلَاةِ، فَلَمْ تَسْقُطْ بِجَهْلِهَا، كَطَهَارَةِ الْحَدَثِ. وَقَالَ رَبِيعَةُ وَمَالِكٌ: يُعِيدُ مَا كَانَ فِي الْوَقْتِ، وَلَا يُعِيدُ بَعْدَهُ. اهـ
وقد رجَّح ابن قدامة القول الأول، واستدل له بحديث أبي سعيد الذي في الباب؛ فإنَّ فيه قصة، وهي: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يصلي بأصحابه، فخلع نعليه، فلما رأى ذلك القوم خلعوا أنعلتهم، ثم قال لهم رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عقب الصلاة: «إنَّ جبريل أتاني، فأخبرني أنَّ فيهما قذرًا أو قال: أذًى فإذا جاء أحدكم المسجد ... » الحديث.
ثم قال: وَلَوْ كَانَتْ الطَّهَارَةُ شَرْطًا، مَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ بِهَا، لَزِمَهُ اسْتِئْنَافُ الصَّلَاةِ، وَتُفَارِقُ طَهَارَةَ الْحَدَثِ؛ لِأَنَّهَا آكَدُ؛ لِأَنَّهَا لَا يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهَا، وَتَخْتَصُّ بِالْبَدَنِ. اهـ
стр. 754
وقد رجَّح النووي القولَ الأول أيضًا، وعزاه للجمهور، كما في «شرح المهذب» (٣/ ١٥٧).
قلتُ: القول الأول هو الراجح؛ لحديث أبي سعيد، وهو ترجيح شيخ الإسلام كما في المسألة السابقة، وابن القيم، والسعدي، وابن عثيمين، وابن إبراهيم، وغيرهم.
وما عزاه ابن قدامة لمالك من القول بأنَّ عليه الإعادة خلاف المشهور عنه بأنه يوجب الإعادة في الوقت فيما إذا نسي طهارة الحدث، وأما طهارة الخبث فالمعروف في مذهبه عدم الإعادة، وإن كان في الوقت، والله أعلم. (١)
مسألة [٣]: إذا حُبِسَ إنسان في مكان نجس ؟
قال الإمام النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٣/ ١٥٤): فإذا حُبِسَ إنسان في مكان نجس، وجب عليه أن يصلي، هذا مذهبنا، ومذهب العلماء كافة؛ إلا أبا حنيفة؛ فإنه قال: لا يجب أن يصلي فيه. دليلنا حديث أبي هريرة ﵁، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم»، رواه البخاري، ومسلم. (٢)
مسألة [٤]: إذا سقطت عليه نجاسة وهو يصلي ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٢/ ٤٦٧): وَإِذَا سَقَطَتْ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ، ثُمَّ زَالَتْ عَنْهُ، أَوْ أَزَالَهَا فِي الْحَالِ، لَمْ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا عَلِمَ بِالنَّجَاسَةِ
стр. 755
فِي نَعْلَيْهِ خَلَعَهُمَا، وَأَتَمَّ صَلَاتَهُ، وَلِأَنَّ النَّجَاسَةَ يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهَا، فَعُفِيَ عَنْ يَسِيرِ زَمَنِهَا، كَكَشْفِ الْعَوْرَةِ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. اهـ
مسألة [٥]: لو حمل قارورة فيها نجاسة محبوسة فيها ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٢/ ٤٦٨): وَلَوْ حَمَلَ قَارُورَةً فِيهَا نَجَاسَةٌ مَسْدُودَةً، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ لَا تَخْرُجُ مِنْهَا، فَهِيَ كَالْحَيَوَانِ. وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّهُ حَامِلٌ لِنَجَاسَةٍ غَيْرِ مَعْفُوٍّ عَنْهَا فِي غَيْرِ مَعْدِنِهَا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ حَمَلَهَا فِي كُمِّهِ. اهـ
والذي رجَّحه ابن قدامة رجَّحه الإمام ابن عثيمين ﵀ في «الشرح الممتع» (٢/ ٢٢٢).
