← Акыда

Акыда · id 16618

لوائح الأنوار السنية ولواقح الأفكار السنية

السفاريني

Полный текст (799 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

أول تلقيب الأنصار بهذا اللقب كان ليلة العقبة لما توافقوا مع النبي ﷺ عند عقبة منى في الموسم (١) كما في السيرة النبوية. وفي الصحيحين وغيرهما من حديث زيد بن أرقم ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "اللهم اغفر للأنصار ولأبناء الأنصار ولأبناء أبناء الأنصار" (٢). وفي الترمذي أن زيد بن أرقم كتب إلى أنس بن مالك يعزيه فيمن أصيب من أهله وبني عمه يوم الحرة فكتب إليه أني أبشرك ببشرى من اللَّه أني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "اللهم اغفر للأنصار ولذراري الأنصار ولذراري ذراريهم" (٣). وفي صحيح مسلم عن أنس أن رسول اللَّه ﷺ "استغفر للأنصار قال وأحسبه قال ولذراري الأنصار ولموالي الأنصار لا أشك فيه" (٤). وأخرج البخاري عن زيد بن أرقم قال: قالت الأنصار: "يا نبي اللَّه لكل نبي أتباع وإنا قد أتبعناك فادع اللَّه أن يجعل أتباعنا منا فدعا به". وفي رواية فقال: "اللهم اجعل أتباعهم منهم" (٥). وفي حديث أنس عند الشيخين وغيرهما أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إن الأنصار كرشي وعيبتي فإن الناس سيكثرون ويقلون فاقبلوا من محسنهم وتجاوزوا" وفي لفظ "واعفوا عن مسيئهم" (٦). وفي رواية عند البخاري مر أبو بكر والعباس ﵄ بمجلس من

стр. 457

مجالس الأنصار وهم يبكون فقال: ما يبكيكم؟ قالوا: ذكرنا مجلس النبي ﷺ منا فدخل على النبي ﷺ فأخبره قال: فخرج النبي ﷺ وقد عصب على رأسه حاشية برد قال فصعد النبي المنبر ولم يصعده بعد ذلك اليوم -فحمد اللَّه وأثنى عليه ثم قال: "أوصيكم بالأنصار فإنهم كرشي وعيبتي وقد قضوا الذي عليهم وبقي الذي لهم فأقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم" (١). قال في النهاية: "قوله ﷺ : "كرشي وعيبتي" أراد أنهم بطانته وموضع سره وأمانته، والذي يعتمد عليهم في أموره، واستعار الكرش والعيبة لذلك لأن المجتر يجمع علفه في كرشه، والرجل يضع ثيابه في عيبته وقيل: أراد بالكرش الجماعة أي جماعتي وصحابتي، يقال عليه كرش من الناس أي جماعة، والعرب تكنى عن القلوب والصدور بالعياب لأنها مستودع السرائر كما أن العياب مستودع الثياب" (٢). وفي القاموس: "والعيبة -أي بفتح العين المهملة وسكون التحتية وفتح الموحدة فهاء تأنيث-: زنبيل من أدم وما يجعل فيه الثياب، ومن الرجل موضع سره" انتهى (٣). وفضائل الأنصار كثيرة ومناقبهم غزيرة ومآثرهم شهيرة ﵃ أجمعين. ثم قال الناظم -مشيرًا إلى المهاجرين ﵃ وأخرهم وإن كانوا مقدمين على الأنصار في الفضيلة لضرورة النظم- (والهاجرون ديارهم) وأموالهم حبًا للَّه ورسوله ولإعلاء كلمة اللَّه ونصرة رسول اللَّه ﷺ .

стр. 458

"والهجرة": الترك، الهجرة إلى الشيء الانتقال إليه عن غيره. وفي الشرع: ترك ما نهى اللَّه عنه. وقد وقعت في الإسلام على وجهين: الأول: الانتقال عن دار الخوف إلى دار الأمن كما في هجرتي الحبشة وابتداء الهجرة من مكة إلى المدينة. الثاني: الهجرة من دار الكفر إلى دار الإيمان، وذلك بعد أن استقر الرسول ﷺ بالمدينة وهاجر إليه من أمكنه ذلك من المسلمين، وكانت الهجرة إذ ذاك مختصة بالانتقال إلى المدينة إلى أن فتحت مكة في الثامن من الهجرة فانقطع الاختصاص، وبقي عموم الانتقال من دار الكفر -لمن قدر عليه- باقيًا" (١). وكذا من ديار أهل البدع المضلة، وكل أرض يعجز فيها عن إظهار دين الإسلام وسنة خير الأنام. وأما حديث "لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية" (٢) يعني لا هجرة من مكة، ولهذا جاء في الحديث: "لا تنقطع الهجرة" (٣).

стр. 459

والهجرة التي وعد اللَّه عليها الجنة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١] (١). فكان الرجل يأتي النبي ﷺ ويدع أهله وماله، لا يرجع في شيء منه وينقطع بنفسه إلى مهاجره فالمهاجرون (بنصرهم) للَّه تعالى ورسوله ﷺ وبذلهم نفوسهم النفيسة وخروجهم للَّه تعالى عن ديارهم وأموالهم وأهاليهم لأجل إعلاء كلمة اللَّه في مرضات اللَّه ورسوله إظهار دين اللَّه ونوره الذي أنزله على نبيه ﷺ ففتح اللَّه به أعينًا عميًا وآذانًا صمًا وقلوبًا غلفًا (عن ظلمة النار) وغضب المليك الجبار (زحزحوا) أي ابعدوا من زاح يزيح زيحًا وزيوحًا وزيحانًا بعد وذهب كانزاح وأزحته والزوح

стр. 460

تفريق الإبل وجمعها ضد والزولان والتباعد وأزاح الشيء عن موضعه نحاه، كما في القاموس (١). وفي الآية الكريمة: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ (١٨٥)﴾ [آل عمران: ١٨٥] والزحزحة تكرير الزح وهو الجذب بعجلة يقال زحه إذا نحاه عن موضعه ودفعه وجذبه في عجلة، وزحزحه عنه باعده فتزحزح وهو مزحزح (منه أي مبعد) (٢) والزحزاح البعيد" (٣). وقد قال تعالى في التنصيص على فضل المهاجرين والأنصار ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ (٤): ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩) وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ٨ - ١٠]. ففي هذه الآيات من التنصيص على فضلهم ما تثلج به الصدور ويزول غطش (٥)

