← Акыда

Акыда · id 16618

لوائح الأنوار السنية ولواقح الأفكار السنية

السفاريني

Полный текст (799 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

وناحت الجن عليه (١)؛ ودفن في الحجرة الشريفة عند صاحبيه بوصية منه وإذن من أم المؤمنين عائشة ﵂ وكان قد أوصى قال: (أوصي الخليفة من بعدي بتقوى اللَّه وأوصيه بالمهاجرين والأنصار وأوصيه بالأمصار خيرًا، وصلى عليه صهيب في المسجد النبوى وخرج الناس يمشون وعبد اللَّه (٢) أمامهم فسلم عبد اللَّه وقال: عمر يستأذن فقالت عائشة ﵂: أدخلوه فأدخل فوضع هناك مع صاحبيه أبي بكر الصديق ﵁ وسيد العالم رسول رب العالمين صلوات اللَّه وسلامه عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين (٣). وقول الناظم قدس اللَّه روحه: (ثم) بعد أبي بكر الصديق وعمر الفاروق اللذين هما وزيرا رسول اللَّه محمد ﷺ والخليفتان من بعده فالأفضل بعدهما وخير الناس عقبهما عثمان بن عفان بن أبي العاص واسمه الحارث بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف يلتقي نسبه مع نسب النبي ﷺ في عبد مناف بن قصي. إشارة إلى الصحيح المعتمد من أن عثمان ﵁ يلي وزيري النبي ﷺ في الفضيلة فأفضل هذه الاُمة بعد نبيها ﷺ أبو بكر الصديق ﵁ ثم عمر الفاروق ﵁ ثم عثمان ذو النورين (الأرجح): من غيره بعد أبي بكر وعمر ﵄ فأرجح أفعل تفضيل من رجح الميزان يرجح مثلثه رجوحًا ورجحانًا: مال، أي فهو أفضل من غيره بعدهما ﵁، ثم علي بن أبي طالب ﵁ كما يأتي الكلام عليه.

стр. 387

وهذا قول عامة أهل السنة والجماعة من أهل الحديث والفقه، والكلام من الأثرية والأشعرية والماتريدية وغيرهم (١). قال سيدنا الإمام أحمد إمام الأثرية ﵁: "علي ﵁ رابعهم في الخلافة والتفضيل" وقال: "من فضل عليًا على أبي بكر وعمر أو قدمه عليهما في الفضيلة والإمامة دون النسب فهو رافضى مبتدع فاسق" ذكره القاضي أبو يعلى. قال ابن حمدان في نهاية المبتدئين: "فإن فضله -يعني عليًا- ﵁ على عثمان ﵁ فكذلك- (يعني يكون) (٢) رافضيًا مبتدعًا فاسقًا. وفي رواية أخرى: أنه لايكون رافضيًا مبتدعًا فاسقًا بتفضيل علي على عثمان ﵄. وتبرأ الإمام أحمد ﵁ ممن ضللهم أو أحدًا منهم" (٣) انتهى. فتفضيل الصديق ثم عمر مجمع عليه بين أهل الحق وأما المفاضلة بين عثمان وعلي فمحل خلاف فالأكثرون ومنهم الإمام أحمد والإمام الشافعي وهو المشهور عن الإمام مالك ﵃ أن الأفضل بعد أبي بكر وعمر، عثمان ﵃ ثم علي ﵁ وعنهم أجمعين (٤).

стр. 388

وجزم الكوفيون ومنهم سفيان الثوري بتفضيل علي على عثمان (١). وقيل بالوقف عن التفاضل بينهما وهو رواية عن مالك، فقد حكى أبو بكر المازري (٢) من المالكية عن المدونة أن مالكًا ﵁ سئل أي الناس أفضل بعد نبيهم فقال: أبو بكر ثم عمر ﵄، ثم قال: أو في ذلك شك. فقيل له: وعلي وعثمان ﵄؟ فقال: ما أدركت أحدًا ممن اقتدى به يفضل أحدهما على الآخر (٣). انتهى. وفي قول الإمام مالك: "أو في ذلك شك" يؤيد ما صححناه في "شرح الدرة" (٤) كغيرنا أن تفضيل أبي بكر وعمر ﵄ على بقية الأمة قطعي,

стр. 389

نعم حكى القاضي عياض عن الإمام مالك أنه رجع عن التوقف إلى تفضيل عثمان ﵁ قال القرطبي وهو الأصح إن شاء اللَّه تعالى (١). وقد نقل التوقف الإمام يوسف بن عبد البر عن جماعة من السلف منهم مالك، ويحيى القطان (٢) ويحيى بن معين (٣). قال الإمام يحيى بن معين: "ومن قال أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ وعرف لعلي سابقته وفضله فهو صاحب سنة" (٤). ونحن نقول لا شك أن من اقتصر على عثمان ولم يعرف لعلي فضله فهو مذموم، ومن ثم يعلم أن حكاية الإجماع على أن عثمان أفضل من علي ﵄ مدخول (٥) بل الخلاف في ذلك سابق معلوم. نعم معتمد محققي أهل السنة أن فضيلة الخلفاء الراشدين على ترتيب الخلافة، وهذا منصوص الإمام أحمد وغيره من أئمة الإسلام، لكن التفضيل في طرف الشيخين قطعي على المعتمد، وقيل ظني كما عند الباقلاني وغيره، والتفاضل بين

