وبَيَّنَ الدارقطني أنَّ الرَّاجح أنه موقوف على جابر بن عبد الله ﵁ باللفظ السابق. انظر: «السنن» (١/ ١٧٢).
والراجح -والله أعلم- ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وقد فرق ابن قدامة بين القهقهة، والضحك المجرد من القهقهة، فنقل الإجماع على أنَّ القهقهة تبطل، فقال: ولا نعلم فيه مخالفًا.
وأما الضحك، فاشترط أن يبين منه حرفان، والله أعلم. (١)
مسألة [٢]: التبسم في الصلاة .
• ذهب عامة العلماء إلى أنَّ التبسم لا يفسد الصلاة، وخالف ابن سيرين، وابن حزم، فقالا: إنَّ التبسُّمَ يبطل الصلاة، والراجح قول الجمهور؛ لعدم وجود دليل يدل على البطلان. انظر المصادر السَّابِقة.
стр. 772
٢١٦ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁، قَالَ: كَانَ لِي مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَدْخَلَانِ، فَكُنْت إذَا أَتَيْته وَهُوَ يُصَلِّي تَنَحْنَحَ لِي. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: حكم التنحنح في الصلاة .
• ذهب الشافعي، وأحمد في رواية، ومالك في أحد قوليه إلى أن النحنحة إن أبانت حرفين؛ فهي كالكلام.
• وذهب أبو يوسف، وأحمد في رواية، ومالك في أحد قوليه، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أنها ليست مبطلة للصلاة، وكرهوا النحنحة بلا حاجة؛ وذلك لأنَّ المحَرَّمَ هو الكلام، والنحنحة لا تدخل في مسمى الكلام أصلًا؛ فإنها لا تدل بنفسها، ولا مع غيرها من الألفاظ على معنى، ولا يسمى فاعلها متكلمًا، وإنما يفهم مراده بقرينة، فصارت كالإشارة.
وهذا القول هو الراجح، وهو ترجيح الوادعي، والسعدي، وابن عثيمين رحمة الله عليهم. (٢)
стр. 773
فَصْلٌ فِي ذِكْرِ بَعْضِ المَسَائِلِ المُلْحَقَةِ
مسألة [١]: حكم النَّفْخِ في الصلاة .
كره أهل العلم النفخ في الصلاة.
• واختلفوا: هل يبطل الصلاة، أم لا؟ على ثلاثة أقوال:
الأول: أنه يبطل الصلاة إذا بان منه حرفان، وهو قول أحمد، والشافعي، ومالك، والثوري، وصحَّ عن ابن عباس أنه قال: من نفخ في صلاته؛ فقد تكلم. وهو في «مصنف عبدالرزاق (٢/ ١٨٩)، وابن أبي شيبة» (٢/ ٢٦٤).
الثاني: أنه لا يبطل الصلاة، وهو قول النخعي، وابن سيرين، ويحيى بن أبي كثير، وأحمد في رواية، وإسحاق، وهو ترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لأنَّ النفخ ليس بكلام، وقد صحَّ في «مسند أحمد» (٢/ ١٨٨)، و «سنن أبي داود» (١١٩٤)، وغيرهما عن عبدالله بن عمرو بن العاص، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في سجوده في صلاة الكسوف في الركعة الثانية بكى، وقال: «أف، أف، ربِّ ألم تعدني أن لا تعذبهم وأنا فيهم ... » الحديث.
الثالث: إنْ كان النفخ يسمع؛ فهو كالكلام، وإن لم يكن يسمع؛ فلا يبطل الصلاة، قال ابن قدامة ﵀ بعد أن نسب هذا القول لأبي حنيفة: فإنْ أراد ما لا يسمعه الإنسان من نفسه؛ فليس ذلك بنفخ، وإنْ أراد ما لا يسمعه غيره؛ فلا يصح؛ لأنَّ ما أبطل الصلاة إظهارُه أبطلها إسرارُه، وما لا، فلا، كالكلام. اهـ
стр. 774
والراجح هو القول الثاني. (١)
مسألة [٢]: ما يغلب على المصلي، كالعطاس، ونحوه .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ٦٢٣): فأما ما يغلب على المصلي من عطاسٍ، وبكاءٍ، وتثاؤبٍ؛ فالصحيح عند الجمهور أنه لا يبطل، وهو منصوص أحمد وغيره، وقد قال بعض أصحابه: إنه يبطل، وإن كان معذورًا كالناسي. اهـ
فائدة: قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: فاللفظ على ثلاث درجات:
أحدها: أن يدل على معنى بالوضع، إما بنفسه، وإما مع لفظ غيره، كـ: (في) و: (عن)، فهذا الكلام مثل: يد، و: دم، و: فم، و: خد.
الثاني: أن يدل على معنى بالطبع، كالتأوه، والأنين، والبكاء، ونحو ذلك.
الثالث: أن لا يدل على معنى، لا بالطبع ولا بالوضع، كالنحنحة.
ثم بيَّنَ أنَّ الذي يبطل هو النوع الأول، ببحث نفيس كما في «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ٦١٥ - ٦٢٤).
стр. 775
٢١٧ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄[قَالَ] (١): قُلْت لِبِلَالٍ: كَيْفَ رَأَيْت النَّبِيَّ ﷺ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ حِينَ يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي؟ قَالَ: يَقُولُ هَكَذَا، وَبَسَطَ كَفَّهُ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: الرَّدُّ على السَّلام كلامًا .
• ذهب جمهور العلماء إلى أنَّ الردَّ على السلام كلامًا يبطل الصلاة، وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وغيرهم.
واستدلوا على ذلك بحديث جابر في «صحيح مسلم» (٥٤٠)، قال: بعثني رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في حاجة، فرجعت وهو يصلي على راحلته، ووجهه إلى غير القبلة، فسلمت عليه، فلم يرد عليَّ، فلما انصرف قال: «إنه لم يمنعني أنْ أردَّ عليك إلا أني كنت أصلي».
стр. 776
وبحديث ابن مسعود في «الصحيحين» (١)، أنه قال: يا رسول الله، كُنَّا نسلم عليك في الصلاة، فترد علينا، فقال: «إنَّ في الصلاةَ لشُغْلًا».
• وكان سعيد بن المسيب، وقتادة، والحسن، لا يرون بذلك بأسًا، وكأنهم لم تبلغهم الأدلة، والله أعلم.
والراجح قول الجمهور. (٢)
مسألة [٢]: الرد على السلام إشارةً .
• ذهب جمهور العلماء إلى استحباب أن يرد المصلي على السلام بالإشارة، واستدلوا بالأحاديث المذكورة في الباب.
• وقد قال أبو حنيفة: لا يرد السلام، ولا أحب أن يشير.
قال ابن المنذر ﵀: فاستحب خلاف ما سنَّه رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لأمته.
قلتُ: وقد استُدِلَّ له بحديث أبي هريرة ﵁: «من أشار بالصلاة إشارة تفهم عنه؛ فلْيُعِدِ الصلاة»، رواه أبو داود (٩٤٤).
وهو حديث ضعيفٌ، فيه: ابن إسحاق، مدلسٌ، وقد عنعن.
وقال أبو داود: هذا الحديث وهَمٌ.
وقال أحمد: لا يثبت إسناده، ليس بشيء.
стр. 777
قلتُ: والحديث في «الصحيحين» بلفظ: «التسبيح للرجال والتصفيق للنساء» بدون الزيادة المذكورة؛ فهي زيادة منكرة، والصحيح ما ذهب إليه الجمهور.
