وممن استجازه:
السيد سليمان بن يحيى بن عمر الأهدل (١) الزبيدي الشافعي محدث الديار اليمنية في عصره وهو شيخ مرتضى الزبيدي صاحب تاج العروس، توفى سنة ١١٩٧ هـ.
قال عبد الحي الكتاني: "ممن استجاز له السيد مرتضى من الزبيديين: شيخه وعمدته السيد سليمان الأهدل وكذا لأخيه السيد أبي بكر وعثمان الحنبلي وغيرهم.
وفي ترجمة عبد القادر بن خليل المدني من معجم الزبيدي:
استجزت له من شيخنا السفاريني فكتب له إجازة طويلة في خمس كراريس فيها فوائد جمة" انتهى (٢).
مكانته العلمية وثناء العلماء عليه:
احتل المؤلف رحمه اللَّه تعالى مكانة عالية بين علماء عصره وذلك لما تميز به ﵀ من سعة العلم والإطلاع مع ما جمع من حسن الخلق والصدق والورع وحسن القصد والإخلاص في النية.
فقد أثنى عليه معاصروه ومن جاء بعدهم بالثناء الحسن ووصفوه بالأوصاف العلمية التي تدل على جلالته وإمامته.
فمن ذلك: ما وصفه به تلميذه: محمد كمال الدين الفزى قال فيه: شيخنا الشيخ الإمام والحبر البحر التحرير. . . العلامة العالم صاحب التآليف الكثيرة
стр. 37
والتصانيف الشهيرة. . . " (١) ثم قال بعد ذلك. . . "وبالجملة فقد كان غرة عصره وشامة مصره لم يظهر في بلاده بعده مثله. . . "
وحلّاه الوجيه الأهدل في النفس اليماني بـ"مسند الشام الحافظ الكبير".
وحلّاه مفتي الحنابلة بمكة محمد بن حميد بالسند الحافظ المتقن (٢).
ووصفه تلميذه: مرتضى الزبيدي بقوله: شيخنا العلامة. . . " (٣).
وذكره الكتاني (٤) فقال: "هو الإمام محدث الشام وأثريه مسند عصره وشامته أبو العون محمد بن أحمد بن سالم السفاريني النابلسي الحنبلي الصوفي. . . " (٥)
وهكذا كل من ترجم له ممن جاء بعدهم.
مؤلفاته:
ألف العلامة السفاريني مؤلفات كثيرة جليلة ولم يقتصر ﵀ على فن واحد
стр. 38
بل ألف في معظم علوم الشريعة فقد ألف في السنة وعلومها وفي العقيدة وفي الفقه وفي السيرة النبوية وغير ذلك وسوف أذكر ما وففت عليه من ذلك بعد البحث في المصادر المختلفة وسوف أشير إلى المطبوع منها والمخطوط حسب ما تيسر لي وإليك بيانها بالترتيب:
١ - "الأجوبة النجدية عن الأسئلة النجدية" (١) خ.
٢ - "الأجوبة الوهبية عن الأسئلة الزعبية" (٢) خ.
٣ - "البحور الزاخرة في علوم الآخرة" في مجلدين.
وقد ذكره المؤلف في كتابه "لوائح الأنوار".
- وهو الكتاب الذى أقوم بتحقيقه -قال بعد أن ذكر أدلة عذاب القبر "وقد ذكرت في كتابي البحور الزاخرة" ثم في "لوامع الأنوار" من ذلك ما يكفي ويشفي (٣).
٤ - "تحبير الوفاء في سيرة المصطفى" خ، وهو اختصار لكتاب الوفاء في أحوال المصطفى لابن الجوزي وقد ذكره المؤلف في إجازته للسيد مرتضى الزبيدي قال -وهو يذكر مشايخه- ومن مشايخي بل ومن أكثرهم لي اقراء الشيخ إسماعيل
стр. 39
العجلوني فقد لازمته خمس سنين وعرضت عليه كتابي الذى اختصرته من الوفاء للحافظ ابن الجوزي وسميته "تحبير الوفاء فى سيرة المصطفى" فاستجاده وأثنى عليه وقال: هذا فى غاية التنقيح والتحرير، ويفوق أصله من الفوائد بكثير (١).
٥ - "التحقيق فى بطلان التلفيق" وهو رسالة مستقلة كتبها العلامة السفاريني ردًا على رسالة الشيخ مرعي ابن يوسف الكرمي التي يجيز فيها التلفيق فى العبادات وغيرها، وقد ذكر محمد سعيد الباني في كتابه "عمدة التحقيق فى التقليد والتلفيق" نصوصًا من تلك الرسالة (٢).
٦ - "تحفة النساك فى فضل السواك" (٣) خ.
٧ - "تراجم لبعض مشايخ المذهب" (٤) خ.
٨ - "ثبت" ألفه لما استجازه فى دمشق العلامة شاكر العقاد فأجازه وأرسل إليه كراسة جعلها كالثبت له ذكر فيها بعض مشايخه وأسانيده ومروياته وبعض المسلسلات وسنده فى الصحيحين والمسانيد وغير ذلك" (٥) خ.
стр. 40
٩ - "تفاضل الأعمال بشرح حديث فضائل الأعمال" (١) خ.
١٠ - "تعزية اللبيب بأحب حبيب" (٢) خ.
١١ - "الجواب المحرر في الكشف عن حياة الخضر والأسكندر" (٣) خ.
١٢ - "الدرة المضيئة في عقد الفرقة المرضية" وهي منظومة تقع في مائتي بيت وبضعة عشر بيتا وقد قام المؤلف بشرح هذه القصيدة شرحًا وافيا سماه "لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية".
وقد اعتنى العلماء بهذه المنظومة وشرحها اعتناء تامًا وتناولوا القصيدة بالشرح والتعليق والتدريس فممن شرحها العلامة الشيخ محمد بن عبد العزيز بن مانع وسمى شرحه: الكواكب الدرية لشرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية".
وقد طبع شرحه هذا في الهند سنة ١٣٣٦ هـ وللشيخ عبد الرحمن ابن محمد بن قاسم عليها حاشية سماها: حاشية الدرة المضيئة، وقد طبعت هذه الحاشية سنة ١٣٦٤ هـ. في مكة المكرمة.
١٣ - "الدراري المصنوعات في اختصار الموضوعات" خ.
