٢٥٧ - وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ المَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: حكم صلاة ركعتين عند دخول المسجد .
• استدل أهل الظاهر بحديث الباب على وجوب صلاة ركعتين عند دخول المسجد قبل الجلوس، وتابعهم على ذلك الإمام الشوكاني في «النيل»، واستدلوا أيضًا بحديث جابر في «الصحيحين» (٢): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يخطب يوم الجمعة، فدخل رجلٌ، فجلس، فقال له النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أصليتَ يا فلان؟» قال: لا. قال: «قم، فاركع ركعتين».
• وقد حمل الجمهور هذه الأدلة على الاستحباب، واستدلوا على ذلك بحديث عبدالله بن بسر عند أبي داود (١١١٨) وغيره: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- رأى رجلًا يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة، فقال: «اجلس؛ فقد آذيت»، وبحديث أبي واقد الليثي في «الصحيحين» (٣)، أنَّ ثلاثة نفرٍ دخلوا المسجد، فجاء اثنان إلى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وأدبر الثالث، فأما أحدهما فرأى فُرجةً في الحلقة فجلس فيها، وأما الثاني، فجلس خلفهم ... ، الحديث.
стр. 877
وقد أُجيب عن هذين الحديثين: بأنه لم يذكر فيهما أنهم لم يصلوا؛ فلا يصلح أن تُصرف الأوامر المتقدمة لأمر محتمل.
واستدل الجمهور على الاستحباب بحديث: «خمسُ صلوات في اليوم والليلة»، قال: هل عليَّ غيرها؟ قال: «لا؛ إلا أن تطوع».
وأُجيب عنه: بأنه كان في أول التشريع؛ فإنه قد حصل مأمورات، وواجبات شرعية غير الأمور المذكورة في هذا الحديث.
وأُجيب بجواب آخر، وهو: أنَّ الحديث إنما يدل على عدم وجوب صلاة أخرى في يومه وليلته تتكرر عليه بدون أي سبب، وأما إذا كان هناك سببٌ؛ فليس في الحديث ما ينفيه، كصلاة الجنازة، وصلاة العيدين، وصلاة الكسوف، وصلاة النذر على قول بعض أهل العلم في بعضها.
واستدل الجمهور على الاستحباب بحديث أبي هريرة ﵁، عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، أنه دخل المسجد، فاحتبى، ولم يصل ركعتين، لكن قال الحافظ ابن رجب ﵀: وهذا الحديث غريب جدًّا، ورَفْعُهُ عجيب، ولعله موقوفٌ، والله أعلم.
قلتُ: القول بالوجوب أقرب، وهو قول شيخنا مقبل الوادعي ﵀ وعفا عنه، ثم ظهر لي أنَّ القول بالاستحباب أقرب؛ لما تقدم ذكره من الأدلة، ولأن في إجماعهم على أنه لا يلزم من دخل المسجد محدثًا أن يذهب ويتوضأ دليلًا على عدم الوجوب.
стр. 878
ويدل على ذلك أيضًا: حديث الأعرابي الذي دخل المسجد، وعقل جمله، ثم جعل يسأل النبي ﷺ عن الإسلام.
ففي الحديث أنه جلس وجعل يسأل النبي ﷺ ، ولم يأمره النبي ﷺ بالركعتين. متفق عليه عن أنس، وعن طلحة بن عبيد الله ﵄.
ويدل على ذلك أيضًا: ما أخرجه مسلم (٨٧٦) عن أبي رفاعة ﵁، قال: انتهيت إلى النبي ﷺ وهو يخطب، قال: فقلت: يا رسول الله رجل غريب، جاء يسأل عن دينه، لا يدري ما دينه، قال: فأقبل علي رسول الله ﷺ ، وترك خطبته حتى انتهى إلي، فأتي بكرسي، حسبت قوائمه حديدًا، قال: فقعد عليه رسول الله ﷺ ، وجعل يعلمني مما علمه الله، ثم أتى خطبته، فأتم آخرها. وليس في الحديث أن النبي ﷺ أمره أن يصلي ركعتين.
ويدل على ذلك أيضًا: ما أخرجه أبو داود (١١١٨)، وغيره عن عبد الله بن بسر ﵁، قال: جاء رجل يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة، والنبي ﷺ يخطب، فقال له النبي ﷺ : «اجلس فقد آذيت». ولم يأمره النبي ﷺ بالركعتين.
ويدل على ذلك أيضًا: ما أخرجه سعيد بن منصور في «سننه» (٦٤٦) تفسير قوله تعالى: ﴿إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء:٤٣]، عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، قال: رأيت رجالًا من أصحاب رسول الله ﷺ يجلسون في المسجد وهم مجنبون إذا توضأوا وضوء الصلاة.
стр. 879
قلتُ: إسناده صحيح، وهشام بن سعد، وإن كان ضعيف الحفظ؛ إلا أنه أثبت الناس في زيد بن أسلم، قاله أبو داود.
ويدل على ذلك أيضًا: أنه لا يشترط لتحية المسجد نية؛ فأي صلاة صلاها حين يدخل المسجد من فريضة ونافلة؛ تجزئه عن تحية المسجد.
وأيضًا: فإن من صلى نافلة؛ أجزأته عن تحية المسجد، ولو لم ينو؛ فلو كانت واجبة؛ ما أجزأت النافلة عن الفريضة بدون نية. (١)
مسألة [٢]: هل يجب على من دخل المسجد، وهو محدثٌ أن يتوضأ، أو يغتسل إن كان جُنُبًا ؟
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في «فتح الباري» (٢/ ٤٦٣): هذا لم يوجبه أحدٌ من المسلمين. اهـ
وأخرج سعيد بن منصور في «سننه» كما في تفسير سورة النساء من «تفسير ابن كثير» تفسير قوله تعالى: ﴿إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء:٤٣]، عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، قال: رأيت رجالًا من أصحاب رسول الله ﷺ يجلسون في المسجد وهم مجنبون إذا توضأوا وضوء الصلاة.
وهذا إسناد صحيح.
стр. 880
فائدة: من خرج إلى جوار المسجد لحاجة، ثم رجع خلال زمن قصير، فلا تلزمه الصلاة؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في حديث جابر في البخاري (١١٧٠)، ومسلم (٨٧٥)(٥٩): «إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب؛ فليركع ركعتين، وليتجوز فيهما»، واللفظ لمسلم.
والشاهد في قوله: «إذا جاء» والله أعلم.
стр. 881
مُلْحَقٌ في مَسَائِلَ أُخْرَى تَتَعَلَّقُ بِالمَسَاجِدِ
مسألة [١]: حكم الملاعنة في المسجد .
جاء في حديث سهل بن سعد ﵁ في «الصحيحين» (١): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لاعن بين عويمر، وامرأته في المسجد، وقد بوب على ذلك البخاري في «صحيحه»، فقال: [باب القضاء واللعان في المسجد بين الرجال والنساء].
قال ابن رجب ﵀ في «الفتح» (٢/ ٣٧٢): ولا خلاف نعلمه بين العلماء في جواز الملاعنة في المساجد بين الزَّوْجَيْنِ المُسْلِمَيْنِ، وإنما اختلفوا: هل ذلك مستحبٌ، أو واجبٌ، أو مباحٌ؟ فأوجبه الشافعي في قولٍ له، واستحبه في قوله الآخر، وأكثر أصحابنا، ومنهم من قال: هو جائزٌ غير مستحب. اهـ
والقول بالجواز هو الأقرب؛ وأما فعله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فقد لاعن بينهما في المسجد؛ لأنه كان حينذاك في المسجد، والله أعلم. (٢)
مسألة [٢]: القضاء في المسجد .
• أجازه شُريح، والحسن، والشعبي، ومحارب، وأحمد، ومالك، وإسحاق، وأبو حنيفة، والثوري.