стр. 390

عثمان وعلي ﵄ ظني ومحل خلاف واللَّه ولي الإنصاف (١). إذا علمت هذا فاعلم أن عثمان بن عفان ﵁ أمه أروى وأمها أم حكيم البيضاء بنت عبد المطلب عمة رسول اللَّه ﷺ . (وأروى أم عثمان (٢) بنت) كريز بضم الكاف وفتح الراء فزاي مصغر كرز، وكريز بن ربيع بن حبيب بن عبد شمس، ولد عثمان سادس سنة الفيل، وأسلم قديمًا على يد الصديق الأعظم قبل دخول رسول اللَّه ﷺ دار الأرقم، وهاجر الهجرتين إلى الحبشة، وتزوج رقية بنت رسول اللَّه ﷺ قبل البعثة فماتت عنده في الثانية من الهجرة عند رجوع النبي ﷺ من غزوة بدر العظمى، فلم يشهد عثمان ﵁ بدرًا لتخلفه بإذن رسول اللَّه ﷺ ليمرض رقية، فجاء البشير (٣) بنصر البشير (٤) عند دفنها وضرب له رسول اللَّه ﷺ بسهمه وأجره ثم زوجه رسول اللَّه ﷺ أختها أم كلثوم وماتت عنده أيضًا سنة تسع من الهجرة. قال العلماء: ولا يعرف أحد تزوج بنتي نبي غيره ولذلك سمي بذي النورين، فهو ﵁ من السابقين الأولين، وأول المهاجرين، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة، واحد الستة الذي توفي رسول اللَّه ﷺ وهو عنهم راض، وأحد الصحابة الذين جمعوا القرآن في المصحف، وأحد الخلفاء الراشدين، وكان جميلًا صوامًا قوامًا، وكثير التلاوة للقرآن العظيم.

стр. 391

وقد أخرج ابن عدي وابن عساكر عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنا لنشبه عثمان بأبينا إبراهيم" (١). وابن عدي -أيضًا- عن عائشة ﵂ قالت: "لما زوج النبي ﷺ بنته أم كلثوم لعثمان قال لها: "إن بعلك أشبه الناس بجدك إبراهيم وأبيك محمد ﷺ " (٢). وأخرج الشيخان عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ جمع ثيابه حين دخل عثمان، وقال: "ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة" (٣). وأخرج البخاري في صحيحه أن عثمان بن عفان حين حضر أشرف عليهم وقال: أنشدكم اللَّه ولا أنشد إلا أصحاب محمد ﷺ ألستم تعلمون أن رسول اللَّه ﷺ قال: "من جهز جيش العسرة فله الجنة فجهزتهم ألستم تعلمون أن رسول اللَّه ﷺ قال: من حفر بئر رومة فله الجنة فحفرتها، فصدقوه بما قال" (٤).

стр. 392

وبايع رسول اللَّه ﷺ يوم بيعة الرضوان تحت الشجرة عنه بيساره فكانت يسار رسول اللَّه ﷺ لعثمان خيرًا من يمين نفسه (١). وأخرج الترمذي عن ابن عمر ﵄ قال: ذكر رسول اللَّه ﷺ فتنة فقال يقتل (هذا) (٢) فيها مظلومًا لعثمان. قال الترمذي حديث حسن غريب من هذا الوجه (٣). وأخرج أبو نعيم عن أمير المؤمنين عمر ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "عثمان أحيا أمتي وأكرمها" (٤). وأخرج عن أبي أمامة مرفوعًا: " (إن) (٥) أشد هذه الأمة بعد نبيها حياء عثمان بن عفان" (٦).

стр. 393

وأخرج الإمام أحمد والترمذي وابن ماجة والحاكم عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال لعثمان: يا عثمان (إن) (١) اللَّه وفي لفظ: "لعل اللَّه مقمصك" وفي لفظ "يقمصك قميصًا فإن أرادوك خلعه فلا تخلعه حتى يخلعوه" وفي لفظ "فلا تخلعه حتى تلقاني" (٢). وأخرج الترمذي عن أبي سهلة قال: سمعت عثمان ﵁ يقول يوم الدار إن رسول اللَّه ﷺ عهد إلىَّ عهدًا فأنا ممتثل له وصابر عليه إن شاء اللَّه، فصبر حتى قتل ﵁ شهيدًا" (٣). قال الترمذي: "حديث حسن صحيح". واستشهد ﵁ في داره سنة خمس وثلاثين في وسط أيام التشريق، وصلى عليه الزبير وكان أوصى إليه، ودفن في حش كوكب بالبقيع، وهو أول من دفن في حش كوكب، والحش بالحاء المهملة والشين المعجمة البستان، وضم الحاء أجود من كسرها، وكوكب اسم رجل من الأنصار. وكانت مدة خلافته اثنتي عشرة سنة تحجز سبعة عشر يومًا، ومدة حصاره في

стр. 394

داره إلى أن استشهد تسعة وأربعون يومًا وقيل شهران، واستشهد وهو صائم يومئذ، وهذا يؤيد كون ذلك بعد أيام التشريق أو قبلها, فقد قيل كان قتله لثمان عشرة من ذى الحجة أو لسبع عشرة، وقيل لثمان خلون من يوم التروية، وقيل لليلتين بقيتا منه. وقدم في جامع الأصول لابن الأثير (١) وفي "الزهر البسام" (٢) للبرماوي أنه قتل في ثمانية عشر من ذي الحجة (٣) وله يومئذ من العمر اثنان وثمانون عامًا وقيل تسعون. ويروى أن المصحف الشريف كان منشورًا بين يديه يقرأ فيه فوقعت قطرة من دمه على قوله تعالى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٣٧]. وأخرج الحاكم عن الشعبي ﵀ قال ما سمعت من مراثي عثمان أحسن من قول كعب بن مالك ﵁: فكف يديه ثم أغلق بابه ... وأيقن أن اللَّه ليس بغافل وقال لأهل الدار لا تقتلوهم ... عفى اللَّه عن كل امرئ لم يقاتل فكيف رأيت اللَّه صب عليهم ... العداوة والبغضاء بعد التواصل وكيف رأيت الخير أدبر بعده ... عن الناس إدبار الرياح الجوافل (٤)

стр. 395

قال الناظم ﵀ ورضي عنه: (ورابعهم): أي رابع الخلفاء الراشدين المتقدم ذكرهم، وهم أبو بكر وعمر وعثمان ﵃. (خير البرية): أي الخلق يقال برأه اللَّه يبروه بروا أي خلقه ويجمع على البرايا والبريات، ومن قال إن أصله مهموز من برأ اللَّه الخلق يبرؤهم أي خلقهم ثم ترك الهمز تخفيفًا فجمعه برييات وبريات وبرايا كخطايا، يعني أن الإمام أمير المؤمنين خير الخلق من هذه الأمة (بعدهم) أي بعد أبي بكر وعمر وعثمان ﵃. (علي) بن أبي طالب الأنزع البطين (١) إمام الهدى و (أبو) (٢) الحسنين ابن أبي طالب عم (٣) سيد الكونين، واسمه عبد مناف من غير مين بن عبد المطلب جد إمام المرسلين وخاتم النبيين. واسم عبد المطلب شيبة الحمد (٤) قاله ابن إسحاق (٥).

