← Акыда

Акыда · id 16618

لوائح الأنوار السنية ولواقح الأفكار السنية

السفاريني

Полный текст (799 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

قال الحاكم أبو عبد اللَّه النيسابوري (١): حدثنا الأصم (٢)، حدثنا الربيع (٣) بن سليمان الجيزى قال: حضرت محمد بن إدريس الشافعي، وقد جاءته رقعة من الصعيد فيها: ما تقول في قول اللَّه : ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ فقال الشافعي: لما انحجب عن هؤلاء في السخط كان في هذا دليل على أن أولياءه يرونه في الرضا، قال الربيع قلت: يا أبا عبد اللَّه وبه تقول, قال: نعم وبه أدين اللَّه لو لم يوقن محمد بن إدريس أنه يرى اللَّه لما عبد اللَّه (٤) ورواه الطبراني في شرح السنة من طريق الأصم أيضًا. ومنها قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣٥].

стр. 282

قال الطبراني: (١) قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وأنس بن مالك ﵄: هو النظر إلى وجه اللَّه (٢)، وقاله من التابعين: زيد بن وهب وغيره (٣). ومنها قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]. فهذه الآية إذا حررت (٤) من تحريفها عن مواضعها، والكذب على المتكلم بها سبحانه فيما أراد منها وجدتها منادية نداء صريحًا أن اللَّه سبحانه يرى عيانًا بالأبصار يوم القيامة في دار القرار. وإن أبيت إلا تحريفها الذي يسميه المحرفون تأويلًا، فتأويل نصوص المعاد والجنة والنار والميزان والصراط والحساب أسهل على أرباب التأويل من تأويلها، وتأويل كل نص تضمنه القرآن والسنة كذلك، فلا يشأ مبطل على وجه الأرض أن يتأول النصوص ويحرفها عن مواضعها إلا وجد إلى ذلك من السبيل ما وجده متأول هذه النصوص، وهذا هو الذي أفسد الدين والدنيا. وأضاف سبحانه النظر إلى الوجه الذي هو محله في هذه الآية الكريمة، وتعديته

стр. 283

بأداة "إلى" الصريحة في نظر العين وإخلاء الكلام من قرينة تدل على أن المراد بالنظر المضاف إلى الوجه المعدى بإلى خلاف حقيقته وموضوعه صريح في أنه سبحانه أراد بذلك نظر العين التي في الوجه إلى الرب ﷻ ، فإن النظر له عدة استعمالات بحسب صلاته وتعديه بنفسه فإن عدى بنفسه فمعناه التوقف والإنتظار كقوله تعالى: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣]. وإن عدى بفي فمعناه التفكر والإعتبار كقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٨٥]. وإن عدى، بإلى فمعناه المعاينة بالأبصار كقوله: ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾ [الأنعام: ٩٩]. فكيف إذا أضيف إلى الوجه الذي هو محل البصر. قال يزيد بن هارون (١) أخبرنا مبارك (٢) عن الحسن (٣) قال: نظرت إلى ربها ﵎ فنضرت بنوره. رواه الآجري والبيهقي في كتاب الرؤية واللآلكائي في السنة (٤).

стр. 284

وروى ابن مردويه (١) في تفسيره عن عبد اللَّه بن عمر ﵄ [قال: قال رسول اللَّه ﷺ في قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢] قال] (٢) من البهاء والحسن، ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] قال: في وجه اللَّه (٣) (٤). وقال ابن عباس ﵄ ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ قال: تنظر إلى وجه ربها (٥). وقال عكرمة (٦) ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ قال من النعيم ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾

стр. 285

قال تنظر إلى ربها نظرًا (١). ثم حكى عن ابن عباس ﵁ مثله. وهذا قول كل مفسر من أهل السنة (٢). وأما الأحاديث عن النبي ﷺ وأصحابه الكرام رضوان اللَّه عليهم الدالة على الرؤية فمتواترة (فرويت) (٣) عن رسول اللَّه ﷺ ورويت عن الصديق الأعظم أبي بكر خليفة رسول اللَّه ﷺ ، وأبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، وجرير بن عبد اللَّه البجلي، وصهيب بن سنان الرومي، وعبد اللَّه بن مسعود الهذلي، وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وأبي موسى الأشعري، وعدي بن حاتم الطائي، وأنس بن مالك الأنصاري، وبريدة بن الحصيب الأسلمي، وأبى رزين العقيلي، وجابر بن عبد اللَّه الأنصاري، وأبي أمامة الباهلي، وزيد بن ثابت، وعمار بن ياسر، وأم المؤمنين عائشة الصديقة، وعبد اللَّه بن عمر، وسلمان الفارسي، وحذيقة بن اليمان، وعبد اللَّه بن عباس، وعبد اللَّه بن عمرو بن العاص، وغيرهم رضوان اللَّه عليهم أجمعين، رواها (٤) أصحاب الصحاح والمسانيد والسنن، وتلقاها الناس بالقبول والتسليم، وانشراح الصدور لا بالتحريف والتبديل وضيق العطن، والتأويل على خلاف المشهور ولا التكذيب، بها فمن كذب بها لم يكن إلى وجه

стр. 286

ربه الكريم ناظرًا وربما كان من المحجوبين فيخشى أن يكون كافرًا، ولا حاجة إلى سرد جميعها (١). وحديث جرير بن عبد اللَّه البجلي ﵁ الذي ذكره الناظم رواه البخاري، ومسلم، وأكثر من خمسين إمامًا منهم: إسماعيل بن أبي خالد (٢)، ويحيى بن سعيد القطان (٣)، وهشيم بن بشير (٤)، وعلي بن عاصم (٥)، وسفيان بن عيينة (٦)، ومروان بن معاوية (٧)، ووكيع