وهو اختصار لكتاب الموضوعات لابن الجوزي ذكره المؤلف في كتابه لوامع الأنوار (٤) وذكره صاحب الرسالة المستطرفة (٥) وتوجد منه نسخة
стр. 41
خطية عند يوسف زخور (١).
١٤ - "الدر المنثور في فضل يوم عاشور" (٢) خ.
١٥ - "الدر المنظم فى فضل عشر محرم" خ، ذكره المؤلف أثناء حديثه عن المفاضلة بين صيام عرفة وصيام عاشوراء، فقال: وقد أنهيت الكلام على عاشوراء في رسالة "الدر المنظم في فضائل عشر المحرم" (٣).
١٦ - "الدرر المكنيه في شرح المنظومة الحسابية" (٤) خ.
١٧ - "الذخائر لشرح منظومة الكبائر الواقعة في الإقناع" (٥) خ.
١٨ - "رسالة في بيان الثلاث والسبعين فرقة والكلام عليها" (٦) خ.
١٩ - "رسالة في حكم تارك الصلاة" خ وقد ذكرها المؤلف ﵀ في كتابه غذاء الألباب" أثناء كلامه على حكم تارك الصلاة بقوله: "وقد سئلت عن هذه المسألة فأجبت عنها بجزء لطيف" (٧).
٢٠ - رسالة في شرح حديث "الإيمان بضع وسبعون شعبة" (٨).
стр. 42
٢١ - "رسالة في ذم الوسواس" (١).
٢٢ - رسالة في فضل الفقير الصابر. خ ذكرها المؤلف في كتابها "غذاء الألباب" أثناء حديثه في المقارنة بين الفقير الصابر والغني الشاكر وأيهما أفضل واختار الأول ثم قال: "وقد أفردت لهذه المسألة رسالة أتيت فيها بأكثر أحاديث مدح الفقر والفقراء والأعراض عن الدنيا والتقلل منها" واللَّه الموفق (٢).
٢٣ - رسالة في أحكام الصلاة على الميت. خ وقد ذكرها المؤلف" في شرحه ثلاثيات مسند الإمام أحمد "أثناء حديثه على حديث" من اقتنى كلبًا إلا كلب ماشية أو كلب قنص، نقص من أجره كل يوم قيراطان" حيث قال: "وقد ذكرت الكلام في هذا الحديث في رسالة متعلقة بالصلاة على الميت" (٣).
وقال في غذاء الألباب أثناء كلامه -أيضًا- على هذا الحديث قال: "وقد ذكرنا الكلام على هذا في رسالة حررنا فيها الكلام على أن من صلى على ميت فله بالصلاة عليه قيراط وله بتمام دفنه قيراطان (٤).
٢٤ - "شرح دليل الطالب" خ. ودليل الطالب متن مختصر في الفقه الحنبلي للشيخ مرعي بن يوسف الكرمي وقد وصل في شرحه إلى باب الحدود (٥).
٢٥ - شرح فضائل الأعمال للضياء المقدسي (٦) خ.
стр. 43
٢٦ - شرح نونية ابن القيم، وقد ذكر ذلك الشيخ محمد جميل الشطي فقد جاء في تعليق له على أبيات ذكرها الشيخ عثمان النجدى في كتابه "نجاة الخلف في اعتقاد السلف" من نونية العلامة ابن القيم ما نصه: "قال الشطي: وهذه الأبيات من نونية الإمام ابن القيم التي سماها "الكافية الشافية في الإنتصار للفرقة الناجية" وهي مطبوعة في الهند في مجلد لطيف، ثم أضاف قائلًا: ويوجد في مكتبتنا شرح عليها في مجلدين ضخمين لعلامتنا السفاريني وهو غير مطبوع (١).
٢٧ - "عرف الزرنب في شأن السيدة زينب" (٢) خ.
٢٨ - "غذاء الألباب شرح منظومة الآداب" ومنظومة الآداب هذه لمحمد ابن عبد القوي المرداوي المتوفى سنة ٦٩٩ وهو شرح نفيس جدًا وفيه فوائد جمة وقد طبع الطبعة الأولى سنة ١٣٢٤ هـ بمطبعة النجاح بمصر، ثم طبع سنة ١٣٩٣ هـ في مطبعة الحكومة بمكة المكرمة في مجلدين (٣).
٢٩ - "قرع السياط في قمع أهل اللواط" طبع ذكره المؤلف في كتابه "غذاء الألباب" (٤).
стр. 44
٣٠ - "القول العلي في شرح أثر أمير المؤمنين علي" (١) خ وقد أشار إليه المؤلف في كتابه "غذاء الألباب" في عدة مواضع منها عند ذكر حديث النبي ﷺ : "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث. . . " ثم قال: "وقد ذكرت في كتابي القول العلي في شرح أثر أمير المؤمنين علي" من فضل العلم وتعلمه وتعليمه ما يكفي ويشفي" (٢).
وتوجد منه نسخه خطية في خزانة الرباط (٣).
٣١ - "كشف اللثام شرح عمدة الأحكام" خ.
وعمدة الأحكام في أحاديث الأحكام من تأليف الحافظ عبد الغنى بن عبد الواحد المقدسي المتوفى سنة ٦٠٠ هـ.
وقد أشار إليه المؤلف في كتابه "شرح ثلاثيات مسند الإمام أحمد" عندما ذكر أن الحاج مخير بين أنواع النسك الثلاثة: التمتع والقران والإفراد ثم رجح أنّ أفضلها التمتع قال: "وقد أطلنا الكلام على ذلك في شرح العمدة فراجعه إن شئت" (٤).
وهذا الكتاب لا يزال مخطوطًا، وتوجد منه نسخة مخطوطة في المكتبة
стр. 45
الظاهرية بدمشق وهى بخط حسن بن هاشم بن عثمان الحنبلي النابلسي وتاريخها سنة ١١٦٩ هـ (١).
٣٢ - "اللمعة فى فضل الجمعة" (٢) خ.
٣٣ - "لوائح الأنوار السنية شرح قصيدة ابن أبي داود الحائية" وهو هذا الكتاب الذي أقوم بدراسته وتحقيقه وسيأتي الكلام عليه (٣).
٣٤ - "لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية" وقد ذكره المؤلف في كتابه "لوائح الأنوار السنية شرح قصيدة ابن أبي داود الحائية" فى مواضع منها:. . . بعد أن ذكر فرق الخوارج قال: "وقد ذكرتهم في شرح الدرة "لوامع الأنوار" (٤).
