← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 165

فتح العلام في دراسة أحاديث بلوغ المرام ط 4

محمد بن علي بن حزام البعداني

Полный текст (5 956 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

قلتُ: وهو رواية عن مالك، أخذ بها جماعة من أصحابه، وهو قول الليث بن سعد، كما في «شرح ابن رجب»، وقال الأوزاعي: من شاء فعل، ومن شاء ترك، وهو قول عطاء، وحُكي رواية عن أحمد، كما في «شرح ابن رجب». وأثر ابن الزبير الذي ذكره ابن المنذر أخرجه في «الأوسط» (٣/ ٩٣)، من طريق ابن أبي شيبة، وهذا في «مصنفه» (١/ ٣٩١)، بإسناد صحيح عنه. والصحيح في هذه المسألة ما ذهب إليه جمهور العلماء. (١) مسألة [٢]: أين يضع يديه ؟ قال ابن رجب ﵀ في «الفتح» (٧٤٠): واختلف القائلون بالوضع: هل يضعهما على صدره، أو تحت سرته، أو يخير بين الأمرين؟ على ثلاثة أقوال، هي ثلاث روايات عن أحمد، وممن روي عنه أنه يضعهما تحت سرته: علي، وأبوهريرة، والنخعي، وأبومجلز، وهو قول الثوري، وأبي حنيفة، ومالك، وإسحاق، وروي عن علي أيضًا، وعن سعيد بن جبير، أنه يضعهما على صدره، وهو قول الشافعي، وقال أبو إسحاق المروزي من أصحابه: يضعهما تحت سرته. وحكى ابن المنذر التخيير بينهما، قالَ الترمذي في «جامعه»: رأى بعضهم أن يضعهما فوق سرته، ورأى بعضهم أن يضعهما تحت سرته، كل ذَلِكَ واسع عندهم. اهـ قلتُ: الأثران عن علي، وأبي هريرة في وضع اليدين تحت السرة لا يثبتان؛

стр. 947

ففي إسنادهما: عبدالرحمن بن إسحاق الكوفي، قال النووي: وهو ضعيفٌ باتفاق أئمة الجرح والتعديل. والأثر عن علي في الوضع على الصدر لا يثبت أيضًا؛ ففي إسناده مجهولٌ، والأمر في هذه المسألة واسعٌ؛ لعدم صحة الدليل فيه، وهو ترجيح شيخنا مقبل الوادعي ﵀. والأقرب وضعهما أعلا من السرة؛ لما رواه النسائي (٢/ ١٢٦)، من حديث وائل بن حجر بإسناد صحيح: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وضع يده اليمنى على كفه اليسرى، والرسغ والساعد. وإسناده صحيح، ومثل ذلك إنما يتأتى عادةً فيمن جعل يديه أعلا من السرة، والله أعلم. (١)

стр. 948

بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَة مسألة [١]: وضع اليد اليمنى على اليسرى بعد الركوع . • ذهب بعض أهل العلم إلى وضع اليد اليمنى على اليد اليسرى بعد الركوع، واستدلوا بعموم حديث سهل بن سعد المتقدم، وبحديث وائل بن حجر عند النسائي (٢/ ١٢٥)، قال: رأيت النبي ﷺ إذا كان قائمًا في الصلاة قبض بيمينه على شماله. واستدلوا بحديث أبي حميد وقد تقدم: «حتى يعود كل فقار إلى مكانه»، وبحديث رفاعة بن رافع عند أحمد، وفيه: «حتى ترجع العظام إلى مفاصلها»، وقد تقدم أيضًا في أول الباب، وهذا القول هو رواية عن أحمد، فقد سأله ولده صالح عن ذلك، فقال: أرجو أن يكون الأمر واسعًا، وهذا القول اختاره الشيخ ابن إبراهيم، والشيخ ابن باز، والشيخ ابن عثيمين، وغيرهم رحمة الله عليهم. • وذهب أحمد في رواية، وهو مذهب الشافعية، وعزاه البسام ﵀ في «توضيح الأحكام» لجمهور العلماء، إلى إرسال اليدين بعد الركوع، وحجتهم في ذلك عدم تنصيص أحد من الصحابة على ذلك مع كثرة من وصف صلاة رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وكل من وصف الصلاة بالتفصيل، وذكر وضع اليمنى على اليسرى، يذكره قبل الركوع، ولا يذكره بعد الركوع، قالوا: والعموم الذي في الأحاديث المذكورة لا

стр. 949

يصلح أن يحمل أيضًا على القيام بعد الركوع بعد وجود أحاديث مبينة مفصلة لفعل رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ولم يذكر فيها ذلك بعد الركوع، وقد جاء ذلك من حديث وائل بن حجر نفسه عند أبي داود (٧٢٦)، وغيره بإسناد صحيح، قال: قلت: لأنظرن إلى صلاة رسول الله ﷺ ، فقام، فاستقبل القبلة، فرفع يديه حتى حاذتا أذنيه، ثم أخذ شماله بيمينه، فلما أراد أن يركع رفعهما مثل ذلك، ووضع يديه على ركبتيه، فلما رفع رأسه من الركوع رفعهما مثل ذلك، فلما سجد وضع رأسه بذلك المنزل من يديه ... ، الحديث. فأنت ترى أنَّ وائل بن حجر ذكر موضع اليدين قبل الركوع، وأثناء الركوع، وأثناء السجود، وسكت على حالهما بعد الركوع مما يدل على أنه ليس لهما حالة تخالف ما عليه هيئة الإنسان قبل الصلاة، وإلا لذكرها، وكذلك يدل على أن مراده بالحديث: «إذا كان قائمًا»، أي: قبل الركوع، بدلالة حديثه هذا الذي فصَّل فيه ما أجمله بذلك الحديث. وأما استدلالهم بحديث: «حتى يعود كل فقار مكانه»، وبحديث: «حتى ترجع العظام إلى مفاصلها»، فليس لهم فيهما مأخذ؛ لأنَّ المراد منهما تمام الاطمئنان بعد الركوع، والاعتدال حتى يعود عظام الظهر إلى حاله السابق قبل الركوع، وكيف يكون المراد منهما أن يضع اليمنى على اليسرى بعد الركوع، ولم يأتِ ذلك قبل الركوع في حديث المسيء في صلاته من جميع طرقه. وبعد هذا البحث؛ فالأقرب عندي إلى الصواب قول من قال بالإرسال بعد

стр. 950

الركوع، وهو ترجيح الإمام الألباني ﵀، واختيار شيخنا الإمام مقبل الوادعي ﵀، والله أعلم. (١) مسألة [٢]: كيفية وضع اليمنى على اليسرى . أخرج النسائي ﵀ (٢/ ١٢٥) بإسناد صحيح عن وائل بن حجر ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ إذا كان قائمًا في الصلاة قبض بيمينه على شماله. وأخرج أيضًا (٢/ ١٢٦)، بإسناد صحيح عن وائل بن حجر قال: « ... ، ثم وضع يده اليمنى على كفه اليسرى، والرسغ، والساعد». وتقدم حديث سهل بن سعد في «البخاري»: كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل اليد اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة.

стр. 951

٢٧٠ - وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِأُمِّ القُرْآنِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١) وَفِي رِوَايَةٍ، لِابْنِ حِبَّانَ، وَالدَّارَقُطْنِيّ: «لَا تُجْزِئُ صَلَاةٌ لَا يُقْرَأُ فِيهَا بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ». (٢) وَفِي أُخْرَى لِأَحْمَدَ، وَأَبِي دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيِّ، وَابْنِ حِبَّانَ: «لَعَلَّكُمْ تَقْرَءُونَ خَلْفَ إمَامِكُمْ؟» قُلْنَا: نَعَمْ. قَالَ: «لَا تَفْعَلُوا إلَّا بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ؛ فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا». (٣) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: حكم القراءة بفاتحة الكتاب . • ذهب الجمهور من أهل العلم إلى أنَّ قراءتها ركنٌ من أركان الصلاة، وواجبٌ من واجباتها، واستدلوا بحديث عبادة بن الصامت، وأبي هريرة المذكورين في الباب. • وذهب أبو حنيفة إلى أنه يجزئ قراءة آية من القرآن من أي موضع كان؛ وهو رواية عن أحمد خلاف المشهور عنه لقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل:٢٠]،