стр. 287

ابن الجراح (١)، ويزيد بن هارون (٢)، وشعبة بن الحجاج (٣)، وعبد اللَّه بن المبارك (٤)، وحماد بن أبي حنيفة (٥)، وأبو حنيفه النعمان بن ثابت الإمام (٦)، وزيد بن أبي أنيسه (٧)، وجوَّده فقال: ستعاينون ربكم كما تعاينون هذا القمر. وأبو شهاب الحناط (٨) وقال: سترون ربكم عيانا. وغير هؤلاء ممن يطول

стр. 288

ذكرهم كلهم يرويه عن قيس بن أبي حازم عن جرير. وكل هؤلاء شهدوا على إسماعيل بن خالد، وشهد إسماعيل بن خالد على قيس ابن أبي حازم (١)، وشهد قيس بن أبي حازم على جرير بن عبد اللَّه، وشهد جرير على رسول اللَّه ﷺ (فكأنك تسمع رسول اللَّه ﷺ ) (٢) وهو يقوله ويبلغه لأمته، ولا شيء أقر لأعينهم منه على رغم أنوف الجهمية والفرعرنية والرافضة والقرامطة والباطنية وفروخ الصابئة والمجوس واليونان ونحوهم من أعداء السنة وأهلها (٣). وروى ابن بطة (٤) في السنة، والإمام ابن المبارك (٥)، والبزار (٦)، والأصبهاني (٧) في الترغيب من حديث حذيفة بن اليمان ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أتاني جبريل فإذا في كفه مرآة كأصفى المرايا وأحسنها وإذا في

стр. 289

وسطها نكتة سوداء، قال قلت يا جبريل: ما هذه؟ قال: هذه الدنيا صفاؤها وحسنها، قال: قلت وما هذه اللمعة في وسطها؟ قال هذه الجمعة، قلت: ما الجمعة؟ قال: يوم من أيام ربك عظيم". . . وفيه وأما شرفه وفضله واسمه في الآخرة، فإن اللَّه تعالى إذا صير أهل الجنة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار، وجرت عليهم أيامهما وساعاتهما ليس بها ليل ولا نهار إلا قد علم اللَّه مقدار ذلك وساعاته، فإذا كان يوم الجمعة في الحين الذي (يبرز أو يخرج فيه أهل الجمعة إلى جمعهم) (١) نادى منادٍ يا أهل الجنة أخرجوا إلى دار المزيد لا يعلم (سعتها وعرضها وطولها) (٢) إلا اللَّه في كثبان المسك قال: فيخرج غلمان الأنبياء بمنابر من نور ويخرج غلمان المؤمنين بكراسي من ياقوت قال: فإذا وضعت لهم وأخذ القوم مجالسهم بعث اللَّه ﵎ عليهم ريحًا تدعى المثيرة تثير عليهم المسك الأبيض فتدخله من تحت ثيابهم وتخرجه في وجوههم وأشعارهم وفيه. . . ثم يوحي اللَّه سبحانه إلى حملة العرش فيوضع بين ظهراني الجنة وبينه وبينهم الحجاب، فيكون أول ما يسمعون منه أن يقول: أين عبادي الذين أطاعوني بالغيب، ولم يروني وصدقوا رسلي واتبعوا أمري، فسلوني فهذا يوم المزيد، قال: فيجتمعون على كلمة واحدة، رب رضينا عنك فارض عنا، قال: فيرجع اللَّه تعالى إليهم في قولهم أن يا أهل الجنة لو لم أرض عنكم لما أسكنتكم جنتي، فسلوني فهذا يوم المزيد، قال: فيجتمعون على كلمة واحدة رب وجهك، رب وجهك أرنا ننظر إليه، قال:

стр. 290

فيكشف اللَّه ﵎ تلك الحجب ويتجلى لهم فيغشاهم من نوره شيء لولا أنه قضى عليهم أن لا يحرقوا لاحترقوا مما غشيهم من نوره، قال: ثم يقال ارجعوا إلى منازلكم، قال فيرجعون إلى منازلهم، وقد خفوا على أزواجهم وخفين عليهم مما غشيهم من نوره تعالى، فإذا صاروا إلى منازلهم تراد النور حتى يرجعوا إلى صورهم التي كانوا عليها، قال: فتقول لهم أزواجهم لقد خرجتم من عندنا على صورة ورجعتم على غيرها، قال: فيقولون ذلك بأن اللَّه ﵎ تجلى لنا فنظرنا منه إلى ما خفينا به عليكم، قال: فلهم في كل سبعة أيام الضعف على ما كانوا فيه. وفي لفظ البزار: فهم يتقلبون في مسك الجنة ونعيمها في كل سبعة أيام، قال رسول اللَّه ﷺ وذلك قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧] " (١). والأحاديث في هذا الباب كثيرة واللَّه أعلم (٢). تنبيه: وقع في كلام بعض العلماء منهم: الحافظ عماد الدين ابن كثير (٣) أن

стр. 291

رؤية اللَّه تعالى مختصة في الجنة بمؤمني البشر من الذكور دون النساء فإنهن لا يرينه تعالى (١). وخصها العز بن عبد السلام (٢) بالبشر دون الملائكة، واحتج لاختصاص البشر بقوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] فإنه عام خص بالآية