стр. 461

الديجور (١) فأذل اللَّه من عاداهم وقمع من ناوأهم أو أحدًا منهم، ولهذا قال: (وقل) بلسانك معتقدًا بجنانك (خير قول) من الثناء عليهم بذكر محاسنهم وصدق جهادهم مع رسول اللَّه ﷺ وبذل نفوسهم النفيسة في مرضاة اللَّه ورسوله لإعلاء كلمة اللَّه تعالى، فالواجب على كل مؤمن نشر محاسنهم والكف عما فيه شائبة تنقيصهم، والترضي عنهم وهذا لا يختص بأحد منهم دون أحد بل هو عام (في الصحابة) كلهم من السابقين واللاحقين من المهاجرين والأنصار وغيرهم من سائر أصحاب النبي ﷺ . والصحابة بالفتح جمع صاحب ولم يجمع فاعل على فعالة إلا هذا والعبارة المشهورة في تعريف الصحابي: من رأى النبي ﷺ مؤمنًا ومات على ذلك، ولو تخلله ردة، أو رآه النبي ﷺ والأرشق في التعريف: أن يقال: الصحابي من اجتمع بالنبي مؤمنًا ومات على الإيمان (٢). والمراد بالاجتماع أن يكون يقظة في عالم الشهادة رؤية معتادة غير معجزة حتى ولو رآه بعد موته مكفنًا كأبي ذؤيب (٣) الشاعر فإنه صحابيًا لكن صحبته حكمية لشرف رؤيته ﷺ وكذا من رآه ﷺ في حياته مغطى أو ملفوفًا بالأولى وقد

стр. 462

ذكر الحافظ الذهبي في تجريده أبا ذؤيب، وذكر أنه حضر سقيفة بني ساعدة وصلى على النبي ﷺ ولم يره -يعني حيًا- (١). وأما ورقة بن نوفل فمعدود من الصحابة لأنه أدرك النبوة وآمن حين جاءت خديجة بالنبي ﷺ إليه بعد البعثة فآمن به وصدقه فهو من الصحابة وذكر من خبره ما هو مشهور في الصحيح (٢). واعلم أن الصحابة ﵃ كلهم عدول (مقبولوا) (٣) الرواية فلا يسأل عن عدالة أحد منهم بالكتاب والسنة وإجماع المعتبرين من الأمة قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] قيل اتفق المفسرون أن ذلك في الصحابة (٤) وإن رجح كثير عمومها في أمة محمد ﷺ ، فهم أولى بالدخول في العموم، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣].

стр. 463

هذا خطاب للموجودين حينئذ (١) وقال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ. . .﴾ [الفتح: ٢٩] الآيات. وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري ﵁: لا تسبوا أصحابى فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه" (٢). وهذا وإن ورد على سبب فالعبرة بعموم اللفظ، ولا ينافي ذلك كون الخطاب لأصحابه أيضًا لأن المراد لا يسب غير أصحابي أصحابي ولا يسب بعضهم بعضًا فالمراد النهي عن حصول السب لهم مطلقًا. وقد حكى الإمام ابن عبد البر في مقدمة الإستيعاب إجماع أهل الحق من المسلمين وهم أهل السنة والجماعة أن الصحابة كلهم عدول (٣). فائدة: قد ذكر غير واحد من الحفاظ عدة الصحابة وأنهم عدة الأنبياء (٤). فروي عن الإمام الحافظ أبي زرعة الرازي (٥) واسمه عبيد اللَّه بن عبد الكريم شيخ الإمام مسلم بن الحجاج (٦) صاحب الصحيح أنهم يزيدون على المائة ألف هذا

стр. 464

على الأصح في النقل عنه كما رواه ابن المديني (١) في ذيله على كتاب الصحابة لابن منده (٢). وروى أنهم مائة ألف وأربعة وعشرون ألفًا ممن روى عنه وسمع منه. قال أبو زرعة قد شهد معه حجة الوداع أربعون ألفًا، وشهد معه تبوك سبعون ألفًا (٣). وفي مناقب الإمام الشافعي ﵁ للساجي (٤) أن الشافعي قال: قبض رسول اللَّه ﷺ والمسلمون ستون ألفًا ثلاثون ألفًا بالمدينة وثلاثون ألفًا في قبائل العرب (٥). ثم الذين رووا وبقيت رواياتهم لا يبلغون هذا العدد ولا قريبًا منه، فقد قال الحاكم: "إنه روى عن النبي ﷺ أربعة آلاف نفس" (٦).

стр. 465

قال الحافظ الذهبي في التجريد: "ولعل الرواة عنه نحو الألف وخمسمائة لا يبلغون ألفين أبدًا"، ثم قال الذهبي بعد أن ذكر أنه جمع في كتابه هذا ما جرد وكتاب "أسد الغابة" لابن الأثير وأنه زاد عليه من كتب عدة وأن المذكور في كتابي هذا لا يبلغون ثمانية آلاف نفسًا وأكثرهم لا يعرفون" (١) انتهى (٢). وقول الناظم رحمه اللَّه تعالى: (ولاتك): بحذف النون تخفيفًا -كما مر- "طعانًا" مبالغة من الطعن. وفى الحديث: "لا يكون المؤمن طعانًا" (٣) أي وقاعًا في أعراض الناس بالذم والغيبة والتنقيص والمسبة ونحو ذلك، وهو فعال من طعن فيه وعليه بالقول يطعن بالفتح والضم إذا عابه، ومنه الطعن في النسب. (بعيب): متعلق بطعان. (وتجرح) من الجرح يقال جرحه كمنعه كلمة والاسم الجرح بالضم والجمع جروح، وقل أجراح، والجراح بالكسر جمع جراحة ورجل جريح وامرأة جريح، والجمع جرحى وجرح كمنع النسب كاجترح وجرح فلانًا سبه وشتمه (٤). وشاهدا (٥) أسقط عدالته إشارة إلى رد مقالة أهل الضلال والزيغ والوبال، من أهل الرفض ومن نهج منهجهم من أهل الجفاء والبغض، وكيف يكون ذلك وهم أهل الجد والاجتهاد والنصح والرأفة وبذل المعروف لإعلاء كلمة اللَّه وإظهار ما جاء به رسول اللَّه ﷺ من الدين المتين والحق المبين.