стр. 952

وقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- للمسيء في صلاته: «ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن». ويُجَابُ عنه: بأنه قد جاء في بعض ألفاظه: «ثم اقرأ بأم القرآن، وبما شاء الله أن تقرأ»، وأما الآية فهي مُجْمَلةٌ مُبَيَّنَة بالأدلة المتقدمة، والله أعلم. وقول الجمهور هو الصواب. (١) مسألة [٢]: هل تجب قراءة الفاتحة في كل ركعة ؟ • ذهب الجمهور إلى وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة، واستدلوا بحديث المسيء في صلاته: «ثم افعل ذلك في صلاتك كلها». • وذهب النخعي، والثوري، وأبو حنيفة إلى أنها لا تجب إلا في الركعتين الأُولَيَيْن؛ لما رُوي عن علي ﵁، أنه قال: اقرأ في الأُولَيَيْنِ، وسَبِّحْ في الأُخْرَيَيْن. (٢) وهو قول أحمد في رواية عنه خلاف المشهور من مذهبه. • وعن الحسن أنه إن قرأ في ركعة أجزأه؛ لقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾. • وعن مالك: إنْ قرأ في ثلاث ركعات أجزأه؛ لأنها في معظم الصلاة. • وفي المسألة أقوال أخرى. والصواب قول الجمهور. (٣)

стр. 953

مسألة [٣]: قراءة المأموم للفاتحة . • في هذه المسألة ثلاثة أقوال: القول الأول: أنْ لا يقرأ المأموم شيئًا، سواء كان ذلك في الصلاة السِّرية، أو الجهرية؛ لحديث: «من كان له إمام؛ فقراءة الإمام له قراءة» (١)، وهذا القول حكاه ابن المنذر، عن الثوري، وابن عيينة، وجماعة من أصحاب الكوفة، وهو مذهب أبي حنيفة. القول الثاني: أنَّ المأموم يقرأ في السرية، ولا يقرأ في الجهرية؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف:٢٠٤]، وقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «وإذا قرأ فأنصتوا»، وهذا القول حكاه ابن المنذر عن الزهري، ومالك، وأحمد، وإسحاق. القول الثالث: أنَّ المأموم يقرأ في الصلاة السرية، وبالفاتحة في الصلاة الجهرية؛ لعموم أحاديث الباب، وحكى ابن المنذر هذا القول عن ابن عون، والأوزاعي، وأبي ثور، وأصحاب الشافعي، وهو مذهب البخاري. قال أبو عبد الله غفر الله له: هذا القول الأخير هو الصواب؛ لدلالة أحاديث

стр. 954

الباب عليه، وأما دليل القول الأول فهو ضعيفٌ، جاء من طريق: جابر الجعفي، وهو كذابٌ، ومن طريق أخرى مرسلة، قال الحافظ ابن كثير في «تفسيره»: جاء هذا الحديث من طرقٍ لا يصح شيء منها عن النبي ﷺ . وأما أدلة القول الثاني فهي عامة، وأدلتنا خاصة، ولا تعارض بين عام وخاص، وقد رجَّح القول الثالث شيخنا مقبل الوادعي، والشيخ ابن عثيمين رحمة الله عليهما. (١) مسألة [٤]: متى يقرأ المأموم الفاتحة ؟ قال الإمام البخاري ﵀ في جزء «القراءة خلف الإمام» (ص ١٧١): حدثنا صدقة، قال: أخبرنا عبد الله بن رجاء، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، قال: قلت لسعيد بن جبير: أقرأ خلف الإمام؟ قال: نعم، وإن سمعت قراءته، إنهم قد أحدثوا ما لم يكونوا يصنعونه، إن السلف كان إذا أم أحدهم الناس كبر ثم أنصت حتى يظن أن من خلفه قد قرأ فاتحة الكتاب، ثم قرأ ﴿وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، وقال الحكم بن عتيبة: ابدره واقرأه. حدثنا موسى، قال: حدثنا حماد، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، قال: للإمام سكتتان؛ فاغتنموا القراءة فيهما بفاتحة الكتاب. وزاد هارون حدثنا أبو سعيد، مولى بني هاشم قال: حدثنا حماد، عن محمد بن

стр. 955

عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، ﵁. حدثنا موسى، قال: حدثنا حماد، عن هشام، عن أبيه، قال: يا بني اقرءوا فيما يسكت الإمام، واسكتوا فيما جهر، ولا تتم صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فصاعدا، مكتوبة ومستحبة. قلتُ: أسانيده حسنة، والإسناد الآخر صحيح. وفي جزء «القراءة خلف الإمام» للإمام البيهقي ﵀ (ص ١٠٥ - ): بإسناد صحيح عن مكحول: اقرأ بها يعني بالفاتحة فيما جهر به الإمام إذا قرأ بفاتحة الكتاب وسكت سرا، وإن لم يسكت اقرأ بها قبله ومعه وبعده لا تتركنها على حال. ثم أسند بإسناد صحيح عن القاسم بن محمد، قال: كان رجال أئمة يقرءون وراء الإمام. وبإسناد صحيح عن الحسن، أنه كان يقول: اقرأ خلف الإمام في كل صلاة بفاتحة الكتاب في نفسك. وبإسناد صحيح عن الشعبي: اقرأ خلف الإمام في خمسهن. وبإسناد صحيح عن الأوزاعي، قال: يحق على الإمام أن يسكت سكتة بعد التكبيرة الأولى استفتاح الصلاة وسكتة بعد قراءة فاتحة الكتاب؛ ليقرأ من خلفه بفاتحة الكتاب، فإن لم يمكن قرأ معه بفاتحة الكتاب إذا قرأ بها، وأسرع القراءة ثم استمع.

стр. 956

قال: وقرأت في كتاب القراءة خلف الإمام للبخاري ﵀ حكاية عن الحسن وسعيد بن جبير وميمون بن مهران، وما لا أحصي من التابعين، وأهل العلم أنه يقرأ خلف الإمام وإن جهر قال: وقال مجاهد: إذا لم يقرأ خلف الإمام أعاد الصلاة. وكذلك قال عبد الله بن الزبير. اهـ. قال أبو عبد الله غفر الله له: يتبين من هذه الآثار أن المأموم يقرأ الفاتحة متى تيسر له ذلك؛ سواءٌ قرأها مع الإمام، أو قبله أو بعده فكل ذلك مشروع، وأحسنها أن يقرأ مع الإمام فيجمع بين القراءة والاستماع، ثم يليه أن يقرأ بعد إكمال الإمام، وأما القراءة قبله فنختار تركها. مسألة [٥]: قراءة الفاتحة مرتبة غير ملحون بها . قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٢/ ١٥٤): يَلْزَمُهُ أَنْ يَأْتِيَ بِقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ مُرَتَّبَةً مُشَدَّدَةً، غَيْرَ مَلْحُونٍ فِيهَا لَحْنًا يُحِيلُ المَعْنَى؛ فَإِنْ تَرَكَ تَرْتِيبَهَا، أَوْ شَدَّةً مِنْهَا، أَوْ لَحَنَ لَحْنًا يُحِيلُ المَعْنَى، مِثْلُ أَنْ يَكْسِرَ كَافَ ﴿إيَّاكَ﴾، أَوْ يَضُمَّ تَاءَ ﴿أَنْعَمْتَ﴾، أَوْ يَفْتَحَ أَلِفَ الْوَصْلِ فِي ﴿اهْدِنَا﴾، لَمْ يَعْتَدَّ بِقِرَاءَتِهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ عَاجِزًا عَنْ غَيْرِ هَذَا. ذَكَرَ الْقَاضِي نَحْوَ هَذَا فِي «الْمجَرَّدِ»، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. اهـ (١) قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢٣/ ٣٦٨): عَامَّةُ الْخَلْقِ مِنْ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ يَقْرَءُونَ الْفَاتِحَةَ قِرَاءَةً تُجْزِئُ بِهَا الصَّلَاةَ؛ فَإِنَّ اللَّحْنَ الْخَفِيَّ وَاللَّحْنَ الَّذِي لَا يُحِيلُ المَعْنَى لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ. اهـ

