← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 165

فتح العلام في دراسة أحاديث بلوغ المرام ط 4

محمد بن علي بن حزام البعداني

Полный текст (5 956 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

عن جماعة أنهم قالوا: إذا وضع يديه على ركبتيه أجزأه في الركوع. وممن روي ذلك عنه: سعد بن أبي وقاص (١)، وابن مسعود (٢)، وابن سيرين، ومجاهد، وعطاء، وقال: هو أدنى ما يجزئ في الركوع. اهـ قال أبو عبد الله غفر الله له: استدل الجمهور على عدم الوجوب بأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يأمر بذلك المسيء في صلاته. والظاهر -والله أعلم- أنَّ حديث المسيء في صلاته لم يستوعب جميع الواجبات، فما صحَّ الأمر به في حديث آخر فينبغي أن يُحمل على الوجوب أيضًا، والأوامر الشرعية بعد حديث المسيء ما زالت تَنْزل، وتُشْرَع، ثم وجدت الأمر بذلك ثابت في حديث المسيء في صلاته عند أحمد (٤/ ٣٤٠)، وأبي داود (٨٥٩)، وابن خزيمة (٥٩٧)، وابن أبي شيبة (١/ ٢٤٤)، والطبراني (٤٥٢٦)، والبيهقي (٢/ ٣٧٤)، بإسناد حسن عن رفاعة بن رافع ﵁، بلفظ: «وإذا ركعت فضع راحتيك على ركبتيك، وامدد ظهرك» وبنحوه؛ فقول من أوجب وضع اليدين على الركبتين أقرب إلى الصواب، والله أعلم. ثم إنَّ الشافعية، وجمهور الحنابلة يقولون: إنَّ أقل ما يجزئ في الركوع الانحناء، بحيث يمكنه مسُّ ركبتيه، فما هو الدليل على هذا إنْ كان وَضْعُ اليدين

стр. 912

على الركبتين من السنن؟!! مسألة [٢]: استقبال القبلة بأطراف الأصابع في السجود، وغيره . قال البخاري ﵀ في «صحيحه»: [باب يستقبل بأطراف رجليه القبلة، قاله أبو حميد عن النبي ﷺ ]. وفي حديث أبي حميد دليل على استحباب هذا العمل في الصلاة. قال ابن رجب ﵀: وابن عمر كان يفعله، وكذلك الإمام أحمد، ونصَّ عليه الشافعي، وخالف فيه بعض أصحابه، وقالوا: يضع أصابع رجليه من غير تحامل عليها، وردَّه عليه صاحب «شرح المهذب»، وقال: هذا شاذٌّ، مردودٌ، مخالفٌ للأحاديث الصحيحة ولنصِّ الشافعي. اهـ قلتُ: أثر ابن عمر أخرجه ابن سعد في «الطبقات» (٤/ ١٥٧) بإسناد حسن، أنَّ ابن عمر كان يُحِبُّ أن يستقبل القبلة بكل شيء منه -إذا صلَّى- حتى كان يستقبل بإبهامه القبلة. وكذلك بين السجدتين؛ فقد ثبت عنه عند النسائي (٢/ ١٨٧)، أنه كان يقول: من سنة الصلاة أن ينصب القدم اليمنى، واستقباله بأصابعه القبلة. وفي «مصنف عبد الرزاق» (٢/ ١٧٣) عن الثوري، عن ابن عجلان، عن محمد بن يحيى بن حبان قال: «كان ابن عمر يحب أن يعتدل في الصلاة حتى أصابعه إلى القبلة» وإسناده صحيح.

стр. 913

وفي «مصنف ابن أبي شيبة» (١/ ٢٦٤) بإسناد صحيح قال ابن عمر: إذا سجد أحدكم فليستقبل القبلة بيديه؛ فإنهما يسجدان مع الوجه. مسألة [٣]: كيفية الجلوس في التشهد الأول، والأخير . قال الحافظ ابن رجب ﵀ في شرح حديث أبي حميد رقم (٨٢٨): وقد دَلَّ الحديث على أن النبي ﷺ كان يجلس في التشهد الأول مفترشًا، وفي التشهد الثاني متوركًا .... ، ثم قال: وقد أخذ بهذا الحديث في التفريق بين الجلوس في التشهد الأول، والآخر في الصلاة فقهاء الحديث كالشافعي، وأحمد، وإسحاق، ثم اختلفوا: فقال الشافعي: يتورك في التشهد الذي يعقبه السلام بكل حال سواء كانت الصلاة فيها تشهد واحد أو تشهدان؛ لأن التشهد الذي يسلم فيه يطول بالدعاء فيه فيتورك فيه؛ لأن التورك أهون من الافتراش. وقال أحمد وإسحاق: إن كان فيها تشهدان تورك في الأخير منهما، وإن كان فيها تشهد واحد لم يتورك فيه، بل يفترش. فيكون التورك للفرق بين التشهدين، ويكون فيه فائدتان: نفي السهو عن المصلي، ومعرفة الداخل معه في التشهد: هل هو في الأول أو الثاني؟ ثم قال ابن رجب ﵀: وذهب طائفة من أهل العلم إلى أنه يفترش في جميع التشهدات، وهو قول أبي حنيفة، والثوري، والحسن بن صالح، وابن المبارك ... ، وقال طائفة: يتورك في جميعها، وهو قول مالك، وكذا قال في الجلوس بين السجدتين، وجميع من سبق ذكره من العلماء، قالوا: إنه يفترش فيه.

стр. 914

ثم قال: وقال ابن جرير الطبري: كل ذلك جائز؛ لأنه يروى عن النبي ﷺ ، فَيُخَيَّر المصلي بينه، فيفعل منه ما شاء. ومال إلى قوله ابن عبد البر. اهـ قال أبو عبد الله غفر الله له: قول أحمد، وإسحاق هو الصواب في هذه المسألة؛ لحديث أبي حُميد الذي في هذا الباب، والله أعلم. مسألة [٤]: كيفية جلوس المرأة في التشهد الأول، والأخير . • قال الإمام البخاري ﵀ في «صحيحه»: باب سنة الجلوس في التشهد. وكانت أم الدرداء تجلس في صلاتها جلسة الرجل، وكانت فقيهة. اهـ قال حرب الكرماني: نا عمرو بن عثمان: نا الوليد بن مسلم، عن ابن ثوبان، عن أبيه، عن مكحول، أن أم الدرداء كانت تجلس في الصلاة جلسة الرجل إلا إنها تميل على شقها الأيسر، وكانت فقيهةً. وهذا قول مالك، والأوزاعي، والشافعي، وهو رواية عن النخعي، وروي عن نافع، أن ابن عمر كان يأمر نساءه أن يتربعن في الصلاة، وروي من وجه آخر عن صفية بنت أبي عبيد امرأة ابن عمر، أنها كانت تتربع في الصلاة. وقال زرعة بن إبراهيم، عن خالد بن اللجلاج: كن النساء يؤمرن بأن يتربعن إذا جلسن في الصلاة، ولا يجلسن جلوس الرجال على أوراكهن، يتقى ذلك عن المرأة، مخافة أن يكون الشيء منها. خرّجه ابن أبي شيبة. • وقال الإمام أحمد: تتربع في جلوسها أو تسدل رجليها عن يمينها. والسدل