стр. 466

ومع هذا (فقد نطق الوحي): أي القرآن المنزل على النبي المرسل. (المبين): الواضح الكاشف والمظهر لسائر الأحكام والنصايح والمناقب والمثالب والمآثر والفضائح فنطق (بفضلهم) وبرهن عن حسن قصدهم واستقامة فعلهم. (وفي) سورة (الفتح) الشريفة النازلة على النبي ﷺ في السنة السادسة من الهجرة بعد انصرافه من الحديبية وفيها كانت بيعة الرضوان، وكانوا أربعة (١) عشر مائة على المشهور. (آي): جمع آية بهمزة ممدودة وتحتية مفتوحة فهاء تأنيث أصلها العلامة وتجمع أيضًا على آيات والآية من القرآن كلام متصل إلى انقطاعه وفي النهاية معنى الآي من كتاب اللَّه تعالى "جماعة حروف وكلمات، من قولهم: خرج القوم بآيتهم أي بجماعتهم لم يدعوا وراءهم شيئًا، قال والآية في غير هذه العلامة" انتهى (٢). (للصحابة) الكرام رضوان اللَّه عليهم (تمدح): تثني عليهم بتعداد محاسنهم، والمدح هو الثناء باللسان على الجميل مطقًا أي سواء كان اختياريًا كالعلم (٣) والكرم أو اضطراريًا كالحسن والجمال ولابد أن يكون على جهة التبجيل هذا معنى المدح لغة، ومعناه عرفًا اختصاص الممدوح بنوع من الفضائل والإشارة بذلك لقوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ. .﴾ [الفتح: ٢٩] إلى آخر السورة. وقد أخرج الترمذي عن عبد اللَّه بن مغفل ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "ليبلغ الحاضر الغائب اللَّه اللَّه في أصحابي لا تتخذوهم غرضًا

стр. 467

بعدي فمن أحبهم فبحبي أحبهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى اللَّه ومن آذى اللَّه فيوشك أن يأخذه ومن أخذه اللَّه فيوشك أن لا يفلته" (١). وأخرج الترمذي أيضًا من حديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا رأيتم الذين يسبون أصحابي فقولوا لعنة اللَّه على شركم" (٢). وأخرج مسلم عن عائشة ﵂ أنها قالت لعروة بن الزبير: "يا ابن أختي أُمروا أن يستغفروا لأصحاب النبي ﷺ فسبوهم" (٣). وأخرج الترمذي من حديث بريدة ﵁ قال: قال لي رسول اللَّه ﷺ : "ما من أحد من أصحابي يموت بأرض إلا بعث لهم نورًا وقائدًا يوم القيامة" (٤). وذكر سعيد بن المسيب رحمه اللَّه تعالى أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "سألت ربي عن اختلاف أصحابي من بعدي فأوحى إليّ يا محمد إن أصحابك عندي بمنزلة النجوم في السماء بعضها أقوى من بعض ولكل نور فمن أخذ بشيء مما هم عليه من اختلافهم فهو عندي على هدى" (٥).

стр. 468

وقال رسول اللَّه ﷺ : أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" (١). ذكره ابن الأثير في كتابه "جامع الأصول" (٢). فالصحابة أولى خلق اللَّه بالإصابة. ويشهد لهذا ما رواه الإمام أحمد وغيره عن ابن مسعود ﵁ قال: "من كان متأسيًا فليتأسى بأصحاب رسول اللَّه ﷺ فإنهم كانوا أبرّ هذه الأمة قلوبًا وأعمقها علمًا وأقلها تكلفًا وأقومها هديًا، وأحسنها حالًا، قوم اختارهم اللَّه لصحبة نبيه وإقامة دينه فاعرفوا لهم فضلهم واتبعوا آثارهم فإنهم كانوا على الهدى المستقيم" (٣). وروى أبو داود الطيالسي عنه أيضًا قال: "إن اللَّه تعالى نظر في قلوب العباد (فوجد قلب محمد ﷺ خير قلوب العباد فبعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد) (٤) بعد قلب محمد ﷺ فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فاختارهم لصحبة نبيه ونصرة دينه، فما رآه المسلمون حسنًا فهو عند اللَّه حسن، وما رآه المسلمون قبيحًا

стр. 469

فهو عند اللَّه قبيح" (١). فخير قلوب العباد أحق الخلق لإصابة الصواب فكل خير، وإصابة، وحكمة، وعلم، ومعارف، ومكارم، إنما وصلت إلينا وعرفت لدينا من الرعيل الأول، والسرب الذي عليه المعول، فهم الذين نقلوا العلوم والمعارف عن ينبوع الهدى ونبع الاهتداء، وأوصلوها إلينا، فرضوان اللَّه تعالى عليهم أجمعين. وأخرج الإمام أحمد والترمذي عن حذيفة ﵁ قال كنا عند رسول اللَّه ﷺ جلوسًا فقال: "إني لا أدري ما قدر بقائي فيكم فاقتدوا باللذين من بعدي وأشار إلى أبي بكر وعمر وتمسكوا (بعهد) (٢) عمار وما حدثكم ابن مسعود فصدقوه". وفي رواية "تمسكوا بعهد ابن أم عبد واهتدوا بهدى عمار" (٣). وأخرج الإمام أحمد والترمذي وأبو داود وابن ماجه. وقال الترمذي حسن صحيح عن العرباض بن سارية ﵁ أن النبي ﷺ