مسألة [٦]: إذا وُضِعَ على الأرض النجسة بساط ؟
قال ابن المنذر ﵀ في «الأوسط» (٢/ ١٩٢): وإذا كانت الأرض نجسة، فَبُسِط عليها بساط صلَّى عليه، وهذا قول طاوس، والأوزاعي، ومالك، والشافعي، وإسحاق، وقال أحمد: إذا بسط عليه، وكان لا يعلق بالثوب، ولا يرى بولًا، ولا عذرة بعينه؛ فجائز.
وقد رجَّح الجواز ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٢/ ٤٧٨)، وقد أفتى بعض أهل العلم مع الصحة، والجواز بالكراهة، لكن قال الإمام ابن عثيمين ﵀: ولكن الصحيح أنها لا تكره؛ لأنه صلى على شيء طاهر يحول بينه وبين النجاسة. اهـ «الشرح الممتع» (٢/ ٢٢٥).
стр. 756
مسألة [٧]: إذا وُضِعَ على النجاسة تراب، أو بناء ؟
قال ابن المنذر ﵀ في «الأوسط» (٢/ ١٩٢): ولا أعلم أحدًا يمنع أن يُصَلَّى على موضع نجاسة بُنِيَ عليها بناء، أو صُيِّرَ عليها تراب يمنع النجاسة أن يصيب المصلي، وحكم قليل الحائل الذي يحول بين المصلي، وبين النجاسة، وحكم كثيره سواء. اهـ
مسألة [٨]: الصلاة في النعال .
قال ابن رجب ﵀ في «فتح الباري» (٢/ ٢٧٤): والصلاة في النعلين جائزة لا اختلاف بين العلماء في ذلك. اهـ
وقال أيضًا -بعد أن ذكر بعض الأحاديث في ذلك-: وهذا يدل على أن عادة النبي ﷺ المستمرة الصلاة في نعليه، وكلام أكثر السلف يدل على أن الصلاة في النعلين أفضل من الصلاة حافيًا، وقد أنكر ابن مسعود على أبي موسى خلعه نعليه عند إرادة الصلاة، وقال لهُ: أبالوادي المقدس أنت؟! (١)
وكان أبو عمرو الشيباني يضرب الناس إذا خلعوا نعالهم في الصلاة، وأنكر الربيع بن خثيم على من خلع نعليه عند الصلاة، ونسبه إلى أنه أحدث يريد: أنه ابتدع وكان النخعي، وأبو جعفر محمد بن علي إذا قاما إلى الصلاة لبسا نعالهما وصليا فيها، وأمر غير واحد منهم بالصلاة في النعال، منهم: أبو هريرة وغيره.
وقال أصحاب الشافعي -ونقلوه عنه-: إنَّ خلع النعلين في الصلاة أفضل؛
стр. 757
لما فيه من مباشرة المصلي بأطراف القدمين إذا سجد عليهما. ووافقهم على ذلك القاضي أبو يعلي، وغيره من أصحابنا. اهـ
قلتُ: وما ذهب إليه الجمهور هو الراجح أعني أنَّ الأفضل هو الصلاة في النعال؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «خالفوا اليهود؛ فإنهم لا يصلون في نعالهم، ولا خفافهم»، أخرجه أبو داود (٦٥٢)، من حديث شداد بن أوس، وهو في «الصحيح المسند».
ولولا أنَّه ثبت أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- صلَّى حافيًا كما في «مسند أحمد» (٧٣٨٤)، من حديث أبي هريرة وجاء عن غيره لكان القول بالوجوب أقرب؛ لظاهر حديث شداد، والله أعلم.
مسألة [٩]: أين يضع نعليه إذا لم يصلِّ بهما ؟
إذا كان يصلي وليس عن يساره أحد؛ فله أن يضع نعليه بين رجليه، أو عن يساره، وإذا كان عن يساره أحدٌ، فيضعهما بين رجليه، فقد ثبت في «سنن أبي داود» (٦٥٥)، من حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «إذا صلَّى أحدكم، فخلع نعليه، فلا يؤذِ بهما أحدًا، ليجعلهما بين رجليه، أو لِيُصَلِّ فيهما».
وأخرج أبو داود (٦٤٨) بإسناد صحيح عن عبد الله بن السائب، قال: رأيت النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يصلي يوم الفتح، ووضع نعليه عن يساره.