وهذا الكتاب مطبوع فى جزئين في مجلد كبير وعليه حواشي وتعليقات مفيدة للشيخ عبد اللَّه بن عبد الرحمن أبا بطين والشيخ سليمان بن سحمان وغيرهما، وهذا الكتاب كتاب عظيم القدر وقيمته العلمية كبيرة جدًا، وهو شرح وافي أتى فيه المؤلف على ما اشتملت عليه القصيدة من مباحث وعلوم وسلك فيه مسلك الإطناب والتطويل وأتى فيه بفوائد جمة.
وقد اختصر هذا الشرح غير واحد من العلماء فمنهم العلامة حسن الشطي الحنبلي ومنهم العلامة محمد السلوم ومنهم الشيخ علي المنصور الكرمي ومع
стр. 46
هذا فإن العلامة السفاريني وقع فيه في بعض الأخطاء التي تخالف أهل السنة والجماعة وهى قليلة جدًا وقد نبه على ذلك جماعة من أهل العلم ومنهم الشيخان اللذان سبق ذكرهما (١).
وسوف أشير إلى هذه الأخطاء في مبحث عقيدة المؤلف.
٣٥ - "معارج الأنوار في سيرة النبي المختار" خ وهو كتاب شرح فيه السفاريني نونية الصرصري وهي منظومة في سيرة النبي ﷺ وقد ذكر المؤلف ﵀ هذا الكتاب في شرح ثلاثيات مسند الإمام أحمد أثناء حديثه عن معجزات النبي ﷺ حيث يقول: "ومعجزات النبي ﷺ لا تحصى ودلائل نبوته لا تستقصى وقد أفردت بالتأليف، وقد ذكرت منها طرفًا صالحًا في كتاب "معارج الأنوار في سيرة النبي المختار" وهو شرح نونية الصرصري" (٢).
٣٦ - "الملح الغرامية" وهي شرح لمنظومة ابن فرح اللامية في مصطلح الحديث وتقع في ثلاثين بيتا ومطلعها قوله:
غرامي صحيح والرجاء فيك معضل ... وحزني ودمعي مرسل ومسلسل
стр. 47
يقول الدكتور محمد السمهري: "وتوجد نسخة مخطوطة من هذا الشرح اطلعت عليها في دار الكتب المصرية برقم ١٦٤ - الفن مصطلح حديث تيمورية، وتقع في ثمان وأربعين ورقة وتاريخ نسخها ١٢١٣ هـ" (١).
٣٧ - "منتخب الزهد للإمام أحمد" حذف منه المكرر والأسانيد وقد ذكره المؤلف أثناء حديثه عن مؤلفات الإمام أحمد حيث يقول "ومن تصانيفه "الزهد" وقد انتقيت منه أجزاء" (٢).
٣٨ - "نفثات صدر المكمد وقرة عين الأرمد لشرح ثلاثيات مسند الإمام أحمد" وهو مطبوع في مجلدين كبيرين. (٣).
٣٩ - "نتائج الأفكار شرح حديث سيد الاستغفار" (٤) خ.
стр. 48
٤٠ - "نظم الخصائص الواقعة في الإقناع" (١) خ وله غير ذلك من الفتاوى والرسائل والإجازات قال تلميذه محمد الفزي "وأما الفتاوى التي كتب عليها الكراس والأقل والأكثر فكثيرة ولو جمعت لبلغت مجلدات. . " (٢).
وقال ابن حميد في ترجمته بعد أن ذكر مصنفاته -قال: "وله غير ذلك من التحريرات والفتاوي الحديثية والفقهية والأجوبة على المسائل العديدة والتراجم لبعض أصحاب المذهب وبالجملة فتآليفه نافعة مفيدة مقبولة سارت بها الركبان وانتشرت في البلدان (٣).
عقيدته وبعض المآخذ عليه:
أما عقيدته فقد كان رحمه اللَّه تعالى على معتقد أهل السنة والجماعة في الجملة وقد أبان ﵀ عن ذلك في كتابه هذا -لوائح الأنوار السنية شرح قصيدة ابن أبي داود الحائية.
وفي كتابه الآخر "لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية" حيث يقول مقررًا لأنواع التوحيد "اعلم أن التوحيد ثلاثة أقسام: توحيد الربوبية، وتوحيد الإلهية، وتوحيد الأسماء والصفات.
فتوحيد الربوبية أن لا خالق ولا رازق ولا محيي ولا مميت ولا موجد ولا معدم إلا اللَّه تعالى.
وتوحيد الإلهية إفراده تعالى بالعبادة والتأله له والخضوع والذل والحب والافتقار والتوجيه إليه تعالى.
وتوحيد الصفات أن يوصف اللَّه بما وصف به نفسه وبما وصفه به نبيه ﷺ فيثبت له ما أثبته لنفسه وينفى عنه ما نفاه عن نفسه. . . " ثم قال: "وقد علم
стр. 49
أن طريقة سلف الأمة وأئمتها إثبات ما أثبته من غير تكييف ولا تمثيل ومن غير تحريف ولا تعطيل وكذلك ينفون عنه ما نفاه عن نفسه، مع ما أثبته من الصفات من غير الحاد فى الأسماء، ولا فى الآيات، فإنه تعالى ذم الملحدين فى أسمائه وآياته" (١).
وقال فى موضع آخر من كتابه هذا لوائح الأنوار السنية عن إثبات صفة الإستواء للَّه تعالى "قد دلت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية على أن اللَّه مستو على عرشه بائن من خلقه استواء يليق بذاته من غير تكييف ولا تمثيل ولا تحريف ولا تعطيل قال تعالى فى محكم كتابه العزيز ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ [السجدة: ٤] (٢).
وقال في كتابه اللوامع: "قد استوى على عرشه من فوق سبع سماواته استواء يليق بذاته كما ورد في الآيات القرآنية والأحاديث النبوية والنصوص السلفية مما لا يحصى ويتعذر أن يستقصى، فهذا كتاب اللَّه من أوله إلى آخره وسنة رسول اللَّه ﷺ من أولها إلى آخرها ثم عامة كلام الصحابة ﵃ والتابعين لهم بإحسان ﵏ ثم سائر كلام أئمة الدين ممن تلوى على كلامهم الخناصر ولا ينازع فيه إلا كل مكابر ومعاند، بأن اللَّه تعالى مستو على عرشه بائن من خلقه" (٣).