стр. 292

والأحاديث في المؤمنين فيبقى على عمومه في الملائكة" (١) كذا قال وقد نص البيهقي على خلافه فقال في كتاب الرؤية: باب ما جاء في رؤية الملائكة ربهم فروى عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص قال: خلق اللَّه الملائكة لعبادته أصنافًا، وإن منهم لملائكة قيامًا صافين من يوم خلقهم إلى يوم القيامة، وملائكة ركوعًا وخشوعًا من يوم خلقهم إلى يوم القيامة، وملائكة سجودًا منذ خلقهم إلى يوم القيامة، فإذا كان يوم القيامة تجلى لهم ﵎ فينظرون إلى وجهه الكريم، فإذا نظروا إلى وجهه الكريم قالوا: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك (٢). وأخرج نحوه أيضًا عن عدي بن أرطأة عن رجل من الصحابة، مرفوعًا وفيه: فإذا كان يوم القيامة تجلى لهم ربهم فينظرون إليه، قالوا: سبحانك ما عبدناك كما ينبغي لك (٣). وفى الدارقطني مرفوعًا: إذا كان يوم القيامة رأى المؤمنون ربهم ،

стр. 293

فأحدثهم عهدًا بالنظر إليه في كل جمعة. ويراه المؤمنات يوم الفطر ويوم الأضحى (١) -أي في مثل ذلك-. وقد نص أبو الحسن الأشعري في الإبانة على أن الملائكة يرون ربهم يوم القيامة (٢). وجزم بهذا جمع محققون منهم الإمام المحقق ابن القيم، والجلال السيوطي، والبلقيني (٣). قال الحافظ السيوطي: وهو أرجح بلا شك (٤). ومال البلقيني إلى ثبوتها لمؤمنى الجن -أيضًا- وهو اللائق بكرمه تعالى (٥). قلت: التحقيق ثبوت رؤيته تعالى لكل من دخل الجنة. وقد أخرج الآجري عن عكرمة قال: قيل لابن عباس ﵄ كل من يدخل الجنة يرى اللَّه تعالى، قال: نعم (٦).

стр. 294

وأخرج أبو نعيم في الحلية عن ابن عباس ﵄ قال: تلى رسول اللَّه ﷺ هذه الآية: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] قال يا موسى إنه لن يراني حي (١) إلا مات، ولا يابس إلا تدهده (٢) ولا رطب إلا تفرق، وإنما يراني أهل الجنة الذين لا تموت أعينهم، ولا تبلى أجسادهم (٣). وأما رؤية الباري في الموقف، فتحصل حتى لمنافقى هذه الأمة، بل زعم جماعة أنها تحصل في الموقف حتى للكافرين ثم يحجبون (٤). وباللَّه التوفيق. قال الناظم -روح اللَّه روحه- (وقد ينكر الجهمي) أي المعتقد اعتقاد جهم بن صفوان، ومن وافقهم من المعطلة، والقرامطة، والباطنية، والفلاسفة، وذويهم (أيضًا): مصدر آض يئيض أيضًا إذا رجع أي مع إنكاره لرؤيته تعالى وتجليه لعباده

стр. 295

المؤمنين في دار كرامته ينكر يمينه تعالى وتقدس. وكلتا يديه ﵎ (الواو) ابتدائية وكلتا مبتدأ، ويديه مضاف (١) إليه و (بالفواضل): جمع فاضلة وهي النعم الجسيمة والأيادى الجميلة، وفواضل المال ما يأتيك من غلته ومرافقه. ولذا قيل: إذا عزب المال قلت فواضله (٢). متعلق (٣) بقوله: (تنضح) بفتح التاء المثناه فوق مبنيًا للفاعل من النضح، وهو الرش والسقي، يقال: نضح النخل إذا سقاها بالسانية ونضح الحلة نثر ما فيها والمراد تنعم وتعطي الكثير والقليل، والجملة خبر المبتدأ، والجملة من عند قوله: وكلتا يديه حالية. وينكر الجهمي أيضًا سائر صفاته الخبرية (٤) من الوجه والعين واليد ونحوها مما أضيف إلى اللَّه تعالى مما وردت به الآيات والأحاديث، مما يوهم التشبيه والتجسيم (٥) تعالى اللَّه عن ذلك علوًا كبيرًا، فإن اللَّه تعالى مخالف لجميع الحوادث فذاته لا تشبه الذوات، وصفاته لا تشبه الصفات، فلا يشبهه شيء من خلقه، ولا يشبه هو شيئًا من خلقه، بل هو منفرد عن جميع المخلوقات، ليس كمثله شيء لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، له الوجود المطلق، فلا يتقيد بزمان، ولا

стр. 296

يتخصص بمكان (١) فكل ما توهمه الخيال أو سنح بالبال من حسن أو بهاء، أو جمال، أو شبح، أو نور، أو ضباء، أو مثال، فهو بخلاف ذي العزة والعظمة والجلال، إذا توهمته الأوهام هلكت، وإذا تخيلته الأفهام والعقول أفكت. فطريق إثبات صفاته المقدسة السمع فنثبتها لورودها، ولا نعطلها، ولا نكيفها، ولا نمثلها، فمذهب السلف: إثبات بلا تمثيل وتنزيه بلا تعطيل. وهناك طائفة غلت في النفي فعطلته محتجين بأن الإشتراك في صفة من صفات الإثبات يوجب الإشتباه حتى زعموا أنه سبحانه لا يوصف بالوجود، بل يقال إنه ليس بمعدوم، ولا يوصف بأنه حي، ولا قادر، ولا عالم، بل يقال: إنه ليس بميت، ولا عاجز، ولا جاهل. وهذا مذهب أكثر الفلاسفة والباطنية ونحوهم. وغلت طائفة أخرى في الإثبات فشبهته حتى أثبتوا له الصورة والجوارح حتى أن الهاشمية (٢) من غلاة الرافضة زعموا -كما قال