стр. 957

وقال ﵀ في (٢٣/ ٣٥٠): وَأَمَّا مَنْ لَا يُقِيمُ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ؛ فَلَا يُصَلِّي خَلْفَهُ إلَّا مَنْ هُوَ مِثْلُهُ، فَلَا يُصَلَّى خَلْفَ الْأَلْثَغِ الَّذِي يُبَدِّلُ حَرْفًا بِحَرْفِ؛ إلَّا حَرْفَ الضَّادِ إذَا أَخْرَجَهُ مِنْ طَرَفِ الْفَمِ كَمَا هُوَ عَادَةُ كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ، فَهَذَا فِيهِ وَجْهَانِ، مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا يُصَلَّى خَلْفَهُ، وَلَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ فِي نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ أَبْدَلَ حَرْفًا بِحَرْفِ؛ لِأَنَّ مَخْرَجَ الضَّادِ الشِّدْقُ، وَمَخْرَجَ الظَّاءِ طَرَفُ الْأَسْنَانِ. فَإِذَا قَالَ: (وَلَا الظَّالِّينَ) كَانَ مَعْنَاهُ (ظَلَّ يَفْعَلُ كَذَا). وَالْوَجْهُ الثَّانِي: تَصِحُّ. وَهَذَا أَقْرَبُ؛ لِأَنَّ الْحَرْفَيْنِ فِي السَّمْعِ شَيْءٌ وَاحِدٌ، وَحِسُّ أَحَدِهِمَا مِنْ جِنْسِ حِسِّ الْآخَرِ؛ لِتَشَابُهِ المَخْرَجَيْنِ، وَالْقَارِئُ إنَّمَا يَقْصِدُ الضَّلَالَ المُخَالِفَ لِلْهُدَى، وَهُوَ الَّذِي يَفْهَمُهُ المُسْتَمِعُ، فَأَمَّا المَعْنَى المَأْخُوذُ مِنْ (ظَلَّ)؛ فَلَا يَخْطِرُ بِبَالِ أَحَدٍ، وَهَذَا بِخِلَافِ الْحَرْفَيْنِ المُخْتَلِفَيْنِ صَوْتًا، وَمَخْرَجًا، وَسَمْعًا، كَإِبْدَالِ الرَّاءِ بِالْغَيْنِ؛ فَإِنَّ هَذَا لَا يَحْصُلُ بِهِ مَقْصُودُ الْقِرَاءَةِ. اهـ مسألة [٦]: الموالاة في الفاتحة . معناه: عدم الفصل بين الآيات بالفاصل الكبير. قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٢/ ١٥٦): فَإِنْ قَطَعَ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ بِذِكْرٍ، مِنْ دُعَاءٍ، أَوْ قِرَاءَةٍ، أَوْ سُكُوتٍ يَسِيرٍ، أَوْ فَرَغَ الْإِمَامُ مِنْ الْفَاتِحَةِ فِي أَثْنَاءِ قِرَاءَةِ المَأْمُومِ، قَالَ: آمِينَ. وَلَا تَنْقَطِعُ قِرَاءَتُهُ؛ لِقَوْلِ أَحْمَدَ: إذَا مَرَّتْ بِهِ آيَةُ رَحْمَةٍ سَأَلَ، وَإِذَا مَرَّتْ بِهِ آيَةُ عَذَابٍ اسْتَعَاذَ. وَإِنْ كَثُرَ ذَلِكَ اسْتَأْنَفَ قِرَاءَتَهَا، إلَّا أَنْ يَكُونَ السُّكُوتُ مَأْمُورًا بِهِ، كَالمَأْمُومِ يَشْرَعُ فِي قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ، ثُمَّ يَسْمَعُ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ،

стр. 958

فَيُنْصِتُ لَهُ، فَإِذَا سَكَتَ الْإِمَامُ أَتَمَّ قِرَاءَتَهَا، وَأَجْزَأَتْهُ. أَوْمَأَ إلَيْهِ أَحْمَدُ. وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ السُّكُوتُ نِسْيَانًا، أَوْ نَوْمًا، أَوْ لِانْتِقَالِهِ إلَى غَيْرِهَا غَلَطًا، لَمْ يَبْطُلْ، فَمَتَى ذَكَرَ أَتَى بِمَا بَقِيَ مِنْهَا؛ فَإِنْ تَمَادَى فِيمَا هُوَ فِيهِ بَعْدَ ذِكْرِهِ، أَبْطَلَهَا، وَلَزِمَهُ اسْتِئْنَافُهَا. اهـ (١) مسألة [٧]: التلفظ بالفاتحة . جاء في «البخاري» عن خباب بن الأَرَت أنه سُئل: كيف كنتم تعلمون قراءة رسول الله ﷺ في الظهر، والعصر؟ فقال: باضطراب لحيته. قال الحافظ ابن رجب ﵀ (٧٦٠) -بعد أن ذكر هذا الحديث، وأحاديث أخرى بمعناه-: وفي هذه الأحاديث دليل على أن قراءة السِّرِّ تكون بتحريك اللسان والشفتين، وبذلك يتحرك شعر اللحية، وهذا القدر لابد منه في القراءة والذكر وغيرهما من الكلام، فأما إسماع نفسه فاشترطه الشافعي، وبعض الحنفية، وكثير من أصحابنا، وقال الثوري: لا يشترط، بل يكفي تصوير الحروف، وهو قول الحرقي من الحنفية، وظاهر كلام أحمد. قالَ أبو داود: قيل لأحمد: كم يرفع صوته بالقراءة؟ فقالَ: قالَ ابن مسعود (٢): من أسمع أذنيه فلم يخافت. فهذا يدل على أن إسماع الأذنين جهر، فيكون السر دونه. وكذا قالَ ابن أبي موسى من أصحابنا: القراءة التي يسرها في الصلاة يتحرك اللسان والشفتان بالتكلم بالقرآن، فأما الجهر فيسمع نفسه ومن يليه. اهـ

стр. 959

والصواب أنه لا يُشترط أن يُسمع نفسه، وهو ترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وقد تقدم نحو هذا عند مسألة النطق بتكبيرة الإحرام. (١) مسألة [٨]: قراءة الفاتحة بغير العربية . • ذهب الجمهور إلى عدم جواز القراءة بغير العربية؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف:٣]، وقوله: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:١٩٥]. • وذهب أبو حنيفة إلى الجواز، وقال بعض أصحابه: لمن لم يُحسن. واستدل بقوله تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام:١٩]، قال: ولا يُنذر كل قوم إلا بلسانهم. والصواب قول الجمهور؛ لأنَّ القرآن إذا غُيِّرت ألفاظه، وخرج عن نظمه لم يكن قرآنًا، ولا مثله، وإنما يكون تفسيرًا له، أما الإنذار، فإذا فسَّره لهم كان الإنذار بالمفسَّر دون التفسير. (٢)

стр. 960

٢٧١ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ كَانُوا يَفْتَتِحُونَ الصَّلَاةَ ب ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١) زَادَ مُسْلِمٌ: لَا يَذْكُرُونَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فِي أَوَّلِ قِرَاءَةٍ وَلَا فِي آخِرِهَا. (٢) وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنِ خُزَيْمَةَ: لَا يَجْهَرُونَ بِـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (٣)، وَفِي أُخْرَى لِابْنِ خُزَيْمَةَ: كَانُوا يُسِرُّونَ. (٤) وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ النَّفْيُ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، خِلَافًا لِمَنْ أَعَلَّهَا. ٢٧٢ - وَعَنْ نُعَيْمٍ المُجْمِرِ، قَالَ: صَلَّيْت وَرَاءَ أَبِي هُرَيْرَةَ (فَقَرَأَ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ثُمَّ قَرَأَ بِأُمِّ القُرْآنِ، حَتَّى إذَا بَلَغَ ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قَالَ: آمِينَ. وَيَقُولُ كُلَّمَا سَجَدَ، وَإِذَا قَامَ مِنَ الجُلُوسِ: اللهُ أَكْبَرُ. ثُمَّ يَقُولُ إذَا سَلَّمَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنِّي لَأَشْبَهُكُمْ صَلَاةً بِرَسُولِ اللهِ ﷺ . رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ. (٥)

стр. 961

المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين مسألة [١]: الإسرار، أو الجهر بالبسملة . • هذه المسألة مما كَثُرَ فيها النزاع بين الفقهاء، حتى ألفوا فيها مصنفات، فممن أفردها بالتصنيف: ابن خزيمة، وابن حبان، والدارقطني، والبيهقي، وابن عبد البر، وآخرون. وسأذكر في هذه المسألة أصح، وأشهر ما عند الفريقين من الأدلة: فأما القائلون بالإسرار بالبسملة فاحتجوا بحديث أنس المذكور في الباب، وبحديث أبي هريرة ﵁ في «صحيح مسلم» (٣٩٥)، عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، قال: «قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله تعالى: حمدني عبدي»، واحتجوا بحديث أبي هريرة ﵁ في «صحيح مسلم» (٥٩٩): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان إذا قام في الركعة الثانية استفتح القراءة بـ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ولم يسكت. واستدلوا بحديث عائشة ﵂ في «صحيح مسلم» (٤٩٨): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بـ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وقالوا: هذا هو عمل كبار الصحابة، كما حكاه أنس عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وذكره ابن المنذر عن علي، وعمار، بإسناد فيه: شريك القاضي، وهو سيء الحفظ، وذكره عن ابن مسعود، بإسناد فيه: سعيد بن المرزبان، وهو ضعيفٌ.

