← Акыда

Акыда · id 16618

لوائح الأنوار السنية ولواقح الأفكار السنية

السفاريني

Полный текст (799 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

ومنه قولهم: جبرت الكسر إذا أصلحته (١). وقيل الجبار: العالي فوق خلقه من قولهم: تجبر النبات إذا طال وعلا (٢). والجبار في صفة اللَّه تعالى صفة مدح، وفي الخلق صفة ذم، لأنهم تحت القهر والمشيئة فعلى العبد أن لا يتجبر على غيره من عباد اللَّه تعالى -كما في "تحفة العباد في أدلة الأوراد"- للعلامة أبي بكر بن أبي داود (٣) الحنبلي تلميذ المحقق ابن القيم (٤) رحمهم اللَّه تعالى، من أعيان المائة الثامنة. وقال ابن الأثير (٥) في النهاية في أسماء اللَّه تعالى: الجبار: ومعناه الذي يقهر العباد على ما أراد من أمر ونهي، يقال: جبر الخلق وأجبرهم قال وأجبر أكثر، وقيل: هو العلي فوق خلقه وفعال من أبنية المبالغة ومنه قولهم: نخلة جبارة، وهي

стр. 317

العظيمة التي تفوت يد المتناول. وفي حديث أبي هريرة ﵁: يا أمة الجبار (١) وإنما أضافها إلى الجبار دون باقي أسماء اللَّه تعالى لاختصاص الحال التي كانت عليها من اظهار العطر والبخور والتباهي به والتبختر في المشى ومنه الحديث في ذكر النار: حتى يضع الجبار فيها قدمه (٢). قال ابن الأثير المشهور في تأويله أن المراد بالجبار اللَّه تعالى ويشهد له قوله في الحديث الآخر: حتى يضع فيها رب العزة قدمه (٣). وفي الحديث: "سبحان ذي الجبروت والملكوت" (٤) هو فعلوت من الجبر أي القهر (٥). وقول الناظم (في كل ليلة) أي من الليالي فلا يختص بليلة دون أخرى (بلا كيف) فلا يتوهم أن لنزولة كيفًا.

стр. 318

روى أبو بكر الأثرم (١) عن الغضيل بن عياض (٢) رحمهما اللَّه تعالى قال: ليس لنا أن نتوهم في اللَّه كيف وكيف لأن اللَّه تعالى وصف فأبلغ فقال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ١ - ٢]. فلا صفة أبلغ مما وصف به نفسه، وكل هذا النزول والضحك والمباهات كما شاء أن ينزل، وكما شاء أن يضحك فليس لنا أن نتوهم كيف وكيف، وإذا قال لك الجهمي أنا أكفر برب ينزل، فقل أنت أنا أؤمن برب يفعل ما يشاء (٣). وقال الإمام البخاري (٤) في كتاب: "خلق أفعال العباد" من صحيحه: (٥) قال الفضيل بن عياض إذا قال لك الجهمي أنا أكفر برب يزول عن مكانه، فقل أنا أؤمن برب يفعل ما يشاء (٦).

стр. 319

قال البخاري: وحدث (١) يزيد بن هارون (٢) عن الجهمية فقال: "من زعم أن (الرحمن على العرش استوى) على خلاف (ما يَقِر) (٣) في قلوب العامة فهو جهمي (٤).

стр. 320

وروى الخلال (١) عن سليمان بن حرب (٢) (قال) (٣) سأل بشر بن السري (٤) حماد بن زيد (٥) فقال: يا أبا إسماعيل الحديث ينزل اللَّه إلى السماء الدنيا يتحول من مكان إلى مكان فسكت حماد بن زيد ثم قال: هو على عرشه يقرب من خلقه كيف شاء (٦). قال شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس اللَّه روحه- في شرح العقيدة الأصفهانية: (٧) وهذا هو الذي نقله الأشعري في كتاب المقالات عن أهل السنة والحديث فقال: ويصدقون بالأحاديث التي جاءت عن النبي ﷺ ويأخذون بالكتاب والسنة (٨). وقال أبو عثمان النيسابوري (٩) الملقب بشيخ الإسلام في رسالته المشهورة في

стр. 321

السنة (١) "ويثبت أهل الحديث نزول الرب في كل ليلة إلى السماء الدنيا من غير تشبيه له بنزول المخلوقين، ولا تمثيل، ولا تكييف، بل يثبتون له ما أثبته له رسول اللَّه ﷺ وينتهون فيه إليه ويمرون الخبر الصحيح الوارد بذكره على ظاهره ويكلون علمه إلى اللَّه تعالى. وكذلك يثبتون ما أنزل اللَّه في كتابه من ذكر المجيء (٢) والإتيان في ظلل من الغمام والملائكة (٣). وقال (٤) سمعت الحاكم أبا عبد اللَّه (٥) الحافظ يقول: سمعت أبا (زكريا) (٦) يحيى بن (محمد) (٧) العنبري يقول: سمعت إبراهيم

