البخاري اختصاص كراهة البصاق عن اليمين حال الصلاة، وهو قول المالكية، والأكثرون على خلاف ذلك، قال معاذ: ما بصقت عن يميني منذ أسلمت. ورُوي كراهته عن ابن مسعود، وابن سيرين.
قلتُ: أثر معاذ، وابن مسعود أخرجهما عبد الرزاق (١/ ٤٣٥)، وهما ثابتان عنهما، وأثر ابن مسعود أصح من أثر معاذ، وقد علل الكارهون للبصاق عن اليمين خارج الصلاة بما جاء في «البخاري» (٤١٦)، عن أبي هريرة ﵁: «فإنَّ عن يمينه ملكًا»، وهو خارج «الصحيح» عن حذيفة بلفظ: «فإنَّ كاتب الحسنات عن يمينه»، وهو صحيح، موقوفٌ عليه، أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٣٦٥)، وعبدالرزاق (١/ ٤٣٢)، والذي يظهر لي أنَّ الصواب ما ذهب إليه المالكية، والبخاري، أنَّ النهي عن ذلك خاصٌّ بالصلاة؛ للقيد المذكور في حديث أنس، وأبي هريرة، وغيرهما، وهو قوله: «إذا قام أحدكم إلى الصلاة»، والله أعلم.
مسألة [٣]: بصاق المصلي عن يساره، وحكم البصاق والتنخم في المسجد .
قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «وَلَكِنْ عَنْ شِمَالِهِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ»، فيه جواز بَصقِ، وَتَنَخُّم المصلي عن يساره، أو تحت قدمه اليسرى.
• واستدل بعض العلماء بهذا الحديث أعني قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ» على جواز التنخم في المسجد، لكن بشرط أن يدفنه، وقال به أحمد في رواية عنه، وأبو عبيد كما في «الفتح» لابن رجب (٢/ ٣٤٣).
стр. 842
• وذهب طائفة من أهل العلم إلى أنه لا يجوز له أن يفعل ذلك في المسجد، قال ابن رجب: وهذا هو أكثر النصوص عن أحمد.
قلتُ: ونصر القولَ الأولَ القاضي عياضٌ، والقولَ الثاني الإمامُ النوويُّ رحمة الله عليهما، واستدل الإمام النووي على ذلك بحديث: «البصاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها»، متفق عليه عن أنس ﵁. (١)
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في «الفتح» (٤١٥): وهذا يستدل به من يقول: إن البزاق لا يجوز في المسجد مع دفنه، كما لا يجوز لأحد أن يعمل ذنبًا، ويتبعه بما يكفره من الحسنات الماحية. اهـ
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في «الفتح» (٤١٥): قَالَ الْقَاضِي عِيَاض: إِنَّمَا يَكُون خَطِيئَة إِذَا لَمْ يَدْفِنهُ، وَأَمَّا مَنْ أَرَادَ دَفْنه، فَلَا. وَرَدَّهُ النَّوَوِيُّ فَقَالَ: هُوَ خِلَافُ صَرِيحِ الْحَدِيثِ.
قال الحافظ ﵀: قُلْت: وَحَاصِلُ النِّزَاع أَنَّ هُنَا عُمُومَيْنِ تَعَارَضَا، وَهُمَا قَوْله: «الْبُزَاق فِي المَسْجِد خَطِيئَة»، وَقَوْله: «وَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَاره أَوْ تَحْت قَدَمه»، فَالنَّوَوِيُّ يَجْعَل الْأَوَّل عَامًّا، وَيَخُصّ الثَّانِي بِمَا إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْمَسْجِد، وَالْقَاضِي بِخِلَافِهِ، يَجْعَل الثَّانِي عَامًّا، وَيَخُصّ الْأَوَّل بِمَنْ لَمْ يُرِدْ دَفْنهَا، وَقَدْ وَافَقَ الْقَاضِي جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ: اِبْن مَكِّيّ فِي «التَّنْقِيب»، وَالْقُرْطُبِيّ فِي «المُفْهِم»، وَغَيْرهمَا، وَيَشْهَد لَهُمْ مَا رَوَاهُ أَحْمَد بِإِسْنَادٍ حَسَن مِنْ حَدِيث سَعْد بْن أَبِي وَقَّاصٍ مَرْفُوعًا
الثَّوْب، وَلَوْ كَانَ فِي الْمَسْجِد، بِلَا خِلَاف، وَعِنْد أَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيث عَبْد الله بْن الشِّخِّير، أَنَّهُ صَلَّى مَعَ النَّبِيّ ﷺ ، فَبَصَقَ تَحْت قَدَمه الْيُسْرَى، ثُمَّ دَلَكَهُ بِنَعْلِهِ. (١) إِسْنَاده صَحِيح، وَأَصْله فِي «مُسْلِم»، وَالظَّاهِر أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي الْمَسْجِد، فَيُؤَيِّد مَا تَقَدَّمَ. انتهى.
قلتُ: فالحافظ في هذا البحث يؤيد ما ذهب إليه القاضي عياض.
لكن قال الشوكاني ﵀ في «نيل الأوطار» (٨٥٨): فَيُؤَيِّدُ مَا تَقَدَّمَ وَيُؤَيِّدُ قَوْلَ النَّوَوِيِّ تَصْرِيحُهُ ﷺ في الْحَدِيثِ الْمتَّفَقِ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْبُزَاقَ فِي الْمَسْجِدِ خَطِيئَةٌ، وَأَنَّ دَفْنَهَا كَفَّارَةٌ لَهَا؛ فَإِنَّ دَلَالَتَهُ عَلَى كَتْبِ الْخَطِيئَةِ بِمُجَرَّدِ الْبُزَاقِ فِي الْمَسْجِدِ ظَاهِرَةٌ غَايَةَ الظُّهُورِ، وَلَكِنَّهَا تَزُولُ بِالدَّفْنِ وَتَبْقَى بِعَدَمِهِ. انتهى.