стр. 396

وقال ابن قتيبة (١) اسمه عامر (٢) ورده ابن عبد البر (٣) وكنيته أبو الحارث أكبر أولاده، ويكنى أيضًا بأبي البطحاء، وإنما قيل له عبد المطلب لأن عمه المطلب أردفه حين أتي به من عند (خؤولته) من المدينة صغيرًا وكان في هيئة رثة فكان إذا قيل له من هذا؟ قال: عبدي لرثاثة هيئته (٤) وهو ابن هاشم واسمه عمرو، واسم عبد مناف المغيرة، وإسم قصي زيد وقيل يزيد، واسم كلاب حكيم وقيل عروة -ابن عبد مناف ابن قصي بن كلاب بن مرة بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، إلى هنا إجماع (٥) الأمة (٦) واختلفوا فيما بعد ذلك إلى آدم اختلافًا كثيرًا، واتفقوا على أنه من ولد إسماعيل بن إبراهيم عليهم الصلاة والسلام. يجتمع نسب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب مع النبي ﷺ في جده عبد المطلب فهو ابن عمه ﷺ وأم علي ﵁ فاطمة بنت أسد بن هاشم وهي أول هاشمية ولدت هاشميًا في الإسلام، وقد أسلمت وهاجرت.

стр. 397

وقول الناظم رحمه اللَّه تعالى في وصف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁: (حليف الخير) بالحاء المهملة المفتوحة وكسر اللام كأمير أصله المحالف والمراد به هنا الملازم للخير المواخي له، الذي إذا وجد وجد معه ويفقد بفقدانه، ومنه قول أخت الوليد بن طريف الشاري الخارجي فيه -واسمها الفارعة وقيل فاطمة، وكانت تجيد الثسعر وتسلك طريق الخنساء في مراثيها لأخيها صخر فقالت في أخيها من قصيدة: حليف الندى ما عاش يرضى به الندى ... فإن مات لا يرضى الندى بحليف (١) وزيد حليف اللسان حديده (بالخير): وهو ضد الشر، والمال الكثير منه، واسم جامع لكل منتفع به، والكثير الخير يقال له خير ككيس وهي بهاء والجمع أخيار وخيارًا. (منجح): اسم فاعل من نجحت الحاجة وأنجحت وأنجحها اللَّه والنجاح بالفتح الظفر، والنجح بالضم الظفر بالشيء وأنجح زيد صار ذا نجح وهو منجح والجمع مناجيح ومناجح،، وتنجح الحاجة واستنجحها والنجيح الصواب من الرأي ونجح فلان وأنجح إذا أصاب طلبته، وأنجح أمره تيسر وسهل إشارة إلى ما كان عليه من الظفر بالأقران وموالاة أهل الإيمان، والاعتناء بمكارم الأخلاق، ومزيد الكرم بالأرزاق، وتيسر أموره من الظفر والإنجاح، وأنه لكل مغلق من الخير مفتاح، فرضي اللَّه عنه وأرضاه وبوأه غرف الجنان، ومن أولاه من أهل الحق، وقمع من عاداه، وإذ قد عرفت أنه أقرب الخلفاء الراشدين من الرسول نسبًا وأمسهم رحمًا أمًا وأبًا،

стр. 398

فاسمع الآن ما نذكره من مناقبه ومزاياه وما ثبت من فضائله عن رسول اللَّه ﷺ وعلى آله وجميع أصحابه ومن والاه. فقد قال سيدنا الإمام أحمد ﵁: "ما جاء لأحد من الفضائل ما جاء لعلي ﵁ وأرضاه" (١). وكذا قال إسماعيل القاضي (٢) والنسائي (٣)؛ وأبو علي النيسابوري (٤): "لم يرد في حق أحد من الصحابة بالأسانيد الحسان أكثر مما جاء في علي ﵁" (٥).

стр. 399

قال بعض المحققين سبب ذلك -واللَّه أعلم- أن اللَّه أطلع نبيه ﷺ على ما سيكون بعده مما ابتلى به أمير المؤمنين علي ﵁ وما وقع له من الاختلاف لما آل إليه أمر الخلافة فاقتضى ذلك نصح الأمة بإشهار الرسول ﷺ لتلك الفضائل لتحصل النجاة لمن تمسك به ممن بلغته، ثم لما وقع ذلك الاختلاف والخروج عليه نشر من سمع من الصحابة تلك الفضائل وبثها نصحًا للأمة ثم لما اشتد الخطب واشتغلت طائفة من بني أمية بتنقيصه وسبه حتى على المنابر ووافقهم على ذلك الخوارج اشتغلت جهابذة العلماء والحفاظ من أهل السنة ببث فضائله حتى كثرت نصحًا للأمة ونصرة للحق (١). وقد أخرج السلفي (٢) في "الطيوريات" (٣) (٤) عن أبي عبد الرحمن عبد اللَّه بن الإمام أحمد ﵄ قال: سألت أبي عن علي ومعاوية فقال: "اعلم أن عليًا ﵁ كان كثير الأعداء ففتش (٥) أعداؤه شيئًا فلم يجدوا فجاؤا إلى رجل قد حاربه وقاتله فناصروه كيادًا منهم له، ﵁".

