← Акыда

Акыда · id 16618

لوائح الأنوار السنية ولواقح الأفكار السنية

السفاريني

Полный текст (799 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وكان أحمد بن صالح يمنع المرد من مجلسه فأحب أو (١) داود أن يسمع من أبنه فشد لحيته على وجهه وسمع، فعرف وقال: أمثلي يعمل معه هذا، فقال لا تنكر عليّ هذا واجمع إبني مع الكبار فإن لم يقاومهم بالمعرفة فاحرمه السماع (٢). وذكره ابن عدي (٣) فقال: تكلم فيه أبوه وابن صاعد (٤) فأما أبوه فقال: من البلاء أنّ عبد اللَّه يطلب للقضاء (٥). قال الحافظ السيوطي (٦) في طبقات الحفاظ: "هذا ليس بكلام بل قاله على سبيل التواضع، وأما ابن صاعد فعدوه فلا يعتد

стр. 107

بكلامه فيه كما لا يعتد بكلام ابن أبي داود في ابن صاعد (١). وقال ابن خلكان (٢) في وفيات الأعيان: "كان أبو بكر عبد اللَّه بن أبي داود من أكابر الحفاظ ببغداد عالمًا متفقًا عليه إمامًا وله كتاب "المصابيح" وشارك أباه في شيوخه بمصر والشام وسمع ببغداد وخراسان وأصبهان وشيراز وغيرها. انتهى (٣). وأبو بكر هذا وأبوه الإمام صاحب السنن من أئمة علماء مذهبنا، وأبوه أحد نقلة مذهب الإمام أحمد (٤) وعدهما علماؤنا وغيرهم من جملة علماء المذهب. مولد الإمام الحافظ أبي بكر بن أبي داود سنة ثلاثين ومائتين، قال وأول ما كتبت سنة إحدى وأربعين عن محمد بن أسلم الطوسي (٥) وكان بطوس (٦) وكان

стр. 108

رجلًا صالحًا وسر بي أبي لما كتبت عنه وقال لي أول ما كتبت كتبت عن رجل صالح (١). قال أبو بكر: ورأيت جنازة إسحاق (٢) بن راهوية، ومات إسحاق سنة ثلاث وأربعين ومائتين وكنت مع ابنه في الكتاب (٣). وتوفى أبو بكر عبد اللَّه بن أبي داود ﵄ وهو ابن ست وثمانين سنة وست أشهر وأيام وصلى عليه مطلب الهاشمي (٤) ثم أبو عمر حمزة بن القاسم الهاشمي (٥) وقيل إنه صلى عليه ثمانين مرة (٦) حتى أنفذ الخديفة المقتدر باللَّه جماعة

стр. 109

فخلصوا جنازته، ودفنوه يوم الأحد لاثنتي عشرة بقيت من ذى الحجة سنة ست عشرة وثلاثمائة في مقبرة باب البستان في بغداد وقيل صلى عليه زهاء ثلاثمائة ألف إنسان وأكثر، وأخرج بعد صلاة الغداة ودفن بعد صلاة الظهر وخلف ثمانية أولاد أبو داود محمد، وأبو عمر عبيد اللَّه، وأبو أحمد عبد الأعلى وخمس بنات رحمهم اللَّه تعالى (١). وأما والده أبو داود (٢) فهو: سليمان بن الأشعث بن إسحق بن بشير بن شداد بن عمر بن عمران الأزدي، الإمام المتقن أبو داود السجستاني حافظ زمانه وإمام عصره وأوانه، وهو ممن رحل وجمع وصنف، وكتب عن العراقيين والخراسانيين

стр. 110

والشاميين والمصريين، سمع سيدنا الإمام أحمد (١) ومسلم (٢) بن إبراهيم وسليمان (٣) بن حرب، وأبا عمر الحوضي (٤) وأبا الوليد الطيالسي (٥) وخلقًا سواهم. روي عنه ابنه عبد اللَّه المتقدم ذكره (٦) وأبو عبد الرحمن النسائي (٧) وأبو بكر النجاد (٨) وأبو الحسين بن المنادي (٩) وأبو بكر

стр. 111

الخلال (١) وأبو بكر ابن داود الأصبهاني (٢). وسمع منه سيدنا الإمام أحمد حديثًا واحدا (٣) من في رواية الأكابر عن الأصاغر (٤).

стр. 112

سكن أبو داود الإمام البصرة وقدم بغداد غير مرة، وروى كتابه المصنف في السنن بها ونقله عنه أهلها، ويقال إنه صنفه قديمًا وعرضه على سيدنا الإمام أحمد فاستجاده (١) واستحسنه. وهو أحد الكتب الستة. قال أبو داود رحمه اللَّه تعالى: قلت لأبي عبد اللَّه أحمد بن حنبل ﵁ أرى رجلا من أهل السنة مع رجل من أهل البدع أترك كلامه؟ قال: لا، أولًا تعلمه أن الرجل الذي رأيته معه صاحب بدعة فإن ترك كلامه فكلمه وإلا فالحقه به (٢). وسألته عن ملك يوم الدين أو مالك يوم الدين أنهما أحب إليك، قال: مالك أكثر ما جاء في الحديث (٣). قال أبو داود ﵁: "كنت عن رسول اللَّه ﷺ خمسمائة ألف حديث انتخبت منها ما ضمته هذا الكتاب -يعني كتاب السنن- جمعت فيها أربعة آلاف وثمانمائة حديث ذكرت الصحيح وما يشبهه ويقاربه ويكفي الإنسان لدينه من ذلك أربعة أحاديث (٤).