قلتُ: الذي قاله النووي، وأيده الشوكاني هو الصواب؛ لأنَّ حديث أنس: «البصاق في المسجد خطيئة» نَصٌّ في ذلك، وتأويله مستبعد، وأما الأدلة التي ساقها الحافظ فدونك بيانها:
فأما حديث سعد بن أبي وقاص: «من تنخم في المسجد؛ فليغيب نخامته»؛ فإنه لا يفيد الجواز؛ لأنَّ الشرط لا يدل على ذلك، كما يقال: من عصى الله، فليستغفره. فليس فيه إباحة للمعصية.
وأما حديث أبي أمامة؛ فاللفظ المذكور لفظ الطبراني، وأما غير الطبراني
стр. 845
فيرويه بلفظ: «التفل في المسجد سيئة، ودفنه حسنة».
وفي إسناده: أبو غالب، والرَّاجح ضَعْفُه، ومع ذلك فهو وحديث أبي ذر الذي بعده لا ينافيان حديث أنس، بل يحملان على حديث أنس؛ فإنهما يدلان على أنَّ النخاعة إذا لم تدفن سيئة، ومعناهما أنَّ السيئة ما زالت موجودة؛ لأنها لم تدفن.
وحديث أنس يدل على ذلك أيضًا، فتأمل، ويؤيد عدم جواز التفل، والتنخم في المسجد حديث: «فإنْ عجلت به بادرة، فليقل بثوبه هكذا»، أخرجه مسلم (٣٠٠٨) عن جابر ﵁.
فأرشد النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إلى التنخم في الثوب، والله أعلم.
стр. 846
٢٣٧ - وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ قِرَامٌ (١) لِعَائِشَةَ ﵂ سَتَرَتْ بِهِ جَانِبَ بَيْتِهَا، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ «أَمِيطِي عَنَّا قِرَامَك هَذَا؛ فَإِنَّهُ لَا تَزَالُ تَصَاوِيرُهُ تَعْرِضُ لِي فِي صَلَاتِي». رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (٢)
٢٣٨ - وَاتَّفَقَا عَلَى حَدِيثِهَا فِي قِصَّةِ أَنْبِجَانِيَّةِ أَبِي جَهْمٍ، وفيه: «فَإِنَّهَا أَلْهَتْنِي عَنْ صَلَاتِي». (٣)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين
قال الإمام الصنعاني ﵀ في «سبل السلام» (١/ ٣١٣): وفي الحديث دلالة على كراهة ما يشغل عن الصلاة من النقوش ونحوها مما يشغل القلب، وفيه مبادرته ﷺ إلى صيانة الصلاة عما يلهي، وإزالة ما يشغل عن الإقبال عليها.
وقال أيضًا: وفيه كراهة الصلاة على المفارش، والسجاجيد المنقوشة، وكراهة نقش المساجد ونحوه.
وقال أيضًا: ولا دليل فيه على بطلان الصلاة؛ لأنه لم يُرْوَ أنه ﷺ أعادها. اهـ
стр. 847
٢٣٩ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إلَى السَّمَاءِ فِي الصَّلَاةِ؛ أَوْ لَا تَرْجِعُ إلَيْهِمْ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث
مسألة [١]: حكم رفع البصر إلى السماء في الصلاة .
قلتُ: حديث الباب قد أخرجه أيضًا البخاري (٧٥٠)، ولكن من حديث أنس، وجاء أيضًا من حديث أبي هريرة عند مسلم (٤٢٩)، ومن حديث صحابي مبهم أخرجه أحمد (٣/ ٤٤١)، وإسناده صحيح، وهو في «الصحيح المسند».
وهذا يدل على تحريم النظر إلى السماء في الصلاة؛ ولهذا قال الحافظ ابن حجر ﵀ في «الفتح» (٧٥٠): وعلى هذا؛ فالفعل المذكور حرامٌ.
وقال الشوكاني ﵀ في «النيل» (٢/ ١٩٠): وَالظَّاهِرُ أَنَّ رَفْعَ الْبَصَرِ إلَى السَّمَاءِ حَالَ الصَّلَاةِ حَرَامٌ؛ لِأَنَّ الْعُقُوبَةَ بِالْعَمَى لَا تَكُونُ إلَّا عَنْ مُحَرَّمٍ، وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ، وَبَالَغَ ابْنُ حَزْمٍ، فَقَالَ: تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِهِ. اهـ
وقال الصنعاني ﵀: والنَّهْيُ يُفِيْدُ تَحْرِيْمه. «السبل» (١/ ٣١٣).
قلتُ: ومذهب الجمهور هو الكراهة، قال ابن بطال كما في «الفتح» (٧٥٠): أجمعوا على كراهة رفع البصر في الصلاة.
وهو كراهة تحريم عند من تقدم، وهو الراجح، وقد رجَّحه الإمام ابن عثيمين ﵀ في «الشرح الممتع».
стр. 848
بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَةِ
مسألة [١]: موضع نظر المصلي في الصلاة .
قال الحافظ ابن كثير ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٤٤]: وقد استدل المالكية بهذه الآية على أن المصلي ينظر أمامه، لا إلى موضع سجوده كما ذهب إليه الشافعي، وأحمد، وأبو حنيفة، قال المالكية: لقوله: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، فلو نظر إلى موضع سجوده لاحتاج أن يتكلف ذلك بنوع من الانحناء. اهـ
وقد استدل المالكية أيضًا بحديث خبَّاب في «البخاري» (٧٦١)، أنهم كانوا يعرفون قراءة رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- باضطراب لحيته.
