فَصْلٌ فِي ذِكْرِ بَعْضِ المَسَائِلِ المُلْحَقَةِ
مسألة [١]: مقدار عرض السترة .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٣/ ٨٣): فَأَمَّا قَدْرُهَا فِي الْغِلَظِ وَالدِّقَّةِ، فَلَا حَدَّ لَهُ نَعْلَمُهُ؛ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ دَقِيقَةً كَالسَّهْمِ وَالْحَرْبَةِ وَغَلِيظَةً كَالْحَائِطِ. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: ينبغي أن تكون متميزةً يراها من أراد المرور.
مسألة [٢]: مقدار ما بين المصلي، وبين سترته .
• ذهب جمهور العلماء إلى أنه يجعل بينه وبين السترة ثلاثة أذرع؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- حين دخل الكعبة جعل بينه وبين الجدار ثلاثة أذرع، وكان ابن عمر يفعل ذلك كما في «صحيح البخاري» (٥٠٦) من حديث بلال ﵁.
• وذهب مالك، والحسن إلى أنه ليس لها حدٌّ، وصحَّ عن عبدالله بن مغفل كما في «مصنف عبد الرزاق» (٢/ ١٦) أنه جعل سبعة أذرع، وقال ابن بطال، وغيره: أقل ما يكون بين المصلي، وبين سترته ممر شاة؛ لحديث سهل بن سعد ﵁ في «الصحيحين» (١): كان بين مصلى رسول الله ﷺ ، وبين الجدار ممر شاةٍ.
قال ابن رجب ﵀: قال القرطبي: وقد حمل بعض شيوخنا حديث ممر الشاة على ما إذا كان قائمًا، وحديث ثلاثة أذرع على ما إذا ركع أو سجد. كذا وجدته، وينبغي أن يكون بالعكس؛ فإن الراكع والساجد يدنوان من السترة أكثر من القائم
стр. 807
كما لا يخفى. اهـ
والراجح هو قول الجمهور، وذلك على سبيل الاستحباب لا الوجوب؛ لفعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وأما حديث سهل بن سعد، فهو محمول على حال السجود. (١)
стр. 808
٢٢٢ - وَعَنْ سَبْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ الجُهَنِيِّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لِيَسْتَتِرْ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ وَلَوْ بِسَهْمٍ». أَخْرَجَهُ الحَاكِمُ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: حكم سترة المصلي .
• ذهب طائفة من أهل العلم إلى الوجوب، نقله ابن العربي في «عارضة الأحوذي» (٢/ ١٣٠)، عن الإمام أحمد، وهو خلاف المشهور عنه، وإنما قال بالوجوب بعض أصحابه كما في «الإنصاف» (٢/ ١٠١)، وقال بالوجوب أبو عوانة في «صحيحه» (٢/ ٤٧): وهو ظاهر تبويب ابن خزيمة.
ورجَّحَ هذا القول الإمام الألباني، والإمام الوادعي رحمة الله عليهما.
واستدل هؤلاء الأئمة بأدلة، منها:
حديث الباب، وهو ضعيفٌ، ويُغْنِي عنه حديث ابن عمر في «البخاري» (٤٩٤)، ومسلم (٥٠١): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان إذا خرج يوم العيد أمر بالحربة، فتوضع بين يديه.
وحديث ابن عمر ﵄ عند ابن خزيمة (٨٠٠): «لا تُصَلِّ إلا إلى سترة، ولا تدع أحدًا يمر بين يديك، وبين السترة»، وهو حديث صحيح.
стр. 809
واستدلوا أيضًا بحديث أبي ذر: «يقطع صلاة الرجل إذا لم يكن بين يديه مثل مؤخرة الرحل ... » الحديث، قالوا: فالسترة تحافظ على الصلاة من القطع، ومالا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ومنها حديث سهل بن أبي حثمة عند أبي داود (٦٩٥) وغيره بإسناد جيد، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «إذا صلَّى أحدكم إلى سترة، فليدن منها، لا يقطع الشيطان عليه صلاته»، قالوا: ومحافظة النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- على السترة حضرًا، وسفرًا يدل على الوجوب.
• وذهب جمهور العلماء إلى استحباب الصلاة إلى سترة، وجعلوا الصارف للأحاديث السابقة من الوجوب إلى الاستحباب بعض الأحاديث، أصحُّها حديث ابن عباس في «البخاري»، وقد تقدم لفظه، وفيه: والنبي ﷺ يصلي إلى غير جدار.
وقد أُجِيبَ على الجمهور: بأن نفي الجدار لا يدل على نفي وجود سترة أخرى، فاستدل الجمهور بروايةٍ عند ابن خزيمة (٨٣٨): والنبي ﷺ يصلي إلى غير شيء يستره.
وهذه الرواية من طريق: عبد الكريم بن أبي المخارق، وهو ضعيفٌ جدًّا.
واستدلوا بحديث الفضل بن عباس عند أبي داود (٧١٨)، والنسائي (٢/ ٦٥)، قال: أتانا رسول الله ﷺ ، ونحن في بادية لنا، ومعه عباس، فصَلَّى في صحراء ليس بين يديه سترة، وحمارة لنا، وكلبة تعبثان بين يديه.
وهو حديث ضعيفٌ، في إسناده: عباس بن عبيدالله بن العباس، وهو مجهول حال، يرويه عن عمه الفضل بن عباس، ولم يدركه؛ فهو منقطعٌ، قاله ابن حزم،
стр. 810
ووافقه الحافظ في «التهذيب».
واستدل الجمهور أيضًا بحديث ابن عباس عند أبي يعلى (٢٤٢٣)، قال: جئت أنا وغلام من بني هاشم على حمار، فمررنا بين يدي النبي ﷺ ، وهو يصلي، فنزلنا عنه، وتركنا الحمار يأكل من بقل الأرض، فدخلنا معه في الصلاة، فقال رجلٌ: أكان بين يديه عَنَزَة؟ قال: لا.