стр. 882
• وكرهه الشافعي، وعمر بن عبد العزيز، وأبو حنيفة في رواية.
والراجح القول الأول؛ لعدم وجود دليل على الكراهة، والله أعلم. (١)
مسألة [٣]: دخول المسجد باليمنى، والخروج باليسرى .
استحب أهل العلم أن يدخل الرجل المسجد مُقدِّمًا رجله اليمنى، وأن يخرج مُقدِّمًا رجله اليسرى، والدليل على ذلك ما أخرجه البيهقي (٢/ ٤٤٢)، والحاكم (١/ ٢١٨)، عن أنس بن مالك ﵁، قال: «من السنة إذا دخلت المسجد أن تبدأ برجلك اليمنى، وإذا خرجت أن تبدأ برجلك اليسرى».
قلتُ: ورجاله ثقات؛ إلا أنَّ فيه أبا طلحة الراسبي، قال البيهقي ﵀: ليس بالقوي. وقال الدارقطني: يُعتبر به. ولكن قد وثَّقه غيرهما، فقد قال أحمد: شيخٌ ثقةٌ. وقال ابن معين: ثقةٌ. وقال أبو خيثمة: ثقةٌ. وقال النسائي: ثقةٌ. وقال ابن عدي: لم أرَ له حديثًا منكرًا، وأرجو أنه لا بأس به. وقال البزار: ثقةٌ. وقال البخاري: ضعَّفَهُ عبد الصمد بن عبد الوارث.
فمثلُ هذا الرجل لا ينزل حديثه عن الحسن، وقد بوب الإمام البخاري في «صحيحه»، فقال: [باب التيمن في دخول المسجد وغيره]، وكان ابن عمر يبدأ برجله اليمنى، فإذا خرج بدأ برجله اليسرى، ثم استدل بحديث عائشة مرفوعًا: «كان يعجبه التيمن .. ». (٢)
стр. 883
مسألة [٤]: دعاء الدخول إلى المسجد، والخروج منه .
أخرج مسلم في «صحيحه» (٧١٣)، من حديث أبي حُميد، أو أبي أُسيد، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إذا دخل أحدكم المسجد؛ فليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذاخرج؛ فليقل: اللهم إني أسألك من فضلك».
وأخرج أبو داود (٤٦٦) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان إذا دخل المسجد قال: «أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم»، قال: «فإذا قال ذلك قال الشيطان: حُفِظَ مني سائر يومه»، وقد حسَّنَهُ الإمام الوادعي ﵀ في «الصحيح المسند».
مسألة [٥]: الخروج من المسجد بعد الأذان .
أخرج مسلم في «صحيحه» (٦٥٥)، عن أبي الشعثاء، قال: كُنَّا قعودًا في المسجد مع أبي هريرة، فأذَّن المؤذن، فقام رجلٌ من المسجد يمشي، فأتبعه أبو هريرة بصره حتى خرج من المسجد، فقال أبو هريرة: أما هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ .
قال الترمذي ﵀ -عَقِبَ هذا الحديث من «سننه» (٢٠٤) -: وَعَلَى هَذَا الْعَمَلُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ أَنْ لَا يَخْرُجَ أَحَدٌ مِنْ الْمَسْجِدِ بَعْدَ الْأَذَانِ إِلَّا مِنْ عُذْرٍ: أَنْ يَكُونَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ، أَوْ أَمْرٍ لَابُدَّ مِنْهُ، وَيُرْوَى عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: يَخْرُجُ مَا لَمْ يَأْخُذْ الْمُؤَذِّنُ فِي الْإِقَامَةِ. قال الترمذي: وَهَذَا عِنْدَنَا لِمَنْ لَهُ عُذْرٌ فِي الْخُرُوجِ مِنْهُ. اهـ
стр. 884
وقد صرَّح الشوكاني ﵀ في «النيل» بالتحريم. (١)
مسألة [٦]: المرور في المسجد بدون صلاة .
بَوَّبَ البخاري ﵀ في «صحيحه»: [باب المرور في المسجد]، ثم استدل على ذلك بحديث أبي موسى -وهو في «الصحيحين» (٢) - أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «من مرَّ في شيء من مساجدنا، أو أسواقنا بِنَبْلٍ؛ فليمسك على نصالها، لا يعقر بِكَفِّهِ مسلمًا».
وقد جاء في النهي عن اتخاذ المسجد طريقًا أحاديث مرفوعة، ولكنها ضعيفة. (٣)
ولذلك جاء عن أحمد، وإسحاق، ومالك الترخيص في المرور بغير صلاة، بل صحَّ ذلك عن جمعٍ من الصحابة، منهم: ابن عمر، كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (١/ ٣٤٠).
مسألة [٧]: الحدثُ في المسجد أعني الفساء والضراط .
• بَوَّبَ البخاري ﵀ في «صحيحه»: [باب الحدث في المسجد]، ثم استدل بحديث أبي هريرة ﵁، أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «إنَّ الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلى فيه، ما لم يُحدث، تقول: اللهم
стр. 885
اغفر له، اللهم ارحمه» (١)، وقد رخَّصَ في الحدث في المسجد جماعة منهم: الحسن، وعطاء، وإسحاق، وقال أصحاب الشافعي: والأولى اجتناب إخراج الريح فيه؛ لقول النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «فإنَّ الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم». (٢)
قلتُ: الظاهر هو الجواز؛ مالم يؤذ، والأولى ما قاله أصحاب الشافعي، والله أعلم. (٣)
مسألة [٨]: الصلاة بين سواري المسجد .
جاء في النهي عن ذلك حديثان:
أحدهما: حديث قُرَّة بن إياس عند ابن ماجه (١٠٠٢)، وابن خزيمة (١٥٦٧)، قال: كُنَّا نُنْهَى أنَّ نَصُفَّ بين السواري على عهد رسول الله ﷺ ، وَنُطْرَدُ عنها طردًا.
وفي إسناده: أبو مسلم هارون بن مسلم، وقد قال فيه ابن المنذر، وأبو حاتم: مجهول.
والثاني: حديث أنس عند أحمد (٣/ ١٣١) وأبي داود (٦٧٣) عن عبدالحميد ابن محمود، قال: صليت مع أنس يوم الجمعة، فدفعنا إلى السواري، فتقدمنا وتأخرنا، فقال أنس: كُنَّا نتقي هذا على عهد رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. وإسناده صحيح.
стр. 886
وقد دلَّ هذا الحديث على كراهية صلاة المأمومين بين السواري؛ لما يحصل من انقطاع الصف، أو عدم تسويته.
• وقد كره ذلك الشافعية، والحنابلة، وغيرهم، وهو الصحيح.
• ورخَّص في ذلك ابن سيرين، وأبو حنيفة، ومالك، وابن المنذر، وأما الإمام والمنفرد؛ فقد أجازه أيضًا من كره ذلك للمأموم، وبَوَّبَ البخاري في «صحيحه»: [باب الصلاة بين السواري في غير جماعة].
ثم استدل عليه بحديث ابن عمر، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- دخل الكعبة، قال: فسألت بلالًا حين خرج: ما صنع رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؟ قال: جعلَ عمودًا عن يساره، وعمودًا عن يمينه، وثلاثة أعمدة وراءه، ثم صلَّى. (١)
مسألة [٩]: حضور المسجد لمن أكل البصل، والثوم، والكراث، ولم يذهب الريح .
أخرج البخاري، ومسلم من حديث جابر، وابن عمر، وأنس ﵃، عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، أنه نهى مَنْ أكل البصل والثوم أن يقرب المسجد، وفي بعض الروايات: «فليعتزلنا»، أو «ليعتزل مسجدنا».
وفي بعضها: «فلا يُصلين معنا».
وفي بعضها: «وليقعد في بيته»، وذكر «الكراث» في رواية جابر عند مسلم فقط.