ومع هذا فإن السفاريني ﵀ أخذت عليه بعض المآخذ التي خالف فيها عقيدة أهل السنة والجماعة (٤) ومن هذه المآخذ:
стр. 50
١ - تأثره ببعض عبارات أهل الكلام مثل قوله: "القرآن كلام اللَّه القديم" (١).
وقوله: "وسائر صفانه الفعلية من الإستواء والنزول والإتيان والمجئ والتكوين ونحوها قديمة للَّه تعالى ليس شيء من ذلك محدثا" (٢).
ومثل قوله فى عقيدته:
وليس ربنا بجوهر ولا ... عرض ولا جسم تعالى ذو العلى (٣).
٢ - ومن المآخذ ما جاء فى كلامه فى مبحث الإستواء بعد أن ذكر الأدلة على الإستواء قال: "فمذهب السلف الإيمان بذلك جريًا على عادتهم من عدم الخوض فى المتشابه مع تفويض علمه إلى اللَّه" (٤).
ومثله ما جاء في كتابه اللوامع عند قوله:
فكل ما جاء من الآيات ... أو صح في الأخبار عن ثقات
من الأحاديث نمره كما ... قد جاء فاسمع من نظامي واعلما
قال في شرحه: فكل ما جاء فى الأخبار الصحيحة والآثار الصريحة مما يوهم تشبيها أو تمثيلا فهو من المتشابه الذي لا يعلمه إلا اللَّه.
стр. 51
ثم قال بعد ذلك ومذهب السلف عدم الخوض فى مثل هذا والسكوت عنه وتفويض علمه إلى اللَّه تعالى (١).
وقد ذكرت التنببه عليه فى موضعه (٢).
وهذه المآخذ لا تؤثر فى علمه وصلاحه وتقواه وما خلف من آثار علمية نفع اللَّه بها، لكن الكمال للَّه وحده، وكل يؤخذ من قوله ويرد إلا رسول اللَّه ﷺ .
مذهبه فى الفقه:
كان السفاريني ﵀ على مذهب الإمام أحمد بن حنبل ﵀ في الفقه ومما يدل على ذلك قوله:
ما لى إليك وسيلة إلا الرجاء ... وجميل عفوك ثم إني حنبلي (٣)
وكذلك نجد أكثر الذين ترجموا له عدوه من الحنابلة (٤).
стр. 52
الفصل الثانى
دراسة الكتاب
стр. 53
الفصل الثاني دراسة الكتاب
وفيه مباحث
стр. 54
المبحث الأول
وفيه الأمور الآتية:
١ - اسم الكتاب.
٢ - موضوع الكتاب.
٣ - سبب تأليف الكتاب.
٤ - توثيق نسبة الكتاب إلى المؤلف.
٥ - منهج المؤلف في الكتاب.
٦ - مصادر المؤلف في الكتاب.
٧ - منزلة الكتاب العلمية.
٨ - موازنة بين الكتاب وبين كتاب "لوامع الأنوار" للمؤلف وبيان أهميتهما.
٩ - بعض المآخذ على الكتاب، والتنبيه على الأوهام التي وقعت للمؤلف.
стр. 55
المبحث الأول
١ - اسم الكتاب:
قال المؤلف ﵀ فى مقدمته: "وسميته بـ "لوائح الأنوار السنية ولواقح الأفكار السنية شرح عقيدة أهل الآثار السلفية".
وجاء اسمه في الورقة الأولى من المخطوطتين "لوائح الأنوار السنية ولواقح الأفكار السنية في شرح قصيدة الإمام الحافظ أبي بكر بن أبي داود الحائية في عقائد الطوائف السلفية والفرق الأثرية".
ويلاحظ اتفاق التسميتين فى الجزء الأول من العنوان والإختلاف فى الجزء الأخير منه.
ولا يبعد أن المؤلف ﵀ اختصر العنوان فى مقدمته ثم ذكره كاملا على غلاف الكتاب.
ويؤيد هذا أن نسخة الأصل هي بقلم تلميذ المؤلف عيسى القدومي وهو ممن درس على الشيخ ولازمه مدة طويلة وقد كتبها عن نسخة المؤلف بعد فراغ المؤلف من كتابتها بزمن يسير حيث ذكر فى آخر الكتاب أنه فرغ من تأليفه فى العشرين من شهر شعبان سنة ١١٧٦ هـ وذكر الناسخ أنه انتهى من كتابة نسخته فى الرابع من ذي القعدة فى السنة المذكورة.
وأرجح أن الناسخ هو تلميذ المؤلف قد عرضها عليه واطلع عليها.
ويؤيد هذا أن الكتاب هو شرح لقصيدة ابن أبي داود الحائية.
ويرجح هذا أن أغلب المترجمين الذين ترجموا للمؤلف ذكروا هذا الكتاب باسم
стр. 56
"لوائح الأنوار السنية ولواقح الأفكار السنية شرح منظومة ابن أبي داود الحائية".
٢ - موضوع الكتاب:
أما موضوع الكتاب فهو شرح لقصيدة ابن أبي داود (١) في العقيدة.
وهذه القصيدة تقع في ثلاثة وثلاثين بيتا (٢) وقد تضمنت أمهات المسائل في العقيدة وخاصة المسائل التي جرى فيها الخلاف بين أهل السنة والجماعة والمخالفين لهم من أهل البدع. وهذه المسائل هي:
١ - التمسك بالقرآن والسنة والتحذير من البدع.
٢ - مسألة القرآن وأنه كلام اللَّه غير مخلوق.
٣ - الرؤية.
٤ - اليدان.
٥ - النزول.
٦ - فضائل الصحابة ﵃.
٧ - القدر.
٨ - عذاب القبر والمسآلة.
٩ - الحوض.
стр. 57
١٠ - الميزان.
١١ - الشفاعة.
١٢ - الخوارج والتحذير من رأيهم.
١٣ - الإيمان.
١٤ - التمسك بالقرآن والسنة وترك الرأي.
وقد ذكر المؤلف ﵀ أن ابن البنا الحنبلي زاد عليها ثلاثة أبيات وقد شرحها المؤلف ﵀ ضمن شرحه لهذه القصيدة وتتضمن هذه الأبيات:
١ - فضائل أم المؤمنين عائشة ﵂.
٢ - ومعاوية ﵁.
٣ - وفضائل المهاجرين والأنصار.
٤ - فضائل التابعين.