وهذا الحديث أقوى ما يستدل به الجمهور؛ لأنَّ رجاله ثقات، ولكن الحديث لم يَسْلَمْ؛ فإنه من رواية علي بن الجعد، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن يحيى الجزار، عن ابن عباس، وعلي بن الجعد وإن كان ثقة ثبتًا إلا أنه قد خُولف:
فقد رواه محمد بن جعفر، وعفان بن مسلم كما في «مسند أحمد» ((٣١٦٧)، عن شعبة، وهما أثبت في شعبة، فلم يذكرا زيادة: أكان بين يديه عنزة؟، وخالفاه في الإسناد؛ فجعلاه عن شعبة، عن الحكم، عن يحيى الجزار، عن صهيب البصري، عن ابن عباس به.
ورواه عفان مرة بمثل ما رواه علي بن الجعد بدون الزيادة، كما في «مسند أحمد» (١/ ٢٥٤)، وكذلك عبد الوهاب الثقفي كما في «المسند» أيضًا (١/ ٢٥٠).
وكذلك فإن يحيى الجزار لم يسمعه من ابن عباس، إنما سمعه بواسطة أبي الصهباء البكري، وعند أنْ رواه بالواسطة لم يذكر الزيادة (٥٤٧).
وكذلك رواه الحسن العرني، عن ابن عباس عند البيهقي (٢/ ٢٧٧)، والطبراني (١٢٧٠٣) بدون الزيادة، والحسن العرني لم يسمع من ابن عباس ﵄.
стр. 811
فهذه الزيادة في النفس منها شيء، وكذلك في الحديث أنهم مروا بين يدي النبي ﷺ على حمار، فلو لم يكن بين يديه سترة؛ لقطعت الصلاة كما سيأتي.
فالراجح -والله أعلم- هو القول بالوجوب. (١)
تنبيه: نقل ابن قدامة في «المغني» (٣/ ٨٠) عدم الخلاف على استحباب السترة، وهذا لا ينافي القول بالوجوب؛ لأنَّ فيه زيادة على الاستحباب، ولو قصد عدم الوجوب؛ لكان النقل غير صحيح لِمَا قدمناه من وجود الخلاف.
مسألة [٢]: السترة في مكة .
• فيها قولان:
القول الأول: أنَّ حكمها في سترة الصلاة حكم سائر البلدان، وهو قول الشافعي، وأحمد في رواية، ورُوي عن ابن عمر (٢)، واختاره البخاري في «صحيحه»، واستدل بحديث أبي جحيفة، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- صلَّى بالبطحاء وهو أبطح مكة في حجته إلى عنزة.
القول الثاني: أنَّ مكة يجوز الصلاة فيها إلى غير سترة، والمرور بين يدي المصلي فيها من غير كراهة، وهو قول طاوس، وعطاء، وأحمد، وجاء عن ابن الزبير (٣)، ومحمد بن الحنفية، واستدل الإمام أحمد بحديث المطلب بن أبي
стр. 812
وداعة، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- صلَّى ركعتين في حاشية المطاف، ليس بينه وبين الطواف أحدٌ.
وهذا الحديث من رواية ابن جريج، عن كثير بن كثير، عن أبيه، عن جده المطلب، ورجاله ثقات.
ولكن رواه ابن عيينة عن كثير بن كثير، عن بعض أهله، عن جده، قال ابن عيينة: وكان ابن جريج أخبرنا عنه، فقال: حدثنا كثير عن أبيه، فسألته؟ فقال: ليس من أبي سمعته، ولكن من بعض أهلي.
قال ابن رجب ﵀: فقد تبين من رواية ابن عيينة هذه أنها أصح من رواية ابن جريج، ولكن يصير في إسناده من لا يعرف. اهـ
وعليه فالحديث ضعيفٌ، والراجح القول الأول. (١)
مسألة [٣]: الدنو من السترة .
استحب العلماء للمصلي أن يدنو من سترته.
وبَوَّبَ ابن خزيمة في «صحيحه»: [باب الأمر بالدنو من السترة]، ثم ذكر حديث سهل بن أبي حثمة، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «إذا صلَّى أحدكم إلى سترة؛ فليدنُ منها، لا يقطع الشيطان عليه صلاته». (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث
مسألة [١]: ما هو الذي يقطع الصلاة بمروره بين يدي المصلي ؟
• في هذه المسألة أقوال:
الأول: أنه لا يقطع الصلاة شيء، وهذا قول الجمهور، واستدلوا على ذلك بحديث أبي سعيد الخدري: «لا يقطع الصلاة شيء، وادرأوا ما استطعتم»، رواه أبوداود (١)، وهو حديث ضعيفٌ، فيه: مجالد بن سعيد الهمداني، وهو ضعيفٌ، واستدلوا بحديث ابن عباس في «الصحيحين» (٢)، أنه مرَّ بين يدي الصف على حماره، وبحديث عائشة في «الصحيحين» (٣)، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يصلي إليها، وهي معترضة بين يديه نائمة. وهذا القول صحَّ عن علي، وعثمان، وابن عمر ﵃.
الثاني: أنه يقطع الصلاة ثلاثة أشياء: المرأة، والحمار، والكلب الأسود.
وهذا قول أنس بن مالك، وابن عمر، وهو صحيح عنهما، وقال به عطاء، والحسن، وابن جريج، وابن خزيمة، وأحمد في رواية، واستدلوا بحديث أبي ذر، وأبي هريرة اللَّذَيْنِ في الباب.
وهذا القول رجَّحه شيخ الإسلام، وابن القيم، وابن حزم.
الثالث: يقطع الصلاة الكلب الأسود، والمرأة الحائض، وهو قول ابن
стр. 815
عباس، ورُوي عن عطاء.
الرابع: يقطع الصلاة الكلب الأسود فقط، وهو قول أحمد، وإسحاق، واستدل هؤلاء بإخراج المرأة، والحمار، بالحديثين المتقدمين في قول الجمهور.
قال أبو عبد الله غفر الله له: الراجح هو القول الثاني؛ لظاهر الأدلة المذكورة، وتأويلها بقطع النقصان خلاف الظاهر منها، وأما حديث عائشة في نيامها بين يدي رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فلا يدل على المراد؛ لأنَّ كلامنا على المرور لا على الوقوف بين يدي المصلي، وأما حديث ابن عباس ﵄؛ فمروره كان بين يدي بعض الصف وهذا لا يضر؛ لأنَّ سترة الإمام سترة لمن خلفه. (١)
مسألة [٢]: هل مرور المرأة أمام المرأة يقطع الصلاة ؟
• ... تقدم أن الجمهور يرون بعدم قطع الصلاة بالكلية؛ فهم في هذه المسألة من باب أولى؛ لايرون أن مرور المرأة أمام المرأة يقطع الصلاة.