стр. 297

القرطبي- (١) أن معبودهم سبعة أشبار بشبر نفسه. وقالت الكرامية (٢): إنه جسم، وبالغ بعض هؤلاء، فزعم أنه على صورة الإنسان، فمنهم من زعم أنه على صورة شيخ أشمط الرأس واللحية، ومنهم من زعم أنه على صورة شاب أمرد جعد قطط، ومنهم من زعم أنه مركب من لحم ودم، ومنهم من زعم أنه على مقدار مسافة العرش لا يفضل أحدهما على الآخر شيء -تعالى اللَّه عن قول هولاء الفرق علوًا كبيرًا- فإن هذا غلو بارد، وقد نهى اللَّه تعالى عن مثل هذا بقوله: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [النساء: ١٧١] (٣). قال شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس اللَّه روحه- أول من قال إن اللَّه جسم: هشام بن الحكم الرافضي (٤) انتهى. وإليه تنسب الطائفة الهاشمية من غلاة الرافضة، قالوا: إن اللَّه تعالى وتقدس عن قولهم، طويل عريض عميق متساو كالسبيكة البيضاء يتلألأ من كل جانب، وله لون وطعم ورائحة وقالوا ويقوم ويقعد، ويعلم ما تحت الثرى بشعاع ينفصل عنه

стр. 298

إليه، قالوا إنه سبعة أشبار بشبر نفسه مماس للعرش بلا تفاوت وإرادته هي حركته لا عينه ولا غيره، وقالوا إنما يعلم الأشياء بعد كونها بعلم لا قديم ولا حادث وكلامه صفة له لا قديم ولا مخلوق (١) وهؤلاء كفار. وباللَّه التوفيق. وفرقة أخرى أثبتت ما أثبته السمع من نحو سميع بصير عليم قدير وامتنعت من إطلاق السمع والبصر والعلم والقدرة، وهم المعتزلة فيثبتون الأسماء دون الصفات. وفرقة أخرى أثبتت الصفات المعنوية من الحياة والقدرة والإرادة والسمع والبصر والعلم والكلام، وهم الأشاعرة، والماتريدية ومن نحا منحاهم من أهل السنة (٢) من أتباع الأربعة الأئمة وهؤلاء الصفاتية، ثم اختلفوا فيما ورد به السمع من لفظ اليد والعين والوجه ونحوها ففرفة أولتها وهم جمهور المتكلمين من الخلف. وفرقة أثبتت ما أثبته اللَّه تعالى ورسوله ﷺ من ذلك وأجروها على ظواهرها، ونفوا الكيفية والتشبية عنها قائلين: إن إثبات الباري ، إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد، وتكييف، فإذا قلنا يد ووجه وسمع وبصر، فإنما هي صفات أثبتها اللَّه تعالى لنفسه، فلا نقول إن معنى اليد القوة والنعمة، ولا معنى السمع والبصر العلم، ولا نقول إنها جوارح.

стр. 299

وهذا هو مذهب السلف كما نقله الخطابي (١) وغيره، ومنهم الأئمة الأربعة، وبهذا المذهب قال الحنابلة والحنفية وكثير من الشافعية وغيرهم. وهو إجراء آيات الصفات وأحاديثها على ظاهرها مع نفى الكيفية والتشبيه عنها محتجين بأن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، فإذا كان إثبات الذات إثبات وجود، لا إثبات تكييف، فكذلك إثبات الصفات اثبات وجود، لا إثبات تكييف، وقالوا: لا نلتفت في ذلك إلى تأويل، لأنا لسنا منه على ثقة ويقين لاحتمال عدم إرادته (أنه) (٢) مأخوذ بطريق الظن والتجويز، لا على سبيل القطع والتحقيق، فلا ينبني الاعتقاد على مثل ذلك. قال الإمام القاضي أبو يعلى (٣) -قدس اللَّه روحه- في كتابه: "إبطال التأويل" (٤) لا يجوز رد هذه الأخبار، ولا التشاغل بتأويلها، والواجب حملها على ظاهرها، وأنها صفات اللَّه تعالى لا تشبه صفات الخلق، ولا نعتقد التشبيه فيها. لكن على ما روى عن الإمام أحمد وسائر الأئمة ﵃ وذكر

стр. 300

بعض كلام الزهري (١)، ومكحول (٢)، ومالك بن أنس (٣)، والثوري (٤)، والليث (٥)، وحماد بن زيد (٦)، وحماد بن سلمة (٧)، وابن عيينة (٨)، والفضيل بن عياض (٩)، ووكيع (١٠)، وعبد الرحمن بن مهدي (١١)، وإسحق بن راهويه (١٢)، وأبي عبيد (١٣)، ومحمد بن جرير الطبري (١٤)، وغيرهم في هذا الباب.