هذا وقد أضاف المؤلف ﵀ أيضًا عدة مسائل في العقيدة تتميمًا للفائدة.
ونظرًا لأن الناظم ﵀ لم يستوعب كل مسائل العقيدة وإنما ذكر امهات مسائل جرى فيها الخلاف بين أهل السنة وأهل البدع، وهذه المسائل هى:
١ - مسألة الإستواء قال ﵀ (١) "لم يذكر الناظم ﵀ مسألة الإستواء مع أنها من أعظم مسائل المعترك بين أهل السنة وأهل البدع لكنه أشار بالتجلي وبالنزول وبقوله: فيما يأتي وكلهم يعصي وذو العرش يصفح إلى ما يعلم منه ذلك".
٢ - الصحف.
стр. 58
٣ - الصراط.
٤ - الحساب.
قال ﵀ (١) "لم يذكر الناظم ﵀ الصحف ونشرها وأخذها باليمين والشمال ولا ذكر الصراط ولا الحساب وذلك أنه انما يشير إلى امهات مسائل اشتهر فيها خلاف أهل البدع من المعتزلة وغيرهم مما لا يحسن اغفاله في العقائد الدينية. . . ".
٣ - سبب تأليف الكتاب:
ذكر المؤلف ﵀ في مقدمته السبب الباعث له على تأليف هذا الكتاب فقال -بعد الحمد للَّه والصلاة والسلام على نبيه- "أما بعد فيقول العبد الفقير إلى مولاه العلي محمد بن الحاج أحمد السفاريني الحنبلي لما كان عام ست وسبعين بعد الألف ومائة من السنين رأيتني كاتبا في أيام الطب على قصيدة الإمام الحافظ أبى بكر بن الإمام الحافظ أبي داود صاحب السنن كتابة تليق بتلك الأيام لا على حسب ما يقتضيه المقام فحملني ذلك على تحرير تلك الكتابة وتحقيق مذهب السلف وما كان عليه الصحابة ﵃ وبيان اعتقاد أهل الأثر من تلك العصابة وأفرغت ما كنت سودته في قالب التحقيق وبذلت جهدي في ذلك على سبيل التوفيق والتدقيق. . (٢).
٤ - توثيق نسبة الكتاب إلى المؤلف:
لقد ثبتت نسبة هذا الكتاب إلى المؤلف ﵀ وهناك أدلة كثيرة تؤكد صحة نسبة هذا الكتاب له ومن هذه الأدلة.
стр. 59
أولًا: ما جاء صريحًا في مقدمته بعد الحمد للَّه والصلاة على رسوله قال: "أما بعد فيقول العبد الففير إلى مولاه العلي محمد بن الحاج أحمد السفاريني. . . " (١).
ثانيًا: ما جاء في آخر المخطوطة من قول الناسخ عيسى القدومي وهو من تلاميذ المؤلف قال: "قال شيخنا الشيخ محمد السفاريني فرغت من تعليقه بعون اللَّه تعالى وتوفيقه نهار السبت لعشر بقيت من شعبان من سنة ألف ومائة وست وسبعين من الهجرة النبوية على صاحبها الصلاة والسلام (٢). . "
ثالثًا: ذكره للمؤلف عدد ممن ترجم له منهم:
تلميذه محمد الفزي في النعت الأكمل (٣). والمرادي في سلك الدرر (٤) والجبرتي في تاريخه (٥) وابن سلوم في مقدمته لكتاب "مختصر لوامع الأنوار البهية" (٦) والكتاني في فهرس الفهارس (٧).
رابعًا: ما جاء على غلاف المخطوطتين من نسبة الكتاب إلى المؤلف ﵀.
٥ - منهج المولف في الكتاب
١ - رتب المؤلف مواضغ الكتاب حسب ترتيبها في القصيدة.
٢ - طريقته في الشرح: أنه يشرح كلمات البيت من القصيدة كلمة كلمة فيشرح معنى الكلمة في اللغة ويتوسع في ذلك -أحيانا- ويستشهد لذلك باللغة
стр. 60
والحديث والقرآن وبعض الآثار وربما يذكر المعنى في الإصطلاح (١)، ثم يتكلم بتوسع على المعنى الذي سيق من أجله البيت وهو ما يتعلق بأمور العقيدة مثل مسألة كلام اللَّه والرؤية واليدين والنزول والإستواء وغيرها من مسائل العقيدة فيذكر الأدلة على مذهب السلف من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الأئمة، وقد يورد مذاهب المخالفين لأهل السنة من أهل الكلام والاعتزال وغيرها ثم يزيد ما ذهب إليه السلف (٢).
٣ - استقى المؤلف مادة الكتاب من القرآن الكريم ومن السنة الشريفة ومن بعض كتب التفسير وكتب شروح السنة والعقائد والتواريخ والسير واللغة والفقه، كما يظهر ذلك من مراجعة المصادر التي رجعت إليها في توثيق النصوص وأثبتها في قائمة المراجع وكذلك المصادر التي صرح بها وأثبتها في مصادره وهو يصرح أحيانًا -بعزو المعلومات إلى مصادرها ذاكرًا الكتاب ومؤلفه أو أحدهما. وأحيانًا لا يصرح بذلك.
٤ - النقل والجمع والإختصار سمة بارزة ومنهج سار عليه المؤلف وقد يعلق -أحيانًا- على بعض المسائل بقوله: (قلت) (٣) وتارة يعرض المسألة وأقوال العلماء ويرجح ما يظهر له رجحانه (٤) وأحيانًا لا يرجع (٥) وأحيانًا يحقق بعض المسائل ويرجع فيها إلى المراجع الكثيرة (٦).
стр. 61
٥ - أسلوبه في هذا الكتاب هو أسلوب المصادر التي اعتمد عليها مع بعض التصرف أو الإختصار ويظهر ذلك جليا في إرجاع المعلومات إلى مصادرها فنجد الفروق يسيرة وأما أسلوبه الذي هو من إنشائه فيغلب عليه جانب السجع وشيء من التكلف (١).
٦ - مصادر المؤلف في الكتاب:
كما أشرت في مبحث منهج المؤلف في الكتاب فقد رجع المؤلف ﵀ إلى الكثير من كتب الشريعة في العقائد والتفسير والحديث والفقه والسيرة والتاريخ واللغة كما يظهر ذلك من مراجعة المصادر التي رجعت إليها في توثيق النصوص وأثبتها في قائمة المراجع وفيما يلي بيان بأسماء المصادر التي رجع إليها المؤلف وصرح بذكرها (٢).