وقد ثبت عن ابن عباس ﵄ عند عبد الرزاق (٢/ ٣٣٧)، وابن أبي شيبة (٢/ ٧٤)، أنه سلم عليه موسى بن جميل، وهو يصلي؛ فقبض ابن عباس بيده.
وأخرج ابن أبي شيبة (٢/ ٧٤) فقال: حدثنا حفص، وأبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، قال: ما كنت لأسلم على رجل وهو يصلي، زاد أبو معاوية: ولو سلم علي لرددت عليه.
وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات، وأخرجه ابن المنذر (٣/ ٢٥١).
وهذا محمول على أنه قصد الرد بالإشارة؛ فقد ثبت عنه عند ابن المنذر (٣/ ٢٥٢) أنه قال: لا ترد عليه حتى تنقضي صلاتك.
وقد روى أيضًا جابر ﵁، عن النبي ﷺ أنه سلم عليه وهو يصلي؛ فرد عليه النبي ﷺ بالإشارة. أخرجه مسلم (١٢٣٤).
والصحيح ما ذهب إليه الجمهور.
• وقد ذهب النخعي إلى أنه يرد بنفسه.
• وذهب قومٌ إلى أنه يرد بعد الصلاة، منهم: عطاء، والنخعي، والثوري، وهذا
стр. 778
القول لا بأس به، والأفضل ما ذهب إليه الجمهور من أنه يرد بالإشارة. (١)
مسألة [٣]: هل يكره السلامُ على المصلي ؟
• ذهب عطاء، وأبو مجلز، والشعبي، وإسحاق إلى كراهته؛ لأنه ربما غلط المصلي، فرد كلامًا. وتقدم آنفًا الأثر عن جابر ﵁ في اختياره لترك ذلك.
• بينما ذهب أحمد، والشافعي، وأصحابهما، ومالك، وغيرهم إلى عدم الكراهة.
وهذا القول هو الصحيح.
قال النووي ﵀: وهو الذي تقتضيه الأحاديث الصحيحة.
وقد ثبت عن ابن عمر ﵄ بإسنادٍ صحيحٍ عند ابن المنذر (٣/ ٢٥١) أنه مر برجل قائم يصلي، فسلم عليه ثم قعد، فرد عليه المصلي السلام، ورجع الدار فقال: إن المصلي لا يتكلم؛ فإذا سلم عليك أحد وأنت تصلي؛ فأشر بيدك ولا تتكلم. وهو عند عبد الرزاق (٢/ ٣٣٦)، وابن أبي شيبة (٢/ ٧٤) بنحوه. (٢)
مسألة [٤]: الإشارة في الصلاة بغير السلام .
قال ابن المنذر ﵀ في «الأوسط» (٣/ ٢٥٣): وقد سنَّ النبي ﷺ الإشارة في الصلاة في غير موضعٍ، من ذلك إشارته إلى الذين صلوا خلفه قيامًا أنِ اجلسوا، وأومأ إلى أبي بكر يوم خرج إلى بني عمرو بن عوف أنِ امضه. اهـ
стр. 779
قلتُ: وفي «الصحيحين» (١) من حديث أم سلمة أنَّ جاريتها سألت النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عن الركعتين بعد العصر، فأشار بيده، فاستأخرت.
وأخرج ابن المنذر بإسنادٍ صحيحٍ عن ثابت، عن أبي رافع قال: كان يجيء الرجلان إلى الرجل من أصحاب رسول الله ﷺ وهو في الصلاة، فيشهد أنه على الشهادة، فيصغي لهما بسمعه، فإذا فرغا يومئ برأسه أي نعم.
ولذلك فقد ذهب الجمهور إلى جواز الإشارة للحاجة، وخالف أبو حنيفة، واستدل بالحديث السابق، وقد تقدم أنه ضعيفٌ. (٢)
стр. 780
٢١٨ - وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁، قَالَ: كَانَ رَسُولُ ﷺ يُصَلِّي وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بِنْتَ زَيْنَبَ فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا، وَإِذَا قَامَ حَمَلَهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
وَلِمُسْلِمٍ: وَهُوَ يَؤُمَّ النَّاسَ فِي المَسْجِدِ.
٢١٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ «اقْتُلُوا الأَسْوَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ: الحَيَّةَ، وَالعَقْرَبَ». أَخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين
مسألة [١]: حمل الصبي في الصلاة .
• ذهب جمهور العلماء إلى جوازه، وهو قول الشافعي، وأبي ثور، واستدلوا بحديث أبي قتادة الذي في الباب، وخالف أبو حنيفة، فقال بفساد صلاته.
والراجح قول الجمهور. (٣)
مسألة [٢]: المرأة ترضع صبيها .
• قال ابن المنذر ﵀ في «الأوسط» (٣/ ٢٧٨): واختلفوا في المرأة ترضع صبيها، فقال الأوزاعي مرةً: قطعت صلاتها. وقال مرةً: إنْ كانت من ضرورة؛ فلا
стр. 781
بأس به. وقال أبو ثور: إنْ لم ينكشف ثديها؛ فصلاتها تامة. اهـ
قلتُ: قول أبي ثور أقرب، وهو قول الحسن والنخعي كما في «فتح الباري» لابن رجب (٥١٦)، والله أعلم.
مسألة [٣]: قتل الحية، والعقرب أثناء الصلاة .
قال الإمام الشوكاني -رحمه الله تعالى- في «نيل الأوطار» (٢/ ٣٤٢): والحديث يدل على جواز قتل الحية، والعقرب في الصلاة من غير كراهة، وقد ذهب إلى ذلك جمهور العلماء كما قال العراقي، وحكى الترمذي عن جماعة كراهة ذلك، منهم: إبراهيم النخعي. اهـ
قلتُ: والراجح ما ذهب إليه الجمهور، وهو الجواز من غير كراهة، وقد صحَّ ذلك عن ابن عمر ﵄ كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٢/ ٩٠).
قال ابن المنذر ﵀ في «الأوسط» (٣/ ٢٧١): وكره قتل العقرب في الصلاة النخعي، ولا معنى لقوله مع أمر رسول الله ﷺ بقتله، ثم هو بنفسه قولٌ شاذٌّ لا نعلم أحدًا قال به. اهـ. (١)
مسألة [٤]: قتل القمل، والبراغيث في الصلاة .
• ذهب الإمام أحمد، وإسحاق إلى جوازه.
واستدلوا بحديث الباب بجامع الأذية والانشغال عن الصلاة، وهو ثابت عن معاذ ﵁ عند ابن أبي شيبة (٢/ ٣٦٧، ٣٦٨).
стр. 782
• وكرهه الليث، وأبو يوسف، وقال الأوزاعي: تركُ ذلك أحبُّ إليَّ.
والراجح القول الأول -والله أعلم-؛ لأنها ربما تؤذيه، وإذا أخَّرَ قتلها شغلته عن الصلاة. (١)
стр. 783
فَصْلٌ فِي ذِكْرِ بَعْضِ المَسَائِلِ المُلْحَقَةِ
مسألة [١]: العمل في الصلاة من غير جنس الصلاة .
نقل جماعةٌ من أهل العلم الإجماعَ على أنَّ العمل الكثير المتوالي في الصلاة يبطلها، وممن نقل الإجماع: الحافظ في «الفتح» (١٢١١)، وصاحب «الشرح الكبير» (١/ ٧٠٥)، وصاحب «المبدع» (١/ ٤٨٤).