واستدل الجمهور بأنه ينظر إلى موضع سجوده بحديث أبي هريرة عند الحاكم (٢/ ٣٩٣)، والبيهقي (٢/ ٢٨٣): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان إذا صلَّى رفع رأسه إلى السماء تدور عيناه ينظر ههنا، وههنا، حتى نزل عليه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون:١ - ٢]، فطأطأ رأسه، ونكس في الأرض. وهذا الحديث الرَّاجح أنه من مراسيل ابن سيرين، وقد رجَّح المرسل البيهقي، والنووي، والذهبي، وابن كثير، وابن رجب، وغيرهم.
стр. 849
واستدل الجمهور أيضًا بحديث عائشة، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لما دخل الكعبة ما خلف بصره موضع سجوده. أخرجه الحاكم (١/ ٤٧٩)، والبيهقي (٥/ ١٥٨)، وهو من رواية عمرو بن أبي سلمة، عن زهير بن محمد التميمي، ورواية الشاميين عن زهير منكرة، وهذا منها، وقد أنكره أبو حاتم.
قلتُ: لم يصح في هذه المسألة شيء صريح يُعتمد عليه، وينظر المصلي إلى ما كان إلى الخشوع أقرب، وهو موضع السجود، والله أعلم.
قال ابن عبد البر ﵀ في «التمهيد» (١٧/ ٣٩٣): قال مالك: يكون نظر المصلي أمام قبلته. وقال الثوري وأبو حنيفة والشافعي والحسن بن حي: يستحب أن يكون نظره إلى موضع سجوده. وقال شريك القاضي: ينظر في القيام إلى موضع السجود، وفي الركوع إلى موضع قدميه، وفي السجود إلى أنفه، وفي قعوده إلى حجره.
قال: وهذا كله تحديد لم يثبت به أثر، وليس بواجب في النظر، ومن نظر إلى موضع سجوده كان أسلم له وأبعد من الاشتغال بغير صلاته إن شاء الله، وبالله التوفيق. (١)
مسألة [٢]: تغميض العينين في الصلاة .
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في «الفتح» (٧٥٠): وأما تغميض البصر فِي الصلاة، فاختلفوا فِيهِ: فكرهه الأكثرون، منهم: أبو حنيفة، والثوري، والليث،
стр. 850
وأحمد. قَالَ مُجَاهِد: هُوَ من فعل اليهود. اهـ
قلتُ: وقد رخَّص فيه الحسن، وكذا ابن سيرين فيما إذا كان يكثر الالتفات.
وقال ابن القيم ﵀: لم يكن من هديه تغميض عينيه في الصلاة.
ثم قال: والصواب أن يقال: إنْ كان فَتْحُهُما لا يخل بالخشوع فهو أفضل، وإنْ كان يحول بينه وبين الخشوع؛ لما في قبلته من زخرف، وتزويق، أو غيره مما يشوش قلبه، فهناك لا يكره التغميض قطعًا، والقول في استحبابه في هذه الحال أقرب إلى أصول الشرع، ومقاصده من القول بالكراهة. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: الصحيح قول الجمهور -أعني الكراهة- إلا في حالة الانشغال بالزخارف، والتزويقات؛ فلا يكره التغميض، والله أعلم. (١)
стр. 851
٢٤٠ - وَلَهُ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: سَمِعْت رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ، وَلَا هُوَ يُدَافِعُهُ الأَخْبَثَانِ». (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: حكم الصلاة بحضرة الطعام، أو مع مدافعة الأخبثين .
• في هذا الحديث كراهة الصلاة مع وجود الطعام، أو مدافعة الأخبثين، وهما: البول، والغائط، وقد تقدم الكلام على تقديم الطعام على الصلاة.
والخلاف في تقديم الصلاة على الخلاء كالخلاف هنالك.
• فذهب الظاهرية إلى البطلان.
• وذهب الجمهور إلى الكراهة؛ إلا أن يُؤَدِّي به الحال إلى أن يفوت الطمأنينة في الصلاة؛ فصلاته باطلة.
والكراهة في مدافعة الأخبثين أشد من الكراهة عند حضور الطعام؛ لأنَّ الانشغال بذلك أكثر، والله أعلم.
стр. 852
٢٤١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «التَّثَاؤُبُ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَزَادَ: «فِي الصَّلَاةِ». (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٢/ ٣٩٩): وَإِذَا تَثَاءَبَ فِي الصَّلَاةِ اُسْتُحِبَّ أَنْ يَكْظِمَ مَا اسْتَطَاعَ؛ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ اُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَى فِيهِ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ الله ﷺ : ... ، -فذكر حديث الباب- وَفِي رِوَايَةٍ، قَالَ: «إذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَضَعْ يَدَهُ عَلَى فِيهِ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ».اهـ
والحديث الثاني أخرجه مسلم أيضًا (٢٩٩٥)، من حديث أبي سعيد، وعنده رواية من حديثه: «في الصلاة»، كزيادة الترمذي.
ويكره أن يصدر صوتًا عند التثاؤب، ففي «البخاري» (٣٢٨٩)، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «فإنَّ أحدكم إذا قال: ها. ضحكَ الشيطان».
стр. 853
فَصْلٌ فِي ذِكْرِ بَعْضِ المَسَائِلِ المُلْحَقَةِ بِالبَابِ
مسألة [١]: التروح في الصلاة .