стр. 962

وأخرج عبد الرزاق (٢/ ٨٩)، وغيره بإسناد صحيح، عن ابن عباس ﵄، أنه قال: الجهر بـ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قراءة الأعراب. وأخرج ابن أبي شيبة (١/ ٤١١)، بإسناد حسن عن الأسود بن يزيد، قال: صليت خلف عمر سبعين صلاة، فلم يجهر بـ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. وأما القائلون بالجهر بـ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، فاستدلوا بحديث أبي هريرة ﵁ الموجود في الباب، واستدلوا بحديث أبي هريرة ﵁: «إذا قرأتم فاتحة الكتاب، فاقرءُوا ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾؛ فإنها إحدى آياتها». (١) واستدلوا بحديث أنس بن مالك ﵁، أنه سُئل عن قراءة رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؟ فقال: كانت مدًّا، ثم قرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، يمد ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾، ويمُدُّ ﴿الرَّحْمَنِ﴾، ويمدُّ ﴿الرَّحِيمِ﴾. واستدلوا بحديث أم سلمة أنها قالت: كانت قراءة النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ... ، فوصفت: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ حرفًا، حرفًا، قراءة بطيئة، وفي رواية: كان يصلي في بيتها، فيقرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، إلى آخر الفاتحة. وللقائلين بالجهر أحاديث كثيرة مرفوعة، ولكنها كلها مردودة، فهي إما موضوعة، أو واهية، أو ليست محفوظة، انظرها في «نصب الراية» (١/ ٣٣٥ - ٣٥٦).

стр. 963

واستدلوا بما أخرجه البيهقي في «سننه» (٢/ ٤٨)، والطحاوي في «معاني الآثار» (١/ ٢٠٠) عن عبد الرحمن بن أبزى، قال: صليت خلف عمر بن الخطاب، فجهر بـ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. وهو ثابت عنه. وأسند البيهقي (٢/ ٤٨)، عن علي بن أبي طالب من طريق: الشعبي، قال: رأيت علي بن أبي طالب، وصليت خلفه، فسمعته يجهر بـ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. وفي إسناده رجلان لم أقف على من وثقهما. وأسند البيهقي (٢/ ٤٨)، بإسناد حسن، عن عبد الله بن عمر أنه كان يفتتح أم الكتاب بـ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. وهو عند ابن أبي شيبة (١/ ٤١٢)، بإسناد صحيح، بلفظ: كان إذا افتتح الصلاة قرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. وأخرج ابن المنذر في «الأوسط» (٣/ ١٢٦ - ١٢٧)، بإسناد صحيح عن عكرمة، قال: كان ابن عباس يستفتح القراءة بـ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ويقول: إنما هو شيء استرقه الشيطان من الناس. وصحَّ عن عبد الله بن الزبير عند ابن أبي شيبة، وابن المنذر، والبيهقي، أنه كان يجهر بها، وصحَّ عند البيهقي أنه قال: ما يمنعهم منها إلا الكبر. واستدلوا بأثر معاوية بن أبي سفيان، أنه صلى بالناس بالمدينة صلاةً، فجهر فيها بالقراءة، فبدأ بـ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، لأم القرآن، ولم يقرأ بها للسورة التي بعدها حتى قضى تلك القراءة، ولم يكبر حين يهوي حتى قضى تلك الصلاة، فلما

стр. 964

سلم ناداه من شهد ذلك من المهاجرين من كل مكان: يا معاوية، أسرقت الصلاة، أم نسيت؟ فلما صلى بعد ذلك قرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، للسورة التي بعد أم القرآن، وكبر حين يهوي ساجدًا. أخرجه الحاكم (١/ ٢٣٣)، من طريق: أبي بكر بن حفص، عن أنس ﵁، فذكر القصة. وقال هؤلاء في حديث أنس الذي في «الصحيحين»: المحفوظ فيه رواية «الصحيحين»: كان النبي ﷺ يستفتح الصلاة بـ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، قالوا: ومراد أنس أنَّ النبي ﷺ كان يبتدئ القراءة بسورة الفاتحة، وليس مراده نفي قراءة البسملة، أو الجهر بها. قالوا: ويؤيد ذلك ما صحَّ عن سعيد بن زيد أنه سأل أنس بن مالك، كما في «مسند أحمد» (٣/ ١٦٦)، و «سنن الدارقطني» (١/ ٣١٦): أكان رسول الله ﷺ يقرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾؟ أو ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾؟ قال إنك لتسألني عن شيء ما أحفظه، أو ما سألني عنه أحد قبلك. قالوا: والروايات الأخرى وَهَمٌ من الرواة؛ لأنهم ظنوا ذلك معنى الحديث، فرووه بالمعنى. قال أبو عبد الله غفر الله له: القولان قويان كما ترى، ولكن الأقرب إلى الصواب هو القول الأول، وهو قول جمهور العلماء. قال ابن رجب ﵀ في «فتح الباري» (٧٤٣، ٧٤٤): وإلى ذلك ذهب أكثر

стр. 965

أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ، منهم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وغيرهم، ومن بعدهم من التابعين، وبه يقول سفيان الثوري، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق، لا يرون أن يجهر بـ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وحكى ابن المنذر هذا القول عن سفيان، وأهل الرأي، وأحمد، وأبي عبيد. ثم قال: وحكاه ابن شاهين عن عامة أهل السنة. قال: وهو السواد الأعظم. قال النخعي: ما أدركت أحدًا يجهر بـ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.اهـ وأما رد القائلين بالجهر لحديث أنس ﵁ بأنه غير محفوظ إلا لفظ «الصحيحين»، فغير صواب، فالروايات الأخرى التي فيها التصريح بنفي الجهر بالبسملة رواها جمعٌ عن شعبة، ورواها مع شعبة جمعٌ عن قتادة، ورواها مع قتادة جمعٌ عن أنس كما بيَّنَ ذلك الحافظ ابن حجر ﵀ في «الفتح». وعلى التسليم أنها رُويت بالمعنى؛ فقد أجاب عن ذلك الحافظ ابن رجب ﵀ في «فتح الباري» فقال: والجواب عَن ذَلِكَ: أن مَا ذكروه من اخْتِلَاف ألفاظ الرواية يدل عَلَى أنهم كانوا يروون الحَدِيْث بالمعنى، ولا يراعون اللفظ، فإذا كَانَ أحد الألفاظ محتملًا، والآخر صريحًا لا احتمال فِيهِ، علم أنهم أرادوا باللفظ المحتمل هُوَ مَا دل عَلَيْهَا اللفظ الصريح الَّذِي لا احتمال فِيهِ، وأن معناهما عندهم واحد، وإلا