وأخرج ابن أبي شيبة (٢/ ٤١٨)، بإسناد صحيح عن أبي سعيد، قال: بينما رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يصلي، فخلع نعليه، فوضعهما عن يساره. وانظر: «شرعية الصلاة
стр. 758
بالنعال» لشيخنا مقبل ﵀ (ص ١٨ - ١٩)، ضمن «مجموعة رسائل».
مسألة [١٠]: تطهير نجاسة أسفل النعل .
قال ابن رجب ﵀ في «الفتح» (٢/ ٢٧٧): وقد اختلف العلماء في نجاسة أسفل النعل ونحوه: هل تطهر بدلكها بالأرض، أم لا تطهر بدون غسل، أم يفرق بين أن يكون بول آدمي أو عذرته، فلابد من غسلها وبين غيرها من النجاسات، فتطهر بالدلك؟ على ثلاثة أقوال، وقد حكى عن أحمد ثلاث روايات كذلك، والقول بطهارتها بالدلك اختيار كثير من أصحابنا، وهو قول قديم للشافعي، وقول ابن أبي شيبة، ويحيى بن يحيى النيسابوري، وقال ابن حامد من أصحابنا: تطهر بذلك. والقول بالفرق بين البول، والعذرة قول أبي خيثمة، وسليمان بن داود الهاشمي. اهـ
قلتُ: الراجح أنها تطهر بالدلك؛ إلا إذا لم تذهب النجاسة، فيغسلها بالماء.
стр. 759
٢١٢ - وَعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الحَكَمِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ، وَالتَّكْبِيرُ، وَقِرَاءَةُ القُرْآنِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (١)
٢١٣ - وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ﵁، أَنَّهُ قَالَ: إنْ كُنَّا لَنَتَكَلَّمُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، يُكَلِّمُ أَحَدُنَا صَاحِبَهُ بِحَاجَتِهِ، حَتَّى نَزَلَتْ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ، وَنُهِينَا عَنِ الكَلَامِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين
مسألة [١]: حكم الكلام في الصلاة متعمدًا .
قال ابن المنذر ﵀ في «الأوسط» (٣/ ٢٣٤): أجمع أهل العلم على أنَّ من تكلم في صلاته عامدًا لكلامه، وهو لا يريد إصلاح شيء من أمرها أنَّ صلاته فاسدة. انتهى.
قلتُ: ويدل على ذلك حديثا الباب.
مسألة [٢]: من تكلم في صلاته متعمدًا لإصلاح الصلاة .
• ذهب جمهور العلماء إلى أنَّ الصلاة تبطل، واستدلوا بحديثي الباب، مع قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من نابه شيء في صلاته؛ فليسبح»، ولو كان الكلام مباحًا لمصلحتها؛ لكان
стр. 760
أسهل، وأَبْيَن.
• وذهب الأوزاعي إلى عدم البطلان، وهو رواية عن مالك، وأحمد؛ لحديث ذي اليدين.
والجواب عنه: أنَّ الترخيص في الكلام في تلك الحالة ليس بسبب كونه من مصلحة الصلاة، ولكن لكون النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان ناسيًا، ظانًّا أنه قد أتم الصلاة، ومثله الصحابة ظنُّوا أنها قَصُرَت الصلاة، والراجح ما ذهب إليه الجمهور. (١)
مسألة [٣]: من تكلم ناسيًا أنه في صلاة .
• ذهب مالك، والشافعي، وأحمد في رواية، إلى أنَّ الصلاة لا تبطل؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- تكلم في حديث ذي اليدين، ولم يأمر معاوية بن الحكم بالإعادة إذ تكلم جاهلًا، وما عُذِرَ فيه بالجهل عُذِرَ فيه بالنسيان.
• بينما ذهب النخعي، وقتادة، وأصحاب الرأي، وأحمد في رواية إلى أنَّ صلاته تبطل؛ لعموم أحاديث الباب.
والراجح القول الأول، وقد عزاه النووي للجمهور. (٢)
مسألة [٤]: من تكلم ظَانًّا أن صلاته تمت .