стр. 322

ابن أبي طالب (١) سمعت أحمد بن سعيد الرباطي (٢) يقول: حضرت مجلس الأمير عبد اللَّه بن طاهر (٣) ذات يوم وحضر إسحاق بن إبراهيم (٤) -يعني ابن راهويه- فسئل عن حديث النزول صحيح هو؟ فقال: نعم فقال بعض قواد عبد اللَّه: يا أبا يعقوب أتزعم أن اللَّه ينزل في كل ليلة؟ قال: نعم. قال: كيف ينزل؟ قال: أثبته فوق حتى أوصف لك النزول. فقال الرجل: أثبته فوق. فقال إسحق، قال اللَّه : ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢] فقال له الأمير عبد اللَّه بن طاهر: يا أبا يعقوب هذا يوم القيامة. فقال إسحق: أعز اللَّه الأمير من يجيء يوم القيامة من يمنعه اليوم (٥). وروى بإسناده عن إسحق أيضًا. قال: قال لي الأمير عبد اللَّه ابن طاهر: يا أبا يعقوب هذا الحديث الذي تروونه عن النبي ﷺ "ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا" كيف ينزل؟ قال: قلت أعز اللَّه الأمير لا يقال لأمر الرب كيف ينزل، إنما ينزل بلا كيف (٦).

стр. 323

وروى بإسناده عن عبد اللَّه بن المبارك (١) ﵁ أنه سأله سائل عن النزول ليلة النصف من شعبان (٢) فقال عبد اللَّه: يا ضعيف ليلة النصف وحدها ينزل في كل ليلة، فقال الرجل: يا أبا عبد الرحمن كيف ينزل؟ أليس يخلو ذلك المكان؟ فقال عبد اللَّه بن المبارك: ينزل كيف شاء (٣). قال أبو عثمان النيسابوري: "فلما صح خبر النزول عن النبي ﷺ أقر به أهل السنة، وقبلوا الحديث، وأثبتوا النزول على ما قاله رسول اللَّه ﷺ ولم يعتقدوا تشبيها له بنزول خلقه وعلموا وعرفوا واعتقدوا وتحققوا أن صفات الرب تعالى لا تشبه صفات الخلق، كما أن ذاته لا تشبه ذوات الخلق. سبحانه وتعالى عما تقول المشبهة والمعطلة علوًا كبيرًا" (٤). وروى الإمام الحافظ البيهقي (٥) بإسناده عن إسحاق بن راهويه، قال: جمعني أنا وهذا المبتدع -يعني ابن صالح- مجلس الأمير عبد اللَّه بن طاهر فسألني الأمير عن أخبار النزول (فسردتها) (٦). فقال إبراهيم بن صالح (٧) كفرت برب ينزل من سماء إلى سماء،

стр. 324

فقلت: آمنت برب يفعل ما يشاء، فرضى عبد اللَّه كلامي وأنكر على إبراهيم (١). وقال حرب بن إسماعيل الكرماني (٢) في كتابه المصنف في مسائل الإمام أحمد وإسحاق قال: مذهب أئمة العلم وأصحاب الأثر المعروفين المقتدى بهم في السنة قال: وأدركت من أدركت من علماء العراق والحجاز والشام عليها، فمن خالف شيئًا منها، أو طعن فيها، أو عاب قائلها، فهو مبتدع، خارج عن الجماعة زائل عن سبيل السنة ومنهج الحق. قال وهو مذهب الإمام أحمد (٣)، وإسحق بن إبراهيم (٤) وبقي بن مخلد (٥)،

стр. 325

وعبد اللَّه بن الزبير الحميدي (١)، وسعيد بن منصور (٢) وغيرهم ممن جالسنا وأخذنا عنهم العلم، فذكر الكلام في الإيمان والقدر والوعيد والإمامة وما أخبر به الرسول ﷺ من أشراط الساعة وأمر البرزخ وغير ذلك. . إلى أن قال واللَّه تعالى يعطي ويمنع وينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا كيف شاء متكلمًا عالمًا تبارك اللَّه أحسن الخالقين (٣). وقال شيخ الإسلام في التدمرية: "إذا قال لك كيف ينزل ربنا إلى سماء الدنيا؟ قل كيف هو في ذاته؟ فإذا قال أنا لا أعلم كيفيته قيل له ونحن لا نعلم كيفية نزوله إذ العلم بكيفية الصفة يستلزم العلم بكيفية الموصوف، وهو فرع له وتابع له، فكيف تطالبني بكيفية سمعه وبصره وتكليمه واستوائه ونزوله وأنت لا تعلم كيفية ذاته، وإذا كنت تقر بأن له ذاتًا حقيقة ثابتة في نفس الأمر مستوجبة لصفات الكمال لا يماثلها شيء فسمعه وبصره وكلامه ونزوله واستواؤه هو ثابت في نفس الأمر وهو متصف بصفات الكمال التي لا يشابهه فيها سمع المخلوقين وبصرهم وكلامهم ونزولهم واستواؤهم قال وهذا الكلام لازم لهم في العقليات وفي تأويل السمعيات فإن من أثبت شيئًا ونفى شيئًا بالعقل إذا ألزم فيما نفاه من الصفات التي جاء بها الكتاب والسنة نظير ما يلزمه فيما أثبته (ولو) (٤) طولب بالفرق بين المحذور في هذا