• كرهه عطاء، والنخعي، ومالك؛ لما فيه من تحريك اليد، والعبث في الصلاة، ورخَّصَ فيه ابن سيرين، والحسن، وقال أحمد، وإسحاق: يكره ذلك؛ إلا أن يأتي الأمر الشديد، أو الغم الشديد. وهذا القول هو الصواب؛ لأنَّه إذا أصابه الغمُّ الشديد لم يستطع أن يخشع في صلاته. (١)
مسألة [٢]: المراوحة بين القدمين .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٢/ ٣٩٠): ويستحب أن يفرج بين قدميه، ويراوح بينهما، يعتمد على هذه مرة، وعلى هذه مرة، ولا يكثر ذلك. اهـ
قلتُ: أما الاستحباب فيحتاج إلى دليل، والظاهر أنه لا بأس به كما نقله ابن المنذر عن مالك، وأحمد، وإسحاق، وقال هو أيضًا به. (٢)
مسألة [٣]: التفريج بين القدمين .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٢/ ٣٩٦): وَيُكْرَهُ أَنْ يُلْصِقَ إحْدَى قَدَمَيْهِ بِالْأُخْرَى فِي حَالِ قِيَامِهِ؛ لِمَا رَوَى الْأَثْرَمُ، عَنْ عُيَيْنَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: كُنْت مَعَ أَبِي فِي الْمَسْجِدِ، فَرَأَى رَجُلًا يُصَلِّي، قَدْ صَفَّ بَيْنَ قَدَمَيْهِ، وَأَلْزَقَ إحْدَاهُمَا
بَابُ المَسَاجِدِ
٢٤٢ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِبِنَاءِ المَسَاجِدِ فِي الدُّورِ، وَأَنْ تُنَظَّفَ وَتُطَيَّبَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَ إرْسَالَهُ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
دلَّ الحديث على أمرين:
أولهما: استحباب بناء المساجد، ويدل عليه حديث عثمان في «الصحيحين» (٢) مرفوعًا: «من بنى مسجدًا لله تعالى بنى الله له في الجنة مثله».
وجاء عن غيره خارج «الصحيح»، وإذا لم يكن في القرية مسجدٌ، فبناؤه فرض كفاية؛ لأنَّ الجماعة واجبة، وما لا يتم الواجب إلا به؛ فهو واجب.
قال ابن رجب ﵀ في «فتح الباري» (٢/ ٥٠٥): وبناء المساجد المحتاج
стр. 856
إليها مستحبٌّ، وعدَّه بعض أصحابنا من فروض الكفايات، ومراده: أنه لا يجوز أن يُخلَى مصرٌ، أو قريةٌ يسكنها المسلمون من بناء مسجد فيها. انتهى.
ثانيهما: الأمر بتنظيف المساجد وتطهيرها، والتنظيف مستحبٌّ، والتطهير واجبٌ، قال تعالى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة:١٢٥].
وقال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور:٣٦].
وفي «الصحيحين» (١) عن أبي هريرة أنَّ امرأةً كانت تَقُمُّ المسجد، فلما ماتت سأل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عن قبرها، فصلَّى عليها بعدما دُفِنَتْ.
стр. 857
٢٤٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ «قَاتَلَ اللهُ اليَهُودَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَزَادَ مُسْلِمٌ: «وَالنَّصَارَى». (١)
٢٤٤ - وَلَهُمَا مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂: «كَانُوا إذَا مَاتَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا» وَفِيهِ: «أُولَئِكِ شِرَارُ الخَلْقِ». (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين
يدل الحديثان على تحريم بناء المساجد على القبور، أو بناء القبور في المساجد، وللشيخ الإمام محمد ناصر الدين الألباني ﵀ كتاب مفيد في ذلك سمَّاه: «تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد»، جمعَ عددًا من الأحاديث، وتكلم عن هذه المسألة، فأفاد، وأجاد ﵀، ونقل عن المذاهب الأربعة تحريم ذلك، وزاد الإمام أحمد على التحريم بطلان الصلاة، وهو الصحيح، وراجع الكتاب المذكور آنفًا.
وقال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ١٩٤ - ): اتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ أَنَّهُ لَا يُبْنَى مَسْجِدٌ عَلَى قَبْرٍ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ؛ فَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ»، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ دَفْنُ مَيِّتٍ فِي مَسْجِدٍ؛ فَإِنْ كَانَ المَسْجِدُ قَبْلَ الدَّفْنِ غُيِّرَ، إمَّا بِتَسْوِيَةِ الْقَبْرِ، وَإِمَّا بِنَبْشِهِ إنْ كَانَ جَدِيدًا، وَإِنْ كَانَ المَسْجِدُ بُنِيَ بَعْدَ الْقَبْرِ؛ فَإِمَّا أَنْ يُزَالَ
٢٤٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ خَيْلًا، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي المَسْجِدِ ... الحَدِيثَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: دخول المشرك مساجد المسلمين .
• أما بالنسبة للمسجد الحرام؛ فالجمهور على منع الكفار، والمشركين من دخوله؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة:٢٨]، وخالف أبو حنيفة، فأجازه لأهل الكتابين.
• وأما بالنسبة للمساجد الأخرى؛ فذهب مالك، والمزني، وهو المشهور عن أحمد إلى منع المشركين من دخولها، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ﴾ [البقرة:١١٤]، وهو قول عمر بن عبد العزيز.
• وذهبت طائفةٌ من أهل العلم إلى الجواز، وهو قول الشافعي، وأحمد في رواية، اختارها جماعة من أصحابه، وهو اختيار البخاري في «صحيحه»، واستدلوا على ذلك بحديث الباب، وبحديث أنس ﵁ في «البخاري» (٦٣)، قال: دخل رجلٌ على جمل، فأناخه في المسجد، ثم عقله، ثم قال: أيُّكم محمد؟، ورسول الله متكئ بين ظهرانيهم ... الحديث، وفيه أنه أسلم. وبحديث المسور بن مخرمة، ومروان في «صحيح البخاري» (٢٧٣١) في قصة صلح الحديبية، فلما أسلم أبو بصير بعث
стр. 860
المشركون رجلين يأتيان به، فردَّه النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فلما بلغ ذا الحليفة قتل أحدهما، وفرَّ الآخر، حتى دخل مسجد النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ... الحديث، وغيرها من الأحاديث، وهذا القول هو الصواب، وهو اختيار شيخنا مقبل الوادعي ﵀.