стр. 400

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس اللَّه روحه: "الكل مقر بأن معاوية ليس كفوًا لعلي ﵄ في الخلافة قال ولا يجوز أن يكون معاوية خليفة مع إمكان استخلاف علي ﵁ لسابقته وعلمه ودينه وشجاعته وسائر فضائله فإنها كانت عندهم ظاهرة معروفة كفضل إخوانه أبي بكر وعمر وعثمان ﵃، ولم يكن بقى من أهل الشورى غيره وغير سعد لكن سعدًا كان قد أسقط حقه من هذا الأمر فانحصر الأمر في أمير المؤمنين علي وعثمان ﵄ فلما توفى عثمان لم يبق لها معين إلا علي ﵁ انتهى كلامه ملخصًا (١). وقال سيدنا الإمام أحمد ﵁: "إن عليًا رضوان اللَّه عليه لم تزنه الخلافة ولكن علي زانها" (٢). وروى الشعبي قال: "دخل أعرابي على علي ﵁ حين أفضت إليه الخلافة فقال: واللَّه يا أمير المؤمنين لقد زنت الخلافة وما زانتك ورفعتها وما رفعتك ولهي كانت أحوج إليك منك إليها" (٣). قال أبو عبد اللَّه بن بطة (٤) رحمه اللَّه تعالى: "قد أحسن الأعرابي وصدق فيما قال فإن عليًا ومن تقدمه من الخلفاء ﵃ زينوا الخلافة وجملوا أمة محمد ﷺ وأتموا الدين (٥) وأظهروه، وأسسوا الإسلام وأشهروه".

стр. 401

وأنشد أبو الفرج ابن الجوزي في تبصرته في حق علي ﵁: ما زانه الملك إذ حواه ... بل كل شيء به يزان جرى ففات الملوك سبقًا ... فليس قدامه عنان نالت يداه ذرى معال ... يعجز عن مثلها العيان (١) وهو أخ لرسول اللَّه ﷺ بالمواخاة. فأخرج الترمذي عن ابن عمر ﵄ قال: "لما آخا رسول اللَّه ﷺ بين أصحابه جاءه علي تدمع عيناه فقال له يا رسول اللَّه آخيت بين أصحابك ولم تواخ بيني وبين أحد قال: فسمعت رسول اللَّه ﷺ يقول له: "أنت أخي في الدنيا والآخرة" (٢) حديث حسن. وأخرج أيضًا عن زيد بن أرقم أو أبي شريحة شك شعبة أن رسول اللَّه ﷺ قال: "من كنت مولاه فعلي مولاه" (٣) وقال: حديث حسن. وفي مسند الإمام أحمد والصحيحين وسنن الترمذي وغيرها من حديث سعد ابن أبي وقاص ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ خلف علي بن أبي طالب ﵁ في غزوة تبوك فقال: يا رسول اللَّه أتخلفني في النساء والصبيان فقال:

стр. 402

"أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي". ولمسلم: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي". وقال سعيد بن المسيب أخبرني بهذا عامر بن سعد عن أبيه قال: فأحببت أن أشافه سعدًا فلقيته فقلت أنت سمعته من رسول اللَّه ﷺ فوضع أصبعيه على أذنيه فقال: نعم وإلا فاستكًتا" (١). وأخرج الترمذي وقال: حسن صحيح من حديث عمران بن الحصين وحديث حبشي بن جنادة أن رسول ﷺ قال: "علي مني وأنا من علي ولا يؤدي عني إلا علي" (٢). ورواه الإمام أحمد والنسائي وابن ماجة.

стр. 403

وأخرج مسلم عن علي ﵁ قال: "والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنه لعهد النبي الأمي إليَّ أنه لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق" (١). وأخرج الترمذي عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "كنا نعرف المنافقين ببغضهم عليًا" (٢). وفي الصحيحين عن سهل (٣) بن سعد الساعدي وغيره أن رسول اللَّه ﷺ قال يوم خيبر: "لأعطين الراية غدًا رجلًا يفتح اللَّه على يديه يحب اللَّه ورسوله ويحبه اللَّه ورسوله قال فبات الناس يدوكون ليلتهم -أي يخوضون ويتحدثون أي باتوا ليلتهم في حزر وتخمين يقال داك القوم وقعوا في اختلاط ووقعوا في دوكه ويضم شر وخصومة وتداوكوا تضايقوا في ذلك كما في القاموس أي يتخاصمون (٤) -أيهم يعطاها فقال أين علي بن أبي طالب؟ فقيل: هو يا رسول اللَّه يشتكى عينيه. قال: فأرسلوا إليه فأتى به فبصق في عينيه ودعا له فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع فأعطاه الراية فقال علي: يا رسول اللَّه أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ قال: انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق اللَّه فيه فواللَّه لأن يهدي اللَّه بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم" (٥).

стр. 404

وفي حديث أبي هريرة عند مسلم قال عمر بن الخطاب: ما أحببت الإمارة إلا يومئذ. قال فتساورت -أي تطاولت لها- رجاء أن أدعى لها قال: فدعى رسول اللَّه ﷺ علي بن أبي طالب ﵁ فأعطاه إياها وقال إمشي ولا تلتفت حتى يفتح اللَّه عليك قال فسار علي شيئًا ثم وقف ولم يلتفت فصرخ برسول اللَّه ﷺ على فإذا أقاتل الناس؟ قال: قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدًا رسول اللَّه فإذا فعلوا فقد منعوا منك دمائهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على اللَّه" (١). وفي الصحيحين عن سهل بن سعد الساعدي "أن النبي ﷺ وجد عليًا مضطجعًا في المسجد وقد سقط رداؤه عن شقه فأصابه تراب فجعل النبي ﷺ يمسحه عنه ويقول: قم أبا تراب قم أبا تراب" (٢). فلذلك كانت هذه الكنية أحب الكنى إليه لأنه ﷺ كناه بها. وقد قال عمر بن الخطاب ﵁: علي ﵁ أقضانا (٣) أخرجه ابن سعد. وأخرج الحاكم عن ابن مسعود ﵁ قال: "أقضى أهل المدينة علي" (٤).