• وأما القائلون بأن مرور المرأة أمام الرجل يقطع صلاته؛ فاختلفوا في هذا المسألة؛ فمنهم من يقول: إن مرورها أمام المرأة يقطع الصلاة؛ لأن الأصل عموم التشريع، واختار هذا القول الإمام ابن باز ﵀ كما في مجموع فتاواه (١١/ ٩٠)، والإمام العثيمين ﵀ كما في «مجموع فتاواه» (١٣/ ٣١٨)، وكما في كتابه «لقاء الباب المفتوح» (رقم: ٧٨ ص ٩).
وقال بعض أهل العلم: جاء في الحديث: «يقطع صلاة الرجل»؛ وقد يختص
стр. 816
مرور المرأة أمام الرجل بحكمة لا تتعدى إلى المرأة أمام المرأة، وهو اختيار شيخنا الإمام الوادعي ﵀ كما في «الشفاء في أسئلة نساء المكلا»، وهذا القول يظهر لي أنَّه أقرب؛ لما تقدم ذكره، والله أعلم.
مسألة [٣]: سترة الإمام سترة لمن خلفه .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٣/ ٨١): إذَا ثَبَتَ هَذَا؛ فَإِنَّ سُتْرَةَ الْإِمَامِ سُتْرَةٌ لِمَنْ خَلْفَهُ، نَصَّ عَلَى هَذَا أَحْمَدُ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، كَذَلِكَ قال ابن المنذر ﵀، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ، قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ: سُتْرَةُ الْإِمَامِ سُتْرَةٌ لِمَنْ خَلْفَهُ.
قَالَ أَبُو الزِّنَادِ: كُلُّ مَنْ أَدْرَكْت مِنْ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ الَّذِينَ يُنْتَهَى إلَى قَوْلِهِمْ: سَعِيدُ بْن الْمُسَيِّبِ، وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَخَارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَعُبَيْدُ الله بْنُ عَبْدِ الله بْنِ عُتْبَةَ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ، وَغَيْرُهُمْ، يَقُولُونَ: سُتْرَةُ الْإِمَامِ سُتْرَةٌ لِمَنْ خَلْفَهُ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ (١)، وَبِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَغَيْرُهُمْ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى إلَى سُتْرَةٍ، وَلَمْ يَأْمُرْ أَصْحَابَهُ بِنَصْبِ سُتْرَةٍ أُخْرَى، وَفِي حَدِيثٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَقْبَلْت رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ أَتَانٍ، وَالنَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي بِالنَّاسِ بِمِنًى إلَى غَيْرِ جِدَارٍ، فَمَرَرْت بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ أَهْلِ الصَّفِّ، فَنَزَلْت، فَأَرْسَلْت الْأَتَانَ تَرْتَعُ، فَدَخَلْت فِي الصَّفِّ، فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيَّ أَحَدٌ.
٢٢٦ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ، فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلْيَدْفَعْهُ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ، فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
وَفِي رِوَايَةٍ: «فَإِنَّ مَعَهُ القَرِينَ». (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
قوله في حديث أبي سعيد: « ... ؛ فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ».
قال ابن رجب في «فتح الباري» (٥٠٩): قال أصحاب الشافعي: يدفعه دفع الصائل بالأسهل فالأسهل، ويزيد بحسب الحاجة، وإن أدى إلى قتله؛ فمات منه، فلا ضمان فيه كالصائل. وحكى القاضي أبو يعلى، ومن تابعه من أصحابنا عن أحمد في قتاله روايتين:
إحداهما: يقاتله، وذكروا نصوصًا عن أحمد تدل عليه، وفيها: أنه كان يدفع في الثانية دفعًا شديدًا حتى ربما رمى بالمار.
والثانية: لا يفعل؛ فإنه قال في رواية إسماعيل بن سعيد الشالنجي: يدرأ ما استطاع، وأكره القتال في الصلاة.
قال: وقال ابن عبد البر في «التمهيد» في قوله: «فليقاتله»: المراد بالمقاتلة:
стр. 820
المدافعة، وأظنه كلامًا خرج على التغليظ، ولكل شيء حَدٌّ. قال: وأجمعوا على أنه لا يقاتله بسيف ولا بخاطفة ولا يبلغ معه مبلغا تفسد به صلاته.
وَحُكِي عن أشهب، أنه قال: يرده بإشارة، ولا يمشي إليه؛ لأن مشيه إليه أشد من مروره بين يديه؛ فإن فعل، لم تبطل صلاته إذا لم يكن عملًا كثيرًا.
قال: وقد كان الثوري يدفع المار بين يديه دفعًا عنيفًا.
قال: وقال ابن عبد البر في «الاستذكار»: فإن دافعه مدافعة لا يقصد بها قتله، فكان فيها تلف نفسه؛ كانت عليه ديته كاملة في ماله. وقد قيل: الدية على عاقلته. وقيل: هي هدر على حسب ثنية العاض. اهـ
والقول الأخير قال به ابن حزم كما في «المحلى» (٢٠٩٢).
قوله في حديث أبي سعيد: «فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ».
قال ابن رجب ﵀ في «الفتح» (٥٠٩) (٢/ ٦٧٦): وقد اختلف في معناه، فقيل: المعنى أن معه الشيطان المقترن به، وهو يأمره بذلك، وهو اختيار أبي حاتم، وغيره، ويدل عليه حديث ابن عمر: «فإن معه القرين». وقيل: المراد أن فعله هذا فعل الشيطان، فهو بذلك من شياطين الإنس، وهو اختيار الجوزجاني، وغيره. انتهى.
قلتُ: الراجح القول الأول؛ لحديث ابن عمر، ومن أجل ذلك ذكر الحافظ روايته عقب حديث أبي سعيد.
стр. 821
مسألة [١]: حكم المدافعة من المصلي للمار بين يديه .
• قال ابن رجب ﵀ في «فتح الباري» (٥٠٩) بعد أن ذكرَ الحديث: وظاهره الوجوب، وقد وقع في كلام ابن عبد البر ما يقتضيه، وأنه لا يعلم فيه خلافًا، ووقع في كلامه أيضًا ما يقتضي أنه على الندب دون الوجوب، وهو قول كثير من أصحابنا والشافعية، وغيرهم.