إنْ تكلم هذا بالسلام؛ لم تبطل الصلاة.
стр. 761
قال ابن قدامة ﵀: لم تبطل الصلاة رواية واحدة. اهـ
قلتُ: ولم يخالف في هذا أيضًا أبو حنيفة؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وأصحابه فعلوه، ثم بنوا على صلاتهم. (١)
• وأما إن تكلم بغير السلام؛ فالجمهور من أهل العلم على أنَّ الصلاة لا تبطل بذلك؛ لحديث ذي اليدين.
• وأما أحمد فعنه ثلاث روايات: رواية كقول الجمهور، ورواية كقول أصحاب الرأي بالفساد مطلقًا، ورواية يقول فيها: إذا كان الكلام مما تتم به الصلاة، أو في شيء من شأن الصلاة لم تفسد، وإنْ تكلم بشيء من غير أمر الصلاة؛ فصلاته باطلة. (٢)
تنبيه: اشترط بعض أهل العلم في كلام الناسي، والجاهل، أنه لا يفسد الصلاة إذا كان يسيرًا؛ فإن كَثُرَ وطالَ، فسدت الصلاة، وهو قول الشافعي، وبعض الحنابلة، وقال بعض الحنابلة: لا فرق بين القليل والكثير في ظاهر كلام أحمد؛ لأنَّ ما عُفِيَ عنه بالنسيان استوى قليله وكثيره، كالأكل في الصيام، وهذا قول بعض الشافعية.
قلتُ: وهذا القول -أعني الثاني- أقرب، والله أعلم. (٣)
стр. 762
مسألة [٥]: من تكلم في الصلاة جاهلاً بتحريمه .
دلَّ حديث معاوية بن الحكم الذي في «صحيح مسلم» على أنَّ من تكلم جاهلًا فلا شيء عليه، وصلاته صحيحة، وهذا مذهب الشافعي، وأصحابه، وجماعة من الحنابلة. (١)
مسألة [٦]: من تكلم بكلام واجب .
وذلك مثل أن يخشى على صبي، أو ضرير الوقوع في هلكة، أو يرى حية، ونحوها تقصد غافلًا، أو نائمًا، أو يرى نارًا يخاف أن تشتعل في شيء، ونحو هذا، ولا يمكنه التنبيه بالتسبيح.
• فذهب بعض الحنابلة، وبعض الشافعية إلى البطلان.
• وذهب الشافعي، وأكثر أصحابه إلى عدم البطلان، ويقتضيه مذهب أحمد كما بينه ابن قدامة.
قال أبو عبد الله غفر الله له: الأصل أنَّ الكلام من مبطلات الصلاة، ولا نخرج عن هذا الأصل إلا بدليل صحيح صريح، ولا نعلم ههنا شيئًا من ذلك. (٢)
стр. 763
٢١٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ، وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، زَادَ مُسْلِمٌ: «فِي الصَّلَاةِ». (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: إِذَا أَتَى المصَلِّي بِذِكْرٍ مَشْرُوعٍ لِيُذَكِّرَ إِمَامَهُ، أو غَيْرَه كالتَّسْبيح، وما أَشْبَهَه ؟
• ذهب جمهور العلماء إلى مشروعية ذلك؛ لحديث الباب، ولحديث سهل بن سعد في «الصحيحين» (٢): «من نابه شيء في صلاته، فليسبح؛ فإنه إذا سبح التفت إليه».
• وخالف أبو حنيفة، فقال: من أفهم غير إمامه بالتسبيح، فسدت صلاته؛ لأنه خطاب آدمي، فيدخل في عموم أحاديث النهي عن الكلام.
والراجح قول الجمهور؛ لعموم قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من نابه شيء». (٣)
مسألة [٢]: التصفيق للنساء .
قال الإمام النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٤/ ٨٢): ذكرنا أن مذهبنا استحباب التسبيح للرجل، والتصفيق للمرأة إذا نابهما شيء، وبه قال أحمد، وداود، والجمهور، وقال مالك: تسبح المرأة أيضًا. اهـ
стр. 764
وقد احتج مالك بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من نابه شيء في صلاته، فليسبح؛ فإنما التصفيق للنساء»، وقال: هذا فيه ذَمٌّ للتصفيق أنه من شأن النساء، وليس فيه الإباحة بذلك.