стр. 113

أحدها: قوله ﵇: "الأعمال بالنيات" (١). والثاني: قوله ﵇: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه" (٢). والثالث: قوله ﵇: "لا يكون المؤمن مؤمنًا حتى يرضى لأخيه ما يرضي لنفسه" (٣). والرابع: قوله ﵇: "الحلال بين والحرام بين. . . " (٤). الحديث.

стр. 114

قال إبراهيم الحربي: "لما صنف أبو داود هذا الكتاب أُلين له الحديث كما أُلين لداود الحديد" (١). وروي أن سنن أبي داود قرئت على ابن الأعرابي (٢) فأشار إلى النسخة وهي بين يديه (٣) فقال لو أن رجلا لم يكن عنده من العلم إلا المصحف الذي فيه كتاب اللَّه ، ثم هذا الكتاب لم يحتج معهما إلى شيء من العلم بتة (٤). وجاء لأبي داود سهل بن عبد اللَّه التستري (٥) رحمه اللَّه تعالى فقيل له يا أبا داود هذا سهل بن عبد اللَّه قد جاءك زائرًا قال فرحب به وأجلسه، فقال: يا أبا داود لي إليك حاجة، قال وما هي؟، قال حتى تقول لي قد قضيتها، قال قد قضيتها مع الإمكان، قال أخرج لسانك الذي حدثت به عن رسول اللَّه ﷺ حتى أقبله، قال: فأخرج لسانه فقبله (٦). وقال أبو العلا المحسن (٧) الواذاري: "رأيت النبي ﷺ في المنام فقال: من أراد

стр. 115

أن يستمسك بالسن فليقرأ كتاب أبي داود" (١). فائدة: ذكر الحافظ ابن حجر (٢) في شرح البخاري أن الإمام الحافظ يوسف بن عبد البر (٣) إمام المغرب أخرج بسند جيد عن أبي داود صاحب السنن -يعني صاحب الترجمة- أنه كان في سفينة فسمع عاطسًا على الشط حمد فأكثرى قاربًا بدرهم حتى جاء إلى العاطس فشمته ثم رجع فسئل عن ذلك فقال: لعله يكون مجاب الدعوة، فلما وقد سمعوا قائلًا يقول: يا أهل السفينة إن أبا داود اشترى الجنة من اللَّه بدرهم (٤).

стр. 116

وكانت ولادة أبي داود سليمان بن الأشعث ﵁ سنة (اثنتين) (١) ومائتيين، وتوفى في البصرة يوم الجمعة منتصف شوال سنة خمس وسبعين ومائتين ﵀ ورضي عنه (٢). المقصد (٣) الثاني (٤): في الإشارة إلى مذهب السلف وبيان حقيقته وأنه أسلم المذاهب وأعلم وأحكم وهم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار وسائر أصحاب النبي المختار ﷺ ، والذين اتبعوهم بإحسان وأئمة الهدى بعد هؤلاء الذين أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم وتقدمهم والإقتداء بهم واتباعهم والسير بسيرهم والنهج على منوالهم فإن اللَّه بعث نبيه وحبيبه ورسوله محمدًا ﷺ بالهدى ودين الحق، ليخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد وشهد له بأنه بعثه داعيًا إليه بإذنه وسراجًا منيرًا وأمره (٥) أن يقول: ﴿. . . قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨]. فمن المحال في العقل والدين أن يكون السراج المنير الذى أخرج به الناس من الطمات إلى النور، وأنزل معه الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، وأمر الناس أن يردوا ما تنازعوا فيه من دينهم إلى ما بعث به من الكتاب والحكمة

стр. 117

وهو يدعو الى اللَّه وإلى سبيله، بإذنه على بصيرة وقد أخبر تعالى بأنه أكمل له ولأمته دينهم وأتم عليهم نعمته، فمحال مع هذا وغيره أن يكون ترك باب الإيمان باللَّه والعلم به ملتبسًا (١) مشتبهًا ولم يميز ما يجب للَّه من الأسماء الحسنى والصفات العلى، وما يجوز عليه وما يستحيل فإن معرفة هذا أصل الدين وأساس الهداية وأوجب وأفضل ما اكتسبته القلوب وحصلته النفوس وأدركته العقول. فكيف يكون ذلك الكتاب، وذلك الرسول (٢) وأفضل خلق اللَّه بعد (٣) النبيين والمرسلين لم يحكموا هذا الباب إعتقادًا ولم يتقنوه قولًا واعتمادًا مع أن النبي ﷺ علم أمته كل شيء حتى الخراءة (٤). وقال: "تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك" (٥). وقال النبي ﷺ فيما صح عنه "ما بعث اللَّه نبيًّا إلا كان حقًا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم وينهاههم عن شر ما يعلمه لهم" (٦).

стр. 118

وقال أبو ذر الغفاري ﵁: "لقد توفى رسول اللَّه ﷺ وما من طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكرنا (١) منه علمًا" (٢). وقال عمر بن الخطاب ﵁ قام فينا رسول اللَّه ﷺ مقامًا فذكر بدء الخلق حتى دخل أهل الجنة منازلهم وأهل النار منازلهم حفظ ذلك من حفظه ونسيه من نسيه" رواه البخاري (٣). فمحال مع (٤) تعليمهم كل شيء لهم فيه منفعة في الدين وإن دقت (٥) أن يترك تعليمهم ما يقولونه بألسنتهم ويعتقدونه بقلوبهم في ربهم رب العالمين الذي معرفته غاية المعارف وعبادته أشرف المقاصد والوصول إليه غاية المطالب هذه (٦) خلاصة الدعوة النبوية وخلاصة الرسالة الإلهية، فكيف يتوهم من في قلبه أدنى مسكة من إيمان وحكمة أن لا يكون بيان هذا الباب (٧) قد وقع من الرسول ﷺ على غاية التمام والكمال، ثم إذا كان وقع ذلك منه فمن المحال أنّ خير أمته وأفضل قرونها