стр. 915

عنده أفضل. وهو قول النخعي والثوري وإسحاق؛ لأنه أشبه بجلسة الرجل، وأبلغ في الاجتماع والضم. وحمل بعض أصحابنا فعل أم الدرداء على مثل ذلك، وأما الإمام أحمد فصرّح بأنه لا يذهب إلى فعل أم الدرداء. وروى سعيد بن منصور بإسناده، عن عبد الرحمن بن القاسم، قال كانت عائشة تجلس في الصلاة عن عرقيها وتضم فخذيها، وربما جلست متربعة. وقال الشعبي: تجلس كما تيسر عليها. وقال قتادة: تجلس كما ترى أنه أستر. وقال عطاء: لا يضرها أي ذلك جلست، إذا اجتمعت. قال: وجلوسها على شقها الأيسر أحب إلى من الأيمن. وقال حماد: تفعل كيف شاءت. اهـ قال أبو عبد الله غفر الله له: تجلس كما يجلس الرجل؛ لقوله ﵊: «صلوا كما رأيتموني أصلي».

стр. 916

٢٦١ - وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ كَانَ إذَا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ قَالَ: «وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ» إلَى قَوْلِهِ: «مِنَ المُسْلِمِينَ، اللهُمَّ أَنْتَ المَلِكُ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ، أَنْتَ رَبِّي وَأَنَا عَبْدُك» إلَى آخِرِهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (١) وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: أَنَّ ذَلِكَ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ. (٢) ٢٦٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إذَا كَبَّرَ لِلصَّلَاةِ سَكَتَ هُنَيْهَةً، قَبْلَ أَنْ يَقْرَأَ، فَسَأَلْته، فَقَالَ: أَقُولُ: «اللهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْت بَيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ، اللهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالبَرَدِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (٣) ٢٦٣ - وَعَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: سُبْحَانَك اللهُمَّ وَبِحَمْدِك، وَتَبَارَكَ اسْمُك، وَتَعَالَى جَدُّك، وَلَا إلَهَ غَيْرُك. رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِسَنَدٍ مُنْقَطِعٍ. وَالدَّارَقُطْنِيُّ مَوْصُولًا وَمَوْقُوفًا. (٤)

стр. 917

المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث مسألة [١]: دعاء الاستفتاح . قال ابن رجب ﵀ في «الفتح» (٧٤٣، ٧٤٤): وحديث أَبِي هُرَيْرَةَ استدل بِهِ من يَقُول: إنه يستحب استفتاح الصلاة بذكر قَبْلَ الشروع فِي القراءة، وَهُوَ قَوْلُ أكثر العلماء، ثُمَّ اختلفوا: فَقَالَ كثير منهم: يستحب استفتاح الصلاة بقول: «سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك»، صح هَذَا عَن عُمَر بْن الخَطَّاب، روي عَنْهُ من وجوه كثيرة، وعن ابن مَسْعُود (١)، وروي عَن أَبِي بَكْر الصديق (٢)، وعثمان بْن عَفَّانَ (٣)، وعن الْحَسَن، وقتادة والنخعي، وَهُوَ قَوْلِ الأوزاعي، والثوري، وأبي حنيفة، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق فِي رِوَايَة، وقد رُوي فِي ذَلِكَ أحاديث مرفوعة من وجوه متعددة، أجودها: من حَدِيْث أَبِي سَعِيد، وعائشة (٤). ا هـ

стр. 918

قال أبو عبد الله غفر الله له: وأجود منها حديث أنس عند الطبراني في «الدعاء» (٥٠٦) قال: حدثنا محمود بن محمد الواسطي، ثنا زكريا بن يحيى زحمويه، ثنا الفضل بن موسى السيناني، عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك، ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا استفتح الصلاة قال: «سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك». وزكريا بن زحمويه روى عنه أبو زرعة وعبد الله بن أحمد كما في «تعجيل المنفعة»، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال: كان من المتقنين. وبقية رجاله ثقات معروفون. وأخرجه الطبراني من طريق أخرى في «الدعاء» (٥٠٥)، من طريق عائد بن شريح، عن أنس ﵁، به، وعائذ بن شريح ترجمته في «ميزان الاعتدال». قال أبو حاتم: في حديثه ضعف. وقال ابن طاهر: ليس بشيء. والحديث بطرقه قد يتقوى إلى الحسن، ولا تطمئن النفس إلى ذلك اطمئنانًا كاملًا. قال ابن رجب ﵀: وَقَالَ الإمام أحمد: نذهب فِيهِ إلى حَدِيْث عُمَر، وقد رُوي فِيهِ من وجوه ليست بذاك، فذكر حَدِيْث عَائِشَة، وأبي هُرَيْرَةَ. (١)

стр. 919

فصرح بأن الأحاديث المرفوعة ليست قوية، وأن الاعتماد عَلَى الموقوف عَن الصَّحَابَة؛ لصحة مَا رُوي عَن عُمَر. قال: وذهب طائفة إلى الاستفتاح بقول: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً ... ، وممن ذهب إلى الاستفتاح بهذا: الشَّافِعِيّ، وأصحابه، وإسحاق فِي رِوَايَة، وروي عَن عَلِيّ أَنَّهُ كَانَ يستفتح بِهِ من وجه منقطع. وظاهر كلام الشَّافِعِيّ، وبعض أصحابه أَنَّهُ يستفتح بِهِ كله الإمام وغيره، وَقَالَ كثير من أصحابه: يقتصر الإمام عَلَى قوله: وأنا من المُسْلِمِين. وقالت طائفة: يجمع بَيْن قوله: سبحانك اللهم وبحمدك. وقوله: وجهت وجهي. وَهُوَ قَوْلِ أَبِي يوسف، وإسحاق فِي رِوَايَة، وطائفة من الشافعية، ومنهم: أبو إِسْحَاق المروزي، وطائفة قليلة من أصحابنا، وقد ورد فِي الجمع بَيْنَهُمَا أحاديث غير قوية الأسانيد. قال ابن رجب ﵀: وَقَالَ أحمد فِي رِوَايَة الميموني: مَا أحسن حَدِيْث أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الاستفتاح. قال ابن رجب ﵀: وذهبت طائفة قليلة: إلى أن من ترك الاستفتاح عمداً أعاد صلاته، منهم: ابن بطة وغيره من أصحابنا، وربما حكي رِوَايَة عَن أحمد. قال ابن رجب ﵀: وذهب مَالِك إلى أَنَّهُ لا يشرع الاستفتاح فِي الصلاة، بل يتبع التكبير بقراءة الفاتحة، واستدل لمن ذهب إلى هَذَا القول بظاهر حَدِيْث أَنَس