ورُدَّ على قول الإمام مالك بأنَّ حديث سهل قد أخرجه البخاري (٧١٩٠) في رواية بلفظ: «من نابه شيء، فليسبح، ولتصفح النساء»، وكذلك حديث أبي هريرة ﵁ الذي في الباب رَدٌّ عليه.
مسألة [٣]: كيفية تصفيق النساء في الصلاة .
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في «الفتح» (٦/ ٣٨٠): وتصفيق المرأة هو أن تضرب بظهر كفها على بطن الأخرى، هكذا فسره أصحابنا، والشافعية، وغيرهم، قالوا: ولا تضرب بطن الكف على بطن الكف؛ فإن فعلت ذَلِكَ كره. وقال بعض الشافعية، منهم: القاضي أبو الطيب الطبري: تبطل صلاتها به إذا كان على وجه اللعب؛ لمنافاته صلاتها؛ فإن جهلت تحريمه، لم تبطل. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: ولا كراهة، ولا بطلان في التصفيق ببطن اليد على بطن الأخرى؛ لعدم وجود دليل على ذلك، وقد أفتى بهذا الإمام ابن عثيمين ﵀ في «الشرح الممتع».
مسألة [٤]: هل تسبح المرأة إذا كانت مع النساء ؟
قال ابن رجب ﵀ في «الفتح» (٦/ ٣٧٩): وإنما تصفق المرأة إذا كان هناك رجال، فأما إن لم يكن معها غير النساء، فقد سبق أن عائشة سبحت لأختها أسماء
стр. 765
في صلاة الكسوف؛ فإن المحذور سماع الرجال صوت المرأة، وهو مأمون ههنا، فلا يكره للمرأة أن تسبح للمرأة في صلاتها، ويكره أن تسبح مع الرجال. انتهى. (١)
مسألة [٥]: الفتح على الإمام .
• ذهب جمهور العلماء إلى مشروعيته استدلالًا بحديث الباب، وكذلك بحديث ابن عمر، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- صلَّى صلاةً، فقرأ فيها، فَلُبِّسَ عليه، فلما انصرف قال لِأُبَيٍّ: «أصليت معنا؟» قال: نعم. قال: «فما منعك أن تفتح علي»، أخرجه أبو داود (٩٠٧)، والطبراني (١٢/ ٣١٣)، ورجَّح أبو حاتم في «العلل» (٢/ ٧٧) أنه من مراسيل عروة، لكن يشهد له حديث المسور بن يزيد المالكي بنحوه عند أبي داود (٩٠٧)، وابن خزيمة (١٦٤٨)، وغيرهما، وفي إسناده: يحيى بن كثير الكاهلي، وهو ضعيفٌ؛ فالحديث بمجموع الطريقين لا بأس به.
• وحُكِيَ عن أبي حنيفة أنَّ الصلاة تبطل بالفتح على الإمام، واستدل على ذلك بحديث علي عند أبي داود (٩٠٨)، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لا تفتح على الإمام»، وهو حديث تالفٌ، في إسناده: الحارث الأعور، وهو كذاب.
• وذهب ابن حزم إلى جواز الفتح على الإمام في الفاتحة دون غيرها، واستدل على ذلك بحديث: «لعلكم تقرءُون خلف إمامكم؟» قالوا: نعم. قال: «لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب؛ فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها». (٢)
стр. 766
والجواب على استدلاله: أنَّ دليله في مسألة القراءة، ومسألتنا على الفتح على الإمام لا على القراءة، وقول الجمهور هو الصواب، إلا أن يخطئ في الفاتحة؛ فيجب الرد عليه كما جزم بذلك جماعة من أهل العلم؛ لأنَّ الخطأ في الفاتحة يبطل الصلاة، ولذلك فإنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عند أن زاد ركعة خامسة قال للناس: «إنما أنا بشر أنسى كما تنسون، فإذا نسيت؛ فذكروني» (١)، فأمر بتذكيره عند أن أخطأ خطأً يبطل الصلاة من المتعمد، وأما عند أن التبست عليه آية، قال: «ما منعك أن تفتح علي»، وفي رواية المسور: «هلَّا ذكرتنيها».