١ - الإبانة لأبي الحسن الأشعري (٣).
٢ - الإستيعاب لابن عبد البر (٤).
٣ - إعلام الموقعين لابن القيم (٥).
٤ - أهوال القبور لابن رجب (٦).
٥ - بحر الكلام للنسفي (٧).
стр. 62
٦ - البحور الزاخرة للمولف (١).
٧ - بدائع الفوائد لابن القيم (٢).
٨ - البدور السافرة للسيوطي (٣).
٩ - البرهان في حقيقة القرآن (٤) لابن قدامة المقدسي.
١٠ - البعث للبيهقي (٥).
١١ - بهجة الناظرين (٦) لمرعي بن يوسف الكرمي.
١٢ - التاريخ للإمام أحمد (٧).
١٣ - تاريخ ابن خلكان (٨).
١٤ - تاريخ بغداد للخطيب (٩).
١٥ - التثبيت في التبييت للسيوطي (١٠).
١٦ - تجريد أسماء الصحابة للذهبي (١١).
١٧ - تحفة الودود لأبي بكر بن داود (١٢).
стр. 63
١٨ - التدمرية لابن تيمية (١).
١٩ - التذكرة للقرطبي (٢).
٢٠ - الترغيب للأصبهاني (٣).
٢١ - تفسير القاضي البيضاوي (٤).
٢٢ - التمهيد لابن عبد البر (٥).
٢٣ - جامع الأصول لابن الأثير (٦).
٢٤ - الجامع الكبير للسيوطي (٧).
٢٥ - جلاء الأفهام لابن القيم (٨).
٢٦ - الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لابن تيمية (٩).
٢٧ - الجيوش الإسلامية لابن القيم (١٠).
٢٨ - حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح لابن القيم (١١).
٢٩ - الحلية لأبي نعيم (١٢).
стр. 64
٣٠ - الحماسة لأبي تمام (١).
٣١ - الرسالة الحموية لابن تيمية (٢).
٣٢ - الروح لابن القيم (٣).
٣٣ - السنة للإمام أحمد (٤).
٣٤ - السنة لابن بطة (٥).
٣٥ - السنة للخلال (٦).
٣٦ - السنة للالكائي (٧).
٣٧ - شرح الإيمان لابن تيمية (٨).
٣٨ - شرح الأربعين لابن رجب (٩).
٣٩ - شرح تائية شيخ الإسلام للطوفي (١٠).
٤٠ - شرح الدرة - للمؤلف (١١).
стр. 65
٤١ - شرح العقائد النسفية للتفتازاني (١).
٤٢ - شرح العقيدة الأصفهانية لابن تيمية (٢).
٤٣ - شرح منازل السائرين لابن القيم (٣).
٤٤ - الشفاء للقاضي عياض (٤).
٤٥ - صفة النار لابن رجب (٥).
٤٦ - طبقات الحنفية (٦)
٤٧ - العرش للذهبي (٧).
٤٨ - العقائد النسفية للنسفي (٨).
٤٩ - عقيدة أهل السنة للصابوني (٩).
٥٠ - عقيدة أبي المعالي من الحنابلة (١٠).
٥١ - فتح الباري شرح صحيح البخاري للحافظ ابن حجر (١١).
٥٢ - الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان لابن تيمية (١٢).
стр. 66
٥٣ - الفقه الأكبر لأبي حنيفة (١).
٥٤ - قاعدة شيخ الإسلام في بيان أن القرآن كلام اللَّه. . " (٢).
٥٥ - القاموس للفيروزآبادي. (٣).
٥٦ - "قواعد وجوب الاستقامة والإعتدال" للطوفي (٤).
٥٧ - الكامل لابن عدي (٥).
٥٨ - الكامل للمبرد (٦).
٥٩ - الكشاف للزمخشري (٧).
٦٠ - الكنى للحاكم (٨).
٦١ - مرقاة المبتدئين ونهاية المنتهين وهو شرح الجواهر المنظومة للوزنتي من الحنفية (٩).
٦٢ - مسائل حرب بن إسماعيل عن الإمام أحمد (١٠).
٦٣ - المغني لابن هشام (١١).
٦٤ - مناقب شيخ الإسلام لابن عبد الهادي (١٢).
стр. 67
٦٥ - الموضوعات لابن الجوزي (١).
٦٦ - النهاية لابن الأثير (٢).
٦٧ - نهاية المبتدئين لابن حمدان (٣).
٦٨ - الوفاء لابن الجوزي (٤).
٧ - منزلة الكتاب العلمية:
لا شك أن هذا الكتاب للعلامة السفاريني من الكتب المهمة التي تشرح عقيدة السلف وتبين مذهبهم المؤيد بالأدلة من الكتاب والسنة وإجماع أهل السنة والجماعة.
ويتميز هذا الكتاب بالتوسع والإطالة في سرد النصوص من الكتاب والسنة والآثار (٥) لتأييد مذهب السلف نظرًا لما تميز به مؤلفه ﵀ من قوة الحفظ وسعة الإطلاع، كما يتميز بإيراد مذهب المخالفين لمذهب السلف والرد عليه. كما يتميز بالشمول حيث حَوَت موضوعاته أكثر مسائل العقيدة.
كما نقل لنا عن كتب ومصادر في عقيدة الملف بعضها ما يزال مخطوطا وبعضها ربما يكون في عداد المفقود مثل "نهاية المبتدئين" لابن حمدان الحنبلي، وعقيدة أبي المعالي من الحنابلة، وبهجة الناظرين للشيخ مرعي ابن يوسف الكرمي وغيرها.
كما يتميز بجمع كلام العلماء المتقدمين والمتأخرين.
стр. 68
٨ - موازنة بين هذا الكتاب وبين كتاب المؤلف "لوامع الأنوار البهية":
١ - هذان الكتابان وهما "لوامع الأنوار البهية شرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية" و"لوائح الأنوار السنية ولواقح الأفكار السنية شرح قصيدة ابن أبي داود الحائية" للعلامة السفاريني ﵀ يتفقان في بعض الأمور ويختلفان في بعضها ويتميز كل واحد منهما بمزايا ليست في الآخر.
فمن الأمور التي يتفقان فيها أن كلا منهما شرح لمنظومة في العقيدة.