وأما استدلالهم بقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ﴾، فليس لهم فيها مأخذ؛ لأنَّ الآية كما قال ابن كثير: وقيل: إنَّ هذه بشارة من الله للمسلمين أنه سيظهرهم على المسجد الحرام، وعلى سائر المساجد، وأنه يذل المشركين لهم حتى لا يدخل المسجد الحرام أحدٌ منهم إلا خائفًا يخاف أن يؤخذ، ويعاقب، أو يُقتل إن لم يسلم، وقد أنجز الله هذا الوعد كما تقدم من منع المشركين من دخول الحرم، وأوصى رسول الله ﷺ أن لا يبقى بجزيرة العرب دينان، وأن تُجْلَى اليهود، والنصارى منها، ولله الحمد والمنة. اهـ
قلتُ: فهذا المعنى هو الصواب في الآية، ويؤيد ذلك أنَّ آيتهم نزلت في صلح الحديبية على الصحيح، وقد تقدم في الحديث أنَّ المشرك فرَّ من أبي بصير، ودخل المسجد، وكان ذلك بعد صلح الحديبية، والله أعلم.
ثم رأيت ابنَ حزم رجَّح هذا القول أيضًا. (١)
مسألة [٢]: وهل يُشترطُ إذن المسلمين في دخولهم ؟
• اشترط ذلك الشافعية، وجماعة من الحنابلة.
стр. 861
• وذهب جمع من الحنابلة إلى عدم اشتراط ذلك، وهو الصحيح؛ لحديث أبي بصير الذي تقدم، وحديث أنس أيضًا. (١)
مسألة [٣]: هل يجوز أن يُظْهِروا بعض شعائرهم في المسجد ؟
قال ابن رجب ﵀ في «فتح الباري» (٢/ ٤٨٢): واتفقوا على منع الكفار من إظهار دينهم في مساجد المسلمين، لا نعلم في ذلك خلافًا. انتهى.
مسألة [٤]: هل يلتحق مسجد المدينة بالمسجد الحرام ؟
قال ابن رجب ﵀ في «الفتح» (٤٦٩): فأما مسجد المدينة؛ فالمشهور عندنا، وعند الشافعية أن حكمه حكم مساجد الحل، ولأصحابنا وجهٌ أنه مُلحقٌ بالمسجد الحرام؛ لأنَّ المدينة حرمٌ، وهذا بعيد؛ فإنَّ الأحاديث الدالة على الجواز إنما وردت في مسجد المدينة بخصوصه، فكيف يمنع منه، ويخص الجواز بغيره؟! اهـ.
стр. 862
٢٤٦ - وَعَنْهُ، ﵁ أَنَّ عُمَرَ ﵁ مَرَّ بِحَسَّانَ يُنْشِدُ فِي المَسْجِدِ، فَلَحَظَ إلَيْهِ، فَقَالَ: قَدْ كُنْت أُنْشِدُ (فِيهِ) (١)، وَفِيهِ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْك. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
دلَّ حديث الباب على جواز إنشاد الشعر في المسجد، وعارضه حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى عن إنشاد الشعر في المسجد. أخرجه أحمد (٢/ ١٧٩)، وأبو داود (١٠٧٩).
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في «الفتح» (٤٥٣): وجمهور العلماء على جواز إنشاد الشعر المباح في المسجد، وحمل بعضهم حديث عمرو بن شعيب على أشعار الجاهلية، وما لا يليق ذكره في المسجد. انتهى المراد.
стр. 863
٢٤٧ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ سَمِعَ رَجُلًا يَنْشُدُ ضَالَّةً فِي المَسْجِدِ فَلْيَقُلْ: لَا رَدَّهَا اللهُ عَلَيْك؛ فَإِنَّ المَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهَذَا». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (١)
الضالة: قال ابن الأثير: هي الضائعة من كل ما يُقْتَنى من الحيوان، وغيره.
وقال المناوي في «فيض القدير» (١/ ٣٥٧): ويختص أصالةً بالحيوان، والمراد هنا شيء ضاع. اهـ
وفي «فتاوى اللجنة الدائمة» (٦/ ٢٨٢): الضالة تشمل المتاع، والحيوان، والإنسان.
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: حكم إنشاد الضالة .
• نصَّ جمعٌ من أهل العلم على كراهة إنشاد الضالة.
• ونصَّ ابن حزم في «المحلَّى» (٥٠٣)، والصنعاني في «سبل السلام» على التحريم، وعدم الجواز.
وهو الصحيح؛ لدلالة حديث الباب، ولحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عند أحمد (٢/ ١٧٩)، وأبي داود (١٠٧٩): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى أن تُنْشَدَ الضالة في المسجد. والنهي يقتضي التحريم.
стр. 864
مسألة [٢]: حكم قوله: لا ردَّها الله عليك ؟
صرَّح ابن حزم بالوجوب كما في «المحلَّى» (٥٠٣)، وقال المناوي في «فيض القدير» (١/ ٣٥٧): قال جمعٌ من أئمتنا: يُندب لمن رأى من يبيع، أو يشتري، أو ينشد ضالة أن يقول: لا أربح الله تجارتك، ولا وَجَدْتَ. انتهى.