ثم قال: وفي كلام بعض المالكية ما يقتضي وجوب الدفع، إذا كان للمار مندوحة عنه، وكان المصلي قد تعرض لذلك في ابتداء صلاته. اهـ
قلتُ: الظاهر أنَّ مذهب الجمهور هو الاستحباب، والحق ما ذهب إليه الظاهرية وغيرهم وهو الوجوب. (١)
مسألة [٢]: إذا عبر من بين يديه، وتجاوز، فهل يرد ؟
• ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يرد؛ لأنَّه مرور آخر، وجاء عن ابن مسعود، وسالم، والحسن خلاف ذلك، وهؤلاء الثلاثة لم يصح عنهم ذلك؛ فإنَّ في إسناد أثر ابن مسعود رجلًا مبهمًا، وله إسناد آخر فيه: ابن إسحاق، مدلِّسٌ، وقد عنعن في موضع الرجل المبهم، وأثر سالم في إسناده: عبدالله بن عمر العمري، وهو ضعيفٌ، وأثر الحسن فيه مبهمٌ، والصحيح قول الجمهور. (٢)
стр. 822
مسألة [٣]: هل يرد البهيمة إذا مرت بين يديه ؟
صح من حديث عبدالله بن عباس ﵄ عند الحاكم (١/ ٢٥٤)، وهو في «الصحيح المسند»: أنَّ شاة أرادت أن تمر بين يدي رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فساعاها النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- حتى ألزق بطنه بالحائط، ومرت من ورائه.
ورواه أحمد (٢/ ١٩٦)، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ بنحوه، بإسناد حسن.
فاستدل أهل العلم بهذا الحديث على أنَّ البهيمة أيضًا تُرد عن المرور؛ فإن لم ترجع صنع كما صنع النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. (١)
стр. 823
٢٢٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ شَيْئًا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَنْصِبْ عَصًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَلْيَخُطَّ خَطًّا، ثُمَّ لَا يَضُرُّهُ مَنْ مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ». أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَلَمْ يُصِبْ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مُضْطَرِبٌ بَلْ هُوَ حَسَنٌ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: الاستتار بالخط لمن لم يجد سترة .
• ذهب إلى ذلك أحمد، وإسحاق، وأبو ثور، والأوزاعي، وغيرهم.
• ومنع من ذلك مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، والليث، وابن عيينة، وغيرهم، وقالوا: لا يجزئ. وهو الصواب؛ لضعف الحديث الدال عليه. (٢)
مسألة [٢]: الاستتار بالشيء الذي لا ينتصب .
• ذهب أحمد، والأوزاعي، وهو قول سعيد بن جبير إلى أنه يعرضها عرضًا، ويصلي إليها.
стр. 824
• ومنع ذلك النخعي، واستحب سفيان الخط، وقدمه على ذلك.
والراجح القول الأول؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم». (١)
стр. 825
فَصْلٌ فِي ذِكْرِ بَعْضِ المَسَائِلِ المُلْحَقَةِ
مسألة [١]: الاستتار بالبعير، والحيوان .
• ذهب أحمد إلى مشروعية ذلك، وفعله ابن عمر، وأنس، وحكي عن الشافعي أنه لا يستتر بالدابة، والصحيح قول أحمد؛ لحديث ابن عمر في «الصحيحين» (١): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- صلى إلى بعير. (٢)
مسألة [٢]: هل يجعل السترة أمام وجهه، أم يميل عنها يسيرًا ؟
أخرج أحمد (٦/ ٤)، وغيره من حديث المقداد بن الأسود ﵁، قال: ما رأيت رسول الله ﷺ صلى إلى عود، أو إلى عمود، أو إلى شجرة؛ إلا جعله على حاجبه الأيمن، أو الأيسر، ولا يصمد له صمدًا. أي: لا يستقبله بجعله وسطًا. وهذا الحديث ضعيفٌ، أو أشد، فيه: الوليد بن كامل، ضعيفٌ، والمهلب بن حجر، وضباعة بنت المقداد، وهما مجهولان.
وقد استدل به بعض أهل العلم على استحباب ذلك، ولكن الحديث ضعيفٌ كما عرفت، وظاهر أحاديث السترة المتكاثرة أنه يجعلها أمامه تلقاء وجهه، والله أعلم. (٣)
стр. 826
٢٢٨ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ شَيْءٌ، وَادْرَءُوا (١) مَا اسْتَطَعْتُمْ». أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَفِي سَنَدِهِ ضَعْفٌ. (٢)
الحديث استدل به الجمهور كما تقدم على أنه لا يقطع الصلاة شيء، وقد تقدمت المسألة، ولله الحمد.
стр. 827
بَابُ الحَثِّ عَلَى الخُشُوعِ فِي الصَّلاةِ
قال ابن القيم ﵀ في «مدارج السالكين»: الخشوع قيام القلب بين يدي الرَّب بالخضوع، والذل، والجمعية عليه. اهـ
• وقد ذهب جمهور العلماء إلى أنَّ الخشوع سُنَّةٌ، وادعى النووي الإجماع على عدم وجوبه.
• والواقع وجود الخلاف، فقد ذهب ابن حامد الحنبلي، وأبو حامد الغزالي إلى أنه إنْ غلب عليه عدم الخشوع فيها؛ فعليه الإعادة، وهو ظاهر اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية.
وقد ذكر ابن القيم لهذا القول حججًا قوية، ثم ذكر أنَّ الجمهور استدلوا على عدم الوجوب بحديث أبي هريرة ﵁، عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «فإذا قضي التثويب أقبل الشيطان حتى يخطر بين المرء ونفسه، يقول: اذكر كذا، واذكر كذا، حتى يظل الرجل ما يدري كم صلَّى، فإذا وجد ذلك أحدكم؛ فليسجد سجدتين وهو جالسٌ». (١)
قالوا: فأمره النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في هذه الصلاة التي قد أغفله الشيطان فيها حتى لم يدر كم صلَّى بأن يسجد سجدتي السهو، ولم يأمره بإعادتها، ولو كانت باطلة؛ لأمره بإعادتها.