• ثم اختلف أهل العلم في ضابط الكثير الذي يبطل الصلاة على أقوال، ذكر النووي في «شرح المهذب» أربعة أوجه في مذهب الشافعية، وهي:
١) القليل ما لا يسع زمانه فعل ركعة، والكثير ما يسعها. قال النووي: وهذا ضعيفٌ، أو غلطٌ.
٢) كل عمل لا يحتاج إلى يديه جميعًا، قليل، وما احتاج كثيرٌ.
٣) القليل ما لا يظن الناظر إليه أنَّ فاعله ليس في الصلاة، والكثير ما يظن أنه ليس فيها.
٤) وهو الصحيح المشهور، وبه قطع المصنف -يعني الشيرازي- والجمهور أنَّ الرجوع فيه إلى العادة، فلا يضر ما يعده الناس قليلًا، كالإشارة برد السلام، وخلع النعل، ورفع العمامة ووضعها، ولبس ثوب خفيف، ونزعه، وحمل صغير ووضعه، ودفعِ مارٍّ، ودلك البصاق في ثوبه، وأشباه هذا، وأما ما عدَّهُ الناس كثيرًا، كخطوات كثيرة متوالية، وفعلات متتابعة؛ فتبطل الصلاة. اهـ
стр. 784
والراجح في تعيين الكثير هو ما صححه النووي، وهو الذي عليه جمهور الحنابلة، وأما تقدير الشافعية العمل الكثير بثلاث حركات متوالية؛ فليس عليه دليل، وقد صحَّ عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- خلع النعال، وحمل البنت في الصلاة، والصعود على المنبر، والهبوط منه، وهذا يظهر منه أنه أكثر من ثلاث حركات. (١)
فائدة: قال الإمام ابن عثيمين ﵀ في «الشرح الممتع» (٣/ ٣٥٦ - ٣٥٨): والحركة التي ليست مِن جِنْسِ الصَّلاة تنقسم إلى خمسة أقسام:
١) واجبة. ... ٢) مندوبة. ... ٣) مباحة. ... ٤) مكروهة. ... ٥) محرَّمة.
والذي يبطل الصلاة منها هو المُحرَّم؛ فالحركة الواجبة: هي التي يتوقَّف عليها صحَّةُ الصَّلاة، والحركة المندوبة هي التي يتوقف عليها كمال الصلاة، والحركة المباحة هي الحركة اليسيرة للحاجة، أو الكثيرة للضرورة، والحركة المكروهة هي اليسيرة لغير حاجة، والحركة المحرمة هي الكثيرة المتوالية لغير ضرورة. انتهى باختصار.
وقد ذكر ﵀ أمثلة لكل قسم منها، فراجعها.
مسألة [٢]: عمل القلب في الصلاة هل يبطلها ؟
• ثبت في «الصحيحين» (٢) عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إذا
стр. 785
أذَّنَ المؤذنُ بالصلاة أدبر الشيطان وله ضراطٌ، حتى لا يسمع التأذين، فإذا سكت المؤذن أقبل، فلا يزال بالمرء يقول له: اذكر ما لم يكن يذكر، حتى لا يدري كم صلى، فإذا وجد ذلك أحدكم؛ فليسجد سجدتين وهو جالسٌ».
وفي «مسند أحمد» (٣/ ٤٢٧)، من حديث أبي اليسر بإسناد صحيح مرفوعًا: «منكم من يصلي الصلاة كاملة، ومنكم من يصلي النصف، والثلث، والربع، والخمس»، حتى بلغ العشر، وعنده (٤/ ٣١٩، ٣٢١)، بنحوه بإسناد حسنٍ عن عمار بن ياسر ﵁.
وقال الإمام البخاري في «صحيحه» في [كتاب العمل في الصلاة]: باب تفكر الرجل في الشيء في الصلاة. وقال عمر: إني لأُجَهِّزُ جيشي، وأنا في الصلاة.
ثم استدل بحديث أبي هريرة المتقدم.
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في «فتح الباري» (٦/ ٤٣٥): والمقصود من تخريجه في هذا الباب: أن الشيطان يأتي المصلي، فيذكره ما لم يكن يذكره، حتى يلبس عليه صلاته، فلا يدري كم صلى، وأنَّ صلاته لاتبطل بذلك، بل يؤمر بسجود السهو؛ لِشَكِّهِ في صلاته، وقد حكى غير واحد من العلماء الإجماع على ذَلِكَ، ومنهم من قال: هو إجماع من يعتد به. وهذا يشعر بأنه خالف فيه من لا يعتد به، وقد قال طائفة قليلة من متأخري أصحابنا والشافعية: إنه إذا غلب الفكر على المصلي في أكثر صلاته، فعليه الإعادة؛ لفوات الخشوع فيها.
ثم ذكر الخلاف أيضًا عن أبي زيد المروزي الشافعي، وابن حامد الحنبلي.
стр. 786
ثم قال: والحديث حجَّةٌ على هذه الأقوال كلها. انتهى.
مسألة [٣]: إذا عمل في الصلاة عملاً زائدًا من جنسها .
قال شمس الدين ابن قدامة ﵀ في «الشرح الكبير» (١/ ٧٠١): الزيادة في الصلاة تنقسم إلى قسمين: زيادة أقوال، وزيادة أفعال، وزيادة الأفعال تتنوع نوعين، أحدهما: زيادة من جنس الصلاة، مثل أن يقوم في موضع جلوس، أو يجلس في موضع قيام، أو يزيد ركعة، أو ركنًا؛ فإنْ فعله عمدًا؛ بطلت صلاته إجماعًا، وإنْ كان سهوًا؛ سجدَ له، قليلًا كان أو كثيرًا؛ لقول رسول الله ﷺ : «إذا زاد الرجلُ، أو نقص؛ فليسجد سجدتين»، رواه مسلم. (١) اهـ المراد.
قال الإمام ابن عثيمين ﵀ في «الشرح الممتع» (٣/ ٤٦٤): الظاهر أن المراد بالفعل ما ذَكَرَهُ المؤلِّف وبيَّنه بقوله: (قياماً)، أو (قعوداً)، أو (ركوعاً)، أو (سجوداً)؛ لأن كلمة (فِعْل) هذه مجملة.
وقوله: (قياماً) (قعوداً) (ركوعاً) (سجوداً) هذه مبيِّنة؛ فالظاهر أن هذا هو المراد، وأنه لو زَادَ فِعْلاً غير هذه الأفعال الأربعة كرَفْعِ اليدين مثلاً في غير مواضع الرَّفْع، فإنه لا يدخل في عموم كلام المؤلِّف، فلا تبطل الصلاة بعمده، ولا يجب السجود لسهوه. انتهى.
قلتُ: ولم أر من أبطل الصلاة؛ بزيادة فِعْلٍ لا يغير هيئة الصلاة، كرفع اليدين.
стр. 787
مسألة [٤]: من قرأ الفاتحة مرتين .