стр. 887
• وقد ذهب جمهور العلماء إلى كراهة حضور المسجد بعد أكل هذه الأشياء المذكورة.
قال ابن رجب ﵀ في «الفتح» (٥/ ٢٨٨): وظاهر كلامِ أحمد: أنه يحرمُ؛ فإنه قال في رواية إسماعيل بن سعيد: إن أكل وحضر المسجدَ أثمَ. وهو قولُ ابن جرير أيضًا، وأهل الظاهر وغيرهم.
ثم قال ﵀: ودخولُ المسجد مع بقاء ريح الثوم محرمٌ، وهو قولُ طائفةٍ من أصحابنا، وابن جرير، وغيرهم من العلماء. اهـ
قلتُ: والقول بالتحريم هو الصواب؛ لظاهر الأحاديث المتقدمة.
مسألة [١٠]: هل يلتحق بما تقدم الفُجْل ؟
قال ابن رجب ﵀ في «فتح الباري» (٥/ ٢٩٠): وقد ذكرنا أنَّ هذا الحكم يتعدى إلى كل مأكول له رائحة كريهة، كالفجل وغيره، وأنَّ أحمد نصَّ عليه. اهـ
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في «الفتح» (٨٥٦): ونقل ابن التين عن الإمام مالك: إن كان يظهر ريحه؛ فهو كالثوم. وقيَّده عياض بالجُشاء. اهـ
قلتُ: الفجل يظهر ريحه عند الجشاء فقط، فمن كان يعلم من نفسه أنه يتجشأ، ويتكرر منه ذلك؛ فلا يأكله، ويلتحق بما تقدم، ومن كان يعلم من نفسه أنه لا يتجشأ، أو يخرج منه على ندور؛ فيجوز أكله، والله أعلم.
стр. 888
مسألة [١١]: بائعو السمك .
قال ابن رجب ﵀: وألحق أصحاب مالكٍ به: كل من له رائحةٌ كريهةٌ يتأذى بها، كالحُرَّاثِ، والحُوَّاتِ.
ثم قال: وفيه نظر؛ فإن هذا أثر عملٍ مباحٍ، وصاحبه محتاج اليه، فينبغي أن يُؤمر إذا شهد الصلاة في جماعة بالغسل، وإزالة ما يتأذى برائحته منه، كما أمر النبي ﷺ من كان يشهد الجمعة من الأنصار الذين كانوا يعملون في نخلهم، ويلبسون الصوف، ويفوح ريحهم بالغسل. انتهى المراد.
فائدة: جاء في «سنن أبي داود» (٣٨٢٦)، و «مسند أحمد» (٤/ ٢٤٩)، وغيرهما، عن المغيرة بن شعبة أنه أكل ثومًا، ثم جاء ليصلي مع النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فوجد النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ريح الثوم، فلما قضى الصلاة قال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من أكل ثومًا؛ فلا يُصليَّنَّ معنا»، قال: فأتيته، فقلت: يا رسول الله، إني لي عذرًا. قال: فأخذتُ يده، فأدخلتها في كُمِّي، فوجد صدري معصوبًا، فقال: «إنَّ لك عذرًا».
وهو حديث ظاهره الصحة، ولكن الإمام الدارقطني ﵀ رجَّحَ في «العلل» (٧/ ١٤٠ - ١٤١)، أنه من مراسيل أبي بردة بن أبي موسى.
فائدة أخرى: البصل، والثوم المطبوخ جائزٌ؛ لما أخرجه أبو داود (٣٨٢٧)، والنسائي في «الكبرى» (٦٦٨١)، من حديث معاوية بن قُرَّة، عن أبيه قُرَّة بن إياس، أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى عن هاتين الشجرتين، وقال: «من أكلهما؛ فلا يقربن مسجدنا»، وقال: «إن كنتم لابُدَّ آكليها؛ فأميتوهما طبخًا»، يعني: البصل، والثوم، والحديث في «الصحيح المسند».
وَلِأَبِي دَاوُد: «ثُمَّ اقْرَأْ بِأُمِّ القُرْآنِ وَبِمَا شَاءَ اللهُ». (١)
وَلِابْنِ حِبَّانَ: «ثُمَّ بِمَا شِئْت». (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث
مع ذكر بعض المسائل الملحقة
مسألة [١]: حكم القيام لصلاة الفريضة .
القيام لصلاة الفريضة ركنٌ من أركان الصلاة على كل مستطيع، بدلالة الكتاب، والسنة، والإجماع.
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨].
وأما السنة: فحديث عمران بن حصين ﵄ في «صحيح البخاري»، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «صلِّ قائمًا؛ فإن لم تستطع فقاعدًا؛ فإن لم تستطع فعلى جنب».
стр. 891
وأما الإجماع: فقد نقله غير واحد من أهل العلم، منهم: ابن عبد البر في «التمهيد» (١/ ١٣٦)، (٦/ ١٣٨)، والنووي في «شرح المهذب» (٣/ ٢٥٨)، وغيرهما.
مسألة [٢]: حكم القيام لصلاة الفريضة من العاجز .
قال ابن المنذر ﵀ في «الإجماع» (٨٣): وأجمعوا على أنَّ فرض من لا يطيق القيام أن يصلي جالسًا. اهـ
قلتُ: ويدل عليه حديث عمران بن حصين المتقدم في المسألة السابقة، ومن صلَّى قاعدًا لغير استطاعة؛ فله أجره كاملًا؛ لما رواه أحمد، وغيره من حديث أنس، وعبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ -وكلاهما في «الصحيح المسند»، وألفاظهما متقاربة- مرفوعًا: «إذا ابتلى الله العبد المسلم ببلاء في جسده، قال الله لملائكته: اكتبوا لعبدي ما كان يعمل صحيحًا مُقيمًا، فإذا شفاه غسله، وطهره، وإذا قبضه غفر له، ورحمه».
وفي حديث عبد الله بن عمرو: «حتى أطلقه، أو أكفته إليَّ»، وأما حديث عمران بن حصين عند البخاري (١١١٦): «من صلَّى قائمًا؛ فهو أفضل، ومن صلى قاعدًا؛ فله نصف أجر القائم»، فهو محمول عند الجمهور على صلاة النافلة لمن كان مستطعيًا للقيام، والله أعلم.
مسألة [٣]: حكم القيام لصلاة النافلة .
ثبت في «صحيح مسلم» (٧٣٠)، عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-
стр. 892
يصلي ليلًا طويلًا قائمًا، وليلًا طويلًا قاعدًا.
قال النووي ﵀ -في شرحه (٧٣٠) -: وفيه جواز التنفل قاعدًا مع القدرة على القيام، وهو إجماع العلماء.
وقال ابن عبد البر ﵀ في «الاستذكار» (٥/ ٣٨٩): وقد أجمع العلماء على جواز صلاة الجالس خلف الإمام القائم في النافلة. اهـ
قلتُ: ولكنه إذا صلى قاعدًا مع القدرة على القيام؛ فله نصف أجر القائم؛ لحديث عمران بن حصين عند البخاري: «من صلى قائمًا فهو أفضل، ومن صلى قاعدًا؛ فله نصف أجر القائم، ومن صلى نائمًا -يعني مضطجعًا- فله نصف أجر القاعد».
وأخرج مسلم (٧٣٥)، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، قال: حُدِّثْتُ أنَّ رسول الله ﷺ قال: «صلاة الرجل قاعدًا نصف الصلاة»، قال: فأتيته، فوجدته يصلي جالسًا، فوضعت يدي على رأسه، فقال: «مالك يا عبد الله بن عمرو؟» قلت: حُدِّثْتُ يا رسول الله أنك قلت: «صلاة الرجل قاعدًا على نصف الصلاة»، وأنت تصلي قاعدًا. قال: «أجل، ولكني لست كأحدٍ منكم».