стр. 119

قصروا في هذا الباب زائدين فيه أو ناقصين عنه. ثم من المحال -أيضًا- أن تكون القرون الفاضلة القرن الذي بعث فيهم رسول اللَّه ﷺ ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم كانوا غير عالمين وقائلين في هذا الباب بالحق المبين لأن ضد ذلك إما عدم العلم والقول، وإما اعتقاد نقيض الحق وقول خلاف الصدق وكلاهما ممتنع. أما الأول فلأن من في قلبه أدنى حياة وطلب للعلم ونهمة للعبادة يكون البحث عن هذا الباب والسؤال عنه ومعرفة الحق فيه من أكبر مقاصده وأعظم مطالبه -أعني بيان ما يعتقده- لا كيفية الرب تعالى وكيفية صفاته. وليست النفوس الصحيحة إلى شيء أشوق منها إلى معرفة هذا الأمر (وهذا أمر) (١) معلوم بالفطرة الوجدانية (٢)، فكيف يتصور مع قيام هذا المقتضى الذي هو من أقوى المقتضيات أن يتخلف عنه مقتضاه في أولئك السادة في مجموع عصورهم، هذا لا يكاد يقع في أبلد الخلق وأشدهم إعراضًا عن اللَّه وأعظمهم إكبابًا على طلب الدنيا والغفلة عن ذكر اللَّه فكيف يقع في أولئك وأما كونهم كانوا معتقدين فيه غير الحق أو قائليه فهذا لا يعتقده مسلم ولا عاقل عرف حال القوم. ثم الكلام عنهم في هذا الباب أكثر من أن يمكن سطره (٣) في مثل هذا المختصر، يعرفه من تتبعه وطلبه، فزعم من زعم أن الخلف أعلم من السلف غباوة وجهل بقدر القوم بل ذلك جهل بمعرفة اللَّه ورسوله والمؤمنين به فإن حقيقة المعرفة المأمور بها في طريقة السلف ونهجهم أسلم وأعلم وأحكم.

стр. 120

وأما زعم من زعم أن طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أعلم وأحكم فكذب وافتراء وتمويه على الناس، لأنهم ظنوا أن طريقة السلف هي مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقه، بل بمنزلة الأميين الذين قال اللَّه تعالى فيهم ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [البقرة: ٧٨]. وأن طريقة الخلف هي استخراج معاني النصوص المصروفة عن حقائقها بأنواع المجازات وغرائب اللغات. فهذا الظن الفاسد أوجب تلك المقالة الفاسدة، التي مضمونها نبذ الإسلام وراء الظهر وقد كذبوا على طريقة السلف وظلموا في تصويب طريقة الخلف فجمعوا بين الجهل والظلم. وسبب ذلك إعتقادهم أنه ليس في نفس الأمر صفة دلت عليها هذه النصوص بالشبهات الفاسدة التي شركوا (١) فيها الفلاسفة والمعطلين فلما أعتقدوا انتفاء الصفات في نفس الأمر وكان مع ذلك لابد للنصوص من معان ارتبكوا بين الإيمان بالألفاظ وتفويض المعاني وهي التي يسمونها طريقة السلف وبين صرف اللفظ إلى معان بنوع تكلف وهي التي يسمونها طريقة الخلف، فصار هذا مركبًا من فساد العقل والكفر بالسمع فإن النفي إنما اعتمدوا في على أمور عقلية ظنوها بينات وهي في نفس الأمر شبهات، والسمع حرفوا فيه الكلام عن مواضعه فلما ابتنى أمرهم علي هاتين المقدمتين كانت النتيجة استجهل السابقين الأولين واستبلاههم واعتقاد أنهم (٢) كانوا قومًا أميين بمنزلة الصالحين من العامة لم يتبحروا في حقائق العلم باللَّه تعالى ولم تفطنوا لدقائق العلم الإلهي، وأن الخلف الفضلاء حازوا قصب السبق في

стр. 121

هذا كله وهذا قول باطل وجهل بارد إذا تدبره الإنسان وجده في غاية الجهالة بل في غاية الضلالة، فكيف يكون هؤلاء المتأخرون ولاسيما والإشارة بالخلف إلى ضرب من المتكلمين الذين كثر في باب الدين اضطرابهم وغلظ عن معرفة اللَّه حجابهم، وقد لجوا في بيداء الضلالة تائهين، وزعموا أنهم خاضوا بحور العلم دعوى وإنما سلكوا طريق المشائين فأثمر لهم ذلك الجد والإجتهاد الحيرة والتخبيط وكثرة الإنتقال والتخليط، فترى أحدهم زيف أحد الأقوال في بعض مؤلفاته واعتمده في بعض واعتمد بعضها في بعض وزيفه في آخر، وهذا دأب من سلك غير سبيل المعصوم وارتضع من غير لبان ما أنزل عليه من الحي القيوم، حتى يقول بعض (١) هؤلاء في أواخر عمره: "لقد خضت البحر الخضم وتركت أهل الإسلام وعلومهم وخضت في الذي (٢) نهوني عنه والآن إن لم يتداركني اللَّه برحمته فالويل لفلان، وها أنا أموت على عقيدة أمي". ويقول الآخر: أكثر الناس شكًا عند الموت أصحاب الكلام (٣). ويقول أحد فضلائهم (٤):