стр. 470

قال له: "وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة" (١). ورواه أبو نعيم وقال: حديث جيد صحيح، فدل الحديث على أن سنة الخلفاء الراشدين مكتبة كاتباع سنته ﷺ بخلاف غيرهم من ولاة الأمور. والخلفاء الراشدون هم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ فإن في حديث سفينة ﵁: "الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكًا". صححه الإمام أحمد وغيره، ورواه أبو داود والترمذي والنسائي (٢). وقد قدمنا أن الثلاثين سنة إنما تمت بمدة خلافة الحسن بن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ وذلك أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ توفي في شهر رمضان سنة أربعين من الهجرة والأكثرون على أن وفاته في سابع

стр. 471

عشرة كما مر ووفاة النبي ﷺ ثاني عشر ربيع الأول فبينهما دون الثلاثين بنحو ستة أشهر. وأخرج أبو يعلى الموصلي عن أنس ﵁ مرفوعًا: "مثل أصحابى مثل الملح في الطعام لا يصلح الطعام إلا بالملح" (١) إذا علمت ذلك فيجب حب كل الصحابة رضوان اللَّه عليهم والكف عما جرى بينهم كتابة وقراءة واقراء وسماعًا وتسميعًا -كما في نهاية المبتدئين للعلامة ابن حمدان. ويجب ذكر محاسنهم والترضي عنهم والمحبة لهم وترك التحامل على أحد منهم واعتقاد الحذر لهم وإنما فعلوا ما فعلوا باجتهاد سائغ لا يوجب كفرًا، ولا فسقًا، بل ربما يثابون عليه لأنه اجتهاد سائغ ثم قال: وقيل المصيب أمير المؤمنين على ومن قاتله فخطأوه معفو عنه. وكان الإمام أحمد بن حنبل ﵁ ينكر على من خاض ويسلم أحاديث الفضائل، وقد تبرأ ﵁ ممن ضللهم أو كفرهم، وقال: السكوت عما جرى بينهم أي أولى وأحرى. . . " (٢). تنبيه: الصواب وقوع التفاضل بين الصحابة الكرام ﵃ أجمعين، فأفضلهم باعتبار الأفراد -كما مر- أبو بكر ثم عمر ثم عثمان وعلي ﵃ ثم بقية العشرة -كما مر-. وأما باعتبار الأصناف فأفضلهم الخلفاء الأربعة ثم الستة الباقين من العشرة، ثم

стр. 472

بقية البدريين، ثم أهل بيعة الرضوان بالحديبية -في المختار- ثم بقية أصحاب أحد (١). وفي نص القرآن تفضيل السابقين الأولين. ولما سئل شيخ الإسلام ابن تيمية روح اللَّه روحه عن المفاضلة بين العباس وبلال ﵄ قال: "بلال وأمثاله من السابقين الأولين أفضل من العباس وأمثاله من التابعين لهم بإحسان" قال: "لأنه قيد التابعين بشرط "الإحسان" قال: "والسابقون الأولون هم الذين اتفقوا من قبل الفتح وقاتلوا، وهم الذين آمنوا وهاجروا قبل بيعة الرضوان وصلح الحديبية في أصح قوله العلماء، وقال: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ. . .﴾ [الحديد: ١٠] الآية. والفتح هو صلح الحديبية على الأرجح وفيها نزلت: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١] باتفاق. وقيل للنبي ﷺ أفتح هو؟ فقال: نعم، قال ولهذا قدم النبي ﷺ في إمارة غزوة مؤتة مولاه زيد بن حارثة على جعفر بن أبي طالب ﵁ وهو ابن عمه وكلاهما من السابقين لكن زيد أسبق" انتهى. قلت: ومن فضل العباس على نحو بلال فلعله أراد بالقرابة والنسب ونصاعة العنصر والحسب، واللَّه تعالى الموفق. تتمة: إنما خص الناظم ﵀ ورضي عنه آيات الفتح بالذكر في مدح

стр. 473

الصحابة ﵃ أجمعين دون قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ. . .﴾ [آل عمران: ١١٠] الآية ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] و ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [التحريم: ٨] و ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨] مع أنها في الفتح فيحتمل إرادته لها أيضًا. وقوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠] وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٤] وقوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٨ - ٩]. لعظيم ما اشتملت عليه من المعاني البديعة والمآثر الرفيعة والمزايا العظيمة، والمناقب الجسيمة، فإن قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح: ٢٩] جملة مبنية للمشهود به في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [الفتح: ٢٨] إلى قوله: ﴿شَهِيدًا﴾ ففيها ثناء عظيم على رسوله ﷺ ثم ثنى بالثناء على أصحابه بقوله: ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾. كما قال تعالى في الآية الأخرى ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٥٤].

стр. 474

فوصفهم سبحانه بالشدة والغلظة على الكفار وبالرحمة والبر والعطف على المؤمنين والذلة والخضوع لهم ثم أثنى عليهم بكثرة الأعمال مع الإخلاص التام وسعة الرجاء في فضل اللَّه ورحمته وبابتغائهم فضله ورضوانه وبأن آثار ذلك الإخلاص وغيره من أعمالهم الصالحة ظهرت على وجوههم حتى أن من نظر إليهم بهره حسن سمتهم وهديهم. ومن ثم قال الإمام مالك بن أنس ﵁: "بلغني أن النصارى كانوا إذا رأوا الصحابة الذين فتحوا الشام يقولون واللَّه لهؤلاء خير من الحواريين فيما بلغنا" (١). ثم ذكر أنه تعالى نوه بذكرهم في الكتب السابقة والأمم السالفة فقال: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ أي فراخه ﴿فَآزَرَهُ﴾ أي أشده وقواه ﴿فَاسْتَغْلَظَ﴾ شب وطال ﴿فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾ جمع ساق ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ﴾ أي يعجبهم قوته وغلظه وحسن منظره فكذلك أصحاب محمد ﷺ آزروه وأيدوه ونصروه، فهم معه كالشطاء مع الزرع" (٢). ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ من هذه الآية الكريمة أخذ الإمام مالك ﵁ -في رواية عنه- بكفر الروافض الذين يبغضون الصحابة قال لأن الصحابة يغيضونهم ومن غاضه الصحابة فهو كافر (٣)؛ وهو مأخذ دقيق يشهد له ظاهر الآية. ومن ثم وافقه الإمام الشافعي ﵁ على القول بكفرهم كجماعة من الأئمة. وقد قال الإمام أبو زرعة (الرازي) (٤) إذا رأيت الرجل ينتقص أحدًا من أصحاب