стр. 966

لكان الرواة قَدْ رووا الحَدِيْث الواحد بألفاظ مختلفة متناقضة، ولا يظن ذَلِكَ بهم مَعَ علمهم، وفقههم، وعدالتهم، وورعهم؛ لاسيما وبعضهم قَدْ زاد فِي الحَدِيْث زيادة تنفي كل احتمال وشك، وهي عدم ذكر قراءة البسملة فِي القراءة، وهذه زيادة من ثقات عدول حفاظ، تقضي عَلَى كل لفظ محتمل، فكيف لا تقبل؟ لاسيما وممن زاد هذه الزيادة الأوزاعي، فقيه أهل الشام، وإمامهم، وعالمهم. قال: والذي رَوَى نفي قراءة البسملة من أصْحَاب حميد هُوَ: مَالِك، ومالك مَالِك فِي فقهه، وعلمه، وورعه، وتَحَرِّيِه فِي الرواية، فكيف تُرَدُّ روايته المصرحة بهذا المعنى برواية شيوخ ليسوا فقهاء لحديث حميد بلفظ محتمل؟ فالواجب فِي هَذَا ونحوه أن تجعل الرواية الصريحة مفسرة للرواية المحتملة؛ فإن هَذَا من بَاب عرض المتشابه على المحكم، فأما رد الروايات الصريحة للرواية المحتملة فغير جائز، كما لا يجوز رد المحكم للمتشابه. انتهى المراد. وأما استدلالهم على ردِّ الحديث بقول أنس: إنك لتسألني عن شيء ما أحفظه، أو ما سألني عنه أحد قبلك. فقد أجاب عنه الحافظ ابن رجب ﵀ في «الفتح» فقال: فالمراد: هَلْ كَانَ يقرأ البسملة فِي نفسه، أم لا؟ فَلَمْ يكن عنده مِنْهُ علم؛ لأنه لَمْ يسمع قراءتها، فلا يدري: هَلْ كَانَ يسرها، أم لا؟ وأيضًا فقد شك الرَّاوي: هَلْ قَالَ: لا أحفظه. أو: مَا سألني عَنْهُ أحد قبلك؟ فالظاهر أَنَّهُ إنما قَالَ: مَا سألني عَنْهُ أحد قبلك. كما رواه شعبة وغيره عَن قتادة، كما تقدم، وعلى تقدير

стр. 967

أن يكون قَالَ: مَا أحفظه. فيجوز أن يكون نسي مَا أخبر بِهِ قتادة وغيره من قبل ذلك، ويكون قَالَ ذَلِكَ عِنْدَ كبره، وبعد عهده بما سئل عَنْهُ. قَالَ ابن عَبْد البر: من حفظ عَنْهُ حجة عَلَى من سأله فِي حال نسيانه. والله أعلم. اهـ وأما استدلالهم بحديث نُعيم بن المجَمِّر، عن أبي هريرة الذي في الكتاب، فقال الحافظ ابن رجب ﵀: وسعيد، وخالد -يعني سعيد بن أبي هلال، وخالد ابن يزيد اللَّذَيْنِ في سند حديث أبي هريرة- وإن كانا ثقتين، لكن قال أبو عثمان البرذعي، عن أبي زرعة الرَّازي، أنه قال فيهما: ربما وقع في قلبي من حسن حديثهما، قال: وقال أبو حاتم: أخاف أن يكون بعضها مراسيل عن ابن أبي فروة، وابن سمعان. يعني مُدلسة عنهما. قال الحافظ ابن رجب ﵀: ثم هذا الحديث ليس بصريح في الجهر، إنما فيه أنه قرأ البسملة، وهذا يصدق بقراءتها سِرًّا، وقد خرَّجه النسائي في [باب ترك الجهر بالبسملة]، وعلى تقدير أن يكون جهر بِهَا، فيحتمل أن يكون جهر بِهَا ليعلم النَّاس استحباب قراءتها فِي الصلاة، كما جهر عُمَر بالتعوذ لذلك، وأيضًا فإنه قَالَ: قرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ثُمَّ قرأ بأم القرآن، وهذا دليل عَلَى أنها ليست من أم القرآن، وإنما تقرأ قَبْلَ أم القرآن تبركًا بقراءتها، وأيضًا فليس فِي الحَدِيْث تصريح بأن جميع مَا فعله أبو هُرَيْرَةَ فِي هذه الصلاة نقله صريحًا عَن النَّبِيِّ ﷺ ، وإنما فِيهِ أن صلاته أشبه بصلاة النَّبِيِّ ﷺ من غيره. اهـ وأما حديثهم الثاني عن أبي هريرة ﵁؛ فالراجح أنه موقوف على أبي هريرة،

стр. 968

وسيأتي بيانه إن شاء الله في هذا الباب. وأما حديث أنس ﵁؛ فهو في «البخاري» (٥٠٤٦)، من طريق: عمرو بن عاصم، عن همام، عن قتادة، عن أنس ﵁. قال ابن رجب ﵀ في «الفتح»: فتفرد عَمْرِو بْن عاصم عَن همام بذكر البسملة فِي هَذَا الحَدِيْث، وقد روي عَن شعبة، عَن همام بدون هذه الزيادة، خرجه أبو الحسين بن المظفر فِي «غرائب شعبة». قال: وعلى تقدير أن تكون محفوظة، فليس فِي الحَدِيْث التصريح بقراءته فِي الصلاة، فَقَدْ يكون وصف قراءته فِي غير الصلاة، ويحتمل وَهُوَ أشبه أنْ يكون أَنَس، أو قتادة قرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ عَلَى هَذَا الوجه، وأراد تمثيل قراءته بالمد، ولم يُرِدْ بِهِ حكاية عين قراءته للبسملة. اهـ وأما حديث أم سلمة، فقال الحافظ ابن رجب ﵀: وفي لفظ الحديث اختلافٌ في ذكر البسملة، وإسقاطها، وفي إسناده أيضًا اختلاف، فقد أدخل الليث ابن سعد في روايته، عن ابن أبي مليكة بينه، وبين أم سلمة: يعلى بن مملك، وصحح روايته الترمذي وغيره. وقال النسائي: يعلى هذا ليس بالمشهور. قلتُ: هو مجهول، تفرَّد بالرواية عنه: ابن أبي مُليكة، ولم يوثقه معتبر، وقد قيل: إنَّ قراءة الآيات في حديث أم سلمة إنما هو من حكاية ابن جريج لحديث أم سلمة، وقولها: كان النبي ﷺ يقطع قراءته آيةً آية. كذلك قاله النسائي، وأبو داود السجستاني حكاه عنها أبو بكر بن أبي داود

стр. 969

في كتابه «المصاحف»، وكذلك قاله الإمام أحمد في رواية ابن القاسم عنه، وقالوا: ابن جريج هو الذي قرأ: (ملك)، وليس ذلك في حديث أم سلمة. انتهى، قاله ابن رجب. قلتُ: وأكثر روايات الحديث بلفظ: كانت قراءة النبي ﷺ ، وليس فيها: (في الصلاة)؛ إلا في رواية عمر بن هارون، وهو كذاب، ورواية حفص بن غياث عند الطحاوي، ولا يُعتمد عليها؛ لمخالفته لمن هو أحفظ منه. وأما أثر عمر بن الخطاب ﵁، فقال ابن رجب ﵀: وأما المروي عن عمر فقد ثبت عنه في «صحيح مسلم» (١) من حديث أنس أنه لم يكن يجهر بها، فلعله جهر بها مرةً ليُبَيِّن جواز ذلك، وخرَّج ابن أبي شيبة (١/ ٤١١)، بإسناد جيد عن الأسود، قال: صليت خلف عمر سبعين صلاة، فلم يجهر فيها بـ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. وأما أثر ابن عمر ﵄، فقال الحافظ ابن رجب ﵀: وليس عن ابن عمر تصريح بالجهر، بل بقراءة البسملة. وأما قصة معاوية ﵁ مع من معه من الصحابة، فقد أجاب الزيلعي في «نصب الراية» عنه بأجوبة، فقال ﵀: وَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ مَدَارَهُ عَلَى عَبْدِ الله بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمِ، وَهُوَ وَإِنْ كَانَ مِنْ رِجَالِ مُسْلِمٍ، لَكِنَّهُ مُتَكَلَّمٌ فِيهِ، أَسْنَدَ ابْنُ عَدِيٍّ إلَى ابْنِ مَعِينٍ أَنَّهُ قَالَ: أَحَادِيثُهُ غَيْرُ قَوِيَّةٍ.