стр. 326

وهذا لم يجد بينهما فرقًا، ولهذا لا يوجد لنفاة بعض الصفات دون بعض -الذين يوجبون فيما نفوه إما التفويض وإما التأويل المخالف لمقتضى اللفظ- قانون مستقيم. فإذا قيل لهم لم تأولتم هذا وأقررتم هذا، والسؤال فيهما واحد لم يكن لهم جواب صحيح، فهذا تناقضهم في النفي، وكذلك تناقضهم في الإثبات، فإن من تأول النصوص على معنى من المعاني إلى يثبتها بأن صرفوا النص عن مقتضاه إلى معنى آخر لزمهم في المعنى المصروف إليه ما كان يلزمهم في المعنى المصروف عنه فمن تأول محبته ونحوها إلى الإرادة للثواب والعقاب كان ما يلزمه في الإرادة نظير ما يلزمه في نحو الحب" (١). (جل الواحد): أبي عظم في وحدانيته وفى الحديث: "ألظوا بياذا الجلال والإكرام" (٢). وفي الحديث الآخر: "أجلوا اللَّه يغفر لكم" (٣) أي قولوا يا ذا الجلال والإكرام". وقيل أراد عظموه. وجاء تفسيره في بعض الروايات: أي أسلموا والجليل هو الموصوف بنعوت

стр. 327

الجلال وهو راجع إلى كمال الصفات كما أن الكبير راجع إلى كمال الذات والعظيم راجع إلى كمال الذات والصفات (١). والواحد: هو الفرد الذي لم يزل وحده، وقيل هو المعدوم الشريك والنظير، وليس هو كسائر الآحاد من الأجسام المؤلفة إذ كل شيء سواه يدعى واحدا فهو واحد من جهة غير واحد من جهات فإن اللَّه سبحانه الواحد الذي ليس كمثله شيء والواحد الذي لا يثنى من لفظه فلا يقال واحدان (٢). والفرق بين الواحد والأحد، أن الواحد هو المنفرد بالذات والأحد هو المنفرد بالمعنى لا يشاركه فيها أحد. وإن الواحد في جنس المعدود يفتتح به العدد، وإن الأحد يصلح في الكلام في موضع الجحود، والواحد في موضع إثبات. وأما الوحيد فإنما يوصف به في غالب العرف المنفرد عن أصحابه المنقطع عنهم، فلا ينبغي إطلاقه على اللَّه تعالى (٣) -كما في تحفة العباد- (٤).

стр. 328

وقال أيضا في الجليل: المستحق لجميع نعوت الجلال والكمال ومعناه منصرف إلى جلال القدر وعظم الشأن وهو الجليل الذي يصغر دونه كل جليل ويتضع معه كل رفيع (١). وقوله: (المتمدح) نعت للواحد وهو الذي يجب أن يمدح. قال في القاموس: "مدحه كمنعه مدحًا، ومدحه أحسن الثناء عليه كمدحه، وامتدحه وتمدحه والمدبح والمدحة والأمدوحة ما يمدح به وممدح كمحمد ممدوح جدًا وتمدح تكلف أن يمدح وافتخر" (٢). والمراد أن اللَّه الواحد أسبغ على عباده من النعم ما يرجب المدح. وهو لغة الثناء باللسان على الجميل سواء كان اختياريًا أم اضطراريًا على جهة التعظيم والتبجيل. وعرفًا ما يدل على اختصاص الممدوح بنوع من الفصائل فهو أعم من الحمد لأن الحمد مختص بكرنه على الجميل الاختياري، يقال: مدحت زيدًا لحسنه، ولا يقال حمدته لأن الحسن ليس باختياري لزيد. قوله (إلى طبق الدنيا) متعلق بينزل الجبار تعالى وطبق الدنيا أي سماء الدنيا فإن الطبق بفتح الطاء المهملة والموحدة غطاء كل شيء (٣). وفي الحديث: "للَّه مائة رحمة كل رحمة منها كطباق الأرض" (٤) -أي كغشائها- (٥).

стр. 329

وفيه -أيضًا- "حجابه النور لو كشف طبقه لأحرق بسبحات وجهه كل شيء أدركه بصره" (١). قال في النهاية "الطبق كل غطاء لازم على الشيء" (٢) ولا شك أن السماء غطاء للأرض، وكل سماء فهي غطاء لما تحتها. و (الدنيا): يعني القربية إلى الأرض، يقال دنى دنوا ودناؤه قرب كأدنى. والدنيا نقيض الآخرة. (يمن) أي يعطي ويحسن إلى من لا يستثيبه ولا يطلب الجزاء عليه (٣) ومن أسمائه تعالى المنان وهو المنعم المعطي من المن وهو العطاء لا من المئة وهو من أبنية المبالغة كالسفاك والوهاب. وفي الحديث أنه ﷺ قال: "ما أحدُ أمنُّ علينا من ابن أبي قحافة" (٤) يعني الصديق الأعظم ﵁، أي ما أحدٌ أجودُ بماله وذات يده.