стр. 301

إلى أن قال: ويدل على إبطال التأويل أن الصحابة والتابعين لهم بإحسان حملوها على ظواهرها، ولم يتعرضوا لتأويلها، ولا صرفها عن ظواهرها، فلو كان التأويل سائغًا لكانوا إليه أسبق لما فيه من إزالة غبار التشبيه ورفع الشبهة. انتهى (١). قال القرطبي: قال الإمام الترمذي (٢) بعد ذكره حديث: "ما تصدق أحد بصدقة إلا أخذها الرحمن في يمينه. . . " (٣). "وقد قال غير واحد من أهل العلم في هذا الحديث، وما أشبهه من الروايات من الصفات ونزول الرب ﵎ كل ليلة إلى سماء الدنيا نثبت الروايات في هذا ونؤمن بها، ولا نتوهم، ولا يقال كيف، هكذا روى عن مالك بن أنس وسفيان بن عيينة وعبد اللَّه بن المبارك، وهذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة، وأما الجهمية فأنكرت هذه الروايات، وقالت هذا تشبيه. وفد ذكر اللَّه تعالى في غير موضع من كتابه اليد ونحوها فتأولت الجهمية هذه الصفات وفسروها على غير ما فسر أهل العلم فقالوا إن اللَّه لم يخلق آدم بيده، وقالوا معنى اليد هنا القدرة" (٤). وقال ابن عبد البر: (٥) "أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة

стр. 302

كلها في القرآن والسنة والإيمان بها وحملها على الحقيقة، لا على المجاز إلا أنهم لا يكيفون شيئًا من ذلك، ولا يحدون فيه صفة مخصوصة. قال وأما الجهمية والمعتزلة كلها والخوارج فكلهم ينكرها ولا يحمل شيئًا منها على الحقيقة، ويزعمون أن من أقرَّ بها مشبه -وهم عند من أقرَّ بها نافون للمعبود- قال والحق فيما قاله القائلون بما نطق به كتاب اللَّه وسنة رسوله وهم أئمة الجماعة (١) " إنتهى كلام ابن عبد البر إمام المغرب في عصره. وقال القرطبي: قال إسحق بن إبراهيم (٢) إنما يكون التشبيه إذا قال يد كيدي أو مثل يدي، أو سمع كسمعي، أو مثل سمعي، فهذا الشبيه، وأما إذا قال للَّه سمع وبصر ولا يقول كيد ولا مثل سمع، ولا كسمع فهذا لا يكون تشبيهًا وهو كما قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] (٣). وقد قال تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠]، ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]، ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤]، ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس: ٧١]، ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٧٣]. قال أبو الحسن الأشعري: "اليد صفة ورد بها الشرع، قال والذي يلوح من معنى هذه الصفة أنها قريبة من معنى القدرة إلا أنها أخص منها والقدرة أعم كالمحبة مع الإرادة والمشيئة فإن في اليد تشريفًا لازمًا" (٤).

стр. 303

وقالت المعتزلة وطائفة من الأشعرية. . . (١) إن المراد باليدين في قوله تعالى: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] يعني النعمتين. وطائفة من الأشعرية أن المراد باليدين القدرة لأن اليد في اللغة عبارة عن القدرة كقول الشاعر (٢): فقمت ومالي بالأمور يدان. قالوا: ويوضح هذا أن الخلق من جهة اللَّه إنما هو مضاف إلى قدرته لا إلى يده ولهذا يستقل في إيجاد الخلق بقدرته ويستغني عن يد وآلة يفعل بها مع قدرته وقوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤] ثنى اليد مبالغة في الرد على اليهود، ونفى البخل عنه، وإثباتًا لغاية الجود، فإن غاية ما يبذل السخي من ماله أن يعطيه بيده، وتنبيهًا على منح الدنيا والآخرة، والمراد بالتثنية باعتبار نعمة الدنيا ونعمة الآخرة، أو باعتبار قوة الثواب وقوة العقاب (٣).

стр. 304

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 305

ومذهب سلف الأمة وكبار الأئمة والحنابلة ومن نحا نحوهم أن المراد إثبات صفتين ذاتيتين يسميان يدين يزيدان على النعمة والقدرة، محتجين بأن اللَّه تعالى أثبت لآدم ﵇ من المزية والإختصاص ما لم يثبت مثله لأبليس بقوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ وإلا فكان إبليس يقول: وأنا أيضا خلقتني بيديك، فلا مزية لآدم ولا تشريف. (فإن قيل) (١) إنما أضيف ذلك إلى آدم ليوجب له تشريفًا وتعظيمًا على إبليس، ومجرد النسبة في ذلك كاف في التشريف كناقة اللَّه وبيت اللَّه فهذا كاف في التشريف، وإن كانت النوق والبيوت كلها للَّه. فالجواب: ما قالوه إن التشريف بالنسبة إذا تجردت عن إضافة إلى صفة اقتضى مجرد التشريف، فأما النسبة إذا اقترنت بذكر صفة، أوجب ذلك إثبات الصفة التي لولاها ما تمت النسبة. فإن قولنا خلق اللَّه (الخلق) (٢) بقدرته لما نسب الفعل إلى تعلقه بصفة اللَّه اقتضى ذلك إثبات الصفة، وكذلك أحاط الخلق بعلمه يقتضى إحاطته بصفة هي العلم، فكذلك هنا لما كان ذكر التخصيص مضافًا إلى صفة وجب إثبات تلك الصفة على وجه يليق به سبحانه لا بمعنى العضو والجارحة والجسمية والبعضية والكمية والكيفية تعالى اللَّه عن ذلك. وأيضا لو أراد باليد النعمة لقال: لما خلقت ليدي لأنه خلق لنعمته، لا بنعمته، وأيضا فقدرة اللَّه واحدة، لا تدخلها التثنية والجمع.