стр. 970

وَقَالَ النَّسَائِيّ: لَيِّنُ الْحَدِيثِ، لَيْسَ بِالْقَوِيِّ فِيهِ. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: ضَعِيفٌ لَيَّنُوهُ. وَقَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ: مُنْكَرُ الْحَدِيثِ. وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، فَلَا يُقْبَلُ مَا تَفَرَّدَ بِهِ، مَعَ أَنَّهُ قَدْ اضْطَرَبَ فِي إسْنَادِهِ، وَمَتْنِهِ، وَهُوَ أَيْضًا مِنْ أَسْبَابِ الضَّعْفِ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ شَرْطَ الْحَدِيثِ الثَّابِتِ أَنْ لَا يَكُونَ شَاذًّا، وَلَا مُعَلَّلًا، وَهَذَا شَاذٌّ مُعَلَّلٌ؛ فَإِنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا رَوَاهُ الثِّقَاتُ الْأَثْبَاتُ عَنْ أَنَسٍ، وَكَيْفَ يَرْوِي أَنَسٌ مِثْلَ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ هَذَا مُحْتَجًّا بِهِ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا رَوَاهُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ، وَعَنْ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ، وَلَمْ يُعْرَفْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِ أَنَسٍ الْمَعْرُوفِينَ بِصُحْبَتِهِ أَنَّهُ نَقَلَ عَنْهُ مِثْلَ ذَلِكَ، وَمِمَّا يَرُدُّ حَدِيثَ مُعَاوِيَةَ هَذَا أَنَّ أَنَسًا كَانَ مُقِيمًا بِالْبَصْرَةِ، وَمُعَاوِيَةُ لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ لَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ عَلِمْنَاهُ أَنَّ أَنَسًا كَانَ مَعَهُ، بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ، وَالله أَعْلَمُ. الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ مَذْهَبَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ قَدِيمًا، وَحَدِيثًا تَرْكُ الْجَهْرِ بِهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَرَى قِرَاءَتَهَا أَصْلًا، قَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَحَدُ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ: أَدْرَكْت الْأَئِمَّةَ وَمَا يَسْتَفْتِحُونَ الْقِرَاءَةَ إلَّا بِـ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ: مَا سَمِعْت الْقَاسِمَ يَقْرَأُ بِهَا. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجُ: أَدْرَكْت الْأَئِمَّةَ وَمَا يَسْتَفْتِحُونَ الْقِرَاءَةَ إلَّا بِـ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وَلَا يُحْفَظُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ أَنَّهُ كَانَ يَجْهَرُ بِهَا إلَّا شَيْءٌ يَسِيرٌ، وَلَهُ مَحْمَلٌ، وَهَذَا عَمَلُهُمْ يَتَوَارَثُهُ آخِرُهُمْ عَنْ أَوَّلِهِمْ، فَكَيْفَ يُنْكِرُونَ عَلَى مُعَاوِيَةَ مَا هُوَ شَبَهُهُمْ؟ هَذَا بَاطِلٌ.

стр. 971

الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّ مُعَاوِيَةَ لَوْ رَجَعَ إلَى الْجَهْرِ بِالْبَسْمَلَةِ، كَمَا نَقَلُوهُ؛ لَكَانَ هَذَا مَعْرُوفًا مِنْ أَمْرِهِ عِنْدَ أَهْلِ الشَّامِ الَّذِينَ صَحِبُوهُ، وَلَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ عَنْهُمْ، بَلْ الشَّامِيُّونَ كُلُّهُمْ خُلَفَاؤُهُمْ وَعُلَمَاؤُهُمْ، كَانَ مَذْهَبُهُمْ تَرْكَ الْجَهْرِ بِهَا. الوجه الخامس: مَعْلُومٌ أَنَّ مُعَاوِيَةَ قَدْ صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَلَوْ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَجْهَرُ بِالْبَسْمَلَةِ لَمَا تَرَكَهَا حَتَّى يُنْكِرَ عَلَيْهِ رَعِيَّتُهُ أَنَّهُ لَا يُحْسِنُ يُصَلِّي، وَهَذِهِ الْوُجُوهُ مَنْ تَدَبَّرَهَا عَلِمَ أَنَّ حَدِيثَ مُعَاوِيَةَ هَذَا بَاطِلٌ، أَوْ مُغَيَّرٌ عَنْ وَجْهِهِ. انتهى المراد. وهناك جواب آخر للحافظ ابن رجب ﵀: قال في «الفتح»: وليس هَذَا الحَدِيْث مرفوعًا، وإنما فِيهِ إنكار من كَانَ حاضرًا تلك الصلاة من المهاجرين، وإنما حضر ذَلِكَ قليل منهم؛ فإن أكابرهم توفوا قَبْلَ ذَلِكَ، فغاية هَذَا أن يكون موقوفًا عَلَى جماعة من الصَّحَابَة، فكيف ترد بِهِ الرواية المرفوعة، وليس فِيهِ تصريح بإنكار ترك الجهر بالبسملة؟ بل يحتمل أنهم إنما أنكروا ترك قراءتها فِي الجملة. ثم قال: وعلى كل حال؛ المضطرب إسناده وألفاظه لا يجوز أن يكون معارضًا لأحاديث أَنَس الصحيحة الصريحة، وقد تفرد بهذا الحَدِيْث عَبْد الله بْن عُثْمَان بْن خثيم، وليس بالقوي؛ تَرَكَ حديثَه يَحْيَى القطان، وابنُ مهدي. اهـ قلتُ: وقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ ستة أوجه في الجواب عن أثر معاوية ﵁، بنحو كلام الزيلعي، وابن رجب رحمة الله عليهما، كما في «مجموع الفتاوى»

стр. 972

(٢٢/ ٤٣٠ - ). والقائلون بالجهر هم: الشافعي، وأصحابه، وأبو ثور، ورُوي عن الليث بن سعد، وذكر ابن عبد البر جماعةً ممن كان يرى الجهر بها، منهم: مكحول، وعمر ابن عبد العزيز، ومحمد بن كعب القُرَظي، قال البيهقي: رُوينا الجهر بها عن فقهاء مكة: عطاء، وطاوس، ومجاهد، وسعيد بن جبير. وقال الإمام أحمد في رواية مهنا: عامة أهل المدينة يجهر بها، الزهري، وربيعة، وذكر ابن عباس، وابن الزبير. قال الحافظ ابن رجب ﵀: وأما ما ذكره الخطيب في كتابه «الجهر بالبسملة من الآثار الكثيرة في المسألة»، حتى اعتقد بعض من وقف عليه أنه قول الجمهور، فغالب آثاره، أو كثير منها معلولٌ لا يصح عند التحقيق، وكثير منهم يروي الجهر، والإسرار. اهـ قال ابن رجب ﵀: ورُوي عن طائفة أنه يُخَيَّر بين الجهر والإسرار، ولا يُكره الجهر، وإن كان الإسرار أفضل، وحُكِي هذا عن ابن أبي ليلى، وإسحاق، ورجَّحه طائفة من أهل الحديث، ومنهم من قال: الجهر أفضل. قال أبو عبد الله غفر الله له: الإسرار بالبسملة هو الصواب، ويُكره الجهر بها عند جمهور القائلين بالإسرار، وهو ترجيح الإمام الألباني، والإمام ابن باز،

стр. 973

والإمام الوادعي، والإمام ابن عثيمين، رحمة الله عليهم. (١) فائدة مهمة: قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ٤٣٦): وَمَعَ هَذَا فَالصَّوَابُ أَنَّ مَا لَا يُجْهَرُ بِهِ قَدْ يُشْرَع الْجَهْرُ بِهِ لِمَصْلَحَةِ رَاجِحَةٍ؛ فَيُشْرَعُ لِلْإِمَامِ أَحْيَانًا لِمِثْلِ تَعْلِيمِ الْمَأْمُومِينَ، وَيَسُوغُ لِلْمُصَلِّينَ أَنْ يَجْهَرُوا بِالْكَلِمَاتِ الْيَسِيرَةِ أَحْيَانًا، وَيَسُوغُ أَيْضًا أَنْ يَتْرُكَ الْإِنْسَانُ الْأَفْضَلَ لِتَأْلِيفِ الْقُلُوبِ، وَاجْتِمَاعِ الْكَلِمَةِ؛ خَوْفًا مِنْ التَّنْفِيرِ عَمَّا يَصْلُحُ، كَمَا تَرَكَ النَّبِيُّ ﷺ بِنَاءَ الْبَيْتِ عَلَى قَوَاعِدِ إبْرَاهِيمَ؛ لِكَوْنِ قُرَيْشٍ كَانُوا حَدِيثِي عَهْدٍ بِالْجَاهِلِيَّةِ، وَخَشِيَ تَنْفِيرَهُمْ بِذَلِكَ، وَرَأَى أَنَّ مَصْلَحَةَ الِاجْتِمَاعِ والائتلاف مُقَدَّمَةٌ عَلَى مَصْلَحَةِ الْبِنَاءِ عَلَى قَوَاعِدِ إبْرَاهِيمَ، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ لَمَّا أَكْمَلَ الصَّلَاةَ خَلْفَ عُثْمَانَ، وَأَنْكَرَ عَلَيْهِ فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: الْخِلَافُ شَرٌّ. وَلِهَذَا نَصَّ الْأَئِمَّةُ كَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِ عَلَى ذَلِكَ بِالْبَسْمَلَةِ، وَفِي وَصْلِ الْوِتْرِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا فِيهِ الْعُدُولُ عَنْ الْأَفْضَلِ إلَى الْجَائِزِ الْمَفْضُولِ؛ مُرَاعَاةَ ائْتِلَافِ الْمَأْمُومِينَ، أَوْ لِتَعْرِيفِهِمْ السُّنَّةَ، وَأَمْثَالِ ذَلِكَ، وَاَللهُ أَعْلَمُ. اهـ