стр. 828
ثم ذكر ابن القيم حججًا أخرى لأهل هذا القول، ثم رجَّح قول الجمهور، وهو ترجيح ابن رجب أيضًا، وهو الراجح، والله أعلم. (١)
فائدة: قال الشوكاني في «فتح القدير» (٣/ ٤٧٣): وادَّعى عبد الواحد بن زيد إجماع العلماء على أنه ليس للعبد إلا ما عقل من صلاته، حكاه النيسابوري في «تفسيره».انتهى المراد.
قلتُ: ويدل على هذا القول حديث أبي اليسر، وعمار بن ياسر، اللَّذَيْنِ تقدم ذكرهما في مسألة: [عمل القلب في الصلاة]، فراجع ذلك.
стр. 829
٢٢٩ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ مُخْتَصِرًا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. (١)
وَمَعْنَاهُ: أَنْ يَجْعَلَ يَدَهُ عَلَى خَاصِرَتِهِ.
٢٣٠ - وَفِي «البُخَارِيِّ» عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ ذَلِكَ فِعْلُ اليَهُودِ. (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين
مسألة [١]: معنى الاختصار، وحكمه .
قال ابن رجب ﵀ في «فتح الباري» (٦/ ٤٢٨): والاختصار فَسَّرَهُ الأكثرون بوضع اليد على الخاصرة في الصلاة، وبذلك فَسَّرَهُ الترمذي في «جامعه»، وعليه يدل تبويب النسائي ... ، وبهذا التفسير فسره جمهور أهل اللغة، وأهل غريب الحديث، وعامة المحدثين والفقهاء، وهو الصحيح الذي عليه الجمهور. اهـ
قال الحافظ ابن حجر ﵀: وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ تَفْسِيرِهِ، وَحَكَى الْهَرَوِيّ فِي اَلْغَرِيبَيْنِ أَنَّ اَلْمرَادَ بِالِاخْتِصَارِ قِرَاءَة آيَةٍ، أَوْ آيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ اَلسُّورَة، وَقِيلَ: أَنْ يَحْذِفَ اَلطُّمَأْنِينَة. وَهَذَانِ اَلْقَوْلَانِ، وَإِنْ كَانَ أَحَدهمَا مِنْ اَلِاخْتِصَارِ مُمْكِنًا، لَكِنَّ رِوَايَة اَلتَّخَصُّر وَالْخَصْر تَأْبَاهُمَا، وَقِيلَ: اَلِاخْتِصَارُ أَنْ يَحْذِفَ اَلْآيَةَ اَلَّتِي فِيهَا اَلسَّجْدَة إِذَا مَرَّ بِهَا فِي قِرَاءَتِهِ حَتَّى لَا يَسْجُدَ فِي اَلصَّلَاةِ لِتِلَاوَتِهَا حَكَاهُ
стр. 830
اَلْغَزَالِيّ، وَحَكَى اَلْخَطَّابِيّ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنْ يُمْسِكَ بِيَدِهِ مِخْصَرَة، أَيْ: عَصًا يَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا فِي اَلصَّلَاةِ، وَأَنْكَرَ هَذَا اِبْن اَلْعَرَبِيِّ فِي «شَرْحِ اَلتِّرْمِذِيّ» فَأَبْلَغَ، وَيُؤَيِّدُ اَلْأَوَّل مَا رَوَى أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيّ. اهـ، ثم ذكر حديث ابن عمر الذي تقدم ذكره.
قال ابن رجب ﵀ (٦/ ٤٣٠): وحكى ابن المنذر كراهة الاختصار على هذا الوجه عن ابن عباس،، وعائشة، ومجاهد، والنخعي، وأبي مجلز، ومالك، والأوزاعي، وأصحاب الرأي، وهو قول عطاء، والشافعي، وأحمد أيضًا. اهـ
قلتُ: وقد ثبت عند أبي داود (٩٠٣)، عن زياد بن صبيح، قال: صليت إلى جنب ابن عمر، فوضعت يدي على خاصرتي، فقال ابن عمر: هذا هو الصلب في الصلاة، وقد كان النبي ﷺ ينهى عنه، وإسناده صحيح.
وهذا الأثر عن ابن عمر ظاهره أنَّ ابن عمر يرى تحريم ذلك، وعدم الجواز، وهو ظاهر قول عائشة أيضًا.
وأما أثر ابن عباس ففيه ضعفٌ، وقد ذهب إلى التحريم الظاهرية، والشوكاني، والمباركفوري، وشرف الحق آبادي، وهذا القول هو الصواب؛ لعدم وجود صارف للنهي عن حقيقته، وهي التحريم. (١)
стр. 831
٢٣١ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إذَا قُدِّمَ العَشَاءُ فَابْدَءُوا بِهِ قَبْلَ أَنْ تُصَلُّوا المَغْرِبَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: تقديم الطعام إذا قُرِّبَ على الصلاة .
• في هذه المسألة أقوال:
الأول: استحباب تقديم العشاء، والطعام على الصلاة، سواء كانت الحاجة شديدة، أو خفيفة، وهو قول جماعة من الصحابة، منهم: ابن عمر، وأبو الدرداء، وابن عباس، وهو ثابت عنهم، وجاء عن غيرهم، وهذا قول أحمد في المشهور عنه، وإسحاق، والثوري، وابن المنذر، قالوا: ويكره تقديم الصلاة في مثل هذه الحالة على الطعام.
الثاني: يبدأ بالصلاة؛ إلا أن تكون نفسه شديدة التَّوَقَان إلى الطعام، وهذا مذهب الشافعي، وابن حبيب المالكي.
الثالث: يبدأ بالصلاة؛ إلا أن يكون الطعام خفيفًا، نقله ابن المنذر عن مالك.
الرابع: يبدأ بالصلاة؛ إلا أن يكون الطعام يخاف فساده، وهذا قول وكيع، رواه الترمذي في «جامعه» عنه، قال ابن رجب: وفي هذا القول بُعْدٌ، وهو مخالفٌ لظاهر الأحاديث الكثيرة.
стр. 832
الخامس: وجوب تقديم الطعام على الصلاة مطلقًا، وهو قول الظاهرية، واستدلوا بحديث الباب، وما أشبهه من الأحاديث.