وقد رجَّح الإمام ابن عثيمين أنَّ الفتح واجبٌ في الفاتحة، مستحبٌ في غيرها. (٢)
مسألة [٦]: فتح المصلي على غير إمامه .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٢/ ٤٥٩ - ٤٦٠): يُكْرَهُ أَنْ يَفْتَحَ مَنْ هُوَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى مَنْ هُوَ فِي صَلَاةٍ أُخْرَى، أَوْ عَلَى مَنْ لَيْسَ فِي صَلَاةٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَشْغَلُهُ عَنْ صَلَاتِهِ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إنَّ فِي الصَّلَاةِ لَشُغْلًا» (٣)، وَقَدْ سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ رَجُلٍ جَالِسٍ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي يَقْرَأُ، فَإِذَا أَخْطَأَ فَتَحَ عَلَيْهِ الْمُصَلِّي؟ فَقَالَ: كَيْفَ يَفْتَحُ إذَا أَخْطَأَ هَذَا. وَيَتَعَجَّبُ مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ؛ فَإِنْ فَعَلَ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ
стр. 767
قُرْآنٌ، وَإِنَّمَا قَصَدَ قِرَاءَتَهُ دُونَ خِطَابِ الْآدَمِيِّ بِغَيْرِهِ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَفْتَحَ عَلَى الْمُصَلِّي مَنْ لَيْسَ مَعَهُ فِي الصَّلَاةِ. اهـ
مسألة [٧]: ذكر الله لأسباب خارج الصلاة .
وذلك كمن عطس؛ فحمد الله، أو رأى عجبًا، فسبح الله، أو قيل له: وُلِدَ لك غلام. فقال: الحمد لله. أو: احترق دكانك. فقال: لا إله إلا الله. ونحو ذلك من قراءة القرآن وغيره.
• فقد ذهب أبو حنيفة في مثل هذا إلى أنه تبطل الصلاة؛ لأنه كلام آدمي.
• وخالفه جمهور العلماء، فقالوا بصحة الصلاة؛ لأنَّ هذا الكلام جنسه مشروعٌ في الصلاة؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في حديث معاوية بن الحكم: «إنَّ هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح، والتكبير، وقراءة القرآن».
وفي «الصحيحين» من حديث سهل بن سعد الساعدي ﵁ أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- تأخر عن الصلاة في بني عمرو بن عوف، فتقدم أبو بكر الصديق، فجاء وقد صلَّى بهم أبو بكر، فذهب ليتأخر للنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فأشار إليه النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أن مكانك. فرفع يديه أبو بكر، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم تأخر، وتقدم النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فأتم الصلاة. (١)
стр. 768
٢١٥ - وَعَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِاللهِ بْنِ الشِّخِّيرِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَأَيْت رَسُولَ اللهِ ﷺ يُصَلِّي، وَفِي صَدْرِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ المِرْجَلِ (١) مِنَ البُكَاءِ. أَخْرَجَهُ الخَمْسَةُ إلَّا ابْنَ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: حكم البكاء، والتأوه، والأنين، والنحيب في الصلاة .
• قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٤/ ٨٩): قد ذكرنا أنَّ مذهبنا أنه إن بان منه حرفان بطلت صلاته، وإلا فلا، وبه قال أحمد، وحكاه ابن المنذر عن أبى ثور، قال: وقال الشعبي، والنخعي، والمغيرة، والثوري: يعيد الصلاة. قال العبدري: وقال مالك، وأبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد: إن كان لخوف الله تعالى، أو خوف النار؛ لم تبطل صلاته، وإلا فتبطل. اهـ
قلتُ: أما إذا كان البكاء، والنحيب من خشية الله، غلبه ذلك، ولم يتكلفه؛ فجمهور العلماء على مشروعيته، وأما إذا كان لغير حاجة؛ فجمهور العلماء على أنه إن انتظم منها حرفان، بطلت صلاته.