قال الشيرازي ﵀ في «المهذب» (٤/ ٩٠): فإن قرأ فاتحة الكتاب مرتين عامدًا؛ فالمنصوص أنه لا تبطل صلاته؛ لأنه تكرار ذكر، فهو كما لو قرأ السورة بعد الفاتحة مرتين، ومن أصحابنا من قال: تبطل؛ لأنه ركنٌ زادَه في الصلاة، فهو كالركوع والسجود. اهـ
قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٤/ ٩١): فإن قرأ الفاتحة مرتين سهوًا لم يضر، وإن تعمد؛ فوجهان: الصحيح المنصوص: لا تبطل؛ لأنه لا يخل بصورة الصلاة، والثاني: تبطل كتكرار الركوع، وهذا الوجه حكاه إمام الحرمين عن أبي الوليد النيسابوري من متقدمي أصحابنا الكبار، تفقه على ابن سريج، وحكاه صاحب «العدة» عن أبي علي بن خيران، وأبي يحيى البلخي، قال: وحكاه الشيخ أبو حامد عن القديم، والمذهب أنها لا تبطل، وبه قال الأكثرون، وكذا لو كرر التشهد الأخير، والصلاة على رسول ﷺ عمدًا لا تبطل؛ لما ذكرناه، قال المتولي وغيره: وإذا كرر الفاتحة، وقلنا لا تبطل صلاته، لا يجزيه عن السورة بعد الفاتحة. اهـ
مسألة [٥]: العمل الكثير من غير جنس الصلاة سهوًا، أو جهلاً هل يبطل الصلاة ؟
قال ابن رجب ﵀ في «فتح الباري» (٦/ ٣٨٤): فأما الناسي والجاهل؛ فأكثر أصحابنا، والشافعية أن عمله الكثير يبطل كَعَمْدِهِ، ومن الشافعية من قال:
стр. 788
فيه وجهان، أصحهما: لايبطل كالكلام، وكذلك حكى بعض أصحابنا رواية عن أحمد، أنه لايبطل عمل الساهي وإن كثر. وقال: هي أصح. واستدل بما فعله النبي ﷺ في خبر ذي اليدين، حين سلم ساهيًا، ثم لمَّا ذكرَ بنى على صلاته. اهـ
قلتُ: القول بعدم البطلان أقرب، ويدل عليه أيضًا حديث معاوية بن الحكم السلمي عند أن عطس في الصلاة، فتكلم جهلًا، والله أعلم.
مسألة [٦]: القراءة من المصحف في الصلاة ؟
• ذهب إلى جواز ذلك ابن سيرين، والحسن، وعطاء، والحكم، وعائشة بنت طلحة، وصح ذلك عن عائشة وأنس ﵄.
قال ابن أبي شيبة ﵀ (٢/ ٣٣٨): حدثنا ابن علية، عن أيوب، قال: سمعت القاسم، يقول: كان يؤم عائشة عبد يقرأ في المصحف. إسناده صحيح، رجاله رجال الشيخين.
قال: وحدثنا يحيى بن آدم، قال: حدثنا عيسى بن طهمان، قال: حدثني ثابت البناني، قال: كان أنس يصلي وغلامه يمسك المصحف خلفه، فإذا تعايا في آية، فتح عليه. وإسناده صحيح، رجاله ثقات.
• وذهب بعض أهل العلم إلى كراهة ذلك، وهو قول النخعي ومجاهد وحماد وقتادة وأبي عبد الرحمن السلمي.
والصحيح هو القول الأول؛ لأنه عمل يسير لحاجة، وقد فعله الصحابة رضوان الله عليهم.
стр. 789
مسألة [٧]: الأكل والشرب في الصلاة .
قال ابن المنذر ﵀ في «الأوسط» (٣/ ٢٤٨ - ٢٤٩): أجمع أهل العلم على أنَّ المصلي ممنوع من الأكل والشرب، وأجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أنَّ على من أكل، أو شرب في الصلاة عامدًا الإعادة.
• قال: وقد اختلفوا في الشرب في التطوع: فَرُوِيَ عن ابن الزبير، وسعيد بن جبير أنهما شربا في الصلاة التطوع، حدثونا عن يحيى بن يحيى قال: ثنا هشيم، عن منصور، عن أبي الحكم، قال: رأيت ابن الزبير يشرب الماء، وهو في الصلاة.
قال: ورُوِي عن طاوس أنه قال: لا بأس به. وقال إسحاق: إنْ فعله في التطوع؛ فلا إعادة عليه، وتَرْكُهُ أَسْلَم.
ثم قال ابن المنذر ﵀: إذا شرب المصلي في الصلاة التطوع عامدًا؛ فعليه الإعادة، وكل من حُكِيَ عنه أنه شرب في التطوع كان شربه ساهيًا إنْ ثبت ذلك عن ابن الزبير، والذي رَوَى عن طاوس ما ذكره ليث. اهـ
قلتُ: أثر ابن الزبير ضعيفٌ؛ لجهالة شيخ ابن المنذر، وأبو الحكم لم أعرفه، وأثر طاوس أيضًا ضعيفٌ؛ لضعف ليث بن أبي سليم، الراوي عنه، والراجح ما رجحه ابن المنذر.
مسألة [٨]: الأكل والشرب في الصلاة ناسيًا .
• قال ابن المنذر ﵀ في «الأوسط» (٣/ ٢٤٨): واختلفوا فيمن أكل، أو شرب
стр. 790
في الصلاة ناسيًا، فكان عطاء يقول: إذا شرب في الصلاة ناسيًا؛ أتَمَّ صلاته، وسجد سجدتي السهو، وإن شرب عامدًا؛ أعاد. اهـ
ثم رَّجح ابن المنذر ما ذهب إليه عطاء، واستدل عليه بحديث ذي اليدين، فقاس الأكل، والشرب على الكلام، واستدل عليه أيضًا بنسيان الصائم، فقاس عليه نسيان المصلي، وهو مذهب الشافعي، وأحمد.
• وخالف الأوزاعي، وأصحاب الرأي، فقالوا بالبطلان، وهو وجه للشافعية فيما إذا أكل كثيرًا.
والراجح القول الأول، والله أعلم. (١)
مسألة [٩]: بقايا الطعام في الفم .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٢/ ٤٦٢): إنْ ترك في فيه ما يذوب، كالسُّكَّرِ، فذاب منه شيء، فابتلعه؛ أفسد صلاته؛ لأنَّه أَكْلٌ، وإنْ بقي في أسنانه، أو في فيه من بقايا الطعام يسير، يجري به الريق لم تفسد صلاته؛ لأنه لا يمكن الاحتراز منه. اهـ
وهذا الذي قرره ابن قدامة هو مذهب الشافعية أيضًا كما في «شرح المهذب» (٤/ ٨٩ - ٩٠).
стр. 791
مُلْحَقٌ فِي بَابِ شُرُوطِ الصَّلاةِ
الشرط التاسع: النية .
نقل غير واحد من أهل العلم الإجماع على أنَّ الصلاة لا تجزئ إلا بالنية، منهم: ابن المنذر، والشيرازي، وغيرهما. (١)
والدليل على اشتراط النية قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة:٥]، وقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنما الأعمال بالنيات»، والنية هي: القصد والإرادة.
مسألة [١]: حكم الجهر بالنية .
قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ٢١٨): والجهر بالنية لا يجب، ولا يستحب باتفاق المسلمين، بل الجاهر بالنية مبتدع، مخالف للشريعة إذا فعل ذلك معتقدًا أنه من الشريعة؛ فهو جاهل، ضال يستحق التعزير والعقوبة على ذلك. اهـ
وقال في (٢٢/ ٢٣٥): وأما الجهر بالنية، وتكريرها؛ فبدعة سيئة ليست مستحبة باتفاق المسلمين؛ لأنها لم يكن يفعلها رسول الله ﷺ ، ولا خلفاؤه الراشدون. اهـ
стр. 792
مسألة [٢]: حكم التلفظ بالنية دون جهر .
قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ٢٣١): ولكن تنازع العلماء: هل يستحب التلفظ بالنية سرًّا أم لا؟ هذا فيه قولان معروفان للفقهاء:
فقالت طائفة من أصحاب أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد: يستحب التلفظ بها؛ لكونه أوكد.
وقالت طائفة من أصحاب مالك، وأحمد، وغيرهما: لا يستحب التلفظ بها؛ لأن ذلك بدعة لم تنقل عن رسول الله ﷺ ، ولا عن أصحابه، ولا أمر النبي ﷺ أحدًا من أمته أن يتلفظ بالنية، ولا عَلَّمَ ذلك أحدًا من المسلمين، ولو كان هذا مشهورًا مشروعًا لم يهمله النبي ﷺ وأصحابه، مع أن الأمة مبتلاة به كل يوم وليلة.
وهذا القول أصح الأقوال، بل التلفظ بالنية نقصٌ في العقل والدين، أما في الدين؛ فَلِأَنَّه بدعة، وأما في العقل؛ فَلِأَنَّه بمنزلة من يريد أن يأكل طعامًا فيقول: نويت بوضع يدي في هذا الإناء أني أريد أن آخذ منه لقمةً، فأضعها في فمى، فأمضغها، ثم أبلعها؛ لأشبع. اهـ
قلتُ: القول بأنَّ التلفظ بها بدعة هو القول الصواب، والله أعلم.
مسألة [٣]: محل النية .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ٢٣٠): نية الطهارة من وضوء، أو غسل، أو تيمم، والصلاة، والصيام، والحج، والزكاة،
стр. 793
والكفارات، وغير ذلك من العبادات لا تفتقر إلى نطق اللسان باتفاق أئمة الإسلام، بل النية محلها القلب دون اللسان باتفاقهم، فلو لفظ بلسانه غلطًا بخلاف ما نوى في قلبه؛ كان الاعتبار بما نوى، لا بما لفظ، ولم يذكر أحدٌ في ذلك خلافًا، إلا أن بعض متأخري أصحاب الشافعى ﵀ خَرَّجَ وجهًا في ذلك، وَغَلَّطَهُ فيه أئمة أصحابه، وكان سبب غلطه أن الشافعي قال: (إن الصلاة لابد من النطق في أولها)، وأراد الشافعي بذلك التكبير الواجب في أولها، فظن هذا الغالط أن الشافعي أراد النطق بالنية، فَغَلَّطَهُ أصحابُ الشافعي جميعهم. انتهى.
قلتُ: وهذا الغالط الذي غَلِطَ في كلام الشافعي هو أبو عبد الله الزبيري، ذكر ذلك صاحب «الحاوي»، ونقله عنه النووي في «شرح المهذب» (٣/ ٢٧٧)، ونصُّ كلام الشافعي بتمامه: إذا نوى حجًّا، أو عمرةً أجزأَ، وإن لم يتلفظ، وليس كالصلاة، لا تصح إلا بالنطق.
مسألة [٤]: محل النية من الصلاة .
أجمع العلماء على أن نية الصلاة تكون عند التكبير.
ثم اختلفوا: هل يُشترط مقارنتها للتكبير أم لا؟
• فذهب الشافعي، وابن المنذر إلى وجوب مقارنة النية للتكبير، لا بعده، ولا قبله.
• وذهب أحمد، وأبو حنيفة إلى جواز تقديمها بالزمن اليسير.
• وذهب ابن حزم إلى وجوب تقديمها على التكبير متصلة به.
стр. 794
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ٢٢٩): والمقارنة المشروطة قد تُفَسَّرُ بوقوع التكبير عقيب النية، وهذا ممكن لا صعوبة فيه، بل عامة الناس إنما يُصَلُّونَ هكذا، وهذا أمر ضروري، لو كُلِّفُوا تَرْكَه؛ لَعَجزوا عنه.
وقد تُفَسَّرُ بانبساط آخر النية على آخر التكبير، بحيث يكون أولها مع أوله، وآخرها مع آخره، وهذا لا يصح؛ لأنه يقتضي عزوب كمال النية في أول الصلاة، وخلو أول الصلاة عن النية الواجبة، وقد تفسر بحضور جميع النية مع جميع آخر التكبير، وهذا تنازعوا في إمكانه.
فمن العلماء من قال: إن هذا غير ممكن، ولا مقدور للبشر عليه فضلًا عن وجوبه، ولو قيل بإمكانه؛ فهو متعسر، فيسقط بالحرج، وأيضا فمما يبطل هذا والذي قبله: أن المكبر ينبغي له أن يتدبر التكبير ويتصوره، فيكون قلبه مشغولًا بمعنى التكبير لا بما يشغله عن ذلك من استحضار النية، ولأن النية من الشروط، والشروط تتقدم العبادات، ويستمر حكمها إلى آخرها كالطهارة، والله أعلم. انتهى.
قال أبو عبد الله غفر الله له: يتبين من هذا الكلام النفيس لشيخ الإسلام ﵀ أنَّ النية تكون قبل تكبيرة الإحرام متصلة بها، كما قال ابن حزم، بحيث لا يخلو جزء من التكبير من تمام النية، وهذا هو الراجح، والله أعلم.
ولكن ابن حزم لا يجيز تقدمها بزمنٍ يسير، ولا كثير، وقد تقدم أنَّ مذهب
стр. 795
أحمد، وأبي حنيفة، ونقله ابن حزم عن مالك جواز تقدمها بالزمن اليسير، وهذا هو الراجح، ويُشترط أن لا يقطعها.
واختلفوا في تقدمها على العبادة بالزمن الكثير:
• فذهب أكثر أهل العلم إلى عدم الجواز.
• وذهب الإمام أحمد في رواية عنه إلى الجواز ما لم يفسخها، واختاره جماعة من الحنابلة كما في «الإنصاف»، منهم: شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو مذهب الحنفية، وأبي يوسف، وهذا القول هو الصحيح؛ لأنَّه مستصحب للنية حكمًا، ويشمله قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنما الأعمال بالنيات».
وقد صحح هذا القول الإمام ابن عثيمين ﵀. (١)
تنبيه: إذا نوى الصلاة قبل أدائها بزمن يسير، أو كثير، وما زال مستصحبًا لها ذِكرًا؛ صَحَّت صلاته باتفاق العلماء. قاله شيخ الإسلام كما في «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ٢٢٨).
مسألة [٥]: استصحاب النية في الصلاة .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٢/ ١٣٤): وَالْوَاجِبُ اسْتِصْحَابُ حُكْمِ النِّيَّةِ دُونَ حَقِيقَتِهَا، بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَنْوِي قَطْعَهَا، وَلَوْ ذَهَلَ عَنْهَا، وَعَزَبَتْ عَنْهُ فِي أَثْنَاءِ
стр. 796
الصَّلَاةِ، لَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ فِي صِحَّتِهَا؛ لِأَنَّ التَّحَرُّزَ مِنْ هَذَا غَيْرُ مُمْكِنٍ، وَلِأَنَّ النِّيَّةَ لَا تُعْتَبَرُ حَقِيقَتُهَا فِي أَثْنَاءِ الْعِبَادَةِ، بِدَلِيلِ الصَّوْمِ وَغَيْرِهِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ، وَلَهُ حُصَاصٌ، فَإِذَا قُضِيَ التَّثْوِيبُ أَقْبَلَ حَتَّى يَخْطِرَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ، يَقُولُ: اُذْكُرْ كَذَا، اُذْكُرْ كَذَا، حَتَّى يَظَلَّ أَحَدُكُمْ لَا يَدْرِيَ كَمْ صَلَّى». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١) اهـ
مسألة [٦]: هل يُشترط في النية تعيين الصلاة ؟
• ذهب جمهور العلماء إلى اشتراط تعيين الصلاة بعينها؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى».