قلتُ: القول بالاستحباب أظهر؛ لأنه قد ثبت في «صحيح مسلم» (٥٦٩)، من حديث بريدة أنَّ رجلًا قال: من دعا إلى الجمل الأحمر، فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لَا وَجَدْتَ، إِنَّمَا بُنِيَتْ المَسَاجِد لِمَا بُنِيَتْ لَهُ» فلم يأمرهم النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أن يقولوا ذلك؛ فَدَلَّ على الاستحباب والله أعلم.
مسألة [٣]: حكم تعريف الضالة في المسجد .
قال المناوي ﵀ في «فيض القدير» (١/ ٣٥٧): وألحق جمعٌ منهم الحافظ العراقي بإنشاد الضالة تعريفَها؛ ولذلك قال الشافعية: يعرفها على باب المسجد. اهـ وهو قولُ جماعة من الحنابلة كما في «توضيح الأحكام» (٢/ ١٢٣).
стр. 865
٢٤٨ - وَعَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَبِيعُ، أَوْ يَبْتَاعُ فِي المَسْجِدِ فَقُولُوا: لَا أَرْبَحَ اللهُ تِجَارَتَك». رَوَاهُ النَّسَائِيّ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: حكم البيع والشراء في المسجد .
• قال ابن رجب ﵀ في «الفتح» (٢/ ٥٢٥): وحكى الترمذي في «جامعه» قولين لأهل العلم من التابعين في كراهة البيع في المسجد، والكراهة قول الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وهو عند أصحابنا كراهة تحريم، وعند كثير من الفقهاء كراهة تنزيه، وللشافعي قَوْلٌ: أنه لا يكره بالكلية. وَهُوَ قَوْلِ عَطَاء وغيره، وفرق مالك بين اليسير والكثير، فكره الكثير دون اليسير، وحكي عن أصحاب أبي حنيفة نحوه. اهـ
والصحيح هو التحريم؛ لحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عند أحمد (٢/ ١٧٩)، وأبي داود (١٠٧٩): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى عن البيع والشراء في المسجد، وهو ترجيح الصنعاني، والشوكاني. (٢)
стр. 866
مسألة [٢]: هل ينعقد البيع إذا بيع في المسجد ؟
• نقل العراقي، والماوردي الإجماع على انعقاد البيع كما في «نيل الأوطار» (١/ ٧٠٥)، وهذا الإجماع لا يصح، فقد قال ابن رجب كما في «فتح الباري» (٢/ ٥٢٥)، واختلف أصحابنا في انعقاد البيع على وجهين. اهـ
وقد استدل بعضهم على انعقاد البيع بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «فقولوا لا أربح الله تجارتك»، ولكن قد تقدم أنَّ الحديث مرسلٌ، والأصل أنَّ النهي يقتضي الفساد؛ فالظاهر هو فساد هذا البيع، وعدم انعقاده، والله أعلم. (١)
مسألة [٣]: ذكر البيع والشراء في المسجد .
إنْ كان ذلك على وجه الإفاضة في حديث الدنيا، فكرهه الحنابلة، ورخَّصه أصحاب الشافعي.
واستندوا إلى حديث جابر بن سمرة، قال: كان النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يصلي الفجر، ثم يجلس حتى تطلع الشمس، وكانوا يأخذون في أمور الجاهلية، فيضحكون، ويتبسم. رواه مسلم (٦٧٠).
وهذا الحديث ليس بصريح في المراد، بل يحتمل أنهم يتذكرون ما منَّ الله عليهم به من الإسلام، وترك أمور الجاهلية، وهذه عبادةٌ، وقُرْبَةٌ.
والراجح ما ذهب إليه الحنابلة من الكراهة؛ لحديث: «إنما بُنِيَتِ المساجد لما بُنيت له». (٢)
стр. 867
٢٤٩ - وَعَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا تُقَامُ الحُدُودُ فِي المَسَاجِدِ، وَلَا يُسْتَقَادُ فِيهَا». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُد بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: حكم إقامة الحدود في المساجد .
• ذهب الجمهور إلى كراهة ذلك.
• وذهب بعض الحنابلة إلى التحريم، وصرَّح بذلك الصنعاني، والشوكاني، واستدلوا بحديث الباب، وبحديث: «إنما بنيت المساجد لما بنيت له».
• وكان ابن أبي ليلى يقيم حد الجلد في المسجد.
• وقال مالك: لا بأس بخفيف الأدب، ولا بأس بضرب الخصم فيه إذا تبين لدده. نقله صاحب «تهذيب المدونة».
قلتُ: حديث الباب يدل على تحريم ذلك؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى عن ذلك، والأصل في النهي التحريم، والله أعلم. (٢)
стр. 868
٢٥٠ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أُصِيبَ سَعْدٌ يَوْمَ الخَنْدَقِ فَضَرَبَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَيْمَةً فِي المَسْجِدِ، لِيَعُودَهُ مِنْ قَرِيبٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
في الحديث دلالة على جواز اتخاذ الخيمة في المسجد للمريض، وكذا للمعتكف، والمحتاج.
قال ابن رجب ﵀ في «فتح الباري» (٤٦٣): كره أحمد للمعتكف أن يضرب خيمة ونحوها في المسجد، إلا لشدة البرد، ورخص فيه إسحاق إذا كان قصده أن يصون المسجد عما يكون منه من حدث، أو سقوط شيء من طعامه في المسجد، نقله عنهما إسحاق بن منصور في «مسائله». ومن رخص في ضرب الأخبية ونحوها في المساجد -كما دلت عليه الأحاديث في هذا الباب- قال: هي لا تتأبد، فلا تكون ممنوعة، بخلاف ما يتأبد كالغراس والبناء؛ فإنه لا يجوز. وقد نص أحمد على منع الغراس في المساجد، وهو قول مالك، وقال أصحاب الشافعي: يكره. وحكي جوازه عن الأوزاعي. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب في هذه المسألة هو جواز ضرب الخيمة للحاجة كما فعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وأما الغراس، والبناء؛ فيمنع منه كما قال أحمد، ومالك؛ لأنَّ فيه تصرف بالوقف بما لم يبن من أجله، والله أعلم.