والراجح هو القول الأول، والصارف للأمر من الوجوب إلى الاستحباب حديث عمرو بن أمية الضمري في «الصحيحين» (١): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- دُعِيَ إلى الصلاة، وهو يحتز من كتف شاة، فقام، وطرح السكين، وصلَّى. (٢)
مسألة [٢]: إذا قدم الصلاة على الطعام .
قال ابن رجب ﵀ في «فتح الباري» (٤/ ١١٠): ومتى خالف، وصلَّى بحضرة طعام تتوق نفسه إليه؛ فصلاته مُجْزِئة عند جميع العلماء المعتبرين، وقد حكى الإجماع على ذلك ابن عبدالبر، وغيره، وإنما خالف فيه شذوذ من متأخري الظاهرية، لا يَعْبَأُ بخلافهم الإجماعُ القديمُ. اهـ
مسألة [٣]: هل يقدم الطعام إذا خشي خروج وقت الصلاة ؟
قال ابن رجب ﵀ في «الفتح» (٤/ ١٠٩): فأما الوقت؛ فلا يرخص بذلك تفويته عند جمهور العلماء، ونصَّ عليه أحمد، وغيره، وشذَّت طائفةٌ فرخصت في تأخير الصلاة عن الوقت بحضور الطعام أيضًا، وهو قول الظاهرية، ووجهٌ ضعيف عند الشافعية. انتهى.
والراجح قول الجمهور.
يَظْهَرُ أَنَّ عِلَّة كَرَاهِيَته المُحَافَظَة عَلَى اَلْخُشُوعِ أَوْ لِئَلَّا يَكْثُرَ اَلْعَمَلُ فِي اَلصَّلَاةِ. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: الراجح قول الجمهور، وهو الكراهة.
والصارف للنهي من التحريم إلى الكراهة ما ثبت عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في التحرك في الصلاة بما هو أكثر من مسح الحصى، كحمله أمامة بنت زينب إذا قام في الصلاة، ووضعها إذا سجد، وصعوده على المنبر، ونزوله عنه، ومساعاته للشاة حتى ألزق بطنه بالحائط، فهذا يدل على أنَّ النهي للكراهة، والله أعلم.
стр. 835
٢٣٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الِالتِفَاتِ فِي الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: «هُوَ اخْتِلَاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلَاةِ العَبْدِ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (١)
٢٣٥ - وَلِلتِّرْمِذِيِّ (عَنْ أَنَسٍ) وَصَحَّحَهُ: «إيَّاكَ وَالِالتِفَاتَ فِي الصَّلَاةِ، فَإِنَّهُ هَلَكَةٌ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ فَفِي التَّطَوُّعِ». (٢)
معنى قوله: «هُوَ اخْتِلَاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلَاةِ العَبْدِ»، يعني أنَّ الشيطان يسترق من العبد في صلاته التفاتة فيها، ويختطفه منه اختطافًا حتى يدخل عليه بذلك نقص في صلاته، وخلل.
المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين
مسألة [١]: حكم الالتفات في الصلاة .
• ذهب جمهور العلماء إلى كراهة الالتفات في الصلاة بالعُنُقِ، ما لم يستدبر القبلة؛ فإن استدبرها بطلت صلاته، وهذا قول عطاء، وسعيد بن جبير، ومالك، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وابن المنذر، وأصحاب الرأي.
وقال الإمام ابن أبي شيبة ﵀ (٢/ ٤٠ - ٤١): حدثنا أبو خالد الأحمر، عن يحيى ابن سعيد، عن ابن أبي مليكة، عن عبد الله بن عمير قال: كان أبو بكر «لا يلتفت إذا صلى».
стр. 836
وحدثنا عبد السلام بن حرب، عن يزيد بن عبد الرحمن الدالاني، عن عبد الملك بن ميسرة، عن زيد بن وهب، أن عمر بن الخطاب، رأى رجلا صلى ركعتين بعد غروب الشمس، وقبل الصلاة فجعل يلتفت، فضربه بالدرة حين قضى الصلاة، فقال: «لا تلتفت لا تُعبِ الركعتين».
حدثنا حفص، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، أنه كان «يكره الالتفات في الصلاة».
حدثنا حفص، عن الأعمش، عن عمارة، عن أبي عطية قال: قالت عائشة: «الالتفات في الصلاة خلسة يختلسها الشيطان».
حدثنا غندر، عن ابن جريج، عن عطاء قال: سمعت أبا هريرة، يقول: «إذا صليت فإن ربك أمامك وأنت مناجيه؛ فلا تلتفت»
وهذا الأسانيد كلها ثابتة إلى الصحابة المذكورين ﵃، ويزيد بن عبد الرحمن الدالاني في إسناد أثر عمر، مختلف فيه، وحديثه يحتمل التحسين إذا لم يتفرد.
• وذهب الحكم، وابن حزم إلى التحريم، والبطلان.
وهذا القول غير صحيح؛ لعدم وجود دليل صحيح في تحريم الالتفات، وحديث الباب غاية ما يدل عليه الكراهة.
فالصحيح قول الجمهور. (١)
стр. 837
مسألة [٢]: الالتفات لحاجة .
قال الحافظ ابن رجب ﵀: فأما الالتفات لمصلحة الصلاة، كالتفات أبي بكر لما صفق الناس خلفه وأكثروا التصفيق؛ فلا ينقص الصلاة، ويدل عليه قول النبي ﷺ : «من نابه شيء في صلاته فليسبح؛ فإنه إذا سبح التفت إليه» (١)، وكذلك التفت النبي ﷺ إلى من صلى خلفه، لما صلى بهم جالسًا وصلوا وراءه قيامًا، وقد روي عن النبي ﷺ أنه كان يلتفت في صلاته لمصلحة غير مصلحة الصلاة، فروى سهل بن الحنظلية، قال: ثوب بالصلاة يعني: صلاة الصبح، فجعل رسول الله ﷺ يصلي، وهو يلتفت إلى الشعب. خَرَّجَه أبو داود (٢)، وقال: كان أرسل فارسًا إلى الشعب من الليل يحرس. وهذا فيه جمع بين الصلاة والجهاد. اهـ
مسألة [٣]: النظر يمينا وشمالا أثناء الصلاة بدون التفات .