стр. 122

لعمري لقد طفت المعاهد كلها ... وسيرت طرفي بين تلك العالم فلم أر إلا واضعًا كف حائر ... على (١) ذقن أو قارعًا سن نادم ويقول أحد رؤسائهم (٢): نهاية إقدام العقول عقال ... وأكثر سعي العالمين ضلال وأرواحنا في وحشة من جسومنا ... وغاية دنيانا أذى ووبال ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا ... سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا وكل هؤلاء المتهوكون (٣) والزاعمون أنهم هم المحققون إذا حقق عليهم الأمر لم يوجد عندهم من حقيقة العلم باللَّه وخالص المعرفة به خبر ولم يقعوا من ذلك على عين ولا أثر، كيف يكون هؤلاء المحجوبون المنقوصون المسبوقون المتخلفون الحيارى المرتبكون أعلم باللَّه وأسمائه وصفات وأحكم في باب ذات وصفاته من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان من ورثة الأنبياء وخلفاء الرسل وأعلام الهدى ومصابيح الدجى الذين بهم قام الكتاب وبه قاموا، وبهم (٤) نطق الكتاب وبه نطقوا، الذين وهبهم اللَّه من العلم والحكمة ما برزوا به على سائر

стр. 123

أتباع الأنبياء، وأحاطوا من حقائق المعارف وبواطن الحقائق ما (١) لو جمعت حكمة غيرهم إليها لاستحى من يطلب المقابلة. ثم كيف يكون خير قرون الأمة أنقص في العلم والحكمة ولاسيما العلم باللَّه، وأحكام أسمائه وآياته من هؤلاء الأصاغر بالنسبة إليهم. أم كيف يكون أفراخ المتفلسقة وأتباع الهند واليونان وورثة المجوس وعبدة الأوثان، وضلال اليهود والنصارى والصابئين وأشباههم أعلم من ورثة الأنبياء وأهل القرآن والإيمان؟ وإنما استولى الضلال والتهوك على مثل هؤلاء لنبذهم الكتاب المبين وراء ظهورهم وإعراضهم عن سنة خاتم النبيين والمرسلين صلوات اللَّه وسلامه عليه وعليهم أجمعين. وتركهم البحث عن طريق السابقين والتابعين والتماسهم علم معرفة اللَّه ممن لم يعرف اللَّه باقراره على نفسه وشهادة الأمة على ذلك (٢). وما أملح ما أنشده بعض الفضلاء (٣) في الكدح فيما لا يجدي: تجاوزت حد الأكثرين إلى العلا ... وسافرت واستبقتهم (٤) في المفاوز وخضت بحارًا ليس يدرك قعرها ... وسيرت نفسي في قسيم (٥) المفاوز ولججت في الأفكار ثم تراجع ... اختياري إلى استحسان دين العجائز

стр. 124

وحاصل ما اتفق عليه سلف الأمة وأعيان الأئمة في باب معرفة اللَّه وأسمائه وصفاته تعالى وتقدس: "أنه ﵎ يوصف بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل. فإنه قد علم بالسمع مع العقل أن اللَّه تعالى ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشوري: ١١]. وقال: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥]. وقال: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢]. وقال تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٣]. وقد علم بالعقل أن المثلين يجوز على أحدهما ما يجوز على الآخر ويجب له ما يجب له، ويمتنع عليه ما يمتنع عليه، فلو كان المخلوق مثلًا للخالق للزم اشتراكهما فيما يجب ويجوز ويمتنع، والخالق جل ثناؤه يجب وجوده وقدمه والمخلوق يستحيل وجوب وجوده وقدمه بل يجب حدوثه وإمكانه، والمخلوق قد ثبت عدمه وما ثبت عدمه يستحيل قدمه (١). وسيأتي إن شاء اللَّه تعالى تقرير كلام أئمة السلف في شرح المنظومة عند كل مسألة منها ما يليق بالمقام واللَّه ولي الإنعام. المقصد الثالث (٢): في وجوب الإعتصام بالرسالة وبيان

стр. 125

أن (١) السعادة والهدى في متابعة الرسول ﷺ ، وأن الضلال والشقاء في مخالفته، وأن كل خير في الوجود (من عام وخاص) (٢) فمنشأه من جهة الرسول وأن كل شر بالعالم وكل شر يختص بالعبد فسببه مخالفة الرسول ﷺ والجهل بما جاء به. وأن سعادة العباد في المعاش والمعاد باتباع الرسالة، وهي ضرورية للعباد ولا بد لهم منها وحاجتهم إليها فوق حاجتهم إلى كل شيء وهي روح العالم ونوره وحياته فلا صلاح للعالم إذا عدم الروح والحياة والنور، والدنيا مظلمة ملعونة كلها إلا ما طلعت عليه شمس الرسالة (٣)، وكذلك العبد ما لم تشرق في قلبه شمس الرسالة ويناله من

стр. 126

حياتها وروحها فهو في ظلمة وهو من الأموات قال اللَّه تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ١٢٢]. فهذا وصف المؤمن كان ميتا في ظلمة الجهل فأحياه اللَّه بروح الرسالة وبنور الإيمان وجعل له نورًا يمشي به في الناس. وأما الكافر فميت القلب في الظلمات، وقد سمى اللَّه على رسالته روحا، والروح إذا عدم تقدت الحياة قال (١) تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ (٢) رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ (٣) جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ (٤) [الشورى: ٥٢]. فذكر في هذه الآية الكريمة الأصلين وهما الروح والنور. فالروح الحياة والنور المزيل للظلمات، فالكافر في ظلمات الكفر والشرك والشك ميت غير حي وإن كان فيه حياة بهيمية فهو عادم الحياة الروحانية العلوية التي سببها الإيمان وبه يحصل للعبد السعادة والفلاح في الدنيا والآخرة. فإن اللَّه تعالى جعل الرسل وسائط بينه وبين عباده في تعريفهم ما