стр. 920

الَّذِي خرجه البخاري ههنا. -يعني حديث: كان النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يستفتح الصلاة بالحمد لله رب العالمين-. انتهى كلام ابن رجب ﵀. قال أبو عبد الله غفر الله له: قول الجمهور هو الصواب، أعني أن دعاء الاستفتاح مستحبٌّ وليس بواجب؛ لأنه لم يصح عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الأمر به، بل إنه كان يستفتح، ولم يأمر الصحابة بذلك حتى سأله أبو هريرة ﵁. وأما قول مالك: إنه لا يستفتح. فترُدُّه الأحاديث المتكاثرة في الاستفتاح. وأما حديثه؛ فالمراد منه أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يُسِرُّ البسملة ولا يجهر بها في الصلاة الجهرية، والمختار في الأدعية أنه ينوع، فيقرأ بهذا تارة، وبذلك أخرى، وما صح عنه أنه استفتح به في صلاة الليل جاز أيضًا في المكتوبة، والعكس. وذكر المؤلف من أدعية الاستفتاح ثلاثة أنواع، وهناك أنواع أخرى راجعها في «صفة الصلاة» للعلامة الألباني ﵀. مسألة [٢]: دعاء الاستفتاح في الرواتب والنوافل المطلقة . • مذهب الحنابلة والشافعية والحنفية استحباب ذلك، كما يستحب في الفريضة. وفي النافلة التي تتعدد ركعاتها كصلاة الضحى وصلاة الليل فيها وجهان عند الحنابلة هل يكتفي فيها بالاستفتاح في الركعتين الأوليين، أم يكرر، والأصح عندهم الاكتفاء بذلك، وهو الصحيح؛ لأنه ﵊ لم يرد عنه في صلاة

стр. 921

الليل أنه استفتح في كل ركعتين، بل ظاهر النقل عنه أنه كان يستفتح في أول الصلاة فحسب. (١) مسألة [٣]: إذا لم يستفتح المأموم حتى شرع الإمام في القراءة . • مذهب الحنفية عدم الاستفتاح؛ لأنه قد ذهب موضعه. • ومذهب الشافعية الاستفتاح مطلقًا، وإن شرع الإمام في القراءة، في السرية والجهرية. • ومذهب الحنابلة أنه يستفتح في السرية دون الجهرية، وهو الأقرب؛ لأنه في الجهرية مأمور بالإنصات، وفي غير الجهرية لا بأس أن يستفتح؛ إلا أنه إذا خشي أن يركع الإمام فينبغي له أن يقرأ الفاتحة. (٢)

стр. 922

٢٦٤ - وَنَحْوُهُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، مَرْفُوعًا عِنْدَ الخَمْسَةِ، وَفِيهِ: وَكَانَ يَقُولُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ: «أَعُوذُ بِاللهِ السَّمِيعِ العَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، مِنْ هَمْزِهِ، وَنَفْخِهِ، وَنَفْثِهِ (١)». (٢)

стр. 923

المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: حكم الاستعاذة . • ذهب بعض أهل العلم إلى وجوب الاستعاذة، وهو قول ابن حزم، وبعض الظاهرية، وحُكِيَ عن الثوري، وعطاء، وهو قول ابن بطة من الحنابلة، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل:٩٨]، والأمر يقتضي الوجوب. • وذهب جمهور العلماء إلى الاستحباب. وقولهم أرجح، وأصح؛ لأنه قد ورد عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه كان يقرأ الآيات في خُطَبِهِ، ولم يَرِدْ أنه كان يستعيذ كما في خطبة الحاجة، وعندما أرسل رسالة إلى هرقل كتب رسالة وفيها آية من آل عمران، وليس في الرسالة ذِكْرُ الاستعاذة. (١) مسألة [٢]: هل يستعيذ في كل ركعة ؟ • في المسألة قولان: الأول: يُستحب في كل ركعة، وهو قول ابن سيرين، والحسن، والشافعي، وأحمد في رواية، وهو قول ابن حزم الظاهري، وهو الأصح عند الشافعية؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾. الثاني: أنه يختص بالركعة الأولى، وهو قول عطاء، والحسن، والنخعي، والثوري، وأبي حنيفة، وأحمد في رواية عنه، واستدلوا بحديث الباب، وقد يستدل

стр. 924

لهذا القول بأن المصلي لا يزال في ذكر وصلاة، فأشبه من سجد للتلاوة؛ فإنه لا يعيد الاستعاذة بعد سجوده للتلاوة. والراجح القول الأول؛ لظاهر الآية، ومن عمل بالقول الثاني؛ للمعنى الذي ذكرناه؛ فنرجو أن يكون له وجهٌ، والله أعلم. (١) مسألة [٣]: هل يُسِرُّ بالتعوذ، أم يجهر ؟ • قال ابن رجب ﵀ في «الفتح» (٤/ ٣٨٦): والجمهور على أنه يُسِرُّ في الصلاة الجهرية، وهو قول ابن عمر، وابن مسعود (٢)، والأكثرين، ورُوي عن أبي هريرة الجهر به، وللشافعي قولان، وعن ابن أبي ليلى: الإسرار والجهر سواء. اهـ وقول الجمهور هو الصواب؛ لأنَّ الأصل بأذكار الصلاة، وأدعيتها هو الإسرار؛ إلا ما خصَّه الدليل، والله أعلم. مسألة [٤]: الاستعاذة قبل القراءة . • ذهب بعض أهل العلم إلى أنَّ الاستعاذة بعد القراءة؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾، وهؤلاء هم: داود الظاهري، وحُكي عن ابن سيرين، والنخعي، ورُوي عن أبي هريرة ﵁، وفي إسناده: إبراهيم بن أبي

стр. 925

يحيى، وهو كذَّابٌ، وقال ابن كثير: وهو غريبٌ. (١) • وذهب جمهور العلماء إلى أنَّ الاستعاذة قبل القراءة، وأنَّ معنى قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ﴾، أي: إذا أردت القراءة، مثل قوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ [المائدة:٦]، أي: إذا أردتم القيام. واستدلوا بحديث الباب، وهذا القول هو الصواب، ورجَّحه ابن حزم؛ لنقل القراءة خلفًا عن سلف على هذا النحو، والله أعلم. (٢) تنبيه وفائدة: ذهب مالك، وأصحابه إلى أنه لا يتعوذ في الصلاة المكتوبة، بل يفتتح بعد التكبير بقراءة الفاتحة من غير استعاذة، ولا بسملة، واستدلوا بظاهر حديث أنس: كان النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يفتتح الصلاة بـ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢]. ويُجابُ عنه بأنه: إنما أراد أنه يفتتح قراءة الصلاة بـ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وافتتاح القراءة بـ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، إما أن يُراد به افتتاح القراءة بالفاتحة كما يقوله الشافعي، أو افتتاح الصلاة الجهرية بكلمة: ﴿الْحَمْدُ﴾ من غير بسملة كما يقوله الآخرون. (٣)