стр. 330

وقد يقع المنان على الذي لا يعطي شيئا إلا منة واعتد به على من أعطاه وهو مذموم لأن المنة تفسد الصنيعة (١) وليس هذا مرادًا هنا. وقوله: (بفضله) متحلق بيمن والفضل ضد النقص وجمعه فضول وقد فضل كنصر وعلم والفضيلة الدرجة الرفيعة في الفضل، وفضله تفضيلًا مزاه وتفضل تمزى أو تطول كأفضل عليه (٢). (فتفرج) أي تكشف وتنشق وتنصدع. (أبواب) جمع باب وهو فرجة في ساتر يتوصل بها من داخل إلى خارج ومن خارج إلى داخل. (السماء وتفتح) تلك الأبواب لنزول المنح منها والرحمة والمغفرة وصعود العمل والدعاء وإجابته. وفيه رد على أهل الفلسفة القائلين بأن الأفلاك لا تقبل الخرق ولا الإلتئام، والقرآن مملؤ بخلاف زعمهم الباطل ونهجهم العاطل، فلا التفات لزعمهم، ولا اشتغال بافكهم. (يقول) الملك الجبار في نزوله إلى سماء الدنيا وتجليه (٣): (ألا) أداة استفتاح أي للعرض والتحضيض، ومعناهما الطلب، لكن العرض طلب بلين كقوله تعالى: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢] وكذا هو هنا.

стр. 331

(مستغفر) أي طالب غفران ذنوبه. (يلق) مجزوم بحذف الألف في جواب الطب، وفيه ضمير يعود إلى المستغفر. و (غافرًا) مفعول يلقى والجملة خبر المبتدأ الذي هو مستغفر. وإلا (مستمنح) أي مستعط يقال منحه كمنعه وضربه أعطاه والاسم: المنحة بالكسر وهو اسم فاعل مبتدأ كمستغفر. وقوله: (خيرًا) مفعول "مستمنح" (ورزقًا) معطوف عليه. والخير معروف وجمعه خيور كالمال والخيل والكثير الخير كالخير ككيس والأنثى خيرة بهاء (١). والرزق: ما ينتفع به المرتزق بحصوله اليه من حلال وهو ما انحلت عنه التبعات، أو حرام وهو ما منع منه شرعًا، إما لصفة في ذاته كالسميات والخمر ومذكى المجوس ونحوهم لأنه في حكم الميتة، وإما لخلل في تحصيله كالربا والغصب ونحو ذلك، فإن كل ذلك رزق لأن اللَّه تعالى يسرقه للحيوان فيتناوله ويتغذى به. وقالت المعتزلة الحرام ليس برزق، وفسروه تارة بمملوك يأكله المالك، وتارة بما لا يمنع من الانتفاع به، وذلك لا يكون إلا حلالا، فيلزمهم على الأول أن ما تأكله الدواب ليس برزق مع ظاهر قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦] فيكون مصادمًا للقرآن، لأنه يقتضى أن كل دابة مرزوقة مع عدم ملكيتها، ولا ينفعهم زعمهم أن تسمية ما يأكله الدواب رزقًا مبني على تشبهه

стр. 332

بما هو مملوك الإنسان فيأكله فيكون لفظ الرزق مجازًا عما تأكله الدواب فيلزم ألا تكون كل دابة مرزوقة على سبيل الحقيقة لأنا نقول هذا التأويل مخالفًا لظاهر القرآن وهو خلاف المتعارف في اللغة، فلا يرتكب من غير ضرورة، ثم إن تفسيرهم الرزق بذلك ليس بمطرد، ولا منعكس لدخول ملك اللَّه تعالى، وخروج رزق الدواب والعبيد والأماء، ويلزمهم أيضا على التأويلين أن من أكل الحرام طول عمره لم يرزقه اللَّه تعالى أصلًا، وهو خلاف الإجماع الحاصل بين الأمة قبل ظهور المعتزلة أن لا رازق إلا اللَّه، وإن استحق العبد الذم واللوم على كل الحرام، والإضافة إلى اللَّه تعالى معتبرة في مفهوم الرزق، وكل أحد مستوف رزق نفسه حلالًا كان أو حرامًا، ولا يتصور أن لا يأكل الإنسان رزقه أو يأكل غير رزقه، لأن ما قدره اللَّه تعالى غذاء الشخص يجب أن يأكله ويمتنع أن يأكل غيره -فعلى كل حال ما ذهب إليه أهل الاعتزال ضرب من المحال (١) واللَّه أعلم.

стр. 333

وجواب ألا مستمنح محذوف، دل عليه جواب ألا مستغفر تقديره "يلق ما نحا" وهو اللَّه، ولذا قال (فامنح) أي فمن كان بهذه المثابة وقام في سجف (١) الظلام وصف الأقدام وطلب المنح من الكريم الكلام، فأني أعطه ما طلب وأزيده عما فيه قد رغب. (روى) مأخوذ من روى الحديث يرويه رواية وترواه بمعنى ذلك وهو راوية للمبالغة، وروى الحبل فتله فارتوى وروى من الماء واللبن ونحوهما بكسر الواو كرضي ريا وريا وروى وتروى وارتوا بمعنى (٢). (ذاك): اسم الإشارة في موضع نصب مفعول روى والمشار إليه النزول المفهوم من قوله، وقل ينزل الجبار. و (قوم): فاعل روى وهم الجماعة من الرجال والنساء معًا أو الرجال خاصة أو يدخله النساء على التبعبة كذا في القاموس (٣). وقال في النهاية: (٤) "القوم في الأصل مصدر قام فوصف به الإنسان ثم غلب على الرجال دون النساء. ولهذا قال النبي ﷺ : "إن نساني الشيطان شيئًا من صلاتي فليسبح القوم،