стр. 127

ينفعهم وما يضرهم وتكميل ما يصلحهم في معاشهم ومعادهم، وبعثوا جميعهم بالدعوة إلى اللَّه تعالى وتعريف الطريق الموصل إليه، وبيان حالهم بعد الوصول إليه. فالأصل الأول تضمن اثبات الصفات والتوحيد والقدر وذكر أيام اللَّه في أوليائه وأعدائه، وهي القصص التي قصها على عباده والأمثال التي ضربها اللَّه لهم. والأصل الثاني يتضمن تفصيل الشرائع والأمر والنهي والإباحة وبيان ما يحبه اللَّه ويكرهه. والأصل الثالث يتضمن الإيمان باليوم الآخر والجنة والنار والثواب والعقاب على هذه الأصول الثلاثة، مدار الخلق والأمر والسعادة والفلاح موقوفة عليها ولا سبيل إلى معرفتها إلا من جهة الرسل فإن العقل لا يهتدي إلى تفاصيلها ومعرفة حقائقها، وإن كان قد يدرك وجه الضرورة إليها من حيث الجملة، كالمريض الذي يدرك وجه الحاجة إلى الطب ومن يداويه ولا يهتدي إلى تفاصيل المرض وتنزيل الدواء عليه. وحاجة العبد إلى الرسالة أعظم بكثير من حاجة المريض إلى الطبيب فإن آخر ما يعذب بعدم الطبيب موت الأبدان. وأما إذا لم يحصل للعبد نور الرسالة وحياتها مات قلبه موتًا لا ترجى الحياة معه أبدًا وشقي شقاوة لا سعادة معها أبدًا، فلا فلاح إلا باتباع الرسول فإن اللَّه تعالى خص بالفلاح أتباعه المؤمنين به وأنصاره كما قال تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. أي لا مفلح إلا هم، كما قال: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤].

стр. 128

ونحو ذلك من الآيات، فعلم بذلك أن الهدى والفلاح دائر حول ربع (١) الرسالة وجودًا وعدمًا، وهذا مما اتفقت عليه الكتب المنزلة من السماء، بعثت به جميع الرسل، فالرسالة ضرورية في صلاح العبد في معاشه ومعاده فكما أنه لا صلاح له في آخرته إلا باتباع الرسالة، فكذلك لا صلاح له في معاشه ودنياه إلا باتباعها فالإنسان مضطر إلى الشرع فإنه بين حركتين حركة يجلب بها ما ينفعه وأخرى يدفع بها ما يضره، والشرع هو النور الذي يبين ما ينفعه وما يضره، فهو نور اللَّه في أرضه، وعدله بين عباده وحصنه الحصين وحبله المتين، وليس المراد بالشرع التمييز بين النافع والضار بالحس (٢) فإن ذلك يحصل للحيوانات العجم فإن الحمار والجمل يميز بين الشعير والتراب، بل المراد التمييز بين الأفعال التي تضر فاعلها في معاشه ومعاده والأفعال التي تنفعه في معاشه ومعاده، كنفع الإيمان والتوحيد والعدل والبر والصدق، والإحسان والأمانة والعفة والشجاعة والحلم والصبر، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وصلة الأرحام وبر الوالدين والإحسان إلى المماليك والجيران، وأداء الحقوق، وإخلاص العمل للَّه والتوكل عليه والإستعانة به، والرضا بمواقع (٣) أقداره والتسليم لحكمه، والإنقياد لأمره، وموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه، وخشيته في الغيب والشهادة، والتقرب إليه بأداء فرائضه واجتناب محارمه، واحتساب الثواب عنده، وتصديقه وتصديق رسله (في كل

стр. 129

ما أخبروا به) (١) ولاسيما في التوحيد، والإيمان به تعالى وبصفاته ونعوته، وعدم الإلحاد في أسمائه وصفاته بل الإيمان بكل ما أخبر (٢) به من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل فمن أعظم نعم اللَّه على عباده وأشرف مننه عليهم أن أرسل إليهم رسله وأنزل عليهم كتبه وبين لهم الصراط المستقيم، والدين القويم، ولولا ذلك لكانوا بمنزلة الأنعام والبهائم أو شر حالًا منها، فمن قبل الرسالة وما جاءت به الرسل واستقام عليها فهو من خير البرية ومن ردها وخرج عنها وطعن وألحد ولاسيما في الأسماء والصفات فهو شر البرية، وأسوأ حالًا من الكلب والخنزير، والحيوان والبهيم، والدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ما أشرقت عليه شمس الرسالة (٣) وأسس بنيانه عليها، ولا بقاء لأهل الأرض إلا ما دامت آثار الرسالة موجودة (٤) فيهم، فإذا درست آثار الرسل من الأرض وانمحت بالكلية أخرب اللَّه العالم العلوي والسفلي وأقام القيامة، فالرسل صلوات اللَّه وسلامه عليهم وسائط بين اللَّه وبين خلقه في أمره ونهيه وهم السفراء بينه وبين عباده، وكان خاتمهم وسيدهم وأكرمهم على ربهم محمد ﷺ يقول: "يا أيها الناس إنما أنا رحمة مهداة" (٥). وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧].