٢٥٢ - وَعَنْهَا أَنَّ وَلِيدَةً سَوْدَاءَ كَانَ لَهَا خِبَاءٌ فِي المَسْجِدِ، فَكَانَتْ تَأْتِينِي فَتَحَدَّثُ عِنْدِي .... الحَدِيثَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
في هذا الحديث دلالة على جواز ضرب الخيمة في المسجد للحاجة، وكذا على جواز النوم في المسجد للرجل، وللمرأة إذا أُمِنَتِ الفتنة، وقد بوب عليه البخاري: [باب نوم المرأة في المسجد].
ثم بوب بابًا آخر: [باب نوم الرجال في المسجد]، واستدل على ذلك بنوم أصحاب الصُّفَّة في المسجد، وبحديث سهل بن سعد، وهو في «الصحيحين» (٢)، أنَّ عليًّا قال في المسجد، فجاءه النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يقول: «قم أبا تراب، قم أبا تراب».
وبحديث ابن عمر أنه كان ينام وهو شاب أعزب لا أهل له في مسجد النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. وهو في «الصحيحين». (٣)
قلتُ: وقد صحَّ عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- من حديث بلال ﵁ عند أبي داود (٣٠٥٥): أنه بات ليلة في المسجد. وهو في «الصحيح المسند».
قال الحافظ ابن رجب ﵀: واعلم أنَّ النوم في المسجد على قسمين:
стр. 872
أحدهما أن يكون لحاجة عارضة مثل نوم المعتكف فيه، والمريض، والمسافر، ومن تدركه القائلة، ونحو ذلك، فهذا يجوز عند جمهور العلماء، ومنهم من حكاه إجماعًا ... ، قال: والقسم الثاني: أن يتخذ مقيلًا، ومبيتًا على الدوام، فكرهه ابن عباس، وقال مرة: إن كنت تنام فيه لصلاة؛ فلا بأس. وهذا القسم أيضًا على نوعين: أحدهما: أن يكون لحاجةٍ كالغريب، ومن لا يجد مسكنًا؛ لفقره، فهذا هو الذي وردت فيه الرخصة لأهل الصفة، والوفود، والمرأة السوداء، ونحوهم.
قلتُ: وهذا قد أجازه الجمهور.
قال: والثاني: أن يكون ذلك مع القدرة على اتخاذ مسكن، فهذا كرهه أحمد، وإسحاق، ومالك، ورخَّصَ فيه طائفة، منهم: الشافعي، ورواية عن أحمد، واختاره الأثرم. انتهى بتصرفٍ واختصار.
قلتُ: وهو قول الثوري، والبخاري، وقد عزا الشوكاني في «النيل» الجواز مطلقًا للجمهور. (١)
стр. 873
٢٥٣ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «البُزَاقُ (١) فِي المَسْجِدِ خَطِيئَةٌ وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
في هذا الحديث تحريم البصاق في المسجد، وسواء في ذلك أرضه، أو جدرانه، ولا يُنهى عن البصاق في المنديل داخل المسجد بالإجماع.
وقد تقدم الكلام على هذا الحديث في [باب الحث على الخشوع في الصلاة] تحت الحديث الثامن، فراجعه.
стр. 874
٢٥٤ - وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَبَاهَى النَّاسُ فِي المَسَاجِدِ». أَخْرَجَهُ الخَمْسَةُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ. (١)
٢٥٥ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَا أُمِرْتُ بِتَشْيِيدِ المَسَاجِدِ». أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين
دلَّ الحديثان على كراهة زخرفة المساجد، وأنَّ ذلك من علامات الساعة، وأول من زخرف المساجد هو الوليد بن عبد الملك الأموي.
وزخرفة المساجد فيه إسراف، وتبذير، وإشغال للمصلي عن صلاته، وتقليد لأعداء الإسلام، فقد قال ابن عباس عقب حديثه المذكور: لتزخرفنها كما زخرفت اليهود، والنصارى. ثم هو أيضًا من المحدثات والبدع.
стр. 875
٢٥٦ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «عُرِضَتْ عَلَيَّ أُجُورُ أُمَّتِي، حَتَّى القَذَاةُ (١) يُخْرِجُهَا الرَّجُلُ مِنَ المَسْجِدِ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ، وَاسْتَغْرَبَهُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ. (٢)
فائدة الحديث
فيه فضيلة تنظيف المسجد، ويُغني عنه حديث المرأة السوداء التي كانت تَقُمُّ المسجد، وقد أشرنا إليه في أول الباب.
стр. 876
٢٥٧ - وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ المَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: حكم صلاة ركعتين عند دخول المسجد .
• استدل أهل الظاهر بحديث الباب على وجوب صلاة ركعتين عند دخول المسجد قبل الجلوس، وتابعهم على ذلك الإمام الشوكاني في «النيل»، واستدلوا أيضًا بحديث جابر في «الصحيحين» (٢): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يخطب يوم الجمعة، فدخل رجلٌ، فجلس، فقال له النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أصليتَ يا فلان؟» قال: لا. قال: «قم، فاركع ركعتين».