стр. 334

ولتصفق النساء" (١) فقابلهن بهم، وسموا بذلك لأنهم قوامون على النساء بالأمور التي ليس للنساء أن يقمن بها (٢). ثم وصف القوم الذين رووا أحاديث النزول بأنهم (لا يرد حديثهم) الذي رووه ولا يطعن في خبرهم الذي ذكروه، وذلك لثقتهم وعدالتهم وحفظهم وضبطهم. (ألا) صدر كلامه بحرف التنبيه الدال على مضمون الكلام مما له خطر، وبه عنايه ومزيد تهديد وارتكاب ما فيه الوعيد وهو قوله: (خاب) أي خسر وحرم يقال خاب يخيب خيبة حرم وخيبه اللَّه خسر ولم ينل ما طلب وفي المثل: الهيبة خيبة، ويقال أيضًا: خاب خوبا افتقر والخوبة الجرع، وأرض لم تمطر بين ممطورتين، وأرض لا رعي بها (٣). وقوله (قوم) فاعل خاب موصوفون بأنهم (كذبوهم) أي كذبوا أولئك القوم الذين لا يرد حديثهم أي نسبوهم إلى الكذب، وهو ضد الصدق. و (قبحوا) أي نسبوهم إلى القبح وهو ضد الحسن وقد قبح يقبح فهو قبيح، وإذا قيل قبحه اللَّه فمعناه أبعده ومنه حديث "لا تقبحوا الوجه" (٤) أي لا تقولوا قبح اللَّه وجه فلان دكونه بمعنى الإبعاد وقيل لا تنسبوه للقبح ضد الحسن لأن اللَّه صوره وقد أحسن كل شيء خلقه (٥). ومنه قول سيدنا عمار بن ياسر ﵁ لمن ذكر أم المؤمنين عائشة الصديقة

стр. 335

رضي اللَّه عنها بسوء "اسكت مقبوحًا مشقوحًا" منبوحًا (١) أي مبعدًا. إذا علمت ذلك فاسمع الآن رواة حديث النزول فقد أخرج الإمام أحمد في المسند والترمذي وابن ماجة في سننهما عن عائشة الصديقة ﵂ عن النبي ﷺ : "إن اللَّه ينزل ليلة النصف من شعبان إلى سماء الدنيا فيغفر لأكثر من عدد شعر غنم بني كلب" (٢). وأخرج الإمام أحمد في المسند ومسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ﵄ عن النبي ﷺ : "أن اللَّه تعالى يمهل حتى إذا كان ثلث الليل الأخير نزل إلى سماء الدنيا فينادي هل (من) مستغفر، هل من تائب، هل من سائل، هل من داع، حتى ينفجر الفجر" (٣). ورواه البخاري ولفظه "ينزل ربنا إلى السماء الدنيا".

стр. 336

وفي صحيح البخاري ومسلم وسنن أبي داود والترمذي وغيرهم من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فاستجيب له، ومن يسألني فأعطيه، ومن يستغفرني فأغفر له" (١). وفي بعضها قال: "ينزل اللَّه إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يمضي ثلث الليل الأول فيقول: أنا الملك أنا الملك من ذا الذي يدعوني فاستجيب له من ذا الذي يسألني فأعطه من ذا الذي يستغفرني فأغفر له، فلا يزال كذلك حتى يضيء الفجر (٢). فوصفه الرسول ﷺ بأنه ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا ومذهب السلف إجراء ذلك على ما ورد مؤمنين به على طريق الإجمال منزهين له عن الكيفية والمثال. وقد نقله البيهقي (٣) وغيره عن الأئمة الأربعة والسفيانين (٤)، والحمادين (٥)، والأوزاعي (٦)، والليث، وغيرهم.

стр. 337

وقدمنا كلام حماد بن زيد لما سئل أيتحول من مكان إلى مكان، فقال: هو على عرشه يقرب من خلقه كيف شاء (١). قال العلامة ابن حمدان (٢) في نهاية المبتدئين: قال التميمي (٣) في اعتقاد الإمام أحمد في حديث النزول، ولا يجوز عليه الانتقال، ولا الحلول في الأمكنة (٤). وقال ابن البناء (٥) في اعتقاد الإمام أحمد -أيضًا- ولا يقال يعني نزوله تعالى بحركة ولا انتقال (٦). وكذا قال القاضي أبو يعلى (٧) وقد وصفه النبي ﷺ بالنزول إلى السماء الدنيا والعلو، لا على جهة الانتقال والحركة، كما جازت رؤيته وتجلى للجبل لا على وجه الحركة. وكذا قال الإمام ابن عقيل (٨) ليس بنزول زوال ولا انتقال ولا كنزولنا.