стр. 769
• وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يكره له ذلك، ولكن لا تبطل الصلاة، وإن انتظم منها حرفان؛ لأنَّ هذا ليس من جنس الكلام، فلا يصح قياسه على الكلام.
وهذا هو الصحيح، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وقول أبي يوسف ﵀، ورجحه شيخنا مقبل الوادعي ﵀. (١)
стр. 770
فَصْلٌ فِي ذِكْرِ بَعْضِ المَسَائِلِ المُلْحَقَةِ
مسألة [١]: الضحك في الصلاة .
قال ابن المنذر ﵀ في «الأوسط» (٣/ ٢٥٤): وأجمعوا أن الضحك في الصلاة يفسد الصلاة. اهـ
كذا أطلق ابن المنذر ﵀، والمعلوم من مذهب الشافعية أنه يبطل إذا بان منه حرفان، وهو وجهٌ عند الحنابلة، لكن قال صاحب «الإنصاف» (٢/ ١٣٥): وعن الإمام أحمد أنه كالكلام، ولو لم يُبن حرفين، اختاره الشيخ تقي الدين، وقال: إنه الأظهر، وجزم به في «الكافي»، و «المغني»، وقال: لا نعلم فيه خلافًا، وقدمه في «الشرح»، وحكاه ابن هبيرة إجماعًا، وأطلقهما في «الفروع»، و «الفائق».اهـ
قلتُ: عبارة شيخ الإسلام كما في «الاختيارات» (ص ٥٩): والأظهر أن الصلاة تبطل بالقهقهة إذا كان فيها أصوات عالية؛ فإنها تنافي الخشوع الواجب في الصلاة، وفيها من الاستخفاف، والتلاعب ما يناقض مقصود الصلاة، فأبطلت لذلك، لا لكونها كلامًا. اهـ
قلتُ: وقد صحَّ عن جابر بن عبد الله، أنه قال: من ضحك في الصلاة؛ فليُعِد الصلاة، ولا يعد الوضوء. ولا نعلم له مخالفًا من الصحابة، وقد روى الدارقطني الحديث عن جابر مرفوعًا بلفظ: «من ضحك منكم في صلاته؛ فليتوضأ، ثم ليعد الصلاة»، وفي إسناده: محمد بن يزيد بن سنان الرهاوي، وأبوه، وهما ضعيفان،
стр. 771
وبَيَّنَ الدارقطني أنَّ الرَّاجح أنه موقوف على جابر بن عبد الله ﵁ باللفظ السابق. انظر: «السنن» (١/ ١٧٢).
والراجح -والله أعلم- ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وقد فرق ابن قدامة بين القهقهة، والضحك المجرد من القهقهة، فنقل الإجماع على أنَّ القهقهة تبطل، فقال: ولا نعلم فيه مخالفًا.
وأما الضحك، فاشترط أن يبين منه حرفان، والله أعلم. (١)
مسألة [٢]: التبسم في الصلاة .
• ذهب عامة العلماء إلى أنَّ التبسم لا يفسد الصلاة، وخالف ابن سيرين، وابن حزم، فقالا: إنَّ التبسُّمَ يبطل الصلاة، والراجح قول الجمهور؛ لعدم وجود دليل يدل على البطلان. انظر المصادر السَّابِقة.
стр. 772
٢١٦ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁، قَالَ: كَانَ لِي مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَدْخَلَانِ، فَكُنْت إذَا أَتَيْته وَهُوَ يُصَلِّي تَنَحْنَحَ لِي. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: حكم التنحنح في الصلاة .
• ذهب الشافعي، وأحمد في رواية، ومالك في أحد قوليه إلى أن النحنحة إن أبانت حرفين؛ فهي كالكلام.
• وذهب أبو يوسف، وأحمد في رواية، ومالك في أحد قوليه، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أنها ليست مبطلة للصلاة، وكرهوا النحنحة بلا حاجة؛ وذلك لأنَّ المحَرَّمَ هو الكلام، والنحنحة لا تدخل في مسمى الكلام أصلًا؛ فإنها لا تدل بنفسها، ولا مع غيرها من الألفاظ على معنى، ولا يسمى فاعلها متكلمًا، وإنما يفهم مراده بقرينة، فصارت كالإشارة.