стр. 130

وقال ﷺ : "إن اللَّه نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب" (١). وهذا المقت كان لعدم هدايتهم بالرسل فرفع اللَّه منهم هذا المقت برسول اللَّه ﷺ فبعثه اللَّه رحمة للعالمين ومحجة للسالكين وحجة على الخلق أجمعين، وافترض على العباد طاعته، ومحبته وتعزيره وتوقيره والقيام بأداء حقوقه. وسد تعالى إليه جميع الطرق فلم يفتح لأحد إلا من طريقه، وأخذ العهود والمواثيق بالإيمان به وعلى تصديقه وحتَّم إتباعه على جميع الأنبياء والمرسلين (٢) وأمرهم أن يأخذوا العهود والمواثيق على من اتبعهم من المؤمنين (٣) أرسله بالهدى ودين الحق بين يدي الساعة بشيرًا ونذيرا وداعيًا إلى اللَّه يإذنه وسراجًا منيرًا، فختم به الرسالة وهدى به من الضلالة وعلم به من الجهالة، وفتح برسالته أعينًا عميًا وآذنًا صمًا، وقلوبًا غلفًا فأشرقت برسالته الأرض بعد ظلماتها وتألفت به القلوب بعد شتاتها فأقام به الملة العوجاء، وأوضح به المحجة البيضاء، وشرح له صدره ووضع

стр. 131

عنه وزره، ورفع له ذكره، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمره، وجعل الهدى والفلاح في اتباعه وموافقته، والشقاء والضلال في معصيته ومخالفته، وامتحن به الخلائق في قبورهم، فهم حتى في القبور عنه (مسئولون) (١) وبه ممتحنون (٢) فإذا كان هذا شأن هذا النبي الكريم والرسول الرؤوف الرحيم فكيف يلتمس الهدي والفلاح والفوز والنجاح من غير هديه القويم، وسبيله المستقيم، ولاسيما في معرفة اللَّه وصفاته التي هي الغاية القصوى والسعادة العظمى. فإن قلت ما منشأ هذا الخلاف والنزاع والتباين والإبتداع الذي طبق الأرض بأسرها، وعم الفرق في نهيها وأمرها؟ فالجواب: إن منشأ ذلك كله عدم اتباع آثار الرسول وعدم التمسك بصحيح المنقول، والإستقلال بالعقول مع ميلها للأوضاع الفلسفية والإصطلاحات المنطقية، والمقدمات الكلامية، فمشوا على قانون أسلافهم وتركوا سنة نبيهم زعمًا أنهم المحققون وهم في الحقيقة تائهون ومتحذلقون وأين الثريا عن يد المتطاول؟ فمنشأ التفرق (٣) والإختلاف والإبتداع والإنحراف علم الكلام الذي ذمه السلف وعابوه وحذروا منه وأبنوه (٤) وهو الكلام المشتبه المشتمل على حق وباطل فيه ما يوافق العقل والسمع وفيه ما يخالفهما فيأخذ هؤلاء جانب النفي المشتمل على نفي الحق والباطل وهؤلاء جانب الإثبات المشتمل على إثبات حق وباطل، وجماعه:

стр. 132

هو الكلام المخالف لكتاب للَّه وسنة رسول اللَّه ﷺ فكل كلام كان كذلك فهو باطل، وذلك إنه لما تناظروا في مسألة حدوث العالم وإثبات الصانع، فأستدلت الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم من طوائف الكلام على ذلك: بأن ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث، وأن المستدلين بذلك على حدوث الأجسام قالوا: إن الأجسام لا تخلوا عن الحوادث وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث (١) ثم تنوعت طرقهم في المقدمة الأولى فتارة يثبتونها بأن الأجسام لا تخلوا (عن الحركة والسكون وهما حادثان، وتارة يثبتونها بأن الأجسام لا تخلو عن الإجتماع والإفتراق وهما حادثان، وتارة يثبتونها بأن الأجسام) (٢) لا تخلوا عن الأكوان الأربعة: الإجتماع والإفتراق والحركة والسكون وهي حادثة وهذه طريقة المعتزلة ومن وافقهم، وتارة يثبتونها بأن الأجسام لا تخلوا من كل جنس من الأعراض عن عرض منها ويقولون: القابل (٣) للشيء لا يخلو عنه وعن ضده،

стр. 133

ويقولون: إن العرض يمتنع بقاؤه زمانين، وهذه الطريقة هي التي اختارها أبو حسن الآمدي (١) وزيف ما سواها ووافقه عليها طائفة من الفقهاء من أصحاب الأئمة الأربعة كالقاضي أبي يعلى (٢)، وأبي المعالي (٣) الجويني من الشافعية وأبي الوليد (٤) الباجي من المالكية وغيرهم.

стр. 134

وأما الهشامية (١) والكرامية (٢) وغيرهم من الطوائف الذين لا يقولون بحدوث كل جسم، ويقولون إن القديم تقوم به الحوادث ويقولون: الجسم القديم يخلو عن الحوادث بخلاف الأجسام المحدثة فإنها لا تخلو عن الحوادث فلا يوافقون الآمدي ومن وافقه من كل وجه وهذا نزاع طويل عريض وبسببه افترقت الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة كما في الحديث عن النبي ﷺ كما سنذكره فيما بعد (٣). قال أهل التاريخ إن المأمون (٤) بن هارون الرشيد لما هادن بعض ملوك النصارى

стр. 135

قال الصلاح الصفدي (١) أظنه صاحب جزيرة قبرص طلب (٢) منه خزانة كتب اليونان وكانت عندهم مجموعة في بيت لا يظهر عليها أحد فجمع الملك خواصه من ذوي الرأي واستشارهم في ذلك فكلهم أشار بعدم تجهيزها إليه إلا مطران واحد فإنه قال جهزها إليهم فما دخلت هذه العلوم على دولة شرعية إلا أفسدتها وأوقعت بين علمائها (٣). وكان شيخ الإسلام الإمام تقي الدين أبو العباس أحمد (٤) بن تيمية قدس اللَّه روحه يقول: ما أظن أن اللَّه يغفل عن المأمون ولا بد أن يقابله على ما اعتمده مع