• وذهب الشافعية، وبعض الحنابلة إلى أنه يكفيه أن ينوي فرضَ الوقت، وإن لم يُعَيِّنْهُ.
والراجح القول الأول؛ لأنه إذا كان قد نوى فرض الوقت؛ فإنه يكون قد نوى عين الصلاة حالًا، أو ماضيًا، ويكون مستصحبًا لها حكمًا، وهذا جائزٌ كما تقدم. (٢)
مسألة [٧]: هل يُشترط نية الفرضية ؟
• للشافعية، والحنابلة وجهان في اشتراط الفرضية، ومعنى ذلك أن ينوي أن يصلي الظهر فرضًا، لا نافلةً.
стр. 797
والصحيح أنه لا يُشترط؛ لأنَّ تعيين الفريضة يُغني عنها؛ لكون الظهر مثلًا لا يكون من المكلف إلا فرضًا. (١)
مسألة [٨]: حكم قطع النية، والتردد في قطعها .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٢/ ١٣٣ - ١٣٤): وَإِذَا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ بِنِيَّةٍ مُتَرَدِّدَةٍ بَيْنَ إتْمَامِهَا وَقَطْعِهَا، لَمْ تَصِحَّ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ عَزْمٌ جَازِمٌ، وَمَعَ التَّرَدُّدِ لَا يَحْصُلُ الْجَزْمُ، وَإِنْ تَلَبَّسَ بِهَا بِنِيَّةٍ صَحِيحَةٍ، ثُمَّ نَوَى قَطْعَهَا، وَالْخُرُوجَ مِنْهَا؛ بَطَلَتْ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تَبْطُلُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ صَحَّ دُخُولُهُ فِيهَا، فَلَمْ تَفْسُدْ بِنِيَّةِ الْخُرُوجِ مِنْهَا كَالْحَجِّ.
وَلَنَا: أَنَّهُ قَطَعَ حُكْمَ النِّيَّةِ قَبْلَ إتْمَامِ صَلَاتِهِ، فَفَسَدَتْ، كَمَا لَوْ سَلَّمَ يَنْوِي الْخُرُوجَ مِنْهَا، وَلِأَنَّ النِّيَّةَ شَرْطٌ فِي جَمِيعِ الصَّلَاةِ، وَقَدْ قَطَعَهَا بِمَا حَدَثَ، فَفَسَدَتْ؛ لِذَهَابِ شَرْطِهَا، وَفَارَقَتْ الْحَجَّ؛ فَإِنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنْهُ بِمَحْظُورَاتِهِ، وَلَا بِمُفْسِدَاتِهِ، بِخِلَافِ الصَّلَاةِ. فَأَمَّا إنْ تَرَدَّدَ فِي قَطْعِهَا، فَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: لَا تَبْطُلُ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ فِيهَا بِنِيَّةٍ مُتَيَقَّنَةٍ، فَلَا تَزُولُ بِالشَّكِّ وَالتَّرَدُّدِ كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ. وَقَالَ الْقَاضِي: يَحْتَمِلُ أَنْ تَبْطُلَ. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ اسْتِدَامَةَ النِّيَّةِ شَرْطٌ وَمَعَ التَّرَدُّدِ لَا يَكُونُ مُسْتَدِيمًا لَهَا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ نَوَى قَطْعَهَا. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: ما قرره ابن قدامة في هذا الكلام هو الصواب، وأما مسألة التردد؛ فالصحيح ما ذهب إليه ابن حامد، وهو وجهٌ عند الحنابلة، من أنَّ
стр. 798
النية لا تنقطع بالتردد، وقد صحح الإمام ابن عثيمين هذا القول؛ وذلك لأنَّ الأصل بقاء النية، والتردد لا يبطلها. (١)
مسألة [٩]: تحويل النية من فريضة إلى فريضة أخرى أثناء الصلاة .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٢/ ١٣٥): وَإِذَا أَحْرَمَ بِفَرِيضَةٍ، ثُمَّ نَوَى نَقْلَهَا إلَى فَرِيضَةٍ أُخْرَى، بَطَلَتْ الْأُولَى؛ لِأَنَّهُ قَطَعَ نِيَّتَهَا، وَلَمْ تَصِحَّ الثَّانِيَةُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِهَا مِنْ أَوَّلِهَا. اهـ
قلتُ: وهو مذهب الشافعية بغير خلاف بينهم. (٢)
مسألة [١٠]: تحويل النية من فريضة إلى نافلة مطلقة .
• إذا كان الوقت واسعًا، والتحويل لغرض صحيح، مثل أن يحرم منفردًا، ثم تحصل جماعةٌ؛ فيصح تحويل النية إلى نفل على الأصح من مذهب الشافعية، والحنابلة؛ وذلك لأنَّ نية الفريضة تشمل نيةَ الصلاة وزيادة على ذلك نية الفرضية، والتعيين، فإذا ألغى نية الفرضية والتعيين، بقي نية الصلاة، وهي النافلة، وهذا القول هو الصحيح، وقد رجَّحه الإمام ابن عثيمين ﵀.
• وأما إذا كان التحويل لغير غرضٍ صحيح؛ فالأصح عند الشافعية، والحنابلة عدم الصحة، وذهب بعض الشافعية، والحنابلة إلى الصحة مع الكراهة، وهذا القول أقرب؛ لِمَا تقدم، وأما الكراهة فلكون الفريضة مقدمة على النافلة، ولكونه
стр. 799
أسرع إلى إبراء الذمة.
وقد رجَّح هذا القول الإمام ابن عثيمين ﵀، وقال في «الإنصاف»: إنه الصحيح في مذهب الحنابلة. (١)
مسألة [١١]: تحويل النية من فريضة إلى نافلة معينة كالوتر، والنافلة المعينة إلى نافلة مطلقة .
قال الإمام ابن عثيمين ﵀: إذا انتقل من نَفْل معيَّن إلى نَفْل معيَّن؛ فالحكم كما لو انتقل من فَرْض إلى فَرْض، فلو انتقل مثلًا من راتبة العشاء إلى الوِتر، فالرَّاتبة معيَّنة والوِتر معيَّنة، بطل الأول، ولم ينعقد الثاني؛ لأن الانتقال من معيَّن إلى معيَّن يُبطل الأول، ولا ينعقد به الثَّاني، سواء أكان فريضة أم نافلة.