стр. 475

رسول اللَّه ﷺ فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول حق والقرآن حق وما جاء به حق، وما أدى إلينا ذلك كله إلا الصحابة، فمن جرحهم إنما أراد إبطال الكتاب والسنة فيكون الجرح يه أليق، والحكم عليه بالزندقة والكذب والعناد أقوم وأحق" (١). وقال أبو محمد بن حزم: "الصحابة كلهم من أهل الجنة قطعًا قال اللَّه تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد: ١٠]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١]. فثبت أن جميعهم من أهل الجنة، وأن لا يدخل أحد منهم النار؛ لأنهم المخاطبون بالآية الأولى التي أثبتت لكل منهم الحسنى وهي الجنة فلا يتوهم أن التقييد بالإنفاق والقتال فيها وبالإحسان في الذين اتبعوهم بإحسان يخرج من لم يتصف منهم بذلك لأن تلك القيود خرجت مخرج الغالب فلا مفهوم لها على أن المراد من اتصف بذلك ولو بالقوة أو العزم (٢).

стр. 476

خاتمة: صحبة النبي ﷺ رتبة عظيمة ومزية فخيمة لا يعادلها شيء حتى جاء عنه ﷺ أنه قال: "إن اللَّه اختار أصحابي على الثقلين سوى النبيين والمرسلين" (١). ومن ثم لما سئل الإمام عبد اللَّه بن المبارك (٢) مع فخامته وجلالته وسعة علمه وفضله أيما أفضل معاوية أو عمر بن عبد العزيز فقال: للغبار الذي دخل أنف فرس معاوية مع رسول اللَّه ﷺ خير من عمر بن عبد العزيز كذا كذا مرة" (٣). أشار الإمام عبد اللَّه بن المبارك ﵁ بذلك إلى أن فضيلة صحبته ﷺ ورؤيته لا يعدلها شيء وإن جل، وباللَّه التوفيق. ثم قال الناظم رحمه اللَّه تعالى: (ومن) بفتح الميم اسم موصول معطوف على قوله: وأنصاره والمهاجرون ديارهم بنصرهم عن ظلمة النار زحزحوا، أي والذين بعدهم أي بعد الصحابة الكرام ﵃ من المهاجرين والأنصار، وكذلك من كان منهم وجاء بعدهم أي بعد السابقين الأولين من الصحابة فإنهم عن ظلمة النار زحزحوا بفضيلة الصحبة لما قدمنا عن ابن حزم لأنه تعالى وعد كلًا منهم الحسنى، وكذا التابعون والصحابة من المهاجرين والأنصار من سائر الفرق. (يحسن) متعلق بالتابعين (ما) اسم موصول بمعنى الذي، أي بحسن الذي (حذوا)؛ أي اقتفوا والعائد محذوف تقديره حذوه ويجوز أن تكون "ما" موصولًا

стр. 477

حرفيًا أي بحسن حذوهم باقتفائهم (١) وتتبع آثارهم والتأسي بقالهم وحالهم، ومنه حديث: "لتركبن سنن من كان قبلكم حذو النعل بالنعل" (٢) أي تعملون مثل أعمالم كما تقطع أحد النعلين على قدر النعل الأخرى. وفي القاموس: "حذا حذو زيد فعل فعله، واحتذى مثاله اقتدى به" انتهى (٣). أي اقتفوا آثارهم وفعلوا (فعلهم) أي فعل الصحابة ﵃ (قولًا) باللسان (وفعلًا) بالجوارح والأركان واعتقادًا بالجنان (فأفلحوا) أي فازوا وظفروا بمقصودهم ونجوا وتنعموا في جنان الخلد ورضى معبودهم وتقدم معنى الفلاح في أول المنظومة فراجعه (٤). تنبيه: هذه الثلاثة أبيات وأولها قوله: "وعائش أم المؤمنين". وثانيها: "وأنصاره والهاجرون (٥) ديارهم". وثالثها: "ومن بعدهم والتابعون. . . ": ليست من كلام الناظم الذي هو الإمام الحافظ أبو بكر بن أبي داود.

стр. 478

بل من كلام العلامة المحقق ابن البناء من أئمة علمائنا، نعم زحزحت أنا البيت الأخير منها لما بعد عن (١) قول الناظم رحمه اللَّه تعالى: "وقل خير قول. . . " إلى آخره لأجل ذكر التابعين بعد الفراغ من ذكر الصحابة المكرمين ﵃ أجمعين، على أنه يحتمل إرادته بالتابعين -للأنصار والمهاجرين السابقين الذين آمنوا من قبل الفتح وأنفقوا وقاتلوا، فيكون التابعون لهم بإحسان هم- الصحابة الذين جاءوا من بمد غزوة الحديبية، لكن لبعد هذا المدرك على كثير من الأفهام لم أجعله معول شرحي. تنبيهان: الأول: ابن البناء (٢) الناظم الثلاثة أبيات هو أبو (٣) علي الحسن بن أحمد بن عبد اللَّه بن البناء (٤) البغدادي الحنبلي الإمام المحدث الفقيه الأصولي الواعظ صاحب التصانيف، شيخ الإسلام، ولد سنة ست وتسعين وثلاثمائة وتفقه أولًا على أبي طاهر العبادي ثم على القاضي أبي يعلى محمد بن الحسين بن (٥) الفراء الإمام، وابن البناء من قدماء أصحابه، وحضر عند (٦) علي بن أبي موسى وناظر في مجلسه وتفقه أيضًا على أبي الفضل التميمي وغيره وسمع منه الحديث خلق كثير وقرأ عليه الحافظ الحميدي كثيرًا، حدث عنه ولداه أبو غالب أحمد ويحيى، ودرس الفقه كثيرًا وأفتى زمانًا طويلًا، وكان (رقيق) (٧) البدن، جيد القريحة، وقد صنف في زمان شيخه