стр. 974

٢٧٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إذَا قَرَأْتُمُ الفَاتِحَةَ فَاقْرَءُوا بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ؛ فَإِنَّهَا إحْدَى آيَاتِهَا». رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَصَوَّبَ وَقْفَهُ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: هل البسملة آية من الفاتحة ؟ • في المسألة قولان: الأول: أنها آية من الفاتحة، وهو مذهب الشافعي، وابن المبارك (٢)، وإسحاق، وأبي عبيد، وأحمد في رواية، واستدلوا بحديث أبي هريرة ﵁ الذي في الباب، وقد تقدم أنَّ الرَّاجح وقفه وبحديث أم سلمة، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قرأ في الصلاة: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وعدَّها آية، و ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ اثنتين، وهذا الحديث أخرجه ابن المنذر، وغيره، وفي إسناده: عمر بن هارون، وهو كذاب، والمشهور في حديث أم سلمة غيرُ هذا اللفظ، وقد تقدم. واستدلوا على ذلك بأن الصحابة أثبتوها في المصاحف، ولم يثبتوا بين الدفتين سوى القرآن. الثاني: أنها ليست من الفاتحة، ولا آية من غيرها، ولا يجب قراءتها في الصلاة، وهو رواية عن أحمد، وهي المنصورة عند أصحابه، وهو قول أبي حنيفة،

стр. 975

ومالك، والأوزاعي. والدليل على هذا القول حديث أبي هريرة ﵁ في «صحيح مسلم» (٣٩٥)، عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، قال: «قَالَ الله تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، قَالَ اللهُ تَعَالَى: حَمِدَنِي عَبْدِي. وَإِذَا قَالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، قَالَ اللهُ تَعَالَى: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي. وَإِذَا قَالَ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي. وَقَالَ مَرَّةً: فَوَّضَ إِلَيَّ عَبْدِي. فَإِذَا قَالَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ. فَإِذَا قَالَ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، قَالَ: هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ». فلو كانت ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ آية من الفاتحة؛ لعدَّها، وبدأ بها، ولم يتحقق التنصيف؛ لأنَّ آيات الثناء تكون أربعًا، ونصفًا، وآيات الدعاء اثنتين ونصفًا، وعلى ما ذكرناه يتحقق التنصيف. قال ابن قدامة ﵀: وأما إثباتها بين السُّوَرِ في المصحف؛ فللفصل بينها؛ ولذلك أفردت سطرًا على حدتها. اهـ قلتُ: ويدل عليه حديث ابن عباس عند أبي داود (١) بسند صحيح عن ابن عباس ﵄، قال: كان النبي ﷺ لا يعرف فصل السورة حتى تنزل عليه: ﴿بِسْمِ اللَّهِ

стр. 976

الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. وجاء من وجه آخر عند الحاكم (١) بنحوه. قلتُ: القول الثاني هو الصواب، وهذا الحديث يدل على أنها آية تنزل للفصل بين السور، وهو قول أحمد في المشهور عنه، وعبدالله بن المبارك، وذكر أبو بكر الرازي أن هذا مقتضى مذهب أبي حنيفة عنده. وهو ظاهر اختيار شيخ الإسلام ﵀، بل صرح بترجيحه في بعض المواضع، خلافًا للأوزاعي، ومالك، وبعض الحنفية الذين يقولون: ليست من القرآن؛ إلا في سورة النمل. تنبيه وفائدة: فاتحة الكتاب هي سبع آيات باتفاق أهل العلم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ﴾، ولكنهم اختلفوا في تعيين الآية السابعة: فعد الكوفي والمكي ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ آية من الفاتحة، ولم يعدوا قوله تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، وبالعكس المدنيان والبصري، والشامي. ذكر هذا السخاوي ﵀ في كتابه: «جمال القراء وإكمال الإقراء» (١/ ١٩٠). قلتُ: أراد بالكوفي عاصمًا، وحمزة، والكسائي، وأراد بالمكي ابن كثير، وأراد بالمدنيين نافعًا، وأبا جعفر، وأراد بالبصري أبا عمرو، وأراد بالشامي ابن عامر، رحمة الله عليهم أجمعين. (٢)

стр. 977

٢٧٤ - وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إذَا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ أُمِّ القُرْآنِ رَفَعَ صَوْتَهُ وَقَالَ: «آمِينَ». رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَالحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ. (١) ٢٧٥ - وَلِأَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ نَحْوُهُ. (٢) المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين مسألة [١]: حكم التأمين . استحب أهل العلم التأمين للإمام، والمأموم، والمنفرد؛ للحديثين المذكورين في الباب، ولحديث أبي هريرة ﵁ في «الصحيحين» (٣) مرفوعًا: «إذا أمَّنَ الإمامُ فأمنوا؛ فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه». قال ابن رجب ﵀ في «الفتح» (٧٨٠): دَلَّ هذا الحديث على أن الإمام والمأمومين يؤمنون جميعًا، وهذا قول جمهور أهل العلم، ورُوي عن أبي بكر، وعمر، وابن عمر، وأبي هريرة (٤)، وقال عطاء: لقد كنت أسمع الأئمة يقولون على

стр. 978

إثر أم القرآن: آمين. هم أنفسهم، ومن وراءهم، حتى إن للمسجد للجة. وبهذا قال الثوري، وأبو حنيفة، والأوزاعي، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيد، وهو رواية المدنيين عن مالك واختيارهم. اهـ ثم نقل ابن رجب عن الإمام مالك أنه قال: الإمام لا يؤمن. وهو اختيار جماعة من أصحابه، واستدل على ذلك بحديث: «إذا قال الإمام: غير المغضوب عليهم، ولا الضالين، فقولوا: آمين». (١) قال ابن رجب ﵀: وليس فيه ما يدل على أنَّ الإمام لا يؤمن، بل فيه دليل على اقتران تأمين المأمومين بتأمين الإمام. اهـ قال أبو عبد الله غفر الله له: والصارف للأمر: «فأمنوا» من الوجوب إلى الاستحباب أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يأمر المسيء في صلاته بذلك، وكذلك واجبات الصلاة تكون في حق الإمام، والمأموم، والمنفرد، فلمَّا لم يأمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بذلك الإمام والمنفرد؛ دلَّ على أنَّ ذلك للاستحباب، والله أعلم. مسألة [٢]: حكم الجهر بالتأمين . • فيه ثلاثة أقوال: الأول: يجهر بها الإمام، ومن خلفه، وهو قول عطاء، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وابن أبي شيبة، وعامة أهل الحديث. واستدل بعضهم بقوله: «إذا أمَّن الإمام فأمنوا»، فدل على سماعهم لتأمينه،

стр. 979

وكذلك بحديث الباب، أعني حديث وائل بن حجر. الثاني: يخفيها الإمام ومن خلفه. وهو قول الحسن، والنخعي، والثوري، ومالك، وأبي حنيفة وأصحابه. واستدل بعضهم برواية شعبة في حديث وائل: «وخفض بها صوته» أخرجه الترمذي برقم (٢٤٨)، وقد خالفه سفيان الثوري كما في رواية الباب، فرواه بلفظ: «ورفع بها صوته». وهذا اللفظ هو المحفوظ، ووهم شعبة في روايته كما نصَّ على ذلك البخاري، وأبو زرعة وغيرهما. (١) الثالث: يخفيها المأموم، ويجهر بها الإمام، وهو قول الشافعي. والصواب هو القول الأول. (٢) مسألة [٣]: معنى آمين . • ذهب جمهور العلماء إلى أن معناها: (اللهم استجب). • وقد ذكروا أقوالًا أخرى في معناها. (٣) مسألة [٤]: كم لغة في (آمين) ؟ قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٣/ ٣٧٠): وأما لغاته؛ ففي (آمين)