وإن انتقل من فَرض معيَّن، أو من نَفْل معيَّن إلى نَفْل مطلق؛ صحَّ، وهذه الصُّورة الرابعة، لكن يُشترط في الفرض أن يكون الوقت مُتَّسعًا، والتَّعليل: لأن المعيَّن اشتمل على نيَّتين: نيَّة مطلقة، ونيَّة معيَّنة، فإذا أبطل المعيَّنة بقيت المطلقة. اهـ (٢)
ونستفيد مما تقدم: أنَّ تحويل النافلة المطلقة إلى فريضة، أو إلى نافلة معينة لا يصح؛ لأنَّ نية التعيين سواء للفريضة أو النافلة تحصل أثناء الصلاة، ولا تصح الفريضة، ولا النافلة المعينة إلا بتعيينها من بداية الصلاة، والله أعلم.
стр. 800
مسألة [١٢]: إذا أحرمَ بصلاة قبل الوقت، أو أحرم بفائتة فتذكر أنه قد أداها ؟
قال الإمام النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٣/ ٢٨٧): إِنْ كَانَ عَالمًا بِحَقِيْقَةِ الحَالِ؛ فَالْأَصَحُّ البُطْلَان؛ لِأَنَّهُ مُتَلَاعِبٌ، وَإِنْ جَهِلَ، وَظَنَّ دُخُولَ الْوَقْتِ، فَالصَّحِيْحُ انْعِقَادُهَا نَفْلًا، وَبِهِ قَطَعَ المصَنِّفُ وَالأَكْثَرُوْنَ.
قلتُ: وهذا هو مذهب الحنابلة أيضًا. (١)
مسألة [١٣]: إذا شك هل نوى الصلاة فرضًا، أو نفلاً ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٢/ ١٣٥): وإنْ شَكَّ هل نوى فَرْضًا، أو نفلًا؟ أَتَمَّها نَفْلًا؛ إلَّا أنْ يَذْكُرَ أنَّه نَوى الفَرْضَ قَبَلَ أنْ يُحْدِثَ عَمَلًا. اهـ
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: حكم المرور بين يدي المصلي .
دلَّ حديث الباب على تحريم المرور بين يدي المصلي؛ ولذلك قال ابن عبدالبر ﵀ في «التمهيد» (٢١/ ١٤٨): لا خلاف بين العلماء في كراهية المرور بين يدي المصلي، والإثم على المار بين يدي المصلي فوق الإثم على الذي يدعه يمر بين يديه، وكلاهما عاصٍ إذا كان بالنهي عالمًا، والمار أشد إثمًا إذا تعمد ذلك، وهذا مما لا أعلم فيه خلافًا. اهـ
وقال ابن حزم ﵀ كما في «مراتب الإجماع» (٣٥): واتفقوا على كراهية المرور بين المصلي وسترته، وأنَّ فاعل ذلك آثم. اهـ
قال ابن رجب ﵀ في «الفتح» (٥١٠): وحكاه الترمذي عن أهل العلم، وقد حمل إطلاق هؤلاء للكراهة على التحريم؛ فإنَّ متقدمي العلماء كانوا يستعملون ذلك كثيرًا. اهـ
قلتُ: وهو واضح في كلام الإمامين ابن عبد البر، وابن حزم؛ فإنَّ كليهما نقل الإجماع على الإثم أيضًا، والمكروه لا إثم فيه؛ إلا أن يكون كراهة تحريم.
مسألة [٢]: هل يحرم المرور بين يدي المصلي إذا لم يكن بين يديه سترة ؟
• جمهور الحنابلة، وكذا الحنفية على التحريم؛ لعموم حديث أبي جهيم.
• وذهب بعض الحنابلة، والشافعية إلى أنه يكره ولا يحرم، واستدلوا بحديث
стр. 803
ابن عباس، والمطلب بن أبي وداعة وهما حديثان ضعيفان، وسيأتي ذكرهما في بيان حكم السترة.
والراجح هو القول الأول، وقد صححه ابن رجب ﵀. (١)
مسألة [٣]: حد القرب الذي يمنع المار منه إذا صلَّى بدون سترة .
قال ابن رجب ﵀ في «فتح الباري» (٢/ ٦٨٢): وفي قدر القرب الذي يمنع المرور فيه وجهان لأصحابنا:
أحدهما: أنه محدود بثلاثة أذرع؛ لأنها منتهى المسنون في وضع السترة.
والثاني: حده بما لو مشى إليه لدفع المار أو غيره، لم تبطل صلاته. وجاء في حديث مرفوع من حديث ابن عباس: تقديره بقدر قذفة بحجر، أخرجه أبو داود. (٢)
وحكي عن الحنفية أنه لا يمنع من المرور إلا في محل سجود المصلي خاصة. انتهى المراد. (٣)
стр. 804
مسألة [٤]: حكم المرور بين يدي المأمومين .
أخرج الشيخان (١) عن ابن عباس ﵄، قال: أَقْبَلْتُ رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ أَتَانٍ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الِاحْتِلَامَ وَرَسُولُ الله ﷺ يُصَلِّي بِالنَّاسِ بِمِنًى إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ، فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ، فَنَزَلْتُ وَأَرْسَلْتُ الْأَتَانَ تَرْتَعُ، وَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ، فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيَّ أَحَدٌ. واللفظ للبخاري.
قال ابن عبد البر ﵀ كما في «الفتح» (٤٩٣): حَدِيثُ اِبْن عَبَّاس هَذَا يَخُصُّ حَدِيثَ أَبِي سَعِيد: «إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي فَلَا يَدَعُ أَحَدًا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ» (٢)؛ فَإِنَّ ذَلِكَ مَخْصُوص بِالْإِمَامِ وَالْمُنْفَرِد، فَأَمَّا الْمَأْمُومُ فَلَا يَضُرُّهُ مَنْ مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ؛ لِحَدِيثِ اِبْن عَبَّاس هَذَا، قَالَ: وَهَذَا كُلُّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ.
ثم نقل الحافظ الخلاف عن الحكم بن عمرو الغفاري، قال: فَهَذَا يُعَكِّرُ عَلَى مَا نُقِلَ مِنْ الِاتِّفَاقِ. اهـ
قلتُ: أثر الحكم الغفاري عند عبد الرزاق (٢/ ١٨ - ١٩)، وإسناده صحيح.
• وقد منع ذلك أيضًا أحمد في رواية عنه، وقال سفيان: لا يعجبني ذلك.
• وذهب الشافعية إلى الكراهة.
والراجح قول الجمهور، وهو الجواز؛ لحديث ابن عباس ﵄. (٣)
стр. 805
٢٢١ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ عَنْ سُتْرَةِ المُصَلِّي؟ فَقَالَ: «مِثْلُ مُؤَخِّرَةِ الرَّحْلِ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: مقدار طول السترة .
• جاء عن أحمد أنه قال: طولها ذراع. وبه قال عطاء، والثوري، وأصحاب الرأي.
• ورُوي عن أحمد أنه قدر عظم الذراع يعني من الرسغ إلى المرفقين وهو قول مالك، والشافعي.
قال ابن قدامة ﵀: وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا عَلَى سَبِيلِ التَّقْرِيبِ لَا التَّحْدِيدِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدَّرَهَا بِآخِرَةِ الرَّحْلِ، وَآخِرَةُ الرَّحْلِ تَخْتَلِفُ فِي الطُّولِ وَالْقِصَرِ، فَتَارَةً تَكُونُ ذِرَاعًا، وَتَارَةً تَكُونُ أَقَلَّ مِنْهُ، فَمَا قَارَبَ الذِّرَاعَ أَجْزَأَ الِاسْتِتَارُ بِهِ، وَاَلله أَعْلَمُ. (٢)
стр. 806
فَصْلٌ فِي ذِكْرِ بَعْضِ المَسَائِلِ المُلْحَقَةِ
مسألة [١]: مقدار عرض السترة .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٣/ ٨٣): فَأَمَّا قَدْرُهَا فِي الْغِلَظِ وَالدِّقَّةِ، فَلَا حَدَّ لَهُ نَعْلَمُهُ؛ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ دَقِيقَةً كَالسَّهْمِ وَالْحَرْبَةِ وَغَلِيظَةً كَالْحَائِطِ. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: ينبغي أن تكون متميزةً يراها من أراد المرور.