стр. 479

الإمام أبي يعلى في المعتقدات وغيرها، وكتب له خطه عليها بالإصابة والاستحسان وتزيد تصانيفه على ثلاثمائة مصنف، وذكر عنه أنه قال صنفت خمسمائة مصنف، وكان طاهر الأخلاق، حسن الوجه والشيبة، محبًا لأهل العلم مكرمًا لهم، توفى ﵀ ورضي عنه ليلة السبت خاص رجب سنة إحدى وسبعين وأربعمائة وصلي عليه في الجامعين جامع القصر، وجامع المنصور، وكان الجمع فيهما متوفرًا جدًا وأم الناس في الصلاة عليه أبو محمد التميمي وتبعه خلق كثير وعالم عظيم ودفن بباب حرب رحمه اللَّه تعالى. ومن شعره: إذا غيبت أشباحنا كان بيننا ... رسائل صدق في الضمير تراسل وأرواحنا في كل شرق ومغرب ... تلاقي بإخلاص الوداد تواصل وثم أمور لو تحققت بعضها ... لكنت لنا بالعمر فيها تقابل وكم غائب والقلب منه سالم ... وكم زائر في القلب منه بلابل فلا تجز عن يومًا إذا غاب صاحب ... أمين فما غاب الصديق المجامل (١) الثاني: التابعون للصحابة ﵃ بإحسان (٢) هم أحق وأجدر بعد الصحابة بالفضل والإتقان والتقديم على غيرهم من سائر أهل الإسلام والإيمان من أمة نبينا محمد ﷺ سيد ولد عدنان. وتعريف التابعي: هو كل من صحب الصحابي صحبة متعارفة ومطلقة مخصوص بالتابع بإحسان. وقال للواحد تابع وتابعي، ولابد في التابعي من زيادة على ما تعتبر به الصحبة في الصحابي كما تقدم لأن للصحبة خصوصية لا توجد لغيرها، وللتابعين طبقات

стр. 480

بالنسبة إلى من اجتمع بعشرة أو ثلاثة من الصحابة، وبالعلم والزهد وغير ذلك (١). وقد اختلف في أفضل التابعين فقال سيدنا الإمام أحمد وغيره من أهل العلم "أفضل التابعين سعيد بن المسيب" (٢). وقال قوم: أفضل التابعين أويس بن عامر ويقال عمرو وكنيته أبو عمرو وهو القرني، واستدلوا له بحديث: "خير التابعين أويس رواه الحاكم عن علي بن أبي طالب (٣) عن النبي ﷺ .

стр. 481

وفي صحيح مسلم: "إن خير التابعين رجل يقال له أويس بن عامر وله والدة وكان به بياض فمروه فليستغفر لكم" (١). قال النووي: "هو أويس بن عامر كذا رواه مسلم وهو مشهور" (٢). وقال ابن ماكولا (٣): ويقال "أويس بن عمرو" (٤) وهو القرني بفتح القاف والراء وهو بطن من مراد وهو قرن بن ردبان، وغلطوا من نسبه إلى قرن المنازل الجبل المعروف ميقات أهل نجد في الإحرام" (٥). وفي الحديث طلب الدعاء والاستغفار من أهل الصلاح وإن كان الطالب أفضل من المطلوب منه لأنه قد يوجد في المفضول ما لا يوجد في الفاضل (٦). فإن قيل كيف استجاز الإمام أحمد ﵁ ومن نحى نحوه تفضيل

стр. 482

سعيد ابن المسيب على سائر التابعين مع وجود النص الصريح بالنقل الصحيح في تفضيل أويس ﵀، مع أن مذهب الإمام أحمد أن لا يقدم على مقبول الأخبار شيئًا؟ فالجواب أن مراد سيدنا الإمام أحمد ﵁ وأضرابه أفضلية سعيد بن المسيب رحمه اللَّه تعالى في العلوم الشرعية كالتفسير والحدث والفقه ونفع الأمة بذلك، وبما بلغه عن الصحابة الكرام عن النبي ﷺ فإن سيدًا هو الإمام الحافظ الثقة المأمون حتى قيل فيه: "أعلم أمة محمد بدين محمد ﷺ سعيد بن المسيب ﵁" (١). والدليل على أفضلية التابعين على غيرهم بعد الصحابة ﵃ قول النبي ﷺ : "خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" رواه البخاري ومسلم وغيرهما من حديث عمران بن حصين ﵄ قال عمران: "فلا أدرى أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة ثم إن بعدهم قومًا يشهدون ولا يستشهدون ويخونون ولا يؤتمونون وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السمن "زاد في رواية: "ويحلفون ولا يستحلفون" (٢). وأخرج الترمذي من حديث جابر بن عبد اللَّه ﵄ أن النبي ﷺ قال: "لا تمس النار مسلمًا رآني أو رأى من رآني" (٣). قال الإمام المحقق ابن القيم في أول كتابه "أعلام الموقعين" "ألقى الصحابة الكرام

стр. 483

رضي اللَّه عنهم إلى التابعين ما تلقوه من مشكاة النبوة خالصًا صافيًا، وكان سندهم عن نبيهم ﷺ عن جبريل عن رب العالمين سندًا صحيحًا عاليًا، وقالوا هذا عهد نبينا إلينا وقد عهدناه إليكم، وهذه وصية ربنا وفرضه علينا وهي وصيته وفرضه عليكم، فجرى التابعون لهم وإحسان على منهاجهم واقتفوا آثار صراطهم المستقيم" (١). ثم بعد التابعين أتباع التابعين. ثم جاءت الأئمة من القرن الرابع المفضل في إحدى الروايتين كما ثبت في الصحيح من حديث أبي سعيد وابن مسعود وأبي هريرة وعائشة وعمران بن حصين رضوان اللَّه عليهم أجمعين من قوله ﷺ : "خير الناس قرني. . . " (٢) الحديث. والقرن أهل زمان واحد متقارب اشتركوا في أمر من الأمور المقصودة، والأصح أنه لا يضبط بمدة، فقرنه ﷺ هم أصحابه وكانت مدتهم من المبعث إلى آخر من مات من أصحابه وهو أبو الطفيل مائة وعشرين سنة، وقرن التابعين من نحو مائة إلى سبعين سنة، وقرن أتباع التابعين من ثم إلى حدود العشرين ومائتين. وفي هذا الوقت ظهرت البدع ظهورًا فاشيًا وأطلقت المعتزلة ألسنتها وأظهرت الجهمية نحلتها ورفعت الفلاسقة رؤوسها، وحررت الباطنية والقرامطة دروسها، وامتحن أئمة الدين وعلماء المسلمين ليقولوا بخلق القرآن وكان المقصود الأعظم منهم إمامنا الإمام أحمد بن حنبل عليه الرحمة والرضوان فقام بأمر السنة أتم قيام، وعاضده على ذلك أئمة نبلاء أعلام وحفاظ لدين الإسلام فخام، شكر اللَّه سعيهم