стр. 136

هذه الأمة من إدخال هذه العلوم الفلسفية بين أهلها (١) انتهى. هذا وإن كان أصل الخلاف كان موجودًا إلا أنه زاد البلاء واشرأبت الفتن وكثر الإختلاف وانتشرت الإحن بدخول كتب الفلاسفة في هذه الملة (٢) وبين علمائها. وقد روى من حدث أنس بن مالك ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إن بني إسرإئيل اخرقوا على إحدى وسبعين فرقة وإن أمتي ستفترق على اثنتين وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة" (٣). وأخرج الإمام أحمد (٤) في المسند من حديث معاوية ﵁ قال: قام فينا رسول اللَّه ﷺ فقال: "إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا اثنتين وسبعين (٥) وإن هذه الأمة ستفترق إلى ثلاث وسبعين ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة وهي الجماعة" (٦) رواه أبو داود وزاد فيه "وإنه سيخرج في أمتي أقوام تتجارى

стр. 137

بهم الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه، لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله". قوله في الحديث: الكلب -هو بفتح اللام قال الخطابي هو داء يعرض للإنسان من عضة الكلبِ الكلبَ وعلامة ذلك في الكلب أن تحمر عيناه ولا يزال يدخل ذنبه بين رجله فإذا رأى إنسانًا ساوره (١). وفي رواية أنه ﷺ قال: "ستفترق أمتي ثلاثا وسبعين فرقة كلهم في النار إلا فرقة واحدة قيل له من هم يا رسول اللَّه؟ -يعني الفرقة الناجية- فقال: هم من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي" (٢). وفي رواية ستفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة كلهم في النار إلا فرقة واحدة وهي ما كان (مثل) ما أنا عليه وأصحابي. وقال بعض الأئمة هم -يعني الفرقة الناجية- أهل الحديث (٣) يعني الأثرية (٤)

стр. 138

والأشعرية (١) والماتريدية (٢). قلت: وجوهر الحديث ولفظه وهو قوله فرقة واحدة ينافي التعداد (٣).

стр. 139

وقد روى هذا الحديث الحاكم (١) في صحيحه وصححه وأبو داود والترمذي (٢) وغيرهم. وقد روى حديث افتراق أمته ﷺ إلى ثلاث وسبعين فرقة واحدة في الجنة وثنتان وسبعون في النار. روي من حديث أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص وابن عمر

стр. 140

وأبي الدرداء ومعاوية وابن عباس وجابر وأبي أمامة وواثلة بن الأسقع وعوف بن مالك وعمرو بن عوف المزني وأنس بن مالك ﵃. فكل هؤلاء قالوا: واحدة في الجنة وهي الجماعة. وأما ما نقله أبو حامد الغزالي في كتابه "الفرقة بين الإيمان (١) والزندقة" من أن النبي ﷺ قال: "ستفترق أمتي نيفًا وسبعين فرقة كلهم في الجنة إلا الزنادقة (٢) " وهي فرقة قال وهذا لفظ الحديث في بعض الروايات، قال وظاهر الحديث يدل على أنه أراد الزنادقة من أمته إذ قال ستفترق أمتي ومن لم يعترف بنبوته فليس من أمته. والذين ينكرون أصل المعاد والصانع فليسوا معترفين بنبوته. إذ يزعمون أن الموت عدم محض وأن العالم لم يزل كذلك موجودًا بنفسه من غير صانع ولا يؤمنون باللَّه واليوم الآخر وينسبون الأنبياء إلى التلبيس فلا يمكن نسبتهم إلى الأمة انتهى. قلت وهذا الحديث الذي ذكره الإمام الغزالي (٣) كذب موضوع.

стр. 141

قال الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية (١) قدس اللَّه روحه: "أما هذا الحديث -يعني الحديث الذي ذكره الغزالي فلا أصل له بل هو موضوع كذب باتفاق أهل العلم بالحديث ولم يروه أحد من أهل الحديث المعروفين بهذا اللفظ، بل الحديث الذي في السنن والمسانيد عن النبي ﷺ من وجوه أنه قال: "ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة واحدة في الجنة وثنتان وسبعون في النار". وروي عنه أنه قال: هي الجماعة. وفي لفظ آخر: "هي من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي" قال وضعفه ابن حزم (٢). لكن رواه الحاكم في صحيحه ورواه أبو داود والترمذي (٣) وغيرهم قال وأيضًا لفظ الزندقة لا يوجد في كلام النبي ﷺ كما لا يوجد في القرآن. وأما الزنديق الذي تكلم الفقهاء في توبته قبولًا وردًا فالمراد به عندهم المنافق الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر (٤). انتهي.

стр. 142

قلت: وقد ذكر الحديث الذي ذكره الغزالي الإمام الحافظ ابن الجوزي (١) في كتابه في الموضوعات (٢) وذكر أنه روي من حديث أنس ولفظه "تفترق أمتي على سبعين أو إحدى وسبعين فرقة كلهم في الجنة إلا فرقة واحدة قالوا يا رسول اللَّه من هم؟ قال: الزنادقة وهم القدرية". أخرجه العقيلي (٣) وابن عدي (٤) ورواه الطبراني (٥) أيضًا. قال أنس: "كنا نراهم القدرية" (٦). قال ابن الجوزي: وضعه الأبرد بن الأشرس وكان وضاعًا كذابًا وأخذه منه ياسين الزيات فقلب اسناده وخلطه وسرقه عثمان بن عفان القرشي.