وهذا القول هو الراجح، وهو ترجيح الوادعي، والسعدي، وابن عثيمين رحمة الله عليهم. (٢)
стр. 773
فَصْلٌ فِي ذِكْرِ بَعْضِ المَسَائِلِ المُلْحَقَةِ
مسألة [١]: حكم النَّفْخِ في الصلاة .
كره أهل العلم النفخ في الصلاة.
• واختلفوا: هل يبطل الصلاة، أم لا؟ على ثلاثة أقوال:
الأول: أنه يبطل الصلاة إذا بان منه حرفان، وهو قول أحمد، والشافعي، ومالك، والثوري، وصحَّ عن ابن عباس أنه قال: من نفخ في صلاته؛ فقد تكلم. وهو في «مصنف عبدالرزاق (٢/ ١٨٩)، وابن أبي شيبة» (٢/ ٢٦٤).
الثاني: أنه لا يبطل الصلاة، وهو قول النخعي، وابن سيرين، ويحيى بن أبي كثير، وأحمد في رواية، وإسحاق، وهو ترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لأنَّ النفخ ليس بكلام، وقد صحَّ في «مسند أحمد» (٢/ ١٨٨)، و «سنن أبي داود» (١١٩٤)، وغيرهما عن عبدالله بن عمرو بن العاص، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في سجوده في صلاة الكسوف في الركعة الثانية بكى، وقال: «أف، أف، ربِّ ألم تعدني أن لا تعذبهم وأنا فيهم ... » الحديث.
الثالث: إنْ كان النفخ يسمع؛ فهو كالكلام، وإن لم يكن يسمع؛ فلا يبطل الصلاة، قال ابن قدامة ﵀ بعد أن نسب هذا القول لأبي حنيفة: فإنْ أراد ما لا يسمعه الإنسان من نفسه؛ فليس ذلك بنفخ، وإنْ أراد ما لا يسمعه غيره؛ فلا يصح؛ لأنَّ ما أبطل الصلاة إظهارُه أبطلها إسرارُه، وما لا، فلا، كالكلام. اهـ
стр. 774
والراجح هو القول الثاني. (١)
مسألة [٢]: ما يغلب على المصلي، كالعطاس، ونحوه .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ٦٢٣): فأما ما يغلب على المصلي من عطاسٍ، وبكاءٍ، وتثاؤبٍ؛ فالصحيح عند الجمهور أنه لا يبطل، وهو منصوص أحمد وغيره، وقد قال بعض أصحابه: إنه يبطل، وإن كان معذورًا كالناسي. اهـ
فائدة: قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: فاللفظ على ثلاث درجات:
أحدها: أن يدل على معنى بالوضع، إما بنفسه، وإما مع لفظ غيره، كـ: (في) و: (عن)، فهذا الكلام مثل: يد، و: دم، و: فم، و: خد.
الثاني: أن يدل على معنى بالطبع، كالتأوه، والأنين، والبكاء، ونحو ذلك.
الثالث: أن لا يدل على معنى، لا بالطبع ولا بالوضع، كالنحنحة.
ثم بيَّنَ أنَّ الذي يبطل هو النوع الأول، ببحث نفيس كما في «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ٦١٥ - ٦٢٤).
стр. 775
٢١٧ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄[قَالَ] (١): قُلْت لِبِلَالٍ: كَيْفَ رَأَيْت النَّبِيَّ ﷺ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ حِينَ يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي؟ قَالَ: يَقُولُ هَكَذَا، وَبَسَطَ كَفَّهُ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: الرَّدُّ على السَّلام كلامًا .
• ذهب جمهور العلماء إلى أنَّ الردَّ على السلام كلامًا يبطل الصلاة، وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وغيرهم.
واستدلوا على ذلك بحديث جابر في «صحيح مسلم» (٥٤٠)، قال: بعثني رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في حاجة، فرجعت وهو يصلي على راحلته، ووجهه إلى غير القبلة، فسلمت عليه، فلم يرد عليَّ، فلما انصرف قال: «إنه لم يمنعني أنْ أردَّ عليك إلا أني كنت أصلي».