стр. 926

مسألة [٥]: صيغة الاستعاذة . يجوز للمسلم أن يستعيذ بقوله: (أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم) كما في حديث الباب. وبقوله: (أعوذ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) لظاهر قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل:٩٨]، وكلاهما قد ورد عن الصحابة رضوان الله عليهم. قال الإمام ابن أبي شيبة ﵀ (١/ ٢٣٧): حدثنا حفص، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، قال: افتتح عمر الصلاة، ثم كبر، ثم قال: (سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، الحمد لله رب العالمين). حدثنا حفص، عن ابن جريج، عن نافع، عن ابن عمر، كان يتعوذ يقول: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم»، أو «أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم». إسناده الأول صحيح، رجاله رجال الشيخين. وإسناده الثاني صحيح؛ لولا عنعنة ابن جريج، ولكنه صرح بالسماع عند عبد الرزاق: وقال الإمام عبد الرزاق ﵀ (٢/ ٨٤) عن ابن جريج قال: سألت نافعًا، مولى ابن عمر: عن هل تدري كيف كان ابن عمر يستعيذ؟ قال: كان يقول: «اللهم أعوذ بك من الشيطان الرجيم»، وهذا إسناد صحيح، رجاله رجال الشيخين.

стр. 927

فائدة: قال الإمام عبد الرزاق (٢/ ٨٤): عن الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله قال: "همزُه: المؤتة. يعني: الجنون، ونفخه: الكبر، ونفثه: الشعر". وهذا إسنادٌ صحيح، رجاله رجال الشيخين.

стр. 928

٢٦٥ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَسْتَفْتِحُ الصَّلَاةَ بِالتَّكْبِيرِ، وَالقِرَاءَةِ: ب ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وَكَانَ إذَا رَكَعَ لَمْ يُشْخِصْ رَأْسَهُ، وَلَمْ يُصَوِّبْهُ، وَلَكِنْ بَيْنَ ذَلِكَ. وَكَانَ إذَا رَفَعَ مِنَ الرُّكُوعِ لَمْ يَسْجُدْ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَائِمًا. وَكَانَ إذَا رَفَعَ مِنَ السُّجُودِ لَمْ يَسْجُدْ حَتَّى يَسْتَوِيَ جَالِسًا. وَكَانَ يَقُولُ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ التَّحِيَّةَ. وَكَانَ يَفْرِشُ رِجْلَهُ اليُسْرَى وَيَنْصِبُ اليُمْنَى. وَكَانَ يَنْهَى عَنْ عُقْبَةِ الشَّيْطَانِ، وَيَنْهَى أَنْ يَفْتَرِشَ الرَّجُلُ ذِرَاعَيْهِ افْتِرَاشَ السَّبُعِ. وَكَانَ يَخْتِمُ الصَّلَاةَ بِالتَّسْلِيمِ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَلَهُ عِلَّةٌ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث قولها: كان يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بـ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. الأدلة متواترة بأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يستفتح صلاته بتكبيرة الإحرام، وهي ركنٌ، وقد تقدم الكلام عليها. وأما قولها: والقراءة بـ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾؛ فيشهد له حديث أنس في «الصحيحين» (٢)، وحديث أبي هريرة في «مسلم». (٣)

стр. 929

قولها: وكان إذا ركع لم يشخص رأسه، ولم يصوبه. معنى: (يشخص)، أي: يرفع، ومعنى: (يصوبه)، أي: يخفضه، ومثل هذا الحديث حديث أبي حميد في «البخاري» وقد تقدم: ثم هصر ظهره، ويُستفاد من ذلك استحباب استواء الظهر عند الركوع من غير تقويس. قولها: وكان إذا رفع رأسه من الركوع .... إلى قولها: جالسًا. هو بمعنى حديث المسيء في صلاته، وقد تقدم. قولها: وكان يقول في كل ركعتين التحية. معلوم هذا بأدلة أخرى متواترة. قولها: وكان يفرش رجله اليسرى، وينصب اليمنى. يشهد له ما صح عند ابن المنذر في «الأوسط» (٣/ ١٩١)، عن ابن عمر ﵄، قال: إنَّ من سنة الصلاة أن تضجع رجلك اليسرى، وتنصب اليمنى. قولها: وكان ينهى عن عقبة الشيطان. هو الإقعاء في الصلاة، والإقعاء نوعان: الأول: الإقعاء كإقعاء الكلب، وهو أن يلصق إليتيه بالأرض، وينصب ساقيه، ويضع يديه على الأرض، وقد جاء النهي عن هذا في حديث أبي هريرة عند أحمد (٢/ ٣١١)، والبيهقي (٢/ ١٢٠)، وغيرهما: «نهى عن إقعاء كإقعاء الكلب»، وهو حديث صالح في الشواهد، والإقعاء بهذا التفسير هو قول أبي عبيدة، وأبي عبيد، والبيهقي، وابن الصلاح، والنووي، وهذا الإقعاء كرهه أهل العلم؛ للحديثين

стр. 930

المتقدمين، ويدل عليه قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «ليس لنا مثل السوء، مثل الذي يعود في هبته كالكلب يقيء، ثم يعود في قيئه، فيأكله». (١) قال الترمذي ﵀ في «سننه» (٢/ ٧٣): والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم، يكرهون الإقعاء. الثاني: أن ينصب قدميه، ويُمِسَّ إليتيه عقبيه، وهذا التفسير للإقعاء فسَّره ابن الأثير كما في «النهاية»، وهو قول جماعة من أهل العلم، وكره هذا الإقعاء جمهور العلماء، بينما ذهب الشافعي، وجماعة من المحدثين إلى مشروعية الإقعاء بهذه الصورة، وقد صحَّ هذا عن عبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمر كما في «سنن البيهقي» (٢/ ١٢٠)، بل قال ابن عباس كما في «صحيح مسلم» (٥٣٦)، و «سنن البيهقي»، وغيرهما: هي السنة. وهذا القول هو الصواب. وأما حديث علي الذي استدل به الجمهور عند الترمذي (٢٨٢)، وغيره: «يا علي لا تُقْعِ بين السجدتين»، ففي إسناده: الحارث الأعور، وقد كذب، ومع ذلك فليس بصريح؛ لاحتمال أن يريد الكيفية الأخرى، والله أعلم. (٢) قولها: وكان ينهى أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السبع. أخرج الشيخان (٣) من حديث أنس بن مالك ﵁، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-:

стр. 931

«اعتدلوا في السجود، ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب». قال ابن رجب ﵀ في شرحه لهذا الحديث رقم (٨٢٢): وفي النهي عن افتراش الذراعين في السجود أحاديث أُخَر، وقد خرج مسلم من حديث عائشة ثم ذكر حديث الباب ومن حديث البراء عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، قال: «إذا سجدت، فضع كفيك، وارفع مرفقيك» (١)، وقد ذكر الترمذي أنَّ العمل على هذا عند أهل العلم يختارون الاعتدال في السجود، ويكرهون الافتراش كافتراش السبع، وهذا يُشعر بحكاية الإجماع عليه، وهو قول جمهور العلماء. اهـ قلتُ: وظاهر النهي التحريم. قولها: وكان يختم الصلاة بالتسليم. الأدلة متواترة على ذلك.