стр. 405

وأخرج ابن سعد عن ابن عباس ﵄ قال: "إذا حدثنا الثقة عن علي الفتيا لا نعدوها" (١). وأخرج عن سعيد بن المسيب قال كان عمر بن الخطاب يتعوذ باللَّه من معضلة ليس لها أبو حسن" (٢) -يعني عليًا- ﵃. وقال ابن عباس ﵄: "كان لعلي ما شئت من ضرس قاطع في العلم وكان له القدم في الإسلام والصهر برسول اللَّه ﷺ والفقه في السنة والنجدة في الحرب والجود في المال" (٣). وأخرج أحمد وأبو يعلى بسند صحيح عن علي ﵁ قال: "ما رمدت ولا صدعت منذ مسح رسول اللَّه ﷺ وجهي وتفل في عيني يوم خيبر حين أعطاني الراية" (٤). ولما بلغه ﵁ افتخار معاوية ﵁ قال لغلامه اكتب ثم أملى عليه:

стр. 406

محمد النبي أخي وصهري ... وحمزة سيد الشهداء عمي وجعفر الذي يمسى ويضحى ... يطير مع الملائكة ابن أمي وبنت محمد سكني وعرسي ... منوط لحمها بدمي ولحمي وسبطا أحمد ابناى منها ... فأيكم له سهم كسهمي سبقتكم إلى الإسلام طرا ... غلامًا ما بلغت أوان حلمي (١) قال الحافظ أبو حسن البيهقي (٢) أن هذا الشعر مما يجب على كل متوان في علي ﵁ (حفظه) (٣) لتعلم مفاخره في الإسلام. انتهى. ورضي اللَّه عن الإمام الشافعي حيث يقول شعرًا: يا راكبًا قف بالمحصب من منى ... واهتف بساكن خيفها والناهض سحرًا إذا فاض الحجيج إلى منى ... فيضًا كملتطم الفرات الفائض إن كان رفضًا حب آل محمد ... فليشهد الثقلان أني رافضي (٤)

стр. 407

وقال أيضًا: قالوا ترفضت قلت كلا ... ما الرفض ديني ولا اعتقادي لكن توليت غير شك ... خير إمام وخير هاد إن كان حب الولي رفضًا ... فإنني لم أرْفَضُ العباد (١) ولي الإمام أمير المؤمنين علي الأنزع البطين (٢) الخلافة بعد أن استشهد عثمان بن عفان، فإنه لما قتل عثمان جاء الناس يهرعون إلى علي فقالوا: نبايعك فمد يدك فلابد للناس من أمير فقال علي: ليس ذلك إليكم إنما ذلك إلى أهل بدر فمن رضي به أهل بدر فهو خليفة، فلم يبق أحد من أهل بدر إلا أتى عليًا فقالوا: ما نرى أحدًا أحق بها منك مد يدك نبايعك فبايعوه (٣). وهرب مروان وولده، وزعم بعض الناس أن طلحة والزبير إنما بايعا كارهين غير طائعين، ثم خرجا إلى مكة، وأم المؤمنين عائشة بها فأخذاها وخرجا إلى البصرة يطلبون بدم عثمان، فبلغ ذلك عليًا فخرج إلى العراق فلقي طلحة والزبير ومن معهما وهي وقعة الجمل وكانت في جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين وقتل بها طلحة والزبير ﵄، وبلغت القتلى ثلاثة عشر ألفًا وأقام علي بالبصرة خمس عشرة (٤) ليلة ثم انصرف إلى الكوفة ثم خرج عليه معاوية

стр. 408

ومن معه من أهل الشام، فبلغ عليًا فسار، فالتقوا بصفين في صفر سنة سبع وثلاثين، ودام القتال بها أيامًا، فرفع أهل الشام المصاحف يدعون إلى ما فيها، مكيدة من عمرو بن العاص (١)؛ وكتبوا بينهم كتابًا أن يوافوا رأس الحول بأذرح (٢) فينظروا في أمر الأمة، فافترق الناس ورجع علي إلى الكوفة ومعاوية إلى الشام (٣)؛ وبلغت القتلى في تلك الأيام ثلاثين ألفًا. قال القرطبي: "وكان مقام علي ومعاوية بصفين سبعة أشهر. وقيل: تسعة أشهر، وقيل: ثلاثة أشهر، وقيل: بل قتل في ثلاثة أيام ثلاثة وسبعون ألفًا وهي الأيام البيض: ثلاثة عشر، وأربعة عشر، وخمسة عشر، ومن تلك الليالي ليلة الهرير، وهو

стр. 409

الصوت الذي يشبه نباح الكلاب، لأنهم تراموا بالنبل حتى فنيت وتطاعنوا بالرماح حتى اندقت، وتضاربوا بالسيوف حتى انقضت، ثم نزل القوم يمشي بعضهم إلى بعض وقد كسروا جفان سيوفهم، وتضاربوا بما بقي من السيوف، وعمد الحديد، فلا يسمع إلا غمغمة القوم والحديد في السهام، ثم تراموا بالأحجار، ثم جثوا على الركب فتحاثوا بالتراب، ثم تكادموا بالأفواه، وكسفت الشمس (١)؛ وثار القتام وارتفع الغبار، وضلت الألوية والرايات، ومرت مواقيت أربع صلوات، لأن القتال كان من بعد صلاة الفجر إلى ما بعد نصف الليل، وكان ذلك في ربيع الأول من سنة سبع وثلاثين، كما في تاريخ سيدنا الإمام أحمد بن حنبل (٢). وكان مع معاوية من أهل الشام مائة ألف وخمسة وثلاثون ألفًا كما ذكره الزبير ابن بكار (٣). واستشهد في صفين أبو اليقظان عمار بن ياسر ﵁ وكان مع علي وكان عمر عمار يومئذ ثلاثًا وتسعين عامًا وهو الطيب المطيب (٤) وكان النبي ﷺ قال له: "تقتلك الفئة الباغية" رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري

стр. 410

رضي اللَّه عنه عن أبي قتادة ﵁ (١). وأخرجه مسلم أيضًا من حديث أم المؤمنين أم سلمة ﵂ (٢) ومن حديث أبي هريرة ﵁ عند الترمذي (٣) وغيرهم. وفى صحيح البخاري من حديث أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ "جعل ينفض التراب عن عمار وهم يبنون المسجد النبوى ويقول: ويح عمار يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار، قال وجعل عمار يقول: أعوذ باللَّه من الفتن". وفى رواية: "ويح عمار تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار" (٤) ولم يذكر البخاري هذه الزيادة يعني قوله: تقتله الفئة الباغية، وهى ثابتة صحيحة وهي في صحيح مسلم وغيره وكذلك في بعض نسخ البخاري (٥) كما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية (٦) قدس اللَّه روحه وغيره من أهل العلم. قال شيخ الإسلام: "ومن رضي بقتل عمار ﵁ كان حكمه حكمها أي حكم الفئة الباغية التي قتلته (٧). ويروى أن معاوية تأول أن الذي قتله هو الذي