стр. 980

لغتان مشهورتان، أفصحهما، وأشهرهما، وأجودهما عند العلماء: (آمين) بالمد، وبتخفيف الميم، وبه جاءت روايات الحديث، والثانية (آمين) بالقصر، وبتخفيف الميم حكاها ثعلب وآخرون. اهـ. بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَةِ مسألة [١]: متى يؤمِّن المأموم ؟ قال الحافظ ابن رجب ﵀ في «الفتح» (٧٨٠): ويكون تأمين المأمومين مع تأمين الإمام، لا قبله ولا بعده، عند أصحابنا، وأصحاب الشافعي، وقالوا: لا يُستحب للمأموم مقارنة إمامه في شيء غير هذا؛ فإنَّ الكل يؤمنون على دعاء الفاتحة، والملائكة يؤمنون أيضًا على هذا الدعاء، فيشرع المقارنة بالتأمين للإمام والمأموم؛ ليقارن ذلك تأمين الملائكة في السماء؛ بدليل قوله في رواية معمر: «فإن الملائكة تقول: آمين، والإمام يقول: آمين» (١)، فعلل باقتران تأمين الإمام والملائكة، ويكون معنى قوله: «إذا أمن الإمام فأمنوا»، أي: إذا شرع في التأمين، أو أراده. اهـ

стр. 981

٢٧٦ - وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى ﵄، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: إنِّي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ آخُذَ مِنَ القُرْآنِ شَيْئًا، فَعَلِّمْنِي مَا يُجْزِئُنِي. فَقَالَ: «سُبْحَانَ اللهِ، وَالحَمْدُ للهِ، وَلَا إلَهَ إلَّا اللهُ وَاللهُ أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ» الحَدِيثَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالحَاكِمُ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث دلَّ هذا الحديث على أنَّ من لم يستطع أن يحفظ من الفاتحة، أو غيرها شيئًا؛ فإنه يأتي بالأذكار الواردة فيه. وإذا كان يحفظ من القرآن، شيئًا فيلزمه أن يأتي به، ولا يعدل إلى هذه الأذكار إلا عند عدم قدرته على قراءة شيء من القرآن؛ لقوله في هذا الحديث: لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئًا. ولقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل:٢٠]، ولحديث المسيء في صلاته، وقد تقدم في أول الباب. وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أنه إن كان يحفظ آية كررها سبعًا، وإن كانت آيتين كررها ثلاثًا، ومرةً، وهكذا.

стр. 982

ولا أعلم دليلًا على هذا، وقد قال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم» (١)، فإذا لم يستطع الذكر أيضًا، لزمه القيام بقدر قراءة الفاتحة عند أحمد، والشافعي، وهو الصحيح خلافًا لمالك. (٢)

стр. 983

٢٧٧ - وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي بِنَا فَيَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالعَصْرِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ، وَيُسْمِعُنَا الآيَةَ أَحْيَانًا، وَيُطَوِّلُ الرَّكْعَةَ الأُولَى، وَيَقْرَأُ فِي الأُخْرَيَيْنِ (١) بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (٢) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مع ذكر بعض المسائل الملحقة مسألة [١]: الجهر، والإسرار بالقراءة في الصلوات الخمس . قال الإمام النووي ﵀ في «المجموع» (٣/ ٣٨٩): السُّنَّةُ الجهر في ركعتي الصبح، والمغرب، والعشاء، وفي صلاة الجمعة، والإسرار في الظهر، والعصر، وثالثة المغرب، والثالثة، والرابعة من العشاء، وهذا كله بإجماع المسلمين مع الأحاديث الصحيحة المتظاهرة على ذلك. (٣) مسألة [٢]: من صلَّى منفردًا، فهل يَجْهَرُ فيما يُجْهَرُ فيه ؟ • قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٣/ ٣٨٩): وأما المنفرد؛ فَيُسَنُّ له الجهر عندنا، وعند الجمهور، قال العبدري: هو مذهب العلماء كافة إلا أبا حنيفة، فقال: جهرُ المنفرد، وإسراره سواء. دليلنا: أنَّ المنفرد كالإمام في الحاجة إلى الجهر للتدبر، فَسُنَّ له الجهر

стр. 984

كالإمام، وأولى؛ لأنه أكثر تدبرًا لقراءته؛ لعدم ارتباط غيره به، وقدرته على إطالة القراءة. انتهى المراد. • ومذهب أبي حنيفة هو مذهب طاوس، وأحمد؛ فإنهما قالا: إن شاء جهر، وإن شاء لم يجهر، وكره الجهر للمنفرد بعض الحنابلة. وقول الجمهور هو الصواب. (١) مسألة [٣]: المأموم يسر بالقراءة . قال النووي ﵀ في «المجموع» (٣/ ٣٩٠): وأجمعت الأمة على أن المأموم يُسَنُّ له الإسرار ويُكره له الجهر، سواء سمع قراءة الإمام أم لا، قال صاحب «الحاوي»: حَدُّ الجهر أن يُسمع من يليه، وَحَدُّ الإسرار أن يُسْمِعَ نفسَه، ودليل كراهة الجهر للمأموم حديث عمران بن الحصين ﵄ أن رسول الله ﷺ صلى الظهر، فجعل رجلٌ يقرأ خلفه ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى:١]، فلما انصرف قال: «أيكم قرأ»؟ أو: «أيكم القارئ»؟ فقال رجل: أنا. فقال: «قد ظننت أن بعضهم خالجنيها»، رواه مسلم (٢)، ومعني خالجنيها: جاذبنيها، ونازعنيها. اهـ مسألة [٤]: المرأة هل تجهر بالقراءة ؟ قال النووي ﵀ في «المجموع» (٣/ ٣٩٠): وأما المرأة، فقال أكثر أصحابنا: إنْ كانت تصلي خالية، أو بحضرة نساء، أو رجال محارم؛ جهرت بالقراءة، سواء صلَّتْ بنسوة، أو منفردة، وإنْ صلَّتْ بحضرة أجنبي؛ أسَرَّتْ. اهـ

стр. 985

مسألة [٥]: هل يجهر بالفائتة، أو يسر ؟ قال النووي ﵀ في «المجموع» (٣/ ٣٩٠): واما الفائتة؛ فإن قضى فائتة الليل بالليل جهر بلا خلاف، وإن قضى فائتة النهار بالنهار أسَرَّ بلا خلاف، وإن قضى فائتة النهار ليلا، أو الليل نهارًا، فوجهان يعني عند الشافعية أصحهما عند الشافعية: أن الاعتبار بوقت القضاء في الإسرار والجهر، صححه البغوي، والمتولي، والرافعي. والثاني: الاعتبار بوقت الفوات، وبه قطع صاحب «الحاوي».انتهى المراد. قال أبو عبد الله غفر الله له: الراجح أنَّ الاعتبار بوقت الفريضة الأصلي، ولهذا فإنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لما نام عن صلاة الفجر حتى طلعت الشمس، صلَّاها بعد طلوع الشمس، وجهر بالقراءة؛ لقول أبي قتادة ﵁ في «صحيح مسلم» (٦٨١): فصنع كما كان يصنع كل يوم. مسألة [٦]: الجهر والإسرار في الصلوات الأخرى . قال النووي ﵀ في «المجموع» (٣/ ٣٩١): أما صلاة العيد، والاستسقاء، والتراويح، وخسوف القمر، فَيُسَنُّ فيها الجهر بلا خلاف، وأما نوافل النهار فَيُسَنُّ فيها الإسرار بلا خلاف، وأما السنن الراتبة مع الفرائض فيُسر بها كلها باتفاق أصحابنا، ونقل القاضي عياض في «شرح مسلم» عن بعض السلف الجهر في سنة الصبح، وعن الجمهور الإسرار كمذهبنا. اهـ وقال ابن رجب ﵀ في «الفتح» (٧٧٧): وأما غير ذلك من التطوع؛ فالأكثرون على أنه لا يجهر فيها بالقراءة يعني التطوع بالنهار ورخَّصت طائفة في
следующие страницы →