стр. 932

٢٦٦ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ إذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ، وَإِذَا كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١) ٢٦٧ - وَفِي حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ، عِنْدَ أَبِي دَاوُد: يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ، ثُمَّ يُكَبِّرُ. (٢) ٢٦٨ - وَلِمُسْلِمٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ الحُوَيْرِثِ، ﵁ نَحْوُ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، لَكِنْ قَالَ: حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا فُرُوعَ أُذُنَيْهِ. (٣) المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث مسألة [١]: حكم رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام . قال ابن رجب ﵀: رفع اليدين عند افتتاح الصلاة مشروعٌ، وهذا كالمجمع عليه، قال ابن المنذر ﵀: لم يختلف أهل العلم أنَّ رسول الله ﷺ كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة. ثم حكى ابن رجبٍ رواية عن مالك على خلاف ذلك، ثم قال: ولعل ذلك لا يصح عن مالك. اهـ

стр. 933

ثم قال ﵀: والرفع في افتتاح الصلاة سنةٌ مسنونة، وليس بركنٍ، ولا فرض عند جمهور العلماء، ولا تبطل الصلاة بتركهِ عند أحد مِنهُم، وحُكي عَن الحميدي، وداود، وأحمد بنِ يسار مِن الشافعية: أنه تبطل الصلاة بتركه، ورُوي عن علي بنِ المديني ما يشبهه، وأن الرفع واجب، لا يحل تركه، ونقل حرب، عَن إسحاق ما يدل على بطلان الصلاة بترك الرفع عند تكبيرة الإحرام، وأنه واجب، وَهوَ قول أبي بكر بنِ أبي شيبة، والجوزجاني. وقال ابن خزيمة: هوَ ركن مِن أركان الصلاة، حكاه الحاكم في «تاريخ نيسابور» عَن خاله أبي علي المؤذن وأثنى عليهِ أنَّهُ سمع ابن خزيمة يقوله. ثم قال ابن رجب: واستدل الأكثرون على أنه غير واجب بأنَّ النبي ﷺ لم يعلمه المسيء في صلاته كما علمه التكبير لافتتاح الصلاة، ولو كان حكم الرفع حكم التكبير لعلمه إياه. انتهى من «الفتح» (٧٣٥). قلتُ: وقول الجمهور هو الصواب؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يأمر به. مسألة [٢]: متى يرفع يديه ؟ له ثلاث حالات: الرفع مع التكبير؛ لحديث ابن عمر ﵄ الذي في الباب، وله رواية عند البخاري (٧٣٨): «يرفع يديه حين يكبر»، كذلك في حديث مالك بن الحويرث ﵁ عند النسائي (٨٨٠) بإسناد صحيح، أن رسول الله ﷺ كان إذا صلى رفع يديه حين يكبر حيال أذنيه، وإذا أراد أن يركع، وإذا رفع رأسه من الركوع. وفي

стр. 934

«صحيح مسلم» (٤٠١) عن وائل بن حجر ﵁: أنه رأى النبي ﷺ رفع يديه حين دخل في الصلاة كبر حيال أذنيه وقد ذهب إلى هذا أحمد، والشافعي، وابن المديني، وهو المختار عند الحنفية والمالكية. الرفع قبل التكبير؛ لحديث ابن عمر ﵄ في «صحيح مسلم» (٣٩٠) (٢٢): «رفع يديه حتى يكونا حذو منكبيه، ثم كبر»، ولحديث أبي حميد الذي في الباب، وقال بهذا إسحاق، وأحمد في رواية، واختاره بعض الشافعية، وبعض الحنفية، وذهب جماعة من الحنابلة إلى التخيير بين هاتين الكيفيتين. الرفع بعد التكبير؛ لحديث مالك بن الحويرث ﵁ في «صحيح مسلم» (٣٩١): كان رسول ﷺ إذا كبر رفع يديه ... الحديثَ. وفي لفظ عنده: إذا صلى كبر، ثم رفع يديه. قال الحافظ ﵀ في «الفتح» (٧٣٥): ولم أر من قال بتقديم التكبير على الرفع. قال الإمام الألباني ﵀ في «تمام المنة» (١٧٣): قلتُ: بلى، هو قولٌ في مذهب الحنفية وبعد صحة الحديث فلا عذر لأحد في التوقف عن العمل به. اهـ (١) مسألة [٣]: رفع اليدين عند الركوع، وعند القيام منه . دلَّتْ أحاديث الباب على الرفع في هذين الموضعين، وبهذا قال جمهور العلماء، وخالف أهل الكوفة، ومنهم: الحنفية.

стр. 935

قال ابن رجب ﵀ في شرح حديث (٧٣٦، ٧٣٧): وأكثر الصحابة والتابعين على الرفع عندَ الركوع، والرفع منه أيضًا. ثم قال: وهو قول عامة التابعين، وقول عامة فقهاء الأمصار. اهـ وقد احتج أهل الكوفة على مذهبهم بحديث البراء بن عازب عند أبي داود (٧٤٩): أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة، ثم لا يعود. وبحديث ابن مسعود عند أبي داود (٧٤٨)، والترمذي (٢٥٧): أنَّه قال: ألا أُصلي بكم صلاة رسول الله ﷺ ؟ فصلَّى، فلم يرفع يديه إلا في أول مرة. والجواب عن أدلتهم: أما حديث البراء؛ ففي إسناده: يزيد بن أبي زياد، وهو سيء الحفظ، وقال ابن عيينة، كما في «المغني» لابن قدامة (٢/ ١٧٤): حدثنا يزيد بن أبي زياد، عن ابن أبي ليلى، ولم يقل: ثم لا يعود. فلما قدمت الكوفة سمعته يحدث به، فيقول: ثم لا يعود. فظننت أنهم لقَّنوه. اهـ قال الحافظ ابن حجر ﵀ في «التلخيص» (١/ ٤٠٠): واتفق الحفَّاظُ على أن قوله: (ثم لم يعد) مدرجٌ في الخبر من قول يزيد بن أبي زياد. قال: وقال الحميدي: إنما روى هذه الزيادة يزيد، ويزيد يُزِيد. وقال عثمان الدارمي، عن أحمد بن حنبل: لا يصح. وكذا ضعفه البخاري، وأحمد، ويحيى، والدارمي، والحميدي، وغير واحد. وقال يحيى بن محمد بن يحيى: سمعت