стр. 411

جاء به (إلى منون مقاتله) (١) قال فما قتله إلا الذي أخرجه فألزمه عدي ﵁ بقوله: فرسول اللَّه ﷺ إذًا قتل حمزة حين أخرجه لقتال المشركين، ولا يخفى ضعف حجة معاوية هذه. ومن ثم قال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس اللَّه روحه: "ولا ريب أن قول علي ﵁ هذا هو الصواب وإنما معاوية ﵁ مجتهد مخطئ" (٢) واللَّه أعلم. ثم خرجت عن طاعة أمير المؤمنين علي ﵁ الخوارج وهم القراء فقالوا كفر علي وكفر معاوية لعدم مناجزة علي قتال معاوية فاعتزلوا عليًا ونزلوا حروراء -قرية بأرض العراق قريبًا من الكوفة- وهم بضعة عشر ألفًا. فأرسل أمير المؤمنين علي ﵁ عبد اللَّه ين عباس ﵄ فناشدهم اللَّه تعالى أن ارجعوا إلى خليفتكم فبم نقمتم عليه أفي قسمة أو في قضاء؟ قالوا: نخاف أن ندخل في الفتنة قال فلا تعجلوا ضلالة العام مخافة فتنة العام القابل فرجع بعضهم إلى الطاعة وتأخر آخرون، فقالوا: نكون ناحية فإن قبل علي القضية يعني التحيكم قاتلناه على ما قاتلنا عليه أهل الشام بصفين وإن نقضها قاتلنا معه فساروا حتى قطعوا النهر وافترقت منهم فرقة يقتلون الناس فقال أصحابهم ما على هذا فارقنا عليًا. فلما بلغ ذلك عليًا وكان قد تجهز لمعاودة قتال أهل الشام بعد التحيكم وغدر عمرو بن العاص وخدعه لأبي موسى الأشعري من عزل علي وإبقاء معاوية (٣).

стр. 412

قال علي ﵁ لأصحابه أتسيرون (١) إلى عدوكم يعني معاوية ومن معه من أهل الشام أو ترجعون إلى هؤلاء الذين خلفوكم في ديارهم قالوا بل نرجع إليهم. فقال ﵁: اسطوا عليهم فواللَّه لا يقتل منكم عشرة ولا يفر منهم عشرة فكان كذلك، وأصابوا في القتلى ذا الثدية بعد طلب أمير المؤمنين التماسه فوجدوه على النعت الذي نعته لهم فقال رجل الحمد للَّه الذي أبادهم وأراحنا منهم فقال علي ﵁: كلا والذي نفسي بيده إن منهم لمن في أصلاب الرجال لم تحمله النساء بعد (٢). وهؤلاء الذين قال فيهم رسول اللَّه ﷺ : "تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين فقتلها أولى الطائفتين إلى الحق" رواه مسلم في صحيحه (٣). فقتلهم علي ﵁ وفرح بقتلهم بخلاف وقعة الجمل وغيرها فإنه كان يظهر عليه الحزن والأسف والكآبة، ومن بقايا الخوارج (٤) القرامطة (٥) وهم الباطنية (٥) والإسماعيلية (٥) والدروز (٥) والملاحدة (٥) وأضرابهم.

стр. 413

وقد أخرج الإمام أحمد والحاكم بسند صحيح عن عمار بن ياسر ﵁ أن النبي ﷺ قال لعلي: "أشقى الناس رجلان أحيمر ثمود -الذي عقر الناقة- والذي يضربك يا علي على هذه بعني قرنه حتى يبل منه هذه يعني لحيته" (١). وقد ورد ذلك أيضًا من حديث علي وصهيب وجابر بن سمرة وغيرهم ﵃ (٢). وكان علي ﵁ يقول لأهل العراق عند ضجره منهم وددت أن انبعث أشقاكم فخضب هذه -يعني لحيته- من هذه ووضع يده على مقدمة رأسه" (٣).

стр. 414

وصح أن عبد اللَّه بن سلام قال لعلي ﵄: "لا تقدم العراق فإني أخشى أن يصيبك بها ذباب السيف فقال علي ﵁: "لقد أخبرني به رسول اللَّه ﷺ " (١). ولم يزل علي ﵁ في محاربة الأعداء ومنازعة الخصماء إلى أن فتك به أشقى الآخرين عبد الرحمن بن ملجم المرادي اللعين فكمن هو وشبيب بن شجرة الأشجعي بسيفيهما قالة السدة (٢) التي يخرج منها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ فخرج لصلاة الصبح فبدر شبيب فأخطأه وضربه ابن ملجم على رأسه وقال: الحكم للَّه يا علي لا لك ولا لأصحابك، فقال علي ﵁: فزت ورب الكعبة لا يفر منكم الكلب، وشد الناس عليه من كل جانب فحمل عليهم ابن ملجم فأفرجوا له فتلقاه المغيرة بن الحارث بن نوفل بن عبد المطب فرمى عليه قطيفة كانت عنده واحتمله وضرب به الأرض وقعد على صدره وقيل الذي فعل ذلك رجل من همدان، وجيء بابن ملجم إلى علي ﵁ فنظر اليه وقال: النفس بالنفس إن أنا مت فاقتلوه كما قتلني وإن سلمت رأيت فيه رأيي، وكان ذلك يوم الحمعة فأقام على الجمعة والسبت وتوفي ليلة الأحد التاسع عشر من شهر رمضان سنة أربعين، وعمره ثلاث وستون سنة (٣) وغسله

стр. 415

الحسن والحسين وعبد اللَّه بن جعفر ﵃ وصلى عليه الحسن ودفن بدار الإمارة بالكوفة (١). ثم أحضر ابن ملجم وجاء الناس بالنفط والبواري (٢) وقطعت يداه ورجلاه وكحلت عيناه بمسامير الحديد محماة ثم قطع لسانه، ثم أحرق في قوصرة ولما أرادوا قطع لسانه تمانع تمانعًا شديدًا مع أنه قطعت أعضاؤه ولم يتأوه فقيل له في ذلك فقال لئلا يفوتني من تلاوة القرآن شيء وأنا حي فشقوا شدقه وأخرجوا لسانه فقطعوه (٣). وكان ابن ملجم لعنه اللَّه قبل ذلك من العباد المعدودين حتى أن عمر بن الخطاب ﵁ كتب إلى بعض عماله أن يوسع دار عبد الرحمن بن ملجم ليعلم الناس الفقه والقرآن. ثم كان من شيعة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وشهد معه صفين ثم آل أمره إلى ما ترى فنسأل اللَّه تعالى حسن الخاتمة في عافية، وعند الخوارج أن ابن ملجم أفضل الأمة وكذلك النصيرية (٤) يعظمونه.