стр. 306

قال الإمام البغوي (١) في قوله: بيدي: في تحقيق اللَّه التثنية في اليد دليل على أنها ليست بمعنى القدرة والقوة والنعمة وأنهما صفتان من صفات ذاته (٢). ومن هذا النمط القبضة واليمين في قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]. وفي الصحيحين وغيرهما يقبض اللَّه الأرض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض (٣). وحديث مسلم: يطوي اللَّه السموات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى (٤). . . الحديث (٥). وحديث مسلم أيضًا: "يأخذ اللَّه سمواته وأرضه (بيديه) (٦) فيقول أنا اللَّه ويبسطها أنا الملك" (٧).

стр. 307

وأشار الناظم رحمه للَّه ورضي عنه بقوله: وكلتا يديه بالفواضل (تنضح إلى ما ورد في صحيح مسلم وغيره: "إن المقسطين عند اللَّه يوم القيامة على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا" (١). قال النووي (٢): "هو من أحاديث الصفات إما نؤمن بها، ولا نتكلم بتأويل، ونعتقد أن ظاهرها غير مراد، وأن لها معنى يليق باللَّه تعالى أو تأويل على أن المراد بكونهم على اليمين: على الحالة الحسنة والمنزلة الرفيعة. وقوله: كلتا يديه يمين فيه تنبيه على أنه ليس المراد باليمين الجارحة وأن يديه تعالى بصفة الكمال لا نقص في واحدة منهما لأن الشمال تنقص عن اليمين (٣). وقال بعضهم قد تكون اليمين بمعنى التبجيل والتعظيم، يقال: فلان عندنا

стр. 308

باليمين، أي بالمحل الجليل ومنه قول الشاعر (١): أقول لناقتي إذ بلغتنى ... لقد أصبحت عندي باليمين أي بالمحل الرفيع. وكذلك (٢) قوله ﷺ في الحديث الصحيح: "يمين اللَّه ملآى لا يغيضها نفقه سحاءَ الليل والنهار أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض، فإنه لم يغض ما في يمينه وعرشه على الماء، وبيده الأخرى القسط يرفع ويخفض" (٣). وهذه أحاديث كلها صحيحة. ولما خلق اللَّه تعالى آدم ويداه مقبوضتان قال له: اختر أيهما شئت، قال: اخترت يمين ربي وكلتا يدي ربي يمين مباركة (٤). قال البيهقي: أما المتقدمون من هذه الأمة، فإنهم لم يفسروا هذه الآيات والأحاديث في هذا الباب (٥).

стр. 309

وكذلك قال في الإستواء على العرش وسائر الصفات الخبرية مع أنه يحكى قول بعض المتاخرين (١). وحكى الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية قدس اللَّه روحه في الحموية الكبرى (٢)؛ عن الإمام المحقق أبي بكر الباقلاني (٣) المتكلم قال: وهو أفضل المتكلمين المنتسبين إلى أبي حسن الأشعري في كتابه: "الإبانه في أصول الديانة" فإن قال قائل: فما الدليل على أن للَّه وجهًا ويدًا؟ قيل له قوله قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧]، وقوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]. فأثبت لنفسه وجهًا ويدًا. فإن قال قائل: فبما أنكرتم أن يكون وجهه ويده جارحه إذا كنتم لا تعقلون وجهًا ويدًا إلا جارحة؟

стр. 310

قلنا: لا يجب إذا لم نعقل حيًّا عالمًا قادرًا إلَّا جسما أن نقضي نحن وأنتم بذلك على اللَّه سبحانه، وكما لا يجب في كل شيء كان قائمًا بذاته أن يكون جوهرًا لأنا وإياكم لا نجد قائمًا بنفسه في شاهدنا إلا كذلك، قال وكذلك الجواب لهم إن قالوا فيجب أن يكون علمه وحياته وسمعه وبصره وسائر صفاته عرضًا (١). انتهى. قال شيخ الإسلام في التدمرية: (٢) "إذا قال القائل ظاهر النصوص مراد أو غير مراد؟ فالجواب أن لفظ الظاهر فيه إجمال واشتراك، فإن كان القائل يعتقد أن ظاهرها التمثيل بصفات المخلوقين، أو ما هو من خصائصهم، فلا ريب أن هذا غير مراد. ولكن السلف والأئمة لم يكونوا يسمون هذا ظاهرها ولا يرتضون أن يكون ظاهر القرآن والحديث كفرًا وباطلًا، واللَّه تعالى أعلم وأحكم من أن يكون كلامه الذي وصف به نفسه لا يظهر منه إلا ما هو كفر وإضلال والذين يجعلون ظاهرها ذلك يغلطون من وجهين تارة يجعلون المعنى الفاسد ظاهر اللفظ حتى يجعلوه محتاجًا إلى تأويل يخالف الظاهر، ولا يكون كذلك وتارة يردون المعنى الحق الذي هو ظاهر اللفظ لاعتقادهم أنه باطل.

стр. 311

كما قالوا في الحديث القدسي في قوله تعالى: (عبدي جعت فلم تطعمني. .) (١). وفي الأثر الآخر: "الحجر الأسود يمين اللَّه في الأرض، فمن صافحه وقبله، فكأنما صافح اللَّه وقبل يمينه" (٢). وقوله: "قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن" (٣). فقالوا: قد علم أن ليس في قلوبنا أصابع الحق، فيقال لهم لو أعطيتم النصوص حقها من الدلالة لعلمتم أنها لم تدل إلا على حق. أما الواحد فقوله: الحجر الأسود يمين اللَّه في الأرض فمن صافحه وقبله فكأنما صافح اللَّه وقبل يمينه صريح في أن الحجر ليس هو صفة اللَّه ونفس يمينه لأنه قال: يمين اللَّه في الأرض، وقال: فمن قبله وصافحه فكأنما صافح اللَّه وقبل يمينه. ومعلوم أن المشبه ليس هو المشبه به ففي نفس الحديث بيان أن مستلمه ليس مصافحًا للَّه، وأنه ليس هو نفس يمينه فكيف يجعل ظاهره كفرًا، أو أنه محتاج إلى التأويل.