وأما إذا كان يشق عليه القيام؛ فأجرهُ كاملٌ كما تقدم، ويُستفاد من الحديث الأخير أنَّ من خصوصيات النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه إذا صلَّى قاعدًا؛ فأجره كامل بخلاف غيره، فله نصف الأجر، وقد جزم بهذا النووي، وغيره.
стр. 893
مسألة [٤]: حكم تكبيرة الإحرام .
• ذهب جمهور العلماء إلى أن تكبيرة الإحرام ركنٌ من أركان الصلاة، واستدلوا على ذلك بحديث أبي هريرة الذي في الباب، وفيه: «ثم استقبل القبلة، فكبَّر»، واستدلوا بحديث علي -وهو حديثٌ حسن- أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم» أخرجه أبو داود (٦١٨)، والترمذي (٣)، وغيرهما.
• وذهب الحنفية إلى أنها شرطٌ من شروط صحة الصلاة، بدليل إضافتها إلى الصلاة في قوله: «تحريمها التكبير»، قالوا: ولا يُضاف الشيء إلى نفسه.
قال ابن قدامة ﵀: وما ذكروه غلطٌ؛ فإنَّ أجزاء الشيء تُضاف إليه كـ: يد الإنسان، ورأسه، وأطرافه.
وقد قيل: إنها سنة. قال ابن المنذر ﵀: لم يقل به أحدٌ غير الزهري.
قال الحافظ ابن حجر ﵀: وقد نقله غيره عن سعيد بن المسيب، والأوزاعي، ومالك، ولم يثبت عن أحد منهم تصريحًا، وإنما قالوا فيمن يدرك الإمام راكعًا تجزئه تكبيرة الركوع. اهـ
وقد نصَّ على ذلك ابن قدامة، فقال: وقال سعيد بن المسيب، والحسن، والزهري، وقتادة، والحكم، والأوزاعي: من نسي تكبيرة الافتتاح أجزأته تكبيرة الركوع. انتهى.
стр. 894
والصَّوابُ ما ذهب إليه الجمهور، والله أعلم. (١)
مسألة [٥]: صيغة التكبير .
• ذهب جمهور العلماء إلى أنَّ ذلك لا يجزئ؛ إلا بالتكبير، وذهب أبو حنيفة، وعامة أصحابه إلى أنه يجزئ بكل اسم لله على وجه التعظيم، كقوله: (الله عظيم)، أو (كبير)، أو (جليل)، و (سبحان الله)، و (الحمد لله)، و (لا إله إلا الله)، ونحوه، وقال بهذا: الحكم، وجاء عن الشعبي بإسناد فيه مجهول.
والراجح ما ذهب إليه الجمهور؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «تحريمها التكبير»، وفي حديث المسيء في صلاته: «ثم استقبل القبلة، فَكَبِّرْ»، وكان النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يفتتح الصلاة بقوله: «الله أكبر»، ولم يُنقل عنه عدولٌ عن ذلك حتى فارق الدنيا.
• ثم ذهب الشافعي إلى أنه يجوز بقوله: (الله الأكبر) بالتعريف؛ لأنَّ الألف واللام لم تغيره عن بنيته، ومعناه، وإنما أفادت التعريف.
• وذهب ابن حزم إلى أنه يجزئ التكبير مضافًا إلى أي اسم من أسماء الله، كقوله: (الرحمن أكبر)، (العظيم أكبر)، ونحوه.
والراجح ما ذهب إليه غيرهما، وهو أنه لا يجزئ إلا قوله: (الله أكبر)؛ لأنه هو الثابت عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ولم يُنقل عنه خلافه، فقد ثبت عند ابن ماجه (٨٠٣)، من حديث أبي حميد، بإسناد صحيح، قال: كان رسول الله ﷺ إذا استفتح الصلاة
стр. 895
استقبل القبلة، ورفع يديه، وقال: «الله أكبر».
وأخرج البزار (٥٣٦)، عن علي ﵁، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان إذا قام إلى الصلاة قال: «الله أكبر، وجَّهتُ وجهي ... » الحديث.
قال الحافظ ﵀: وإسناده على شرط مسلم.
وأخرج الطبراني في «الكبير» (٤٥٢٦) بإسناد صحيح عن رفاعة بن رافع أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «إنه لا تتم صلاة لأحدٍ من الناس حتى يتوضأ، فيضع الوضوء مواضعه، ثم يقول: الله أكبر».
وثبت عند النسائي (٣/ ٦٢)، وغيره من حديث ابن عمر، أنه سُئل عن صلاة رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فقال: «الله أكبر كلما وضع، الله أكبر كلما رفع»، وهو في «الصحيح المسند».
وفي «صحيح مسلم» عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا؛ فهو ردٌّ».
وهذا قول أحمد، ومالك، ورجَّحه ابن القيم، وشيخه شيخ الإسلام ابن تيمية.
وقال ابن قدامة ﵀: وقول الشافعي عدولٌ عن المنصوص، فأشبه ما لو قال: الله العظيم. وقولهم: (لم تغير بنيته ولا معناه) لا يصح؛ لأنه نقله عن التنكير إلى التعريف، وكان متضمنًا لإضمارٍ، أو تقدير، فزال؛ فإنَّ قوله: (الله أكبر) التقدير: (من كل شيء)، ولم يَرِدْ في كلام الله تعالى، ولا في كلام رسوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ولا
стр. 896
في المتعارف في كلام الفصحاء إلا هكذا؛ فإطلاق لفظ التكبير ينصرف إليها دون غيرها كما أنَّ إطلاق لفظ التسمية ينصرف إلى قول: (بسم الله) دون غيره، وهذا يدل على أن غيرها ليس مثلًا لها. اهـ. (١)
مسألة [٦]: تنكيس صيغة التكبير .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٢/ ١٢٨): وَلَا يَصِحُّ التَّكْبِيْرُ إِلَّا مُرَتَّبًا؛ فَإِنْ نَكَسَهُ لَم يَصِح؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ تَكْبِيْرًا. اهـ
وهو مَذهبُ الشَّافعيَّةِ أيضًا كما في «شرح المهذب» (٣/ ٢٩٣).
مسألة [٧]: اللحن في التكبير .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٢/ ١٢٩): وَيُبَيِّنُ التَّكْبِيرَ، وَلَا يَمُدُّ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ المَدِّ؛ فَإِنْ فَعَلَ بِحَيْثُ تَغَيَّرَ المَعْنَى، مِثْلُ أَنْ يَمُدَّ الْهَمْزَةَ الْأُولَى، فَيَقُولَ: (آللهُ؟) فَيَجْعَلَهَا اسْتِفْهَامًا، أَوْ يَمُدَّ أَكْبَرَ، فَيَزِيدَ أَلِفًا، فَيَصِيرَ جَمْعَ كَبَرٍ، وَهُوَ الطَّبْلُ، لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ المَعْنَى يَتَغَيَّرُ بِهِ، وَإِنْ قَالَ: (اللهُ أَكْبَرُ، وَأَعْظَمُ، وَأَجَلُّ)، وَنَحْوَهُ، لَمْ يُسْتَحَبَّ، وَانْعَقَدَتْ الصَّلَاةُ بِالتَّكْبِيرَةِ الْأُولَى. اهـ
مسألة [٨]: التكبير بغير العربية .
قال ابن قدامة ﵀: وَلَا يُجْزِئُهُ التَّكْبِيرُ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهَا، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُجْزِئُهُ؛ لِقَوْلِ الله تَعَالَى:
стр. 897
﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى:١٥]، وَهَذَا قَدْ ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ. وَلَنَا مَا تَقَدَّمَ مِنْ النُّصُوصِ، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَعْدِلْ عَنْهَا، وَهَذَا يَخُصُّ مَا ذَكَرُوا. اهـ
وقول الجمهور هو الراجح، وهو عدم الإجزاء. (١)
مسألة [٩]: إذا كان أخرسًا، أو عاجزًا عن التكبير .