стр. 416

قال أبو محمد بن حزم: "يقولون إن ابن ملجم أفضل أهل الأرض لأنه خلص روح اللاهوت من ظلمة الجسد وكدره" (١). وعند الروافض أنه أشقى الخلق في الآخرة. قلت: وتقدم أنه أشقى الآخرين بنص سيد المرسلين واللَّه تعالى أعلم. "روي لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ عن رسول اللَّه ﷺ خمسمائة حديث وستة وثمانون حديثًا، اتفق الشيخان منها على عشرين حديثًا وانفرد البخاري بتسعة ومسلم بخمسة عشر (٢) ومناقب أمير المؤمنين علي رضوان اللَّه عليه كثيرة ومآثره شهيرة وفضائله غزيرة، وإنما ذكرنا قطرة من بحر، أو رملة من بر، واللَّه تعالى الموفق. وقول الناظم رحمه اللَّه تعالى: (وإنهم): يعني الخلفاء الأربعة الراشدين المهديين الهادين: أبو بكر الصديق، وعمر الفاروف، وعثمان ذو النورين، وعلي المرتضى الأنزع البطين ﵃ أجمعين.

стр. 417

وإن (الرهط) بفتح الراء مشددة وسكون الهاء وتحرك: قوم الرجل وقبيلته، ومن ثلاثة إلى عشرة، أو من سبعة إلى عشرة أو ما دون العشرة، وما فيهم امرأة، ولا واحد له من لفظه وجمعه أرهط وأراهيط وأرهاط (١) وفي القرآن العزيز: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ [النمل: ٤٨]. يعني من ثمود قوم صالح ﵇. (لا ريب): أي لا شك ولا تهمة، والريب يطلق ويراد به صرف الدهر، والحاجة، والظنة، والتهمة (٢) والأخير هو المراد هنا (فيهم) أي في الخلفاء الراشدين والجار والمجرور متعلق بلا ريب أي لا تهمة ولا ريبة ولا شك ولا مظنة أنهم كائنون وصائرون: (على نجب) جمع نجيب هو الكريم الحسيب وناقة نحيب ونجيبة، وقد نجب ككرم نجابة كما في القاموس (٣). وفي النهاية: "النجيب الفاضل من كل حويان، وقد نجب ينجب نجابة إذا كان فاضلًا نفيسًا في نوعه ومنه الحديث: "إن اللَّه يحب التاجر النجيب" (٤). أي الفاضل الكريم السخي، وقد تكرر في الحديث ذكر النجيب من الإبل مفردًا ومجموعًا، وهو القوي منها الخفيف السريع" (٥). و (الفردوس) بالجر بإضافته إلى نجب (٦) وهو في الأصل البستان الذي فيه الكرم

стр. 418

والأشجار والجمع فراديس، ومنه جنة الفردوس وهو المراد هنا فمن أسماء الجنة الفردوس كما في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠ - ١١]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ [الكهف: ١٠٧]. قال الإمام المحقق شمس الدين ابن القيم في كتابه "حادي الأرواح إلى منازل الأفراح": "الفردوس اسم يقال على جميع الجنة ويقال على أفضلها وأعلاها كأنه أحق بهذا الاسم من غيره من الجنان". وقال الليث (١): الفردوس جنة ذات كروم يقال كرم مفردس أي معرش. وقال الضحاك (٢): الفردوس الجنة الملتفة بالأشجار وهو اختيار المبرد (٣) قال: وبهذا سمى باب الفردوس بالشام. وأنشد لجرير (٤) قوله "شعر": فقلت للركب إذ جد المسير (٥) بنا ... يا بعد (٦) بيرين (٧) من باب الفراديس (٨)

стр. 419

وقال مجاهد (١) الفردوس هو البستان بالرومية (٢). واختاره الزجاج (٣) فقال هو بالرومية منقول إلى لفظ العربية قال وحقيقته: البستان الذي يجمع كل ما يكون في البساتين. قال حسان بن ثابت (٤) ﵁: وإن ثواب اللَّه كل مخلد ... جنان الفردوس فيها يخلد (٥) (٦) وأخرج الإمام أحمد والطيالسي (٧) والبيهقي عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "جنان الفردوس أربع جنتان من ذهب حليتهما وآنيتهما وما فيهما، وجنتان من فضة حليتهما وآنيتهما وما فيهما وما بينهم وبين أن يروا ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن" (٨).

стр. 420

قال البيهقي قوله: "رداء الكبرياء استعارة لصفة الكبرياء والعظمة لأنه بكبريائه لا يراه أحد من خلقه إلا بإذنه، ويؤيده أن الكبرياء ليس من جنس الثياب المحسوسة" (١). وأخرج البخاري عن أنس ﵁ قال: أصيب حارثة يوم بدر فجاءت أمه فقالت يا رسول اللَّه قد علمت منزلة حارثة منى فإن يكن في الجنة صبرت وإن يكن غير ذلك ترى ما أصنع، فقال إنها ليست بجنة واحدة بل جنان كثيرة وإنه في الفردوس الأعلى" (٢). وأخرج الحاكم والبيهقي عن أبي موسى الأشعري ﵁ أنه قال في هذه الآية: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] "قال جنتان من ذهب للسابقين (٣) وجنتان من فضة للتابعين" (٤) وفي لفظ: "وجنتان من ورق لأصحاب اليمين" (٥). وأخرج الترمذي والحاكم والبيهقي عن عبادة بن الصامت ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إن في الجنة مائة درجة بين كل درجتين كما بين السماء والأرض