مسألة [٢]: مقدار ما بين المصلي، وبين سترته .
• ذهب جمهور العلماء إلى أنه يجعل بينه وبين السترة ثلاثة أذرع؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- حين دخل الكعبة جعل بينه وبين الجدار ثلاثة أذرع، وكان ابن عمر يفعل ذلك كما في «صحيح البخاري» (٥٠٦) من حديث بلال ﵁.
• وذهب مالك، والحسن إلى أنه ليس لها حدٌّ، وصحَّ عن عبدالله بن مغفل كما في «مصنف عبد الرزاق» (٢/ ١٦) أنه جعل سبعة أذرع، وقال ابن بطال، وغيره: أقل ما يكون بين المصلي، وبين سترته ممر شاة؛ لحديث سهل بن سعد ﵁ في «الصحيحين» (١): كان بين مصلى رسول الله ﷺ ، وبين الجدار ممر شاةٍ.
قال ابن رجب ﵀: قال القرطبي: وقد حمل بعض شيوخنا حديث ممر الشاة على ما إذا كان قائمًا، وحديث ثلاثة أذرع على ما إذا ركع أو سجد. كذا وجدته، وينبغي أن يكون بالعكس؛ فإن الراكع والساجد يدنوان من السترة أكثر من القائم
стр. 807
كما لا يخفى. اهـ
والراجح هو قول الجمهور، وذلك على سبيل الاستحباب لا الوجوب؛ لفعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وأما حديث سهل بن سعد، فهو محمول على حال السجود. (١)
стр. 808
٢٢٢ - وَعَنْ سَبْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ الجُهَنِيِّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لِيَسْتَتِرْ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ وَلَوْ بِسَهْمٍ». أَخْرَجَهُ الحَاكِمُ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: حكم سترة المصلي .
• ذهب طائفة من أهل العلم إلى الوجوب، نقله ابن العربي في «عارضة الأحوذي» (٢/ ١٣٠)، عن الإمام أحمد، وهو خلاف المشهور عنه، وإنما قال بالوجوب بعض أصحابه كما في «الإنصاف» (٢/ ١٠١)، وقال بالوجوب أبو عوانة في «صحيحه» (٢/ ٤٧): وهو ظاهر تبويب ابن خزيمة.
ورجَّحَ هذا القول الإمام الألباني، والإمام الوادعي رحمة الله عليهما.
واستدل هؤلاء الأئمة بأدلة، منها:
حديث الباب، وهو ضعيفٌ، ويُغْنِي عنه حديث ابن عمر في «البخاري» (٤٩٤)، ومسلم (٥٠١): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان إذا خرج يوم العيد أمر بالحربة، فتوضع بين يديه.
وحديث ابن عمر ﵄ عند ابن خزيمة (٨٠٠): «لا تُصَلِّ إلا إلى سترة، ولا تدع أحدًا يمر بين يديك، وبين السترة»، وهو حديث صحيح.
стр. 809
واستدلوا أيضًا بحديث أبي ذر: «يقطع صلاة الرجل إذا لم يكن بين يديه مثل مؤخرة الرحل ... » الحديث، قالوا: فالسترة تحافظ على الصلاة من القطع، ومالا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ومنها حديث سهل بن أبي حثمة عند أبي داود (٦٩٥) وغيره بإسناد جيد، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «إذا صلَّى أحدكم إلى سترة، فليدن منها، لا يقطع الشيطان عليه صلاته»، قالوا: ومحافظة النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- على السترة حضرًا، وسفرًا يدل على الوجوب.
• وذهب جمهور العلماء إلى استحباب الصلاة إلى سترة، وجعلوا الصارف للأحاديث السابقة من الوجوب إلى الاستحباب بعض الأحاديث، أصحُّها حديث ابن عباس في «البخاري»، وقد تقدم لفظه، وفيه: والنبي ﷺ يصلي إلى غير جدار.
وقد أُجِيبَ على الجمهور: بأن نفي الجدار لا يدل على نفي وجود سترة أخرى، فاستدل الجمهور بروايةٍ عند ابن خزيمة (٨٣٨): والنبي ﷺ يصلي إلى غير شيء يستره.
وهذه الرواية من طريق: عبد الكريم بن أبي المخارق، وهو ضعيفٌ جدًّا.
واستدلوا بحديث الفضل بن عباس عند أبي داود (٧١٨)، والنسائي (٢/ ٦٥)، قال: أتانا رسول الله ﷺ ، ونحن في بادية لنا، ومعه عباس، فصَلَّى في صحراء ليس بين يديه سترة، وحمارة لنا، وكلبة تعبثان بين يديه.
وهو حديث ضعيفٌ، في إسناده: عباس بن عبيدالله بن العباس، وهو مجهول حال، يرويه عن عمه الفضل بن عباس، ولم يدركه؛ فهو منقطعٌ، قاله ابن حزم،
стр. 810
ووافقه الحافظ في «التهذيب».
واستدل الجمهور أيضًا بحديث ابن عباس عند أبي يعلى (٢٤٢٣)، قال: جئت أنا وغلام من بني هاشم على حمار، فمررنا بين يدي النبي ﷺ ، وهو يصلي، فنزلنا عنه، وتركنا الحمار يأكل من بقل الأرض، فدخلنا معه في الصلاة، فقال رجلٌ: أكان بين يديه عَنَزَة؟ قال: لا.
وهذا الحديث أقوى ما يستدل به الجمهور؛ لأنَّ رجاله ثقات، ولكن الحديث لم يَسْلَمْ؛ فإنه من رواية علي بن الجعد، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن يحيى الجزار، عن ابن عباس، وعلي بن الجعد وإن كان ثقة ثبتًا إلا أنه قد خُولف:
فقد رواه محمد بن جعفر، وعفان بن مسلم كما في «مسند أحمد» ((٣١٦٧)، عن شعبة، وهما أثبت في شعبة، فلم يذكرا زيادة: أكان بين يديه عنزة؟، وخالفاه في الإسناد؛ فجعلاه عن شعبة، عن الحكم، عن يحيى الجزار، عن صهيب البصري، عن ابن عباس به.
ورواه عفان مرة بمثل ما رواه علي بن الجعد بدون الزيادة، كما في «مسند أحمد» (١/ ٢٥٤)، وكذلك عبد الوهاب الثقفي كما في «المسند» أيضًا (١/ ٢٥٠).
وكذلك فإن يحيى الجزار لم يسمعه من ابن عباس، إنما سمعه بواسطة أبي الصهباء البكري، وعند أنْ رواه بالواسطة لم يذكر الزيادة (٥٤٧).
وكذلك رواه الحسن العرني، عن ابن عباس عند البيهقي (٢/ ٢٧٧)، والطبراني (١٢٧٠٣) بدون الزيادة، والحسن العرني لم يسمع من ابن عباس ﵄.