стр. 312

مع أن هذا الحديث إنما يعرف عن ابن عباس ﵄. وأما الحديث الآخر فهو في الصحيح مفسرًا يقول اللَّه: "عبدي جعت فلم تطعمني، فيقول رب كيف أطعمك وأنت رب العالمين، فيقول: أما علمت أن عبدي فلانًا جاع، فلو أطعمته لوجدت ذلك عندي. عبدي مرضت فلم تعدني، فيقول رب كيف أعودك وأنت رب العالمين؟، فيقول: أما علمت أن عبدي فلانًا مرض فلو عدته لوجدتني عنده". وهذا صريح في أن اللَّه تعالى وتقدس لم يجع ولم يمرض، ولكن جاع عبده ومرض فجعل جوعه جوعه، ومرضه مرضه، مفسرًا ذلك بأنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي، ولو عدته لوجدتني عنده، فلم يبق في الحديث لفظ يحتاج إلى تأويل، وأما قوله: "قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن" فإنه ليس في ظاهره أن القلب متصل بالإصبع، ولا مماس لها، ولا أنها في جوفه، ولا في قول القائل: هذا بين يدى ما يقتضي مباشرته ليديه، وإذا قيل السحاب المسخر بين السماء والأرض لم يقتض أن يكون مماسًا للسماء والأرض، ونظائر هذا كثيرة. ومما يشبه هذا أن جعل اللفظ نظيرًا لما ليس مثله كما قيل في قوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]. فقيل هو مثل قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ [يس: ٧١]. فهذا ليس مثل مذا لأنه هنا أضاف الفعل إلى الأيدى فصار شبيهًا بقوله: ﴿مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٧٩]. وهناك أضاف الفعل إليه فقال: ﴿لِمَا خَلَقْتُ﴾ ثم قال ﴿بِيَدَيَّ﴾ وأيضًا فإنه هنا ذكر نفسه المقدسة بصيغة المفرد، وفى اليدين ذكر لفظ التثنية كما في قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤].

стр. 313

وهناك أضاف الأيدي إلى صيغة الجمع فصار كقوله: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤] وهذا في الجمع نظير قوله: ﴿بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: ١] و ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ [آل عمران: ٢٦] في المفرد فاللَّه سبحانه يذكر نفسه تارة بصيغة المفرد، مظهرًا أو مضمرًا، وتارة بصيغة الجمع كقوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١١] وأمثال ذلك. ولا يذكر نفسه بصيغة التثنية قط، لأن صيغة الجمع تقتضي التعظم الذي يستحقه وربما تدل على معانى أسمائه، وأما صيغة التثنية فتدل على العدد المحصور وهو مقدس عن ذلك فلو قال: (ما منعك أن تسجد لما خلقت يدى) (١) كان (٢) كقوله: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ وهو نظير قوله: ﴿بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ و ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ ولو قال خلقت (بيدي) (٣) بصيغة الإفراد لكان. . . (٤) مع دلالة الأحاديث المستفيضة بل المتواترة وإجماع السلف على مثل ما دل عليه القرآن مثل قوله ﷺ : "المقسطون عند اللَّه على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين" (٥) كما تقدم وأمثال ذلك. قال وإن كان القائل يعتقد أن ظاهر النصوص المتنازع في معناها من جنس ظاهر النصوص المتفق على معناها والظاهر هو المراد في الجميع فإن اللَّه تعالى لما أخبر أنه بكل شيء عليم وأنه على كل شيء قدير. واتفق أهل السنة وأئمة المسلمين على أن هذا ظاهره، وأن ظاهر ذلك مراد كان

стр. 314

من المعلوم أنهم لم يريدوا بهذا الظاهر أن يكون علمه كعلمنا، وقدرته كقدرتنا، وكذلك لما اتفقوا على أنه حي حقيقة، عالم حقيقة، قادر حقيقة، لم يكن مرادهم أنه مثل المخلوق الذي هو حي عليم قدير. فكذلك إذا قالوا في قوله: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]، ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [البينة: ٨]، وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الفرقان: ٥٩] إنه على ظاهره لم يقتض ذلك أن يكون ظاهره استواء كاستواء المخلوق (١) ولا حبًا كحبه ولا رضًا كرضاه. فإن كان المستمع يظن أن ظاهر الصفات يماثل صفات المخلوقين لزمه أن لا يكون شيء من ظاهر ذلك مراد وإن كان يعتقد أن ظاهرها مما يليق بالخالق ويختص به لم يكن له نفي هذا الظاهر ونفي أن يكون مرادًا إلا بدليل يدل على النفي وليس في العقل ولا السمع ما ينفي هذا إلا من جنس ما ينفي به سائر الصفات. فيكون الكلام في الجميع واحدًا. وبيان هذا أن صفاتنا منها ما هي أعيان وأجسام وهى أبعاض لنا كالوجه واليد، ومنها ما هو معان وأعراض وهى قائمة بنا كالسمع والبصر والعلم والكلام والقدرة. ثم من المعلوم أن الرب لما وصف نفسه بأنه حي عليم قدير لم يقل المسلمون إن ظاهر هذا غير مراد لأن مفهوم ذلك في حقه مثل مفهومه في حقنا، فكذلك لما وصف نفسه بأنه خلق آدم بيده، لم يوجب ذلك أن يكون ظاهره غير مراد، لأن مفهوم ذلك في حقه تعالى كمفهومه في حقنا، بل صفة الموصوف تناسبه، فإذا كانت ذاته المقدسة ليست مثل ذوات المخلوقين، فصفاته تعالى كذاته ليست