стр. 421

والفردوس أعلاها درجة ومن فوقها يكون العرش ومنها تفجر أنهار الجنة الأربعة فإذا سألتم اللَّه فاسئلوه الفردوس" (١). وروى نحوه البيهقي من حديث معاذ ﵁ مرفوعًا (٢) والطبراني والبزار من حديث سمرة بن جندب مرفوعًا (٣) -أيضًا- والبزار عن العرباض بن سارية مرفوعًا (٤) أيضًا. وأخرج الطبراني عن أبي أمامة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "سلوا اللَّه الفردوس فإنها سرة الجنة، وإن أهل الفردوس ليسمعون أطيط العرش" (٥). وأشعر نظامه (٦) أن في الجنة نجبًا وهو كذلك. فقد أخرج الترمذي والبيهقي عن بريدة ﵁ أن رجلًا قال يا رسول اللَّه هل في الجنة خيل؟ فقال: "إن يدخلك اللَّه الجنة فلا تشاء أن تركب على فرس من

стр. 422

ياقوتة حمراء تطير بك في الجنة حيث شئت إلا ركبت"، فقال آخر: يا رسول اللَّه هل في الجنة إبل؟ فلم يقل له مثل الذي قال لصاحبه قال: "إن يدخلك اللَّه الجنة يكن لك فيها ما اشتهت نفسك ولذة عينك" (١). وروى نحوه أبو نعيم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ وذكر الجنة فقال: "والفردوس أعلاها سموًا وأوسعها محلة ومنها تفجر أنهار الجنة وعليها يوضع العرش يوم القيامة" فقام إليه رجل فقال يا رسول اللَّه: إني رجل حببت لي الخيل فهل في الجنة خيل؟ قال: "إي والذي نفسى بيده إن في الجنة لخيلًا وإبلًا هفافة (٢) تزف (٣) بين خلال ورق الجنة يتزاورن عليها حيث شاءوا"، فقام إليه رجل فقال يا رسول اللَّه: إني حبب إلىَّ الإبل. . وذكر الحديث (٤). ورواه أبو نعيم من حديث جابر بن نوح (٥) عن واصل (٦) به قال إن أهل الجنة ليتزاورون على نجائب بيض كأنها الياقوت (٧).

стр. 423

وقال الإمام عبد اللَّه بن المبارك حدثنا همام (١) عن قتادة عن عبد اللَّه بن عمرو ﵄ قال: "في الجنة عتاق الخيل وكرائم النجائب يركبها أهلها" (٢). وروى ابن أبي الدنيا (٣) من حديث (شفي بن ماتع) (٤) ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إن من نعيم أهل الجنة أنهم يتزاورون على المطايا والنجب وأنهم, يؤتون في الجنة بخيل مسرجة ملجمة لا تروث ولا تبول فيركبونها حتى ينتهوا حيث شاء اللَّه " (٥). . . الحديث. وروى ابن أبي الدنيا -أيضًا- من حديث أبي هريرة ﵁ قال: "إن أهل الجنة ليتزاورون على العيس الجون (٦) عليها رحال ملس تثير ماسمها غبار المسك خطام أو زمام أحدها خير من الدنيا وما فيها" (٧).

стр. 424

العيس إبل في بياضها ظلمة خفيفة، والمناسم بنون وسين مهملة جمع منسم وهو باطن خف البعير. ولذا قال الناظم ﵀ ورضي اللَّه عنه في حق الخلفاء الراشدين وبقية العشرة المبشرين بالجنة من سيد العالمين وخاتم المرسلين صلوات اللَّه وسلامه عليه وعليهم أجمعين في دار الخلد من الفردوس الأعلى (تسرح) أي ترسل حيث شاء راكبها، وفعلها "سرح" كمنع ورجل سرح كفرح: خرج في أموره سهلًا، والحاصل أن هؤلاء العشرة مقطوع لهم بالجنة يتزاورون على النجب في جنة الفردوس. قال الإمام المحقق ابن القيم في كتابه "حادي الأرواح إلى منازل الأفراح": "أهل الجنة يتزاورون فيها ويستزيد بعضهم بعضًا وبذلك تتم لذتهم وسرورهم" "ولهذا قال حارثة للنبي ﷺ وقد سأله "كيف أصبحت يا حارثة" قال: أصبحت مؤمنًا حقًا. قال: "إن لكل حق حقيقة فما حقيقة إيمانك"؟ قال: عزفت نفسي عن الدنيا فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزًا وإلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وإلى أهل النار يعذبون، وفي لفظ يتعاوون فيها قال ﷺ "عبد نور اللَّه قلبه عرفت فالزم" (١). قرله: عزفتُ: بالعين المهملة وبعدها زاى وفاء أي صرفت. ثم إن الناظم رحمه اللَّه تعالى فسر الرهط فقال أحدهم (سعيد) وهو أبو الأعور

стр. 425

سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى القرشي العدوي ابن عم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵄ وأمه فاطمة بنت بعجة بن أمية بن خزاعة. أسلم سعيد قديمًا قبل أن يدخل النبي ﷺ دار الأرقم وشهد الشاهد كلها مع النبي ﷺ غير بدر، فإنه كان هو وطلحة بن عبيد اللَّه يطلبان خبر عير قريش، وضرب له النبي ﷺ بسهمه في المغنم والأجر. كان ﵁ آدم طوالًا، أشعر. مات بالعقيق قريبًا من المدينة فحمل إليها ودفن بها سنة إحدى وخمسين وله بضع وسبعون سنة، ويقال إنه مات بالكوفة ودفن بها، روي له عن رسول اللَّه ﷺ ثمانية وأربعون حديثًا منها في الصحيحين ثلاثة المتفق عليه منها اثنان، وانفرد البخاري بالثالث. روى عنه عمرو بن حويرث، وعروة بن الزبير، وقيس بن أبي حازم وعباس بن سهل بن سعد (١). (و) الثاني أبو إسحاق (سعد) بن أبي وقاص (٢) واسم أبي وقاص مالك ابن وهيب ويقال أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب يجتمع نسبه مع النبي ﷺ في كلاب، القرشي الزهري وأمه حمنة (٣) بنت
следующие страницы →