• ذهب الشافعية تبعًا للشافعي، وبعض الحنابلة إلى أنه عليه أن يحرك لسانه بما يقدر عليه، واستدلوا بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «وإذا أمرتكم بأمر؛ فأتوا منه ما استطعتم». (٢)
• وذهب الحنابلة، وهو الأصح عندهم، إلى أنه يسقط عنه باللسان، ويحرم بقلبه؛ لأنَّ الصحيح يلزمه النطق بتحريك لسانه، فإذا عجز عنه لم يلزمه تحريك لسانه في موضعه كالقراءة.
قالوا: وإنما لزمه تحريك لسانه بالتكبير مع القدرة عليه ضرورة توقف التكبير عليها، فإذا سقط التكبير سقط ما هو من ضرورته، كمن سقط عنه القيام، سقط عنه النهوض إليه، وإن قدر عليه، ولأنَّ تحريك اللسان من غير نطق عبثٌ، لم يَرِدِ الشرع به، فلا يجوز في الصلاة، كالعبث بسائر جوارحه.
وهذا القول أرجح، والله أعلم.
وهو ترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀. (٣)
стр. 898
مسألة [١٠]: تكبيرة الإحرام أثناء القيام .
قال الإمام النووي ﵀ في «المجموع» (٣/ ٢٩٦): يجب أن يكبر للإحرام قائمًا حيث يجب القيام، وكذا المسبوق الذي يدرك الامام راكعًا يجب أن تقع تكبيرة الإحرام بجميع حروفها في حال قيامه؛ فإن أتى بحرف منها في غير حال القيام لم تنعقد صلاته فرضًا بلا خلاف، وفى انعقادها نفلًا الخلاف السابق قريبًا في فصل النية، هذا مذهبنا، وهو رواية عن مالك، والأشهر عنه أنه تنعقد صلاته فرضًا إذا كبر، وهو مسبوق، وهو نصه في «الموطأ» و «المدونة».اهـ
وقال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٢/ ١٣٠): وعليه أن يأتي بالتكبير قائمًا؛ فإن انحنى إلى الركوع بحيث يصير راكعًا قبل إنهاء التكبير لم تنعقد صلاته؛ إلا أن تكون نافلة؛ لسقوط القيام فيها ... ، ولو كان ممن تصح صلاته قاعدًا كان عليه الإتيان بالتكبير قبل وجود الركوع منه. اهـ
قلتُ: وما ذهب إليه هذان الإمامان هو الصواب، وهو مذهب الجمهور، وكلام ابن قدامة أضبط، فتأمله. (١)
مسألة [١١]: متى يُكبر المأموم ؟
قال الإمام ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٢/ ١٣١): وَلَا يُكَبِّرُ الْمَأْمُومُ حَتَّى يَفْرُغَ إمَامُهُ مِنْ التَّكْبِيرِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُكَبِّرُ مَعَهُ، كَمَا يَرْكَعُ مَعَهُ. وَلَنَا: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا» (٢)، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَالرُّكُوعُ مِثْلُ
стр. 899
ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ إنَّمَا يَرْكَعُ بَعْدَهُ، إلَّا أَنَّهُ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ بِالرُّكُوعِ مَعَهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ، وَهَهُنَا بِخِلَافِهِ؛ فَإِنْ كَبَّرَ قَبْلَ إمَامِهِ، لَمْ يَنْعَقِدْ تَكْبِيرُهُ، وَعَلَيْهِ اسْتِئْنَافُ التَّكْبِيرِ بَعْدَ تَكْبِيرِ الْإِمَامِ. انتهى.
قلتُ: وما رجَّحه ابن قدامة هو قول الجمهور، وهو الصحيح.
مسألة [١٢]: النطق بالتكبير .
اشترط الشافعية، والحنابلة للتكبير أنْ يُسْمع نفسه إلا أن يكون به عارضٌ من صمم، أو غيره، فيأتي به بحيث لو كان سميعًا، وقالوا: الكلام لا يكون بدون صوت، والصوت ما يتأتى سماعه، وأقرب السامعين إليه نفسه، فمتى لم يسمع لم يعلم أنه أتى بالقول.
قال المرداوي ﵀ في «الإنصاف» (٢/ ٣٩): واختار الشيخ تقي الدين الاكتفاء بالإتيان بالحروف، وإنْ لم يسمعها، وذكره وجهًا في المذهب.
ثم قال ﵀: والنفس تميل إليه. اهـ
ويعني بالشيخ تقي الدين: شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
وقد رجَّح هذا القول الإمام ابن القيم ﵀ في «أعلام الموقعين» (٣/ ٣٨٢)، ورجَّحه الإمام ابن عثيمين ﵀.
وهو الأقرب، والله أعلم. (١)
стр. 900
مسألة [١٣]: الجهر بالتكبير للإمام، والمأموم، والمنفرد .
قال الإمام النووي ﵀ في «المجموع» (٣/ ٢٩٤): يُستحب للإمام أن يجهر بتكبيرة الإحرام، وبتكبيرات الانتقال؛ ليُسْمِعَ المأمومين، وأما غير الإمام فالسنة الإسرار بالتكبير، سواء المأموم والمنفرد، وأدنى الإسرار أن يُسْمِعَ نفسه إذا كان صحيح السمع، ولا عارض عنده من لَغَطٍ، أو غيره ... .انتهى بتصرف.
وقال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٢/ ١٢٨): وَيُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَجْهَرَ بِالتَّكْبِيرِ بِحَيْثُ يَسْمَعُ المَأْمُومُونَ لِيُكَبِّرُوا؛ فَإِنَّهُمْ لَا يَجُوزُ لَهُمْ التَّكْبِيرُ إلَّا بَعْدَ تَكْبِيرِهِ؛ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ إسْمَاعَهُمْ، جَهَرَ بَعْضُ المَأْمُومِينَ لِيُسْمِعَهُمْ، أَوْ ليَسْمَعَ مَنْ لَا يَسْمَعُ الْإِمَامَ؛ لِمَا رَوَى جَابِرٌ، قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ الله ﷺ ، وَأَبُو بَكْرٍ خَلْفَهُ، فَإِذَا كَبَّرَ رَسُولُ الله ﷺ كَبَّرَ أَبُو بَكْرٍ؛ لِيُسْمِعَنَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. اهـ
قلتُ: حديث جابر انفرد به مسلم (٤١٣)، وهو في «الصحيحين» (١) من حديث عائشة ﵂، وقد صحح الإمام ابن عثيمين ﵀ وجوب الجهر على الإمام بحيث يسمع بعض من خلفه لأمرين:
أولاً: لفعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؛ فإنه لو كان الأمر غير واجب لم يكن هناك داعٍ إلى أن يُبَلِّغَ أبو بكر التكبير لمن خلف النبي ﵊.
ثانيًا: لأنه لا يتم اقتداء المأمومين بالإمام إلا بسماع التكبير، وما لا يتم الواجب إلا به؛ فهو واجب.
стр. 901
مسألة [١٤]: تبليغ التكبير إذا لم يُسْمِع الإمام .
استحب العلماء تبليغ التكبير من بعض المأمومين إذا لم يُسمع الإمام، واستدلوا بحديث جابر بن عبد الله، وعائشة ﵃ اللَّذَيْنِ تقدَّما في المسألة السابقة، واتفقوا على عدم مشروعيته لغير حاجة.
قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢٣/ ٤٠٢): لا يشرع الجهر بالتكبير خلف الامام الذى هو المبلغ لغير حاجة باتفاق الأئمة؛ فإن بلالا لم يكن يبلغ خلف النبى ﷺ هو ولا غيره، ولم يكن يبلغ خلف الخلفاء الراشدين، لكن لما مَرِضَ النبى ﷺ صلى بالناس مرة وصوته ضعيف، وكان أبو بكر يصلي إلى جنبه يُسْمِعُ الناس التكبير، فاستدل العلماء بذلك على أنه يُشرع التكبير عند الحاجة، مثل ضعف صوته، فأما بدون ذلك، فاتفقوا على أنه مكروه غير مشروع، وتنازعوا في بطلان صلاة من يفعله على قولين، والنزاع في الصحة معروف في مذهب مالك، وأحمد، وغيرهما، غير أنه مكروه باتفاق المذاهب كلها. اهـ
وقال ابن عابدين ﵀ في «الرد المختار» (٢/ ١٧٢): وفي «حاشية أبي السعود»: واعلم أنَّ التبليغ عند عدم الحاجة إليه بأن بَلَّغَهُم الإمام صوته، مكروه.
وفي «السيرة الحلبية»: اتفق الأئمة الأربعة على أن التبليغ حينئذٍ بدعةٌ منكرةٌ. انتهى المراد.
стр. 902
مسألة [١٥]: من أدرك الإمام راكعًا، فهل تجزئه تكبيرة الإحرام عن تكبيرة الانتقال ؟
• ذهب جمهور العلماء إلى أنه تجزئه تكبيرة الإحرام، وتنعقد صلاته، وخالف: ابن سيرين، وحماد بن أبي سليمان، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وعمر بن عبد العزيز، فقالوا: لا تجزئه، حتى يكبر تكبيرتين.
قال ابن رجب ﵀: وحكاه بعض أصحابنا رواية عن أحمد، ولا يصح هذا عن أحمد.
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٢/ ١٨٣): ولأنه قد نقلت تكبيرة واحدة عن زيد بن ثابت، وابن عمر، ولم يُعرَف لهما مخالفٌ من الصحابة، فيكون ذلك إجماعًا، ولأنه اجتمع واجبان من جنس في محل واحد، وأحدهما ركنٌ؛ فسقط به الآخر، كما لو طاف الحاج طواف الزيارة الإفاضة عند خروجه من مكة، أجزأه عن طواف الوداع.
قلتُ: الراجح -والله أعلم- ما ذهب إليه الجمهور؛ لاسيما وأكثرهم يرون استحباب تكبيرات الانتقال، وأما أثر ابن عمر، وزيد بن ثابت، فأخرجهما ابن أبي شيبة في «مصنفه» (١/ ٢٤٢) بإسناد صحيح عنهما، وقد ذهب إليه من التابعين: سعيد بن المسيب، وعطاء، والحسن، وميمون بن مهران، والنخعي، وغيرهم.
قال ابن رجب ﵀: فعلى قول الجمهور: إذا كبر تكبيرةً واحدةً، فله أربعةُ أحوال:
стр. 903
إحداها: أن ينوي بها تكبيرة الافتتاح؛ فتجزئه صلاته بغير توقف.
الحالة الثانية: أن ينوي تكبيرة الركوع خاصةً، فلا تجزئه عند الأكثرين، قاله الثوري، ومالك. ونص عليهِ أحمد في رواية أبي الحارث، واحتج بأن النبي ﷺ قالَ: «تحريمها التكبير»، وهذا لَم يحرم بالصلاة؛ فإن كانَ ساهياً عَن تكبيرة الإحرام، فقالَ مالك في «الموطأ»: تجزئه. وَهوَ رواية حنبل عَن أحمد. ولا تجزئه عند الثوري، وَهوَ المشهور عَن أحمد، ومذهب الأكثرين.
قال أبو عبد الله غفر الله له: وهو الصواب؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنما الأعمال بالنيات».
الحالة الثالثة: أن ينويهما معاً، ففيه قولان:
أحدهما: تجزئه، حكي عَن أبي حنيفة، ومالك، وأبي ثور، وَحُكي رواية عَن أحمد، اختارها ابن شاقلا.
والثاني: لا تجزئه، وَهوَ المشهور عند أصحابنا، وقول الشَافِعي وإسحاق.
قال أبو عبد الله غفر الله له: الأقرب أنها تُجزِئُه، والله أعلم.
الحالة الرابعة: أن لا ينوي شيئًا، بل يطلق النية، فهل تجزئه، أم لا؟ فيه قولان:
أحدهما: لا تجزئه حتى ينوي بها الافتتاح؛ فإنه قَد اجتمع في هَذا المحل تكبيرتان: إحداهما فرض، فاحتاج الفرض إلى تمييزه بالنية، بخلاف تكبير الإمام، أو المنفرد، أو المأموم إذا أدرك الإمام قبل الركوع؛ فإنه لَم يجتمع في حقه
стр. 904
تكبيرتان في وقت واحدٍ. وهذا القول حُكِيَ عَن أبي حنيفة، وَهوَ قول الثوري، ومالك، وإسحاق، ونقله ابن منصور وغير واحدٍ عَن أحمد.
والثاني: تجزئه وإن أطلق النية. نقله ابن منصورأيضًا عَن أحمد، ونقله أيضًا صالح، ومهنا، وأبو طالب عَن أحمد. وقال: ما علمنا أحدًا قالَ: ينوي بها الافتتاح. يشير إلى الصحابة والتابعين وعلل: بأنَّهُ خرج مِن بيته وَهوَ يريد الصلاة. يشير إلى أن نية الصلاة موجودة معه بخروجه إلى الصلاة فلا يكبر للصلاة إلا بتلك النية، ولا يكبر للركوع إلا مِن دخل في الصلاة، فأما مِن لَم يكن دخل فيها فإنما يكبر لدخوله في الصلاة أولًا، ولا يضره عدم استحضاره لهذه النية عند التكبيرة؛ لأن تقديم النية على التكبير بالزمن اليسير جائزٌ عنده. وللشافعي قولان في هَذهِ المسألة. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: والراجح أنها تُجزِئُه، والله أعلم. (١)
مسألة [١٦]: إذا أدرك الإمام في ركنٍ غير الركوع ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٢/ ١٨٣): وَإِنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي رُكْنٍ غَيْرِ الرُّكُوعِ، لَمْ يُكَبِّرْ إلَّا تَكْبِيرَةَ الِافْتِتَاحِ، وَيَنْحَطُّ بِغَيْرِ تَكْبِيرٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْتَدُّ لَهُ بِهِ، وَقَدْ فَاتَهُ مَحَلُّ التَّكْبِيرِ، وَإِنْ أَدْرَكَهُ فِي السُّجُودِ أَوْ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ؛ كَبَّرَ فِي حَالِ قِيَامِهِ مَعَ الْإِمَامِ إلَى الثَّالِثَةِ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُومٌ لَهُ فَيُتَابِعُهُ فِي التَّكْبِيرِ كَمَنْ أَدْرَكَ مَعَهُ مِنْ أَوَّلِهَا. انتهى.
стр. 905
قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في الحديث: «ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَك مِنَ القُرْآنِ».
سيأتي الكلام على قراءة الفاتحة وغيرها إن شاء الله عند الحديث رقم (٢٧٠).
مسألة [١٧]: حكم الركوع .
الركوع ركنٌ من أركان الصلاة بالكتاب، والسنة، والإجماع، أما الكتاب؛ فقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج:٧٧]، وأما السنة؛ فحديث الباب: «ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا»، وأما الإجماع؛ فقد نقل الإجماع على وجوبه غير واحد من أهل العلم، منهم: ابن عبد البر في «التمهيد» (١٠/ ١٨٩)، والنووي في «شرح المهذب» (٣/ ٣٩٦)، وابن قدامة في «المغني» (٢/ ١٦٩).
مسألة [١٨]: حكم الاطمئنان في الركوع .