стр. 315

كصفات المخلوقين، ونسبة صفة المخلوق إليه كنسبة صفة الخالق إليه، وليس المنسوب كالمنسوب، ولا المنسوب إليه كالمنسوب إليه، كما قال ﷺ : "ترون ربكم كما ترون الشمس والقمر" فشبه الرؤية بالروية لا المرئي بالمرئي (١). انتهى. ثم أشار الناظم رحمه اللَّه تعالى إلى صفة النزول اللائق بذات اللَّه المقدسة وعظمته المنزهة، فقال: (وقل) أي اعتقد أيها الأثري ودن أيها السني بالنزول الإلهي على حسب ما يليق بذاته العلية، وصفاته الخبرية، كما ثبتت بذلك الأخبار وصحت به الآثار، غير ملتفت لسفساف (٢) يتشدق (٣) ولا جهمي يتودق (٤) ولا ملحد يتزندق. (ينزل) الملك الجبار نزولًا يليق بذاته بلا تشبيه، ولا تكييف، ولا تمثيل، ولا تحريف. و (الجبار): اسم من أسمائه الحسنى: وهو الذي جبر الخلق على ما أراد من أمره (٥) كذا قيل والحق أنه الذي جبر مفاقر الخلق وكفاهم أسباب المعاش والرزق،

стр. 316

ومنه قولهم: جبرت الكسر إذا أصلحته (١). وقيل الجبار: العالي فوق خلقه من قولهم: تجبر النبات إذا طال وعلا (٢). والجبار في صفة اللَّه تعالى صفة مدح، وفي الخلق صفة ذم، لأنهم تحت القهر والمشيئة فعلى العبد أن لا يتجبر على غيره من عباد اللَّه تعالى -كما في "تحفة العباد في أدلة الأوراد"- للعلامة أبي بكر بن أبي داود (٣) الحنبلي تلميذ المحقق ابن القيم (٤) رحمهم اللَّه تعالى، من أعيان المائة الثامنة. وقال ابن الأثير (٥) في النهاية في أسماء اللَّه تعالى: الجبار: ومعناه الذي يقهر العباد على ما أراد من أمر ونهي، يقال: جبر الخلق وأجبرهم قال وأجبر أكثر، وقيل: هو العلي فوق خلقه وفعال من أبنية المبالغة ومنه قولهم: نخلة جبارة، وهي

стр. 317

العظيمة التي تفوت يد المتناول. وفي حديث أبي هريرة ﵁: يا أمة الجبار (١) وإنما أضافها إلى الجبار دون باقي أسماء اللَّه تعالى لاختصاص الحال التي كانت عليها من اظهار العطر والبخور والتباهي به والتبختر في المشى ومنه الحديث في ذكر النار: حتى يضع الجبار فيها قدمه (٢). قال ابن الأثير المشهور في تأويله أن المراد بالجبار اللَّه تعالى ويشهد له قوله في الحديث الآخر: حتى يضع فيها رب العزة قدمه (٣). وفي الحديث: "سبحان ذي الجبروت والملكوت" (٤) هو فعلوت من الجبر أي القهر (٥). وقول الناظم (في كل ليلة) أي من الليالي فلا يختص بليلة دون أخرى (بلا كيف) فلا يتوهم أن لنزولة كيفًا.

стр. 318

روى أبو بكر الأثرم (١) عن الغضيل بن عياض (٢) رحمهما اللَّه تعالى قال: ليس لنا أن نتوهم في اللَّه كيف وكيف لأن اللَّه تعالى وصف فأبلغ فقال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ١ - ٢]. فلا صفة أبلغ مما وصف به نفسه، وكل هذا النزول والضحك والمباهات كما شاء أن ينزل، وكما شاء أن يضحك فليس لنا أن نتوهم كيف وكيف، وإذا قال لك الجهمي أنا أكفر برب ينزل، فقل أنت أنا أؤمن برب يفعل ما يشاء (٣). وقال الإمام البخاري (٤) في كتاب: "خلق أفعال العباد" من صحيحه: (٥) قال الفضيل بن عياض إذا قال لك الجهمي أنا أكفر برب يزول عن مكانه، فقل أنا أؤمن برب يفعل ما يشاء (٦).

стр. 319

قال البخاري: وحدث (١) يزيد بن هارون (٢) عن الجهمية فقال: "من زعم أن (الرحمن على العرش استوى) على خلاف (ما يَقِر) (٣) في قلوب العامة فهو جهمي (٤).

стр. 320

وروى الخلال (١) عن سليمان بن حرب (٢) (قال) (٣) سأل بشر بن السري (٤) حماد بن زيد (٥) فقال: يا أبا إسماعيل الحديث ينزل اللَّه إلى السماء الدنيا يتحول من مكان إلى مكان فسكت حماد بن زيد ثم قال: هو على عرشه يقرب من خلقه كيف شاء (٦). قال شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس اللَّه روحه- في شرح العقيدة الأصفهانية: (٧) وهذا هو الذي نقله الأشعري في كتاب المقالات عن أهل السنة والحديث فقال: ويصدقون بالأحاديث التي جاءت عن النبي ﷺ ويأخذون بالكتاب والسنة (٨). وقال أبو عثمان النيسابوري (٩) الملقب بشيخ الإسلام في رسالته المشهورة في
следующие страницы →