قال الحافظ ابن رجب ﵀: وقد روي عن النبي ﷺ ، أنه كان يلحظ في صلاته، فروى الفضل بن موسى، عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند، عن ثور بن زيد، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ كان يلحظ يمينًا وشمالًا، ولا يلوي عنقه خلف ظهره.
خرجه الإمام أحمد والنسائي والترمذي، وقال: غريب.
стр. 838
ثم خرجه من طريق وكيع، عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند، عن بعض أصحاب عكرمة، أن النبي ﷺ كان يلحظ في الصلاة - فذكر نحوه. اهـ
قلتُ: رواية وكيع أرجح؛ فالصحيح في الحديث الإرسال.
وقال الإمام الترمذي ﵀ كما في «العلل الكبير» (١/ ٩٨): ولا أعلم أحدًا روى هذا الحديث عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند مسندا مثل ما رواه الفضل بن موسى. اهـ
وسئل الإمام الدارقطني كما في «سؤالات البرقاني» (٤٨) عن حديث الفضل بن موسى، فقال: ليس بصحيح.
قال الإمام ابن أبي شيبة ﵀ في «المصنف» (٢/ ٤٢): حدثنا هشيم قال: أخبرنا خالد، عن أنس بن سيرين قال: رأيت أنس بن مالك، يتشرف إلى الشيء ينظر إليه في الصلاة.
حدثنا أبو خالد الأحمر، عن حميد، عن معاوية بن قرة قال: قيل لابن عمران بن الزبير: إذا قام إلى الصلاة لم يلتفت ولم يتحرك. قال: لكنَّا نلتفت ونتحرك.
إسناده الأول صحيح، وخالد هو ابن مهران الحذاء، وإسناده الثاني حسن.
قال أبو عبد الله غفر الله له: ليس في الأدلة الشرعية ما يمنع النظر يمينا وشمالا بدون التفات، وقد نص كثير من أهل العلم على مشروعية ذلك، ولا شك أن النظر إلى موضع السجود أفضل؛ لأنه أحضر للقلب، وأقرب للخشوع.
стр. 839
٢٣٦ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ، فَلَا يَبْزُقَنَّ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَا عَنْ يَمِينِهِ، وَلَكِنْ عَنْ شِمَالِهِ تَحْتَ قَدَمِهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
وَفِي رِوَايَةٍ: «أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ». (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: البصاق جهة القبلة .
قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «فَلَا يَبْصُقَنَّ بَيْنَ يَدَيْهِ»، فيه تحريم البزاق إلى القبلة في الصلاة، وقد ثبت عند ابن خزيمة (٩٢٥)، وابن حبان (١٦٣٩)، وغيرهما من حديث حذيفة ﵁: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «مَنْ تَفَلَ تُجَاه الْقِبْلَة جَاءَ يَوْم الْقِيَامَة وَتَفْلُهُ بَيْن عَيْنَيْهِ».
وجاء من حديث السائب بن خلَّاد أنَّ رجلًا أمَّ قومًا، فبصق في القبلة، فلما فرغ قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لا يصلي لكم ... » الحديث، وفيه: «إنك آذيت الله، ورسوله» أخرجه أبو داود (٤٨١)، وأحمد (٤/ ٥٦)، وهو حديث حسنٌ لغيره.
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في شرح حديث أنس (٤١٣): وهذا التعليل يدل على أن البزاق في القبلة حرامٌ، سواء كان في المسجد أم لا، ولاسيما من المصلي. اهـ
стр. 840
وقال ابن رجب ﵀ في «الفتح» (٤٠٥): وهذا الحديث دالٌّ على كراهة أن يبصق المصلي في قبلته التي يصلي إليها، سواء كان في مسجد، أو لا؛ فإنْ كان في مسجد تأكدت الكراهة بأنَّ البزاق في المسجد خطيئة؛ فإن كان في قبلة المسجد كان أشد كراهة. اهـ
ومراده بالكراهة كراهة تحريم، وهو ظاهرٌ لمن تأمل كلامه، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى تحريم البزاق إلى القبلة في الصلاة، وخارج الصلاة، في المسجد، وغير المسجد، واستدل على ذلك بالأحاديث المطلقة، والصحيح أنه لا يحرم إلا إذا كان في الصلاة، أو المسجد.
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في «الفتح» (٤٠٥): وإنما يكره البصاق إلى القبلة في الصلاة، أو في المسجد، فأما من بصق إلى القبلة في غير مسجد، فلا يكره له ذلك. انتهى.
قلتُ: وهو الصواب؛ لأن الروايات المطلقة تقيدها الروايات المقيدة بالصلاة كما في حديث أنس ﵁.
مسألة [٢]: بصاق المصلي عن يمينه .
قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «وَلَا عَنْ يَمِينِهِ»، فيه النهي، والتحريم للمصلي أن يبصق عن يمينه، وقد بوب البخاري في «صحيحه»: [باب لا يبصق عن يمينه في الصلاة].
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في «الفتح» (٤١٢): وقد يُفهم من تبويب
стр. 841
البخاري اختصاص كراهة البصاق عن اليمين حال الصلاة، وهو قول المالكية، والأكثرون على خلاف ذلك، قال معاذ: ما بصقت عن يميني منذ أسلمت. ورُوي كراهته عن ابن مسعود، وابن سيرين.
قلتُ: أثر معاذ، وابن مسعود أخرجهما عبد الرزاق (١/ ٤٣٥)، وهما ثابتان عنهما، وأثر ابن مسعود أصح من أثر معاذ، وقد علل الكارهون للبصاق عن اليمين خارج الصلاة بما جاء في «البخاري» (٤١٦)، عن أبي هريرة ﵁: «فإنَّ عن يمينه ملكًا»، وهو خارج «الصحيح» عن حذيفة بلفظ: «فإنَّ كاتب الحسنات عن يمينه»، وهو صحيح، موقوفٌ عليه، أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٣٦٥)، وعبدالرزاق (١/ ٤٣٢)، والذي يظهر لي أنَّ الصواب ما ذهب إليه المالكية، والبخاري، أنَّ النهي عن ذلك خاصٌّ بالصلاة؛ للقيد المذكور في حديث أنس، وأبي هريرة، وغيرهما، وهو قوله: «إذا قام أحدكم إلى الصلاة»، والله أعلم.