стр. 338

وقال القاضي أيضًا النزول صفة ذاتية فلا نقول نزوله بانتقال. وقال سيدنا الإمام أحمد ﵁ أحاديث الصفات تمر كما جاءت من غير بحث عن معانيها وتخالف ما خطر في المخاطر عند سماعها وننفي التشبيه عن اللَّه تعالى، عند ذكرها مع تصديق النبي ﷺ والإيمان بها، وكل ما يعقل ويتصور فهو تكييف وتشبيه وهو محال "انتهى" كلام ابن حمدان في نهايته (١). وذكر الإمام المحقق شمس الدين ابن القيم في كتابه "الروح": "أن للروح شأنًا آخر غير شأن البدن، قال، وهذا جبريل صلوات اللَّه وسلامه عليه رآه النبي ﷺ وله ستمائة جناح منها جناحان قد سد بهما ما بين المشرق والمغرب (٢) وكان يدنوا من النبي ﷺ حتى يضع ركبتيه إلى ركبتيه ويديه على فخذيه (٣) وما أظنك يتسع بطانك (٤) أنه كان حينئذ في الملأ الأعلى فوق السموات حيث هو بمستقره، وقد دنا من النبي ﷺ هذا الدنو فإن التصديق بهذا له قلوب خلقت له، وأهلت لمعرفته، ومن لم يتسع بطانه لهذا فهو ضيق أن يتسع للإيمان بالنزول الإلهي إلى

стр. 339

سماء الدنيا كل ليلة، وهو فوق سماواته على عرشه ليس نوقه شيء البته، بل هو العالي على كل شيء، وعلوه من لوازم ذاته، وكذلك دنوه عشية عرفة من أهل الموقف (١). وكذا مجيئه يوم القيامة لمحاسبة خلقه (٢) واشراق الأرض بنوره (٣). وكذلك كلما ورد من هذا الباب فهو حق وصدق وهو فوق سمواته على عرشه" (٤). قال العلامة الطرفي (٥) في "قواعد وجوب الاستقامة والاعتدال: والمشهور عند أصحاب الإمام أحمد ﵁ أنهم لا يتأولون الصفات التي من جنس الحركة كالمجيء والأتيان والنزول والهبوط والدنو والتدلي كما لا يتأولون غيرها متابعة للسلف الصالح، وكلام السلف في هذا الباب يدل على أنبات المعنى المتنازع فيه.

стр. 340

قال الأوزاعي (١) لما سئل عن حديث النزول (يفعل ما يشاء) (٢) وحكى كلام حماد بن زيد المتقدم (٣). وذكر كلام إسحق بن راهويه وابن المبارك وغيرهم من السلف (٤). وقال أهل التأويل العرب تنسب الفعل إلى من أمر به كما تنسبه إلى من فعله وباشره بنفسه كما يقولون: كتب الأمير إلى فلان وقطع يد اللص وضربه وهو لم يباشر شيئًا من ذلك بنفسه ولهذا احتيج للتأكيد فيقولون جاء زيد نفسه، وفعل كذا بنفسه وتقول العرب: أنت ضربت زيدًا لمن لم يضربه ولم يأمر بضربه، إذا كان قد رضى بذلك، قال تعالى: ﴿. . فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٩١] والمخاطبون بهذا لم كقتلوهم، لكنهم لما رضوا بذلك ووالوا القتلة نسب الفعل إليهم، والمعنى هنا -أن اللَّه تعالى يأمر ملكا بالنزول إلى السماء الدنيا فينادي بأمره تعالى. وقال بعضهم: إن قوله ينزل راجع إلى فعله، لا إلى ذاته المقدسة، فإن النزول كما يكون في الذوات يكون في المعانى والحاصل أن تأويله على وجهين، إما بأن المراد بنزل أمره، أو الملك بأمره، وإما أنه استعارة بمعنى التلطف بالداعين، والإجابة لهم ونحو ذلك كما يقال، نزل البائع في سلعته إذا قارب المشتري بعد مباعدته وأمكنه منها بعد منعه، والمعنى هنا أن العبد في هذا الوقت أقرب إلى رحمة اللَّه منه في غيره من الأوقات، وأنه تعالى يقبل عليهم بالتحنن والعطف في هذا الوقت بما

стр. 341

يلقيه في قلوبهم من التنبيه والتذكر الباعثين لهم على الطاعة. وقد حكى ابن فورك (١) أن بعض المشايخ ضبط رواية البخاري بضم أوله على حذف المفعول أي ينزل ملكًا (٢). ويقويه ما روى النسائي وغيره عن أبي هريرة وأبي سعيد ﵄ قالا: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن اللَّه يمهل حتى يمضى شطر الليل الأول، ثم يأمر مناديا يقول هل من داع يستجاب له، هل من مستغفر يغفر له، هل من سائل يعطى" (٣).

стр. 342

قال القرطبي: صححه أبو محمد عبد الحق (١) قال: وهذا يدفع الإشكال ويزيل كل احتمال، والسنة يفسر بعضها بعضا وكذلك الآيات قال: ولا سبيل إلى حمله على صفات الذات المقدسة فإن الحديث فيه التصريح بتجدد النزول واختصاصه ببعض الأوقات والساعات وصفات الرب يجب اتصافها بالقدم وتنزيهها عن الحدوث والتجدد بالزمان وقد قيل كلما لم يكن فكان أو لم يثبت فثبت من أوصافه تعالى فهو من قبيل صفة الأفعال. فعلى هذا النزول والاستواء من صفات الأفعال (٢) -واللَّه تعالى أعلم.

стр. 343

وقد علم مذهب السلف، وأنه الإيمان بما ورد من غير تكييف ولا حد -واللَّه الموفق (١).