стр. 484

وثبتنا على نهجهم، وظهر مصداق قوله ﷺ : "ثم يفشوا الكذب" كما في رواية (١) واللَّه تعالى أعلم (٢) (٣). * * *

стр. 485

فصل في الكلام على القدر قال في النهاية: "قد تكرر في الحديث ذكر القدر وهو: عبارة عما قضاه اللَّه وحكم به من الأمور. وقال في القضاء إنه الفصل والحكم، وقد تكرر في الحديث ذكر القضاء أيضًا، وأصله القطع والفصل يقال قضى يقضي قضاء فهو قاض إذا حكم وفصل وقضاء الشيء إحكامه وإمضاؤه والفراغ منه فيكون بمعنى الخلق" (١). قال الناظم رحمه اللَّه تعالى: (وبالقدر) وهو الأمر الذي قضاه اللَّه وحكم به من الأمور وهو مصدر قدر، يقدر قدرًا، وقد تسكن داله، وأل في القدر والقضاء عرض عن المضاف إليه أبي بقدر اللَّه. وعرفه الماتريدية: "أنه تحديد اللَّه تعالى أزلًا كل مخلوق بحده الذي يوجد به من حسن وقبيح ونفع وضر وما يحويه من زمان ومكان وما يترتب عليه من طاعة وعصيان وثواب وعقاب وغفران" (٢). وعند الأشاعرة: إيجاد اللَّه تعالى الأشياء على قدر مخصوص، وتقدير معين في ذواتها وأحوالها طبق ما سبق به العلم وجرى به القلم" (٣). قال الخطابي (٤): "قد يحسب كثير من الناس أن معنى القدر من اللَّه والقضاء: معنى الإجبار والقهر للعبد على ما قضاه اللَّه (٥) وقدره ويتوهم أن قوله ﷺ : "فحج

стр. 486

آدم موسى" من هذا الوجه وليس كذلك وإنما معناه الإخبار عن تقدم علم اللَّه تعالى بما يكون من فعل العباد واكتسابهم وصدورها عن تقدير منه تعالى وخلق لها خيرها وشرها، قال والقدر اسم لما صدر مقدرًا عن فعل القادر. ولذا قال الناظم: (المقدور) أي المصادر عن المعبود تعالى مقدرًا محكمًا، كالهدم والنشر والقبض أسماء لما صدر عن فعل الهادم والناشر والقابض يقال: قدرت الشيء وقدرت خفيفه وثقيله بمعنى واحد والقضاء معناه في هذا الخلق كقوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ١٢] أي خلقهن وإذا كان الأمر كذلك فقد بقي على العباد من وراء علم اللَّه تعالى فيهم أفعالهم واكتسابهم ومباشرتهم تلك الأمور وملابستهم إياها عن قصد وتعمد وتقديم إرادة واختيار والحجة إنما تلزمهم بها واللائمة تلحقهم عليها. قال الخطابي: وجماع القول في هذا أنهما أمران لا ينفك أحدهما عن الآخر لأن أحدهما بمنزلة الأساس والآخر بمنزلة البناء فمن رام الفصل بينهما فقد رام هدم البناء ونقضه وإنما كان موضع الحجة لآدم على موسى ﵉ أن اللَّه تعالى كان قد علم من آدم أنه يتناول من الشجرة ويأكل منها فكيف يمكنه أن يرد علم اللَّه فيه ويبطله بعد ذلك، وبيان هذا في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] فأخبر قبل كون آدم إنما خلقه للأرض وأنه لا يتركه في الجنة حتى ينقله عنها إليها وإنما كان تناوله سببًا لهبوطه إلى الأرض التي خلق لها ليكون فيها خليفة واليًا على من فيها فإنما أدلى (١) آدم بالحجة على موسى لهذا المعنى ودفع لائمة موسى ﵇ عن نفسه ولذلك قال: أتلومني على أمر قد قدره اللَّه عليَّ من قبل أن يخلقني. قال: فقول موسى ﵇ وإن كان في النفوس منه شبهة وفي ظاهره متعلق لاحتجاجه بالسبب الذي جعل إمارة لخروجه من الجنة، فقول آدم ﵇ في تعلقه بالسبب الذي هو بمنزلة الأصل