• ذهب جمهور العلماء إلى أن الاطمئنان في الركوع ركنٌ من أركان الصلاة، واستدلوا بحديث الباب: «ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا»، وبحديث أبي مسعود البدري، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، قال: «لا تجزئ صلاة لا يقيم الرجل صلبه فيها في الركوع، والسجود»، رواه أبو داود (٨٥٥)، وهو في «الصحيح المسند»، ومعنى الاطمئنان: أن يمكث إذا بلغ حدَّ الركوع قليلًا، بحيث يمكنه أن يأتي بالذكر الواجب.
• وذهب أبو حنيفة إلى أن الطمأنينة غير واجبة؛ لقوله تعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾، ولم يذكر الطمأنينة.
стр. 906
قال ابن قدامة ﵀: والآية حجة لنا؛ لأنَّ النبي ﷺ فسَّر الركوع بفعله، وقوله؛ فالمراد بالركوع ما بينه النبي ﷺ . (١)
مسألة [١٩]: حكم الاعتدال من الركوع .
• ذهب الجمهور إلى وجوب الاعتدال بعد الركوع؛ لحديث الباب: «ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا»، وذهب أبو حنيفة، وبعض أصحاب مالك إلى عدم وجوبه؛ لأنَّ الله تعالى لم يأمر به، وإنما أمر بالركوع، والسجود، والقيام، فلا يجب غيره، والصحيح قول الجمهور، والله أعلم. (٢)
مسألة [٢٠]: حكم الطمأنية فيه .
• ذهب الجمهور إلى وجوب الطمأنينة في الاعتدال من الركوع؛ لحديث الباب: «ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَافِعًا» وخالف أبو حنيفة، ومالك في رواية، فقالوا بعدم وجوبه؛ لقوله تعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾، ولم يأمر بالقيام، والصحيح قول الجمهور. (٣)
مسألة [٢١]: حكم السجود .
السجود واجبٌ، وركنٌ من أركان الصلاة بالكتاب، والسنة، والإجماع.
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾.
стр. 907
وأما السنة: فحديث الباب: «ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا».
وأما الإجماع: فقد نقله غير واحد من أهل العلم، منهم: ابن عبد البر في «التمهيد» (١٠/ ١٨٩)، وابن قدامة في «المغني» (٢/ ١٩٢)، والنووي في «المجموع» (٣/ ٤٢١).
مسألة [٢٢]: حكم الطمأنينة فيه .
• ذهب الجمهور إلى وجوب الطمأنينة في السجود؛ لحديث الباب: «ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا»، وخالف الحنفية.
والراجح قول الجمهور، وقد تقدمت الأدلة في الطمأنينة في الركوع. (١)
مسألة [٢٣]: حكم الجلوس بين السجدتين، والاطمئنان فيه .
• ذهب جمهور العلماء إلى وجوب ذلك، وخالف أبو حنيفة، ومالك، فقالا: ليس بواجب. وقال أبو حنيفة: يكفي أن يرفع رأسه مثل حدِّ السيف؛ لأنَّ هذه جلسة فصل بين متشاكلين.
وعن أبي حنيفة، ومالك أنه يجب أن يرتفع بحيث يكون إلى القعود أقرب منه. قال النووي: وليس لهما دليل يصح التمسك به.
قلتُ: والصواب قول الجمهور؛ لحديث الباب: «ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا». (٢)
стр. 908
مسألة [٢٤]: حكم السجود الثاني والطمأنينة فيه .
الكلام في حكم السجود الثاني، والطمأنينة فيه كالكلام في السجود الأول، وحكمه حكمه. (١)
قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في رواية أبي داود، والنسائي: «ثُمَّ يُكَبِّرَ اللهَ تَعَالَى، وَيَحْمَدَهُ، وَيُثْنِي عَلَيْهِ».
قال ابن حزم ﵀ في «المحلَّى» (٣٦٩): التحميد المذكور، والتمجيد المذكور هو قراءة أم القرآن، برهان ذلك قول رسول الله ﷺ : «إذا قال العبد في صلاته: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، قال: مجدني عبدي».اهـ
قلتُ: وفيه: «وإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، قال الله: أثنى عليَّ عبدي».
стр. 909
٢٦٠ - وَعَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁ قَالَ: رَأَيْت رَسُولَ اللهِ ﷺ إذَا كَبَّرَ جَعَلَ يَدَيْهِ حَذْوَ (١) مَنْكِبَيْهِ، وَإِذَا رَكَعَ أَمْكَنَ يَدَيْهِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ هَصَرَ ظَهْرَهُ فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ اسْتَوَى حَتَّى يَعُودَ كُلُّ فَقَارٍ مَكَانَهُ، فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَ يَدَيْهِ غَيْرَ مُفْتَرِشٍ وَلَا قَابِضِهِمَا، وَاسْتَقْبَلَ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ القِبْلَةَ، وَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ جَلَسَ عَلَى رِجْلِهِ اليُسْرَى وَنَصَبَ اليُمْنَى، وَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَةِ الأَخِيرَةِ قَدَّمَ رِجْلَهُ اليُسْرَى وَنَصَبَ الأُخْرَى، وَقَعَدَ عَلَى مَقْعَدَتِهِ. أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ. (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
قوله: ثم هصر ظهره. في «غريب الحديث» لابن الأثير: أي ثناه إلى الأرض. وأصل الهصر: أن تأخذ برأس العود فتثنيه إليك وتعطفه.
وقال الخطابي ﵀ كما في «الفتح» (٨٢٨): أي: ثناه في استواء من غير تقويس. اهـ
قوله: كل فقار.
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في «الفتح» (٨٢٨): الفقار، بفتح الفاء، والقاف، جمع فقارة، وهي عظام الظهر، وهي العظام التي يقال لها خرز الظهر، قاله القزاز. اهـ
تنبيه: سيأتي -إن شاء الله- الكلام على كثير من مباحث هذا الحديث، وسأتكلم هنا على ثلاث مسائل.
стр. 910
مسألة [١]: حكم وضع اليدين على الركبتين .
في حديث الباب، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يضع يديه على ركبتيه، وقد أمر بذلك النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كما ثبت في «الصحيحين» (١) عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص، قال: صليت إلى جنب أبي، فطبقت بين كَفَّيَّ، ثم وضعتهما بين فَخِذَيَّ، فنهاني أبي، فقال: كُنَّا نفعله، فنهينا عنه، وأُمرنا أن نضرب بالأَكُف على الرُّكَبِ.
وثبت عن عمر بن الخطاب وولده عبد الله أنهما كانا يضعان اليدين على الركبتين كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (١/ ٢٤٤).
قال ابن رجب ﵀ في «الفتح» شرح حديث (٧٩٠): ذكر أكثر العلماء أنَّ التطبيق كان شُرِعَ أولًا، ثم نُسِخَ حكمه، واستدلوا بحديث سعد، وما في معناه.
وقال ﵀: وأكثر العلماء على أن وضع اليدين على الركبتين في الركوع من سنن الصلاة، ولا تبطل الصلاة بتركه ولا بالتطبيق ... ، وذهب طائفة من أهل الحديث إلى المنع من التطبيق، وإبطال الصلاة به؛ للنهي عنه كما دل حديث سعد، منهم: أبو خيثمة زهير بن حرب، وأبو إسحاق الجوزجاني.
وقال أبو بكر بن أبي شيبة -فيمن طبق ولم يضع يديه على ركبتيه-: أحب إلي أن يعيد. وهي رواية عن أحمد أخذ بها بعض أصحابه.
قال ابن رجب: فعلى قول هؤلاء يكون وضع اليدين على الركبتين في الركوع من واجبات الصلاة، وقد روي عن طائفة من السلف ما يدل على ذلك؛ فإنه رُوِيَ
стр. 911
عن جماعة أنهم قالوا: إذا وضع يديه على ركبتيه أجزأه في الركوع. وممن روي ذلك عنه: سعد بن أبي وقاص (١)، وابن مسعود (٢)، وابن سيرين، ومجاهد، وعطاء، وقال: هو أدنى ما يجزئ في الركوع. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: استدل الجمهور على عدم الوجوب بأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يأمر بذلك المسيء في صلاته.