стр. 936

أحمد بن حنبل يقول: هذا حديث واهي؛ قد كان يزيد يحدث به برهة من دهره لا يقول فيه «ثم لا يعود»، فلما لقنوه تلقن، فكان يذكرها. انتهى المراد. وأما حديث ابن مسعود؛ فقد قال ابن المبارك: لم يثبت عندي. وقال أبو حاتم: هذا خطأ. وقال أحمد، ويحيى بن آدم: هو ضعيفٌ. وضعَّفَهُ البخاري، وقال أبو داود: ليس هو بصحيح. وقال الدارقطني: لا يثبت. (١) قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٢/ ١٧٤): ولو صحَّا؛ كان الترجيح لأحاديثنا؛ لخمسة أوجه ..... ثم ذكرها، فراجعها. مسألة [٤]: رفع اليدين عند القيام من التشهد الأول . • صحَّ عند البخاري (٧٣٩)، والنسائي (٣/ ٣)، من حديث ابن عمر، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- «كان إذا قام من الركعتين رفع يديه». وقد أعلَّه بعضهم بما لا يقدح فيه، وقد صححه البخاري، والنسائي، والاختلاف في وقفه ورفعه إنما هو في طريق نافع، وأما طريق سالم فليس فيها اختلاف في رفعه. وقد صحَّ أيضًا من حديث أبي حميد عند أبي داود (٧٣٠) وغيره، مرفوعًا: «وكان إذا قام من الركعتين كبَّر ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، كما كبر عند افتتاح الصلاة»، وهذا الحديث قاله أبو حميد في عشرة من الصحابة. • وقد ذهب إلى الرفع في هذا الموضع جمعٌ من المحدثين، والفقهاء، منهم: البخاري، والنسائي، وأحمد في رواية، وأبو بكر بن إسحاق، وقال: لم أر من أئمة

стр. 937

الحديث أحدًا يرجع إلى معرفة الحديث إلا وهو يستعملها. وقد ذهب إلى هذا أيضًا ابن المنذر، ومن أصحاب الشافعي: أبو علي الطبري، والبيهقي، والبغوي، وغيرهم من المتأخرين، ورجَّحه جماعة من الحنابلة. • وقد خالف الجمهور في هذه المسألة، فقالوا بعدم استحباب الرفع في هذا الموضع، والصواب القول الأول. (١) مسألة [٥]: رفع اليدين عند القيام من السجود . • ذهب جمهور العلماء إلى عدم الرفع في هذه المواضع، واستدلوا بحديث ابن عمر في «البخاري» (٧٣٥): أنه قال بعد أن ذكر الرفع عند الركوع، والقيام منه، قال: وكان لا يفعل ذلك في السجود. • وذهب طائفة إلى استحباب رفع اليدين إذا قام من السجود، منهم: ابن المنذر، وأبو علي الطبري الشافعي، واستدلوا على ذلك بما رواه أبو داود في «سننه» (٧٢٣): حدثنا عبيدالله بن عمر بن ميسرة الجشمي، حدثنا عبد الوارث بن سعيد، قال: حدثنا محمد بن جحادة، حدثني عبد الجبار بن وائل بن حجر، عن [وائل بن علقمة] (٢)، عن وائل بن حجر، قال: صليت مع رسول الله ﷺ ، فكان إذا كبَّر رفع يديه، قال: ثم التحف، ثم أخذ شماله بيمينه، وأدخل يديه في ثوبه، قال: فإذا أراد أن يركع أخرج يديه، ثم رفعهما، وإذا أراد أن يرفع رأسه من الركوع رفع

стр. 938

يديه، ثم سجد ووضع وجهه بين كفيه، وإذا رفع رأسه من السجود أيضًا رفع يديه، حتى فرغ من صلاته. قال أبو داود ﵀: روى هذا الحديث همام، عن ابن جحادة، لم يذكر الرفع مع الرفع من السجود. قلتُ: وإسناد حديث أبي داود صحيح على شرط مسلم، وعبد الوارث بن سعيد أرفع رتبة من همام بن يحيى، فزيادته صحيحة، مقبولةٌ. وقد أخرج الحديث ابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (٢٦١٩)، والطبراني في «الكبير» (٢٢/ ٢٨)، من طريق: عبد الوارث بن سعيد به. ورواية همام أخرجها مسلم في «صحيحه» (٤٠١). وقد صحَّ رفع اليدين بين السجدتين عن أنس بن مالك، وعبد الله بن عمر كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (١/ ٢٧١). وصحَّ ذلك أيضًا عن طاوس، ونافع، وأيوب، وجاء عن الحسن، وابن سيرين كما في «المصنف» (١/ ٢٧١). وهذا القول هو الصواب؛ لصحة الحديث فيه، ولكن لا يداوم على هذا الرفع، بل يفعله أحيانًا جمعًا بينه وبين قول ابن عمر في «البخاري»: وكان لا يفعل ذلك في السجود؛ فإنَّ ابن عمر لازم النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمَّا وائل بن حُجْر فإنما مكث عنده يسيرًا. (١)

стр. 939

مسألة [٦]: رفع اليدين عند كل خفضٍ ورفعٍ . • ذهب الجمهور إلى عدم استحباب ذلك؛ لحديث ابن عمر الذي تقدم في المسألة السابقة. • وذهب بعض أهل الظاهر إلى مشروعية الرفع في كل خفضٍ، ورفعٍ، وهو رواية عن أحمد، حملها بعض أصحابه على الجواز، وقد جاء في ذلك أحاديث متعددة ذكرها ابن رجب في «الفتح» (٧٣٩)، وذكر عللها، فراجعها. وأحسن تلك الأحاديث حديثان: أولهما: حديث مالك بن الحويرث عند النسائي في «الكبرى» (٦٧٢)، من طريق: ابن أبي عدي، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن نصر بن عاصم، عن مالك بن الحويرث مرفوعًا، وفيه: «وإذا سجد، وإذا رفع رأسه من السجود، حتى يحاذي بهما فروع أُذُنَيْه. ثم أخرجه النسائي من طريق: عبد الأعلى، عن سعيد بن أبي عروبة مثله، وأخرجه من طريق: معاذ بن هشام الدستوائي، عن أبيه، عن قتادة به مثله. وأكثر طرق هذا الحديث ليس فيها زيادة الرفع عند السجود، والرفع منه، فقد رواه جمعٌ عن سعيد بن أبي عروبة بدون الرفع عند السجود، واقتصروا على الثلاثة المواضع المشهورة، وهم: محمد بن جعفر، وإسماعيل بن علية، ويزيد بن زريع كما في «المسند الجامع» (١٥/ ٢٩)، وابن أبي عدي عند مسلم، والبيهقي، وعبد الله بن نمير عند الطبراني والطحاوي.