стр. 143

وهؤلاء كذابون متروكون فلا يعول على ما نقلوه ولا يلتفت إلى ما رووه (١) وباللَّه التوفيق. الخاتمة في ذكر بعض أشياء لا ينبغي لمن يريد الخوض في هذا العلم أن يجهلها منها: مما ينبغي أن يعلم أن الأحكام الشرعية منها ما يتعلق بكيفية العمل وتسمى فرعية وعملية. ومنها ما يتعلق بالإعتقاد وتسمى أصلية واعتقادية والعلم المتعلق بالأولى علم الشرائع والأحكام لأنها لا تستفاد إلا من جهة الشرع. ولا يسبق إلى الفهم عند إطلاق الأحكام إلا إليها. والمتعلق بالثانية علم التوحيد والصفات سمي بذلك لأنه أشهر مباحثه وأشرف مقاصده، وكان الصدر الأول رضوان اللَّه عليهم لصفاء عقائدهم ببركة صحبة النبي ﷺ وقرب العهد بزمانة وقلة الإختلافات والوقائع وتمكنهم من المراجعة إلى الثقات مستغنين عن تدوين العلمين وترتيبهما أبوابًا وفصولًا وتقرير مقاصدهما فروعًا وأصولًا إلى أن حدثت الفتن بين المسلمين والخروج والبغي على أئمة الدين وظهر اختلاف الآراء والميل إلى البدع والأهواء وكثرت الفتاوى والواقعات والرجوع إلى العلماء في المهمات فاشتغلوا بالنظر والإستدلال والإجتهاد والإستنباط وتمهيد القواعد والأصول وترتيب الأبواب والفصول وتكثير المسائل بأدلتها وإيراد الشبه بأجوبتها وتعيين الأوضاع والإصطلاحات وتبيين المذاهب والإختلافات. وسموا ما يفيد معرفة الأحكام العملية عن أدلتها التفصيلية بالفقه. ومعرفة أحوال الأدلة إجمالًا في إفادتها الأحكام بأصول الفقه ومعرفة العقائد

стр. 144

عن أدلتها بالكلام، وبأصول الدين وبالتوحيد وإنما سموه بالكلام لأن عنوان مباحثه: كان قولهم الكلام في كذا وكذا أو لأن مسألة الكلام الذي هو القرآن كانت أشهر مباحثه، وأكثرها نزاعًا وجدلًا، حتى قتل بعض المتغلبة خلقًا كثيرًا من أهل العلم والسنة لعدم قولهم بخلق القرآن كالمأمون وأخيه المعتصم (١) والواثق (٢) ابن المعتصم ونال سيدنا الإمام أحمد ﵁ من ذلك أذى كثيرًا ولأنه يورث قدرة على الكلام في تحقيق الشرعيات وإلزام الخصوم كالمنطق والفلسفة فيما يزعم ذووه. ولأنه أول ما يجب من العلوم التي إنما يعلم ويتعلم بالكلام فأطلق عليه هذا الإسم لذلك ثم خص به ولم يطلق على غيره تمييزًا له عن غيره. ولأنه إنما يتحقق بالمباحثة وإدارة الكلام من الجانبين وغيره قد يتحقق بالتأمل ومطالعة الكتب، ولأنه أكثر العلوم خلافًا ونزاعًا فيشتد افتقاره إلى الكلام مع المخالفين والرد عليهم، ولأنه لقوة أدلته صار كأنه هو الكلام دون ما عداه من العلوم. كما يقال لأقوى الكلامين هذا هو الكلام، ولأنه لإبتنائه على الأدلة القطعية المؤيد أكثرها بالأدلة السمعية أشد العلوم تأثيرًا في القلب وتغلغلًا فيه فسمي بالكلام المشتق من الكلم وهو الجرح وهذا هو كلام القدماء ومعظم خلافياته مع الفرق

стр. 145

الإسلامية خصوصًا المعتزلة ومن نحا منحاهم. وأما تسميته بأصول الدين فالأصول جمع أصل ويطلق على أمور منها: ما ينبني عليه غيره، فسمي بذلك لابتناء الدين عليه بحسب أصله والمراد بالدين دين الإسلام. ويأتي تعريفه. وأما تسميته بالتوحيد فلأنه يبحث به عن الذات الواجب الوجود، والصفات. وكذلك يسمى بالعقائد مشتق من الإعتقاد الذي هو حكم الذهن الجازم. ومنها ينبغي لكل طالب علم أن يتصور ذلك العلم بحده أو رسمه ليكون على بصيرة في طلبه وأن يعرف موضوعه ليمتاز عنده عما سواه مزيد امتياز فإنما تمايز العلوم بتمايز موضوعاتها، وأن يصدق بغاية مآله وإلا كان الطلب عبثًا، ولا بد أن يكون معتدًا بها بالنظر لمشقة التحصيل. وإلا ربما فتر جده، ولابد أن تكون مترتبة (١) على ذلك الشيء المطلوب، وإلا ربما زال اعتقادها بعد الشروع فيه فيصير سعيه في تحصيله عبثا في نظره. إذا عرفت هذا فالفن المسمى بأصول الدين وبعلم العقائد وبعلم التوحيد والصفات وبعلم الكلام. أما تعريفه: (٢) العلم بالعقائد الدينية عن الأدلة اليقينية أي العلم بالقواعد الشرعية الإعتقادية المكتسب من أدلتها اليقينية والمراد بالدينية المنسوبة إلى دين محمد ﷺ من السمعيات وغيرها سواء كانت من الدين في الواقع ككلام أهل الحق أو لا ككلام أهل البدع.
следующие страницы →