فالأول شرح لمنظومة الدرة المضية وهي من نظم العلامة السفاريني.
وأما الثاني فهو شرح لمنظومة الحافظ أبي بكر بن أبي داود في العقيدة.
٢ - هاتان المنظومتان لاقتا عناية واهتمامًا من العلماء فنجد الذهبي ﵀ بعد أن أورد قصيدة أبي بكر ابن أبي داود ﵀ قال: "وهذه المنظومة متواترة عن ناظمها رواها الآجري وصنف لها شرحا وأبو عبد اللَّه بن بطة في الإبانة" (١).
قلت وممن شرحها العلامة ابن البناء الحنبلي (٢) ثم العلامة السفاريني في كتابه هذا -وهو الكتاب الذي أقوم بتحقيقه وقد رواها بالسند المتصل إلى عبد اللَّه.
وأما منظومة السفاريني فقد شرحها في كتابه "لوامع الأنوار" ثم شرحها العلامة ابن مانع ﵀ في كتاب سماه "الكواكب الدرية لشرح الدرة المضية" وللشيخ عبد الرحمن بن قاسم عليها حاشية مفيدة طبعت في مكة المكرمة سنة ١٣٦٤ هـ.
٣ - والكتابان متفقان في عرض مسائل العقيدة المهمة وخاصة المسائل التي جرى
стр. 69
فيها الخلاف بين السلف والخلف مثل مسألة القرآن، والعلو، والإستواء، وغيرها، وبيان مذهب السلف وتوضيحه ثم بيان مذهب الخلف وبيان خطائهم والرد عليهم.
وأما ما يتميز به كل واحد منهما عن الآخر:
فهو أن الأول منهما وهو "لوامع الأنوار" قد أطال المؤلف في منظومته حيث بلغت مائتا بيت وبضعة عشر بيتًا بحيث اشتملت على أكثر قضايا العقيدة بل إن المؤلف ﵀ قد عرض فيها لمسائل كان المناسب أن يكون لها مكانها في كتب أخرى مثل ذكر المهدي والمسيح والدجال وأمر يأجوج ومأجوج وهدم الكعبة وغير ذلك مما حقه أن يذكر في كتب الملاحم والفتن.
وكما أشرت فإن المؤلف ﵀ قد أطال في كتابه هذا وسلك فيه مسلك الإطناب بل والإستطراد إلى مواضيع بعيدة عن أصل بحثه وموضوعه مثل استطراده في فضائل علي ﵁ إلى ما وقع في عهده من الخلاف والحروب مثل وقعة الجمل وصفين وما جرى بينه وبين الخوارج وغير ذلك.
وكذلك استطراده في الحديث عن فضائل عمر ﵁ إلى ما جرى في خلافته من الفتوح والوقائع.
وأما الكتاب الثاني "لوائح الأنوار السنية شرح قصيدة ابن أبي داود الحائية" فإن الناظم ﵀ قد اقتصر في نظمه على أمهات مسائل العقيدة وخاصة المسائل التي جرى فيها الخلاف بين أهل السنة ومخالفيهم من المعتزلة وأهل الكلام وغيرهم.
ولعل من أهم ما يتميز به هذا الكتاب عن الكتاب الأول من المباحث، مبحثين الأول في أول الكتاب وهو مبحث في التمسك بالقرآن والسنة والتحذير من البدع أورد فيه المؤلف عددًا من الآيات والأحاديث والآثار الواردة في ذلك.
стр. 70
والمبحث الثاني ختم به الكتاب وهو أيضًا حث على التمسك بالقرآن والسنة وفيه فضل العلم وأهله وفضل الحديث وأهله.
وقد أورد فيه المؤلف أيضًا عددًا عن النصوص الواردة في ذلك.
والحاصل أن في كل واحد من الكتابين مزايا ليست في الآخر، فقد يذكر المؤلف في هذا الكتاب موضوعًا ليس في الكتاب الآخر، أو يذكر في الكتاب الآخر موضوعًا ليس في هذا الكتاب، أو يطيل البحث في موضوع في أحدهما ويختصره في الآخر، وهكذا.
والخلاصة أن الكتابين يعتبر كل واحد منهما مكمل للآخر وكل منهما مهم لطالب العلم واللَّه أعلم.
٩ - بعض المآخذ على الكتاب:
إن الإقدام على نقد عمل العلماء ولا سيما من اشتهر منهم بغزارة علمه وسعة اطلاعه من الأمور الصعبة لكن ليست هناك حيلة في عدم ركوبها فمن المعلوم أن عمل البشر غير الأنبياء عرضة للخطأ.
ولذلك فلا تمنع مكانة العالم أن يقال أخطأ في كذا، كما لا يمنع خطاؤه في جانب الإستفادة منه في جوانب أخرى.
كما أن النقد الذي يوجه إليه عرضة للخطأ أيضًا إذ العصمة لم يجملها اللَّه إلا لأنبيائه ورسله.
وقد سبق أن تحدثت عن محاسن الكتاب عند الحديث عن منزلته العلمية وهنا سأذكر الملاحظات على المصنف في تأليفه لهذا الكتاب وهي محدودة وتنحصر في ناحيتين:
стр. 71
١ - الناحية العلمية.
٢ - الناحية المنهجية.
أولًا: الناحية العلمية:
أهم الملاحظات العلمية هي ما يتعلق بالعقيدة وهي: نقله بعض كلام أهل الكلام دون التنبيه على ما فيه من الأخطاء ومن أمثلة ذلك:
أ- ما جاء في المباحث التي ذكرها في مقدمته حيث قال: "وأما تعريفه -يعني علم التوحيد- فهو العلم بالعقائد الدينية عن الأدلة اليقينية أي العلم بالقواعد الشرعية الاعتقادية المكتسب من أدلتها اليقينية والمراد بالدينية المنسوبة إلى دين محمد ﷺ من السمعيات وغيرها سواء كانت من الدين في الواقع ككلام أهل الحق أو لا ككلام أهل البدع واعتبروا في أدلتها اليقين لعدم الاعتداد بالظن في الاعتقاديات (١) " انتهى.
وهذا من مذهب أهل الكلام الذين يقولون أن أحاديث الآحاد ظنية لا تثبت به عقيدة وهو مذهب باطل ومردود -كما بينته في موضعه- (٢).