стр. 344

مطلب في الاستواء وأنه من جملة الصفات الواجب على كل فرد اعتقادها (١) تنبيه: لم يذكر الناظم -رحمه اللَّه تعالى- مسألة الاستواء مع أنها من أعظم مسائل المعترك بين أهل السنة وأهل البدع، بل وبين علماء السلف وعلماء الخلف ممن ينتسب إلى المذاهب الأربعة وغيرها من أهل الحق. ولكنه أشار بالتجلي وبالنزول وبقوله فيما يأتي فكلهم يعصي وذو العرش يصفح إلى ما يعلم منه ذلك، ونحن نبرهن عليها على حسب ما يعتقده السلف ونشير إلى ما يذهب إليه الخلف فنقول: قد دلت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية على أن اللَّه مستو على عرشه، بائن من خلقه استواء يليق بذاته من غير تكييف، ولا تمثيل، ولا تحريف ولا تعطل، قال تعالى في محكم كتابه العزيز ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (٤)﴾ [السجدة: ٤]. قال الإمام المحقق ابن القيم (٢) في كتابه "الجيوش الإسلامية" بعد ذكره هذه الآيات إلى العزيز الرحيم: "تأمل ما في هذه الآيات من الرد على طوائف المعطلين والمشركين فنقوله: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ يتضمن إبطال قول الملاحدة القائلين بقدم العالم، وأنه لم يزل وأن اللَّه تعالى لم يخلقه بقدرته ومشيئته، ومن أثبت منهم وجود الرب جمله لازمًا لذاته أزلًا وأبدًا غير مخلوق كما هو قول

стр. 345

ابن سينا (١)، والنصير الطوسي (٢) وأتباعهما من الملاحدة الجاحدين لما اتفقت عليه الرسل والكتب وشهدت به العقول والفطر، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ يتضمن إبطال قول المعطلة الجهمية ومن نحا نحوهم القائلين ليس على العرش سوى العدم وإن اللَّه ﵎ ليس مستويًا على عرشه، ولا ترفع إليه الأيدي، ولا يصعد إليه الكلم الطيب، ولا رفع المسيح إليه، ولا عرج برسوله محمد ﷺ إليه ولا تعرج الملائكة والروح إليه" (٣). قال شيخ الإسلام ابن تيمية -روح اللَّه روحه-: "وهذا كتاب اللَّه من أوله إلى آخره، وسنة رسوله ﷺ وعامة كلام الصحابة والتابعين وكلام سائر الأئمة مملؤ بما هو نص أو ظاهر في أن اللَّه سبحانه فوق كل شيء، وأنه فوق عرشه مستو عليه استواء يليق بذاته المقدسة كما في قوله تعالى ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤]. وهذا مذكور في سبع آيات من القرآن (٤). فمذهب السلف: الإيمان بذلك جريًا على عادتهم من عدم الخوض في المتشابه

стр. 346

مع تفويض علمه إلى اللَّه تعالى (١). فقد روى اللالكائي (٢) الحافظ في كتابه "السنة" (٣) من طريق قرة بن خالد عن الحسن البصري عن أمه عن أم المؤمنين أم سلمة ﵄ في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] قالت: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة والبحث عنه كفر" (٤).

стр. 347

وهذا له حكم الحديث المرفوع لأن مثله لا يقال من قبل الرأي. وفي لفظ آخر قالت: "الكيف غير معقول، والاستواء غير مجهول، والإقرار به إيمان، والجحود به كفر. وروي أيضًا عن ربيعة (١) بن أبي عبد الرحسن شيخ الإمام مالك -المشهور بربيعة الرأي أنه سئل عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] فقال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، ومن اللَّه الرسالة وعلى الرسول

стр. 348

البلاغ، وعلينا التصديق (١). وروي عن الإمام مالك ﵁ أنه سئل عن الآية فقال الكيف غير معقول، والاستواء غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وقال للسائل: أراك رجل سوء (٢). وسئل الشعبي (٣) عن الاستواء، فقال: هذا من متشابه القرآن نؤمن به ولا نتعرض لمعناه (٤).

стр. 349

وسئل الإمام الشافعي (١) عن ذلك فقال: آمنت بلا تشبيه، وصدقت بلا تمثيل، واتهمت نفسي في الإدراك، وأمسكت عن الحوض غاية الإمساك (٢). وسئل الإمام أحمد عن ذلك فأجاب بقوله: استوى كما ذكر لا كما يخطر للبشر (٣). وقال الخلال (٤) في كتاب السنة، أخبرني عبيد اللَّه بن حنبل (٥) أخبرني أبي حنبل (٦) بن إسحق قال: قال عمي -يعني الإمام أحمد بن حنبل ﵁: "نحن نؤمن أن اللَّه على العرش كيف شاء وكما شاء بلا حدود ولا صفة بيلغها واصف، أو يحده حاد، وصفات اللَّه تعالى له ومنه وهو كما وصف نفسه