стр. 940

ورواه جمعٌ عن هشام الدستوائي بدون زيادة الرفع عند السجود، والرفع منه، وهم: عبدالصمد بن عبد الوارث، وأبو عامر العقدي، ويزيد بن زريع كما في «المسند الجامع» (١٥/ ٢٩)، وكذلك معاذ بن هشام عند ابن حبان كما في «إتحاف المهرة» (١٣/ ٨٩). ورواه شعبة، وهمام بن يحيى، وأبو عوانة، وحماد بن سلمة، كلهم عن قتادة بدون ذكر الزيادة، كما في «المسند الجامع» (١٥/ ٢٩). (١) وكذلك روى الحديث أبو قلابة، عن مالك بن الحويرث، فلم يذكر الزيادة في جميع مصادر الحديث، ومنها «صحيح مسلم»؛ فزيادة الرفع عند السجود، والرفع منه في هذا الحديث الأقرب أنها شاذَّة، والله أعلم. ثانيهما: حديث وائل بن حجر في «مسند أحمد» (٤/ ٣١٦)، وغيره، أنه صلى مع النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فكان يكبر إذا خفضَ، وإذا رفعَ، ويرفع يديه عند التكبير. وفي إسناده: عبد الرحمن اليحصبي، وهو مجهولٌ. ثم رأيت له إسنادًا آخر بمعناه عند الدارقطني (١/ ٢٩١) من طريق هشيم وجرير، عن حصين بن عبد الرحمن، قال: دخلنا على إبراهيم فحدثه عمرو بن مرة، قال: صلينا في مسجد الحضرميين؛ فحدثني علقمة بن وائل، عن أبيه، أنه رأى رسول الله ﷺ يرفع يديه حين يفتتح الصلاة، وإذا ركع، وإذا سجد. وإسناده ظاهره الصحة على شرط مسلم.

стр. 941

فالراجح قول الجمهور في هذه المسألة، وهو عدم الرفع في كل خفضٍ، ورفعٍ؛ إلا فيما تقدم، والله أعلم. مسألة [٧]: حكم رفع اليدين عند الركوع، والرفع منه . قال ابن رجب ﵀ في «الفتح» (٧٣٩): ولم يوجب الرفع عند الركوع، والاعتدال منه، ويبطل الصلاة بتركه إلا شذوذ من الناس من أصحاب داود، ونحوهم. اهـ مسألة [٨]: إلى أين يرفع يديه ؟ • في المسألة ثلاثة أقوال: الأول: إلى المنكبين، وهو قول جمهور العلماء؛ لحديث ابن عمر، وأبي حميد. الثاني: إلى فروع الأذنين، وهو قول أهل الكوفة، منهم: النخعي، وأبو حنيفة، والثوري، وقول أحمد في رواية عنه رجَّحها الخلَّال، ودليلهم حديث مالك بن الحويرث عند مسلم، وقد تقدم، وحديث وائل بن حجر أخرجه أبو داود (٧٢٦) بإسناد صحيح، وهو في «الصحيح المسند». الثالث: منهم من قال: هما سواء؛ لصحة الأحاديث بهما، وهو رواية عن أحمد اختارها الخِرَقِي، وأبو حفص العكبري، وغيرهما، وقال ابن المنذر: وهو قول بعض أهل الحديث، وهو حسنٌ. قلتُ: وهذا القول الثالث هو الصواب وانظر «فتح الباري» لابن رجب (٧٣٨).

стр. 942

مسألة [٩]: هل يضم أصابعه عند الرفع، أم يفرقها ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٢/ ١٣٨): وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَمُدَّ أَصَابِعَهُ وَقْتَ الرَّفْعِ، وَيَضُمَّ بَعْضَهَا إلَى بَعْضٍ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذَا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ رَفَعَ يَدَيْهِ مَدًّا (١). وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: السُّنَّةُ أَنْ يُفَرِّقَ أَصَابِعَهُ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَنْشُرُ أَصَابِعَهُ لِلتَّكْبِيرِ». (٢) وَلَنَا مَا ذَكَرْنَاهُ، وَحَدِيثُهُمْ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا خَطَأٌ، وَالصَّحِيحُ مَا رَوَيْنَاهُ ثُمَّ لَوْ صَحَّ كَانَ مَعْنَاهُ مَدَّ أَصَابِعِهِ، قَالَ أَحْمَدُ: أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ قَالُوا: هَذَا الضَّمُّ. وَضَمَّ أَصَابِعَهُ، وَهَذَا النَّشْرُ، وَمَدَّ أَصَابِعَهُ، وَهَذَا التَّفْرِيقُ، وَفَرَّقَ أَصَابِعَهُ، وَلِأَنَّ النَّشْرَ لَا يَقْتَضِي التَّفْرِيقَ كَنَشْرِ الثَّوْبِ، وَلِهَذَا يُسْتَعْمَلُ فِي الشَّيْءِ الْوَاحِدِ، وَلَا تَفْرِيقَ فِيهِ. اهـ مسألة [١٠]: كيف ترفع المرأة يديها ؟ قال ابن رجب ﵀ في «فتح الباري» (٧٣٨): واختلفوا في المرأة كيف ترفع يديها في الصلاة؟ فقالت طائفة: ترفع كما يرفع الرجل إلى المنكبين. روي عن أم الدرداء، أنها كانت تفعله (٣)، وهو قول الأوزاعي والشافعي، وقالت طائفة: ترفع

стр. 943

إلى ثدييها، ولا تزيد على ذَلِكَ، وهو قول حماد وإسحاق. وروي نحوه عن حفصة بنت سيرين (١)، أنها كانت تفعله. وقال أحمد في رواية عنه: ترفع يديها في الصلاة، ولا ترفع كما يرفع الرجل، دون ذَلِكَ. ونقل عنه جماعة أنه قالَ: ما سمعنا في المرأة؛ فإن فعلت فلا بأس. قالَ القاضي أبو يعلى: ظاهر هذا أنه رآه فعلا جائزًا، ولم يَرَهُ مسنونًا. وقال عطاء: ترفع دون رفع الرجل، وإن تركته فلا بأس. انتهى قال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب ما ذهب إليه الشافعي، والأوزاعي؛ لأنَّ الشرع عامٌّ للرجال، والنساء.

стр. 944

٢٦٩ - وَعَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ ﵁، قَالَ: صَلَّيْت مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَوَضَعَ يَدَهُ اليُمْنَى عَلَى يَدِهِ اليُسْرَى عَلَى صَدْرِهِ. أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ. (١)

стр. 945

المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: حكم وضع اليد اليمنى على اليسرى . أخرج البخاري في «صحيحه» (٧٤٠)، من حديث سهل بن سعد ﵁، قال: كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل اليد اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة. وأخرج مسلم في «صحيحه» (٤٠١)، من حديث وائل بن حجر في صفة صلاة رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وفيه: «ثم وضع يده اليمنى على اليسرى». قال الترمذي ﵀ في «سننه» (٢٥٢): العمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ، والتابعين، ومن بعدهم يرون أن يضع الرجل يمينه على شماله في الصلاة. اهـ قال ابن رجب ﵀ في «فتح الباري» (٧٤٠): وهو قول عامة الفقهاء في الأمصار، منهم: الثوري، وأبو حنيفة، والحسن بن صالح، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيد، وأبو ثور، وغيرهم. اهـ قال ابن المنذر ﵀: وقد روينا عن غير واحد من أهل العلم أنهم كانوا يرسلون أيديهم في الصلاة إرسالًا، ولا يجوز أن يجعل إغفال من أغفل استعمال السنة، أو نسيها، أو لم يعلمها حجة على من علمها، وعمل بها، فممن روينا عنه أنه كان يرسل يديه: عبد الله بن الزبير، والحسن البصري، وإبراهيم النخعي، وابن سيرين. اهـ