ب- ما نقله عن عقائد النسفي وشرحها للتفتازاني في كلامهم على أفعال اللَّه تعالى حيث قال: "وأيضًا لو حدث فعله تعالى لحدث أما في ذاته تعالى فيصير محلا للحوادث أو في غيره. . . ولا خفاء في استحالته.
وهذا من كلام أهل البدع الذين يقولون لا تقوم به الحوادث فنفوا بذلك الصفات وقد نبهت عليه في موضعه (٣).
стр. 72
جـ- ومن أمثلة ذلك ما نقله في آخر مبحث الإستواء عن الكمال بن الهمام الحنفي في تأويل الإستواء بالإستيلاء وغيره من الصفات دون الرد عليه وقد ذكرت الرد على ذلك مفصلًا (١).
ومن الملاحظات على المؤلف رحمه اللَّه تعالى إكثاره من إيراد الأحاديث الضعيفة بل والموضوعة أحيانًا دون بيان درجتها وقد نبهت على ذلك في مواضعه، وهذه بعض الأمثلة على ذلك:
١ - ما أورده في فضل أبي بكر وعمر ﵄ من حديث ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إن اللَّه تعالى أيدني بأربعة وزراء: اثنين من أهل السماء جبريل وميكائيل، واثنين من أهل الأرض أبو بكر وعمر" هذا الحديث قال الهيثمي في مجمع الزوائد في إسناده محمد بن مجيب الثقفي وهو كذاب. (انظر ١/ ٣٧٠) من هذا الكتاب.
٢ - ما أورده في فضائلهما أيضًا في حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "أبو بكر وعمر خير الأولين والآخرين وخير أهل السموات وخير أهل الأرض إلا النبيين والمرسلين" هذا لحديث قال فيه الذهبي موضوع. وقد بينت ذلك انظر (٢/ ٨).
٣ - ما أورده في مبحث إثبات الصحف (٢/ ٢٠٦) من حديث أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: "الكتب كلها تحت العرش فإذا كان يوم القيامة يبعث اللَّه ريحا فتطيرها بالأيمان والشمائل أول خط فيها ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٤]. هذا الحديث من رواية يغنم بن سالم قال عنه العقيلي منكر الحديث. انظر التفصيل (٢/ ٢٠٦).
стр. 73
٤ - ومن ذلك ما أورده في مبحث الصحف أيضًا (٢/ ٢١٠) من حديث ابن عباس: أول من يأخذ كتابه بيمينه من هذه الأمة أبو سلمة بن عبد الأسد. هذا الحديث في إسناده حبيب بن زريق رماه أبو حاتم وابن عدي بالوضع.
(انظر التفصيل ٢/ ٢١٠).
ثانيًا: الناحية المنهجية:
ومن هذه الملاحظات: أن المؤلف ﵀ في أثناء شرحه لهذه المنظومة لم يورد نص أبيات المنظومة المراد شرحها كاملة وإنما كان ينقل كلمات المنظومة من مصدرها كلمة كلمة ثم يشرع في شرحها وهكذا.
فالقارئ في هذه الحالة لا يدري عن النص الذي يريد المؤلف شرحه شيئًا حيث لم يتميز المتن عن الشرح ويتضع المعنى العام الذي يريد المؤلف أن يتحدث عنه. وكان الأنسب أن يثبت نص البيت المراد شرحه من المنظومة ثم يشرع في شرحه حتى يتبين للقارئ الموضوع المراد شرحه بصورة أوضح. ومن ثم ينتقل إلى البيت الذي يليه وهكذا.
وكنت قد رأيت في بداية بحثي أن أورد نص أبيات المنظرمة المراد شرحها في أعلى الصحيفة ثم أتبعه بشرح المؤلف حتى تتضح الصورة أمام القارئ أكثر مع التنبيه على ذلك. لكني رجعت عن ذلك وأثرت أن أبقى منهج المؤلف كما هو دون تغيير حتى لا أغير منهجًا اختاره المؤلف ﵀.
ومن الملاحظات: نقله كثيرًا من كتب بعض العلماء ممن سبقه دون عزوه إليهم ومن أمثلة ذلك:
ما نقله عن شيخ الإسلام ابن تيمية في رسالته الحموية الكبرى (من
стр. 74
١/ ١٢٠ - ١٢٧) من هذا الكتاب وما نقله عنه أيضًا من كتابه الإيمان (من ٢/ ٢٩٥ - ٣٠١).
وكذلك ما نقله عن ابن القيم في كتابه حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح (من ١/ ٢٨٢ - ٢٩٣).
وكذلك ما نقله عن كتاب أقاويل الثقات للشيخ مرعي بن يوسف الكرمي (من ١/ ٢٩٩ - ٣١٣) من هذا الكتاب.
ومن الملاحظات: كثرة استطراد المؤلف وقد تكون هذه الاستطرادات بعيدة عن أصل موضوعه مثل استطراده في الحديث عن علي ﵁ إلى ما وقع في عهده من الحروب والوقائع وخاصة ما جرى له في صفين مع معاوية وما جرى له مع الخوارج وهذا له مكانه من كتب التاريخ.
وكذلك اطالته في الحديث عن الخوارج وتعداد فرقهم وما جرى معهم من الوقائع والحروب وهذا أيضًا له مكانه من كتب الفرق والتاريخ.
هذا وقد وقعت للمؤلف بعض الأوهام والأخطاء التي لا يخلو منها عمل البشر (١) من ذلك:
١ - قوله (١/ ٣٢٢): قال الإِمام البخاري في كتاب خلق أفعال العباد من صحيحه وهذا خطأ فان كتاب "خلق أفعال العباد" للبخاري كتابًا مستقلًا وليس ضمن كتابه الصحيح، وقد نبهت على ذلك في موضعه.
٢ - عزوه الكلام على المعتزلة وأنهم أول من خالف في حكم العصاة لابن
стр. 75
عبد الهادي تلميذ ابن تيمية والصحيح أن الكلام هو لابن تيمية نفسه كما بينته (انظر ٢/ ٢٧٤ - ٢٧٥).
٣ - لم يذكر المؤلف ﵀ شيئًا من الأحاديث الصحيحة الواردة في فضل أبي بكر الصديق ﵁ بخصوصه سيما وأنه توسع في ذكر فضائل الصحابة ﵃ بل وفي كل الموضوعات التي تطرق لها.
وقد أوردت جملة من الأحاديث الصحيحة الواردة في فضل أبي بكر ﵁ (انظر ١/ ٣٧٦ - ٣٧٧).
* * *