والظاهر -والله أعلم- أنَّ حديث المسيء في صلاته لم يستوعب جميع الواجبات، فما صحَّ الأمر به في حديث آخر فينبغي أن يُحمل على الوجوب أيضًا، والأوامر الشرعية بعد حديث المسيء ما زالت تَنْزل، وتُشْرَع، ثم وجدت الأمر بذلك ثابت في حديث المسيء في صلاته عند أحمد (٤/ ٣٤٠)، وأبي داود (٨٥٩)، وابن خزيمة (٥٩٧)، وابن أبي شيبة (١/ ٢٤٤)، والطبراني (٤٥٢٦)، والبيهقي (٢/ ٣٧٤)، بإسناد حسن عن رفاعة بن رافع ﵁، بلفظ: «وإذا ركعت فضع راحتيك على ركبتيك، وامدد ظهرك» وبنحوه؛ فقول من أوجب وضع اليدين على الركبتين أقرب إلى الصواب، والله أعلم.
ثم إنَّ الشافعية، وجمهور الحنابلة يقولون: إنَّ أقل ما يجزئ في الركوع الانحناء، بحيث يمكنه مسُّ ركبتيه، فما هو الدليل على هذا إنْ كان وَضْعُ اليدين
стр. 912
على الركبتين من السنن؟!!
مسألة [٢]: استقبال القبلة بأطراف الأصابع في السجود، وغيره .
قال البخاري ﵀ في «صحيحه»: [باب يستقبل بأطراف رجليه القبلة، قاله أبو حميد عن النبي ﷺ ].
وفي حديث أبي حميد دليل على استحباب هذا العمل في الصلاة.
قال ابن رجب ﵀: وابن عمر كان يفعله، وكذلك الإمام أحمد، ونصَّ عليه الشافعي، وخالف فيه بعض أصحابه، وقالوا: يضع أصابع رجليه من غير تحامل عليها، وردَّه عليه صاحب «شرح المهذب»، وقال: هذا شاذٌّ، مردودٌ، مخالفٌ للأحاديث الصحيحة ولنصِّ الشافعي. اهـ
قلتُ: أثر ابن عمر أخرجه ابن سعد في «الطبقات» (٤/ ١٥٧) بإسناد حسن، أنَّ ابن عمر كان يُحِبُّ أن يستقبل القبلة بكل شيء منه -إذا صلَّى- حتى كان يستقبل بإبهامه القبلة.
وكذلك بين السجدتين؛ فقد ثبت عنه عند النسائي (٢/ ١٨٧)، أنه كان يقول: من سنة الصلاة أن ينصب القدم اليمنى، واستقباله بأصابعه القبلة.
وفي «مصنف عبد الرزاق» (٢/ ١٧٣) عن الثوري، عن ابن عجلان، عن محمد بن يحيى بن حبان قال: «كان ابن عمر يحب أن يعتدل في الصلاة حتى أصابعه إلى القبلة» وإسناده صحيح.
стр. 913
وفي «مصنف ابن أبي شيبة» (١/ ٢٦٤) بإسناد صحيح قال ابن عمر: إذا سجد أحدكم فليستقبل القبلة بيديه؛ فإنهما يسجدان مع الوجه.
مسألة [٣]: كيفية الجلوس في التشهد الأول، والأخير .
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في شرح حديث أبي حميد رقم (٨٢٨): وقد دَلَّ الحديث على أن النبي ﷺ كان يجلس في التشهد الأول مفترشًا، وفي التشهد الثاني متوركًا .... ، ثم قال: وقد أخذ بهذا الحديث في التفريق بين الجلوس في التشهد الأول، والآخر في الصلاة فقهاء الحديث كالشافعي، وأحمد، وإسحاق، ثم اختلفوا: فقال الشافعي: يتورك في التشهد الذي يعقبه السلام بكل حال سواء كانت الصلاة فيها تشهد واحد أو تشهدان؛ لأن التشهد الذي يسلم فيه يطول بالدعاء فيه فيتورك فيه؛ لأن التورك أهون من الافتراش. وقال أحمد وإسحاق: إن كان فيها تشهدان تورك في الأخير منهما، وإن كان فيها تشهد واحد لم يتورك فيه، بل يفترش.
فيكون التورك للفرق بين التشهدين، ويكون فيه فائدتان: نفي السهو عن المصلي، ومعرفة الداخل معه في التشهد: هل هو في الأول أو الثاني؟
ثم قال ابن رجب ﵀: وذهب طائفة من أهل العلم إلى أنه يفترش في جميع التشهدات، وهو قول أبي حنيفة، والثوري، والحسن بن صالح، وابن المبارك ... ، وقال طائفة: يتورك في جميعها، وهو قول مالك، وكذا قال في الجلوس بين السجدتين، وجميع من سبق ذكره من العلماء، قالوا: إنه يفترش فيه.
стр. 914
ثم قال: وقال ابن جرير الطبري: كل ذلك جائز؛ لأنه يروى عن النبي ﷺ ، فَيُخَيَّر المصلي بينه، فيفعل منه ما شاء. ومال إلى قوله ابن عبد البر. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: قول أحمد، وإسحاق هو الصواب في هذه المسألة؛ لحديث أبي حُميد الذي في هذا الباب، والله أعلم.
مسألة [٤]: كيفية جلوس المرأة في التشهد الأول، والأخير .
• قال الإمام البخاري ﵀ في «صحيحه»: باب سنة الجلوس في التشهد. وكانت أم الدرداء تجلس في صلاتها جلسة الرجل، وكانت فقيهة. اهـ
قال حرب الكرماني: نا عمرو بن عثمان: نا الوليد بن مسلم، عن ابن ثوبان، عن أبيه، عن مكحول، أن أم الدرداء كانت تجلس في الصلاة جلسة الرجل إلا إنها تميل على شقها الأيسر، وكانت فقيهةً.
وهذا قول مالك، والأوزاعي، والشافعي، وهو رواية عن النخعي، وروي عن نافع، أن ابن عمر كان يأمر نساءه أن يتربعن في الصلاة، وروي من وجه آخر عن صفية بنت أبي عبيد امرأة ابن عمر، أنها كانت تتربع في الصلاة.
وقال زرعة بن إبراهيم، عن خالد بن اللجلاج: كن النساء يؤمرن بأن يتربعن إذا جلسن في الصلاة، ولا يجلسن جلوس الرجال على أوراكهن، يتقى ذلك عن المرأة، مخافة أن يكون الشيء منها. خرّجه ابن أبي شيبة.
• وقال الإمام أحمد: تتربع في جلوسها أو تسدل رجليها عن يمينها. والسدل
стр. 915
عنده أفضل. وهو قول النخعي والثوري وإسحاق؛ لأنه أشبه بجلسة الرجل، وأبلغ في الاجتماع والضم. وحمل بعض أصحابنا فعل أم الدرداء على مثل ذلك، وأما الإمام أحمد فصرّح بأنه لا يذهب إلى فعل أم الدرداء.
وروى سعيد بن منصور بإسناده، عن عبد الرحمن بن القاسم، قال كانت عائشة تجلس في الصلاة عن عرقيها وتضم فخذيها، وربما جلست متربعة.
وقال الشعبي: تجلس كما تيسر عليها. وقال قتادة: تجلس كما ترى أنه أستر.
وقال عطاء: لا يضرها أي ذلك جلست، إذا اجتمعت. قال: وجلوسها على شقها الأيسر أحب إلى من الأيمن. وقال حماد: تفعل كيف شاءت. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: تجلس كما يجلس الرجل؛ لقوله ﵊: «صلوا كما رأيتموني أصلي».