• وقد حمل الجمهور هذه الأدلة على الاستحباب، واستدلوا على ذلك بحديث عبدالله بن بسر عند أبي داود (١١١٨) وغيره: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- رأى رجلًا يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة، فقال: «اجلس؛ فقد آذيت»، وبحديث أبي واقد الليثي في «الصحيحين» (٣)، أنَّ ثلاثة نفرٍ دخلوا المسجد، فجاء اثنان إلى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وأدبر الثالث، فأما أحدهما فرأى فُرجةً في الحلقة فجلس فيها، وأما الثاني، فجلس خلفهم ... ، الحديث.
стр. 877
وقد أُجيب عن هذين الحديثين: بأنه لم يذكر فيهما أنهم لم يصلوا؛ فلا يصلح أن تُصرف الأوامر المتقدمة لأمر محتمل.
واستدل الجمهور على الاستحباب بحديث: «خمسُ صلوات في اليوم والليلة»، قال: هل عليَّ غيرها؟ قال: «لا؛ إلا أن تطوع».
وأُجيب عنه: بأنه كان في أول التشريع؛ فإنه قد حصل مأمورات، وواجبات شرعية غير الأمور المذكورة في هذا الحديث.
وأُجيب بجواب آخر، وهو: أنَّ الحديث إنما يدل على عدم وجوب صلاة أخرى في يومه وليلته تتكرر عليه بدون أي سبب، وأما إذا كان هناك سببٌ؛ فليس في الحديث ما ينفيه، كصلاة الجنازة، وصلاة العيدين، وصلاة الكسوف، وصلاة النذر على قول بعض أهل العلم في بعضها.
واستدل الجمهور على الاستحباب بحديث أبي هريرة ﵁، عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، أنه دخل المسجد، فاحتبى، ولم يصل ركعتين، لكن قال الحافظ ابن رجب ﵀: وهذا الحديث غريب جدًّا، ورَفْعُهُ عجيب، ولعله موقوفٌ، والله أعلم.
قلتُ: القول بالوجوب أقرب، وهو قول شيخنا مقبل الوادعي ﵀ وعفا عنه، ثم ظهر لي أنَّ القول بالاستحباب أقرب؛ لما تقدم ذكره من الأدلة، ولأن في إجماعهم على أنه لا يلزم من دخل المسجد محدثًا أن يذهب ويتوضأ دليلًا على عدم الوجوب.
стр. 878
ويدل على ذلك أيضًا: حديث الأعرابي الذي دخل المسجد، وعقل جمله، ثم جعل يسأل النبي ﷺ عن الإسلام.
ففي الحديث أنه جلس وجعل يسأل النبي ﷺ ، ولم يأمره النبي ﷺ بالركعتين. متفق عليه عن أنس، وعن طلحة بن عبيد الله ﵄.
ويدل على ذلك أيضًا: ما أخرجه مسلم (٨٧٦) عن أبي رفاعة ﵁، قال: انتهيت إلى النبي ﷺ وهو يخطب، قال: فقلت: يا رسول الله رجل غريب، جاء يسأل عن دينه، لا يدري ما دينه، قال: فأقبل علي رسول الله ﷺ ، وترك خطبته حتى انتهى إلي، فأتي بكرسي، حسبت قوائمه حديدًا، قال: فقعد عليه رسول الله ﷺ ، وجعل يعلمني مما علمه الله، ثم أتى خطبته، فأتم آخرها. وليس في الحديث أن النبي ﷺ أمره أن يصلي ركعتين.
ويدل على ذلك أيضًا: ما أخرجه أبو داود (١١١٨)، وغيره عن عبد الله بن بسر ﵁، قال: جاء رجل يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة، والنبي ﷺ يخطب، فقال له النبي ﷺ : «اجلس فقد آذيت». ولم يأمره النبي ﷺ بالركعتين.
ويدل على ذلك أيضًا: ما أخرجه سعيد بن منصور في «سننه» (٦٤٦) تفسير قوله تعالى: ﴿إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء:٤٣]، عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، قال: رأيت رجالًا من أصحاب رسول الله ﷺ يجلسون في المسجد وهم مجنبون إذا توضأوا وضوء الصلاة.
стр. 879
قلتُ: إسناده صحيح، وهشام بن سعد، وإن كان ضعيف الحفظ؛ إلا أنه أثبت الناس في زيد بن أسلم، قاله أبو داود.
ويدل على ذلك أيضًا: أنه لا يشترط لتحية المسجد نية؛ فأي صلاة صلاها حين يدخل المسجد من فريضة ونافلة؛ تجزئه عن تحية المسجد.
وأيضًا: فإن من صلى نافلة؛ أجزأته عن تحية المسجد، ولو لم ينو؛ فلو كانت واجبة؛ ما أجزأت النافلة عن الفريضة بدون نية. (١)
مسألة [٢]: هل يجب على من دخل المسجد، وهو محدثٌ أن يتوضأ، أو يغتسل إن كان جُنُبًا ؟
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في «فتح الباري» (٢/ ٤٦٣): هذا لم يوجبه أحدٌ من المسلمين. اهـ
وأخرج سعيد بن منصور في «سننه» كما في تفسير سورة النساء من «تفسير ابن كثير» تفسير قوله تعالى: ﴿إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء:٤٣]، عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، قال: رأيت رجالًا من أصحاب رسول الله ﷺ يجلسون في المسجد وهم مجنبون إذا توضأوا وضوء الصلاة.
وهذا إسناد صحيح.
стр. 880
فائدة: من خرج إلى جوار المسجد لحاجة، ثم رجع خلال زمن قصير، فلا تلزمه الصلاة؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في حديث جابر في البخاري (١١٧٠)، ومسلم (٨٧٥)(٥٩): «إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب؛ فليركع ركعتين، وليتجوز فيهما»، واللفظ لمسلم.
والشاهد في قوله: «إذا جاء» والله أعلم.