стр. 350

لا تدركه الأبصار بحد ولا غاية، وهو يدرك الأبصار، وهو عالم الغيب والشهادة وعلام الغيوب (١). قال الخلال: وأخبرني علي بن عيسى (٢) أن حنبلًا حدثهم، قال: سألت أبا عبد اللَّه عن الأحاديث التي تروى أن اللَّه سبحانه ينزل إلى سماء الدنيا وأن اللَّه يرى وأن اللَّه يضع قدمه، وما أشبه هذه الأحاديث؟. فقال أبو عبد اللَّه: نؤمن بها ونصدق بها، ولا نرد منها شيئا، ونعلم أن ما جاء به الرسول حق إذا كانت أسانيد صحاح، ولا نرد على اللَّه قوله، ولا نصفه بأكثر مما وصف به نفسه بلا حد، ولا غاية: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] (٣). وقال حنبل بن إسحاق عن الإمام أحمد: "ليس كمثله شيء في ذاته كما وصف نفسه قد أجمل اللَّه الصفة لنفسه فعد لنفسه صفة ليس يشبهه شيء، وصفاته غير محدودة ولا معلومة إلا بما وصف به نفسه، قال: فهو سميع بصير بلا حد ولا تقدير ولا يبلغ الواصفون صفته، ولا نتعدى القرآن والحديث فنقول كما قال ونصفه بما وصف نفسه ولا نتعدى ذلك، ولا يبلغ صفته الواصفون، نؤمن بالقرآن كله محكمه ومتشابهه، ولا نزيل عنه صفة من صفاته لشناعة شنعت، وما وصف

стр. 351

به نفسه من كلام ونزول "وخلوه بعبده يوم القيامة ووضعه كنَفَه عليه" (١). فهذا كله يدل على أن اللَّه تعالى يرى في الآخرة والتحديد في هذا كله بدعة، والتسليم فيه بغير صفة ولا حد إلا ما وصف به نفسه سميع بصير لم يزل متكلمًا، عالمًا غفورًا عالم الغيب والشهادة، علام الغيوب، فهذه صفات وصف بها نفسه، لا تدفع ولا ترد وهو على العرش، بلا حد كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] كيف شاء، المشيئة إليه والاستطاعة إليه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] وهو خالق كل شيء وهو سميع بصير بلا حد ولا تقدير لا نتعدى القرآن ولا الحديث، تعالى اللَّه عما تقول الجهمية والمشبهة. قلت له: والمشبهة ما تقول؟ قال: بصر كبصري، ويد كيدي، وقدم كقدمي فقد شبه اللَّه بخلقه. وكلام الإمام ﵁ في هذا كثير، فإنه أُمتحن بالجهمية وجميع المتقدمين من أصحابه على مثل منهاجه في ذلك، وغن كان بعض المتأخرين منهم

стр. 352

يدخل في نوع مما أنكره الإمام أحمد على أهل البدع، لكن الرعيل الأول من أصحابه وجميع أئمة أهل الحديث قولهم كقوله (١). وقال أبو مطيع الحكم بن عبد اللَّه (٢) البلخي صاحب الفقه الأكبر سألت أبا حنيفة ﵁ عمن يقول لا أعرف ربي في السماء أو في الأرض فقال قد كفر لأن اللَّه تعالى يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] وعرشه فوق سماواته، فقلت إنه يقول: أقول على العرش استوى، ولكن قال: لا أدري العرش في السماء أو في الأرض فقال: إذا أنكر أنه في السماء فقد كفر (٣). قال الإمام الحافظ الذهبي (٤) في كتابه "العرش" (٥) روى

стр. 353

ذلك صاحب "الفاروق" (١) بإسناد عن أبي بكر نصير بن يحيى عن الحكم. سمعت (٢) الإمام القاضي تاج الدين عبد الخالق بن علوان (٣) قال: سمعت الإمام أبا محمد عبد اللَّه بن أحمد المقدسي يعني موفق الدين ابن قدامة (٤) مؤلف المغني والمقنع وغيرهما -يقول: "بلغني عن أبي حنيفة ﵁ أنه قال: "من أنكر أن اللَّه تعالى في السماء فقد كفر" (٥). وأما الأحاديث فمنها قصة المعراج فهي متواترة، ونجاوز النبي ﷺ السموات سماء سماء حتى انتهى إلى محل سمع فيه صريف الأقلام فقربه ربه وأدناه وفرض عليه خمسين صلاة، وتردد بين اللَّه وبين موسى ﵇ فسأله موسى ﵇ كم فرض عليك فيخبره فيقول ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف عن أمتك فيصعد إلى ربه فيسأله التخفيف فيحط عنه خمسا إلى أن استقرت الخمس

стр. 354

فأمره موسى بالرجوع ليخفف منها -أيضًا- فقال ﷺ قد استحييت من مراجحة ربي، ولكن أمضى وأتوكل فسمع النداء من العلي الأعلى، قد شفعت نبي وخففت عن عبادي وأمضيت فريضتي لا يبدل القول لدي، هن خمس وهي خمسون الحسنة بعشرة أمثالها (١). وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لما خلق اللَّه الخلق كتب في كتابه فهو عنده فوق العرش إن رحمتي تغلب غضبي" (٢). وفي لفظ كتب في كتابه على نفسه فهو موضوع عنده (إن رحمتي تغلب غضبي) والأحاديث في ذلك كثيرة جدًا. فمذهب السلف إثبات صفة الإستواء بلا كيف.

стр. 355

قال الإمام القرطبي (١)، وابن أبي زيد (٢)، والقاضي عبد الوهاب (٣)، من المالكية، وجماعات من شيوخ أهل الحديث والفقه والإمام ابن عبد البر (٤)، (والقاضي أبو بكر) (٥) (ابن العربي) (٦)، وابن فورك (٧)، أنه سبحانه مستو على
следующие страницы →