стр. 946

قلتُ: وهو رواية عن مالك، أخذ بها جماعة من أصحابه، وهو قول الليث بن سعد، كما في «شرح ابن رجب»، وقال الأوزاعي: من شاء فعل، ومن شاء ترك، وهو قول عطاء، وحُكي رواية عن أحمد، كما في «شرح ابن رجب». وأثر ابن الزبير الذي ذكره ابن المنذر أخرجه في «الأوسط» (٣/ ٩٣)، من طريق ابن أبي شيبة، وهذا في «مصنفه» (١/ ٣٩١)، بإسناد صحيح عنه. والصحيح في هذه المسألة ما ذهب إليه جمهور العلماء. (١) مسألة [٢]: أين يضع يديه ؟ قال ابن رجب ﵀ في «الفتح» (٧٤٠): واختلف القائلون بالوضع: هل يضعهما على صدره، أو تحت سرته، أو يخير بين الأمرين؟ على ثلاثة أقوال، هي ثلاث روايات عن أحمد، وممن روي عنه أنه يضعهما تحت سرته: علي، وأبوهريرة، والنخعي، وأبومجلز، وهو قول الثوري، وأبي حنيفة، ومالك، وإسحاق، وروي عن علي أيضًا، وعن سعيد بن جبير، أنه يضعهما على صدره، وهو قول الشافعي، وقال أبو إسحاق المروزي من أصحابه: يضعهما تحت سرته. وحكى ابن المنذر التخيير بينهما، قالَ الترمذي في «جامعه»: رأى بعضهم أن يضعهما فوق سرته، ورأى بعضهم أن يضعهما تحت سرته، كل ذَلِكَ واسع عندهم. اهـ قلتُ: الأثران عن علي، وأبي هريرة في وضع اليدين تحت السرة لا يثبتان؛

стр. 947

ففي إسنادهما: عبدالرحمن بن إسحاق الكوفي، قال النووي: وهو ضعيفٌ باتفاق أئمة الجرح والتعديل. والأثر عن علي في الوضع على الصدر لا يثبت أيضًا؛ ففي إسناده مجهولٌ، والأمر في هذه المسألة واسعٌ؛ لعدم صحة الدليل فيه، وهو ترجيح شيخنا مقبل الوادعي ﵀. والأقرب وضعهما أعلا من السرة؛ لما رواه النسائي (٢/ ١٢٦)، من حديث وائل بن حجر بإسناد صحيح: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وضع يده اليمنى على كفه اليسرى، والرسغ والساعد. وإسناده صحيح، ومثل ذلك إنما يتأتى عادةً فيمن جعل يديه أعلا من السرة، والله أعلم. (١)

стр. 948

بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَة مسألة [١]: وضع اليد اليمنى على اليسرى بعد الركوع . • ذهب بعض أهل العلم إلى وضع اليد اليمنى على اليد اليسرى بعد الركوع، واستدلوا بعموم حديث سهل بن سعد المتقدم، وبحديث وائل بن حجر عند النسائي (٢/ ١٢٥)، قال: رأيت النبي ﷺ إذا كان قائمًا في الصلاة قبض بيمينه على شماله. واستدلوا بحديث أبي حميد وقد تقدم: «حتى يعود كل فقار إلى مكانه»، وبحديث رفاعة بن رافع عند أحمد، وفيه: «حتى ترجع العظام إلى مفاصلها»، وقد تقدم أيضًا في أول الباب، وهذا القول هو رواية عن أحمد، فقد سأله ولده صالح عن ذلك، فقال: أرجو أن يكون الأمر واسعًا، وهذا القول اختاره الشيخ ابن إبراهيم، والشيخ ابن باز، والشيخ ابن عثيمين، وغيرهم رحمة الله عليهم. • وذهب أحمد في رواية، وهو مذهب الشافعية، وعزاه البسام ﵀ في «توضيح الأحكام» لجمهور العلماء، إلى إرسال اليدين بعد الركوع، وحجتهم في ذلك عدم تنصيص أحد من الصحابة على ذلك مع كثرة من وصف صلاة رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وكل من وصف الصلاة بالتفصيل، وذكر وضع اليمنى على اليسرى، يذكره قبل الركوع، ولا يذكره بعد الركوع، قالوا: والعموم الذي في الأحاديث المذكورة لا

стр. 949

يصلح أن يحمل أيضًا على القيام بعد الركوع بعد وجود أحاديث مبينة مفصلة لفعل رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ولم يذكر فيها ذلك بعد الركوع، وقد جاء ذلك من حديث وائل بن حجر نفسه عند أبي داود (٧٢٦)، وغيره بإسناد صحيح، قال: قلت: لأنظرن إلى صلاة رسول الله ﷺ ، فقام، فاستقبل القبلة، فرفع يديه حتى حاذتا أذنيه، ثم أخذ شماله بيمينه، فلما أراد أن يركع رفعهما مثل ذلك، ووضع يديه على ركبتيه، فلما رفع رأسه من الركوع رفعهما مثل ذلك، فلما سجد وضع رأسه بذلك المنزل من يديه ... ، الحديث. فأنت ترى أنَّ وائل بن حجر ذكر موضع اليدين قبل الركوع، وأثناء الركوع، وأثناء السجود، وسكت على حالهما بعد الركوع مما يدل على أنه ليس لهما حالة تخالف ما عليه هيئة الإنسان قبل الصلاة، وإلا لذكرها، وكذلك يدل على أن مراده بالحديث: «إذا كان قائمًا»، أي: قبل الركوع، بدلالة حديثه هذا الذي فصَّل فيه ما أجمله بذلك الحديث. وأما استدلالهم بحديث: «حتى يعود كل فقار مكانه»، وبحديث: «حتى ترجع العظام إلى مفاصلها»، فليس لهم فيهما مأخذ؛ لأنَّ المراد منهما تمام الاطمئنان بعد الركوع، والاعتدال حتى يعود عظام الظهر إلى حاله السابق قبل الركوع، وكيف يكون المراد منهما أن يضع اليمنى على اليسرى بعد الركوع، ولم يأتِ ذلك قبل الركوع في حديث المسيء في صلاته من جميع طرقه. وبعد هذا البحث؛ فالأقرب عندي إلى الصواب قول من قال بالإرسال بعد

стр. 950

الركوع، وهو ترجيح الإمام الألباني ﵀، واختيار شيخنا الإمام مقبل الوادعي ﵀، والله أعلم. (١) مسألة [٢]: كيفية وضع اليمنى على اليسرى . أخرج النسائي ﵀ (٢/ ١٢٥) بإسناد صحيح عن وائل بن حجر ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ إذا كان قائمًا في الصلاة قبض بيمينه على شماله. وأخرج أيضًا (٢/ ١٢٦)، بإسناد صحيح عن وائل بن حجر قال: « ... ، ثم وضع يده اليمنى على كفه اليسرى، والرسغ، والساعد». وتقدم حديث سهل بن سعد في «البخاري»: كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل اليد اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة.
следующие страницы →