مسألة [٣]: بصاق المصلي عن يساره، وحكم البصاق والتنخم في المسجد .
قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «وَلَكِنْ عَنْ شِمَالِهِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ»، فيه جواز بَصقِ، وَتَنَخُّم المصلي عن يساره، أو تحت قدمه اليسرى.
• واستدل بعض العلماء بهذا الحديث أعني قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ» على جواز التنخم في المسجد، لكن بشرط أن يدفنه، وقال به أحمد في رواية عنه، وأبو عبيد كما في «الفتح» لابن رجب (٢/ ٣٤٣).
стр. 842
• وذهب طائفة من أهل العلم إلى أنه لا يجوز له أن يفعل ذلك في المسجد، قال ابن رجب: وهذا هو أكثر النصوص عن أحمد.
قلتُ: ونصر القولَ الأولَ القاضي عياضٌ، والقولَ الثاني الإمامُ النوويُّ رحمة الله عليهما، واستدل الإمام النووي على ذلك بحديث: «البصاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها»، متفق عليه عن أنس ﵁. (١)
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في «الفتح» (٤١٥): وهذا يستدل به من يقول: إن البزاق لا يجوز في المسجد مع دفنه، كما لا يجوز لأحد أن يعمل ذنبًا، ويتبعه بما يكفره من الحسنات الماحية. اهـ
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في «الفتح» (٤١٥): قَالَ الْقَاضِي عِيَاض: إِنَّمَا يَكُون خَطِيئَة إِذَا لَمْ يَدْفِنهُ، وَأَمَّا مَنْ أَرَادَ دَفْنه، فَلَا. وَرَدَّهُ النَّوَوِيُّ فَقَالَ: هُوَ خِلَافُ صَرِيحِ الْحَدِيثِ.
قال الحافظ ﵀: قُلْت: وَحَاصِلُ النِّزَاع أَنَّ هُنَا عُمُومَيْنِ تَعَارَضَا، وَهُمَا قَوْله: «الْبُزَاق فِي المَسْجِد خَطِيئَة»، وَقَوْله: «وَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَاره أَوْ تَحْت قَدَمه»، فَالنَّوَوِيُّ يَجْعَل الْأَوَّل عَامًّا، وَيَخُصّ الثَّانِي بِمَا إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْمَسْجِد، وَالْقَاضِي بِخِلَافِهِ، يَجْعَل الثَّانِي عَامًّا، وَيَخُصّ الْأَوَّل بِمَنْ لَمْ يُرِدْ دَفْنهَا، وَقَدْ وَافَقَ الْقَاضِي جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ: اِبْن مَكِّيّ فِي «التَّنْقِيب»، وَالْقُرْطُبِيّ فِي «المُفْهِم»، وَغَيْرهمَا، وَيَشْهَد لَهُمْ مَا رَوَاهُ أَحْمَد بِإِسْنَادٍ حَسَن مِنْ حَدِيث سَعْد بْن أَبِي وَقَّاصٍ مَرْفُوعًا
الثَّوْب، وَلَوْ كَانَ فِي الْمَسْجِد، بِلَا خِلَاف، وَعِنْد أَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيث عَبْد الله بْن الشِّخِّير، أَنَّهُ صَلَّى مَعَ النَّبِيّ ﷺ ، فَبَصَقَ تَحْت قَدَمه الْيُسْرَى، ثُمَّ دَلَكَهُ بِنَعْلِهِ. (١) إِسْنَاده صَحِيح، وَأَصْله فِي «مُسْلِم»، وَالظَّاهِر أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي الْمَسْجِد، فَيُؤَيِّد مَا تَقَدَّمَ. انتهى.
قلتُ: فالحافظ في هذا البحث يؤيد ما ذهب إليه القاضي عياض.
لكن قال الشوكاني ﵀ في «نيل الأوطار» (٨٥٨): فَيُؤَيِّدُ مَا تَقَدَّمَ وَيُؤَيِّدُ قَوْلَ النَّوَوِيِّ تَصْرِيحُهُ ﷺ في الْحَدِيثِ الْمتَّفَقِ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْبُزَاقَ فِي الْمَسْجِدِ خَطِيئَةٌ، وَأَنَّ دَفْنَهَا كَفَّارَةٌ لَهَا؛ فَإِنَّ دَلَالَتَهُ عَلَى كَتْبِ الْخَطِيئَةِ بِمُجَرَّدِ الْبُزَاقِ فِي الْمَسْجِدِ ظَاهِرَةٌ غَايَةَ الظُّهُورِ، وَلَكِنَّهَا تَزُولُ بِالدَّفْنِ وَتَبْقَى بِعَدَمِهِ. انتهى.
قلتُ: الذي قاله النووي، وأيده الشوكاني هو الصواب؛ لأنَّ حديث أنس: «البصاق في المسجد خطيئة» نَصٌّ في ذلك، وتأويله مستبعد، وأما الأدلة التي ساقها الحافظ فدونك بيانها:
فأما حديث سعد بن أبي وقاص: «من تنخم في المسجد؛ فليغيب نخامته»؛ فإنه لا يفيد الجواز؛ لأنَّ الشرط لا يدل على ذلك، كما يقال: من عصى الله، فليستغفره. فليس فيه إباحة للمعصية.
وأما حديث أبي أمامة؛ فاللفظ المذكور لفظ الطبراني، وأما غير الطبراني
стр. 845
فيرويه بلفظ: «التفل في المسجد سيئة، ودفنه حسنة».
وفي إسناده: أبو غالب، والرَّاجح ضَعْفُه، ومع ذلك فهو وحديث أبي ذر الذي بعده لا ينافيان حديث أنس، بل يحملان على حديث أنس؛ فإنهما يدلان على أنَّ النخاعة إذا لم تدفن سيئة، ومعناهما أنَّ السيئة ما زالت موجودة؛ لأنها لم تدفن.
وحديث أنس يدل على ذلك أيضًا، فتأمل، ويؤيد عدم جواز التفل، والتنخم في المسجد حديث: «فإنْ عجلت به بادرة، فليقل بثوبه هكذا»، أخرجه مسلم (٣٠٠٨) عن جابر ﵁.
فأرشد النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إلى التنخم في الثوب، والله أعلم.