стр. 487

أرجح وأقوى، والفلج قد يقع من المعارضة بالترجيح كما يقع بالبرهان الذي لا معارض له (١) انتهى. قلت والحديث الذي احتج فيه آدم على موسى ﵉ صحيح متفق عليه من حديث أبي هريرة ﵁ وروى أيضًا بإسناد جيد من حديث ابن عمر ﵄ ولفظ الحديث: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن موسى قال: يا رب أرنا آدم الذي أخرجنا من الجنة بخطيئته فقال موسى يا آدم أنت أبو البشر خلقك اللَّه بيده، ونفخ فيك من روحه وأسجد لك ملائكته لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة؟ فقال له آدم: أنت موسى الذي اصطفاك اللَّه بكلامه وكتب لك التوراة بيده فكم تجد فيها مكتوبًا وعصى آدم ربه فغوى قبل أن أخلق؟ قال بأربعين سنة. قال: أتلومني على أمر قد قدر عليَّ قبل أن أخلق بأربعين سنة، قال: فحج آدم موسى" (٢). قال شيخ الإسلام ابن تيمية روح اللَّه روحه: ظن طوائف في هذا الحديث أن آدم احتج بالقدر على الذنب وأنه حج موسى بذلك -فطائفة من هؤلاء يدعون التحقيق والعرفان يحتجون بالقدر على الذنوب مستدلين بهذا الحديث، وطائفة أخرى يقولون الاحتجاج به سائغ في الآخرة لا في الدنيا. وأخرى تقول هو حجة للخاصة المشاهدين للقدر دون العامة، وطائفة أخرى كذبت بالحديث كأبي علي الجبائي أحد أئمة الاعتزال ومن نحى منحاه. وطائفة تأولته تأويلات فاسدة مثل قول بعضهم: إنما حجه لأنه كان قد تاب،

стр. 488

وقول آخر لأنه كان أباه والابن لا يلوم أباه، وقول آخر إن الذنب في شريعته واللوم في أخرى. قال: وكل هذا تعريج عن مقصود الحديث لأن موسى ﵇ قال لآدم ﵇ لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة؟ فلامه على المصيبة التي حصلت بسبب فعله لا لأجل كونها ذنبًا، ولهذا احتج آدم عليه بالقدر، وأما كونه لأجل الذنب كما يظنه كثير من الناس فليس بمراد بالحديث، فإن آدم ﵇ كان قد تاب من الذنب، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، ولا يجوز لوم التائب باتفاق الناس، قال ولأن آدم ﵇ احتج بالقدر، وليس لأحد أن يحتج بالقدر على الذنب باتفاق المسلمين، وسائر أهل الملل وسائر العقلاء" (١). وقال شيخ الإسلام في كتابه "الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان": هذا الحديث قد ضلت به طائفتان: طائفة كذبت به لما ظنوا أن يقتضي رفع الذم والعقاب عمن عصى اللَّه تعالى لأجل القدر. وطائفة شر من هؤلاء جعلوه حجة لأهل الحقيقة الذين شهدوه أو الذين لا يرون أن لهم فعلًا وذكر نحو ما قدمنا من الطوائف، ثم قال: "وكل هذا باطل ولكن وجه الحديث: أن موسى ﵇ لم يلم أباه إلا لأجل المصيبة التي لحقتهم من أجل أكله من الشجرة فقال: لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة؟ لم يلمه لمجرد كونه أذنب ذنبًا وتاب منه فإن موسى ﵇ يعلم أن التائب من الذنب لا يلام ولو كان آدم ﵇ بعتقد رفع الملام عنه لأجل القدر لم يقل: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣].

стр. 489

والمكلف مأمور عند المصائب أن يصبر ويسلم وعند الذنوب أن يستغفر ويتوب" (١). إذا علمت هذا (فأيقن): أي أعلم علمًا جازمًا لا ريب فيه ولا شك يعتريه، والجار والمجرور الذي هو قوله: (وبالقدر المقدور) متعلق بأيقن. قال في القاموس: "اليقين إزاحة الشك" (٢). (فإنه) أي الإيقان بالقدر المقدر والإيمان به (دعامة) قال في القاموس: "الدعمة والدعامة بكسرتين: عماد البيت، والخشب المنصوب للعريش والدعامة بالفتح: الشرط" (٣) أي عمود (عقد الدين) الذي ينبني عليه، وشرطه الذي يعول عليه، والجمع: دعم ودعائم، و (أل) في الدين للعهد أي دين اللَّه الذي بعث اللَّه به رسوله محمدًا ﷺ وأنزل به كتابه وتقدم تعريف الدين في أول المنظومة وهو الوضع الإلهي السائق لذوي العقول باختيارهم المحمود إلى ما هو خير لهم، بالذات (والدين): الذي هو دين الإسلام: (أفبح): أي واسع لا حرج فيه. قال في القاموس: "بحر أفيح وفياح بيّن الفيح واسع والفيحاء الواسعة من الدور" (٤). وفي حديث أم زرع: (وبيتها فياح) (٥) أي واسع هكذا رواه عبيد مشددًا وصوب غيره التخفيف.

стр. 490

وفي الحديث: "اتخذ ربك في الجنة واديًا أفيح من مسك" (١). قال في النهاية: "كل موضع واسع يقال له أفيح، وروضة فيحاء" (٢). تنبيهات: الأول: أعلم أن القدر عند السلف: ما سبق به العلم القديم وجرى به القلم العظيم مما هو كائن إلى الأبد، وأنه قدر مقادير الخلائق وما يكون من الأشياء قبل أن تكون في الأزل، وعلم تعالى أنها ستقع في أوقات معلومة عنده، وعلى صفات مخصوصة فهي تقع حسب ما قدرها. قال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس اللَّه روحه: "علم اللَّه السابق محيط بالأشياء على ما هي عليه ولا محو فيه ولا تغيير، ولا زيادة ولا نقص فإنه تعالى يعلم ما كان وما يكون وما لا يكون لو كان كيف كان يكون".

стр. 491

قال: "وأما ما جرى به القلم في اللوح المحفوظ فهل يقع فيه محو وإثبات على قولين للعلماء". قال: "وأما الصحف التي بيد الملائكة فيحصل فيها المحو والإثبات". الثاني: الإيمان بالقدر على درجتين: إحداهما: الإيمان بأن اللَّه تعالى سبق في علمه ما يعمله العباد من خير وشر وطاعة ومعصية قبل خلقهم وإيجادهم ومن هو منهم من أهل الجنة، ومن أهل النار، وأعد لهم الثواب والعقاب جزاء لأعمالهم قبل خلقهم وتكوينهم وأنه كتب ذلك وأحصاه وأن أعمال العباد تجري على ما سبق في علمه وكتابه. الثانية: أن اللَّه تعالى خلق أفعال العباد كلها من الكفر والإيمان والطاعة والعصيان، وشاءها منهم، فهذه الدرجة يثبتها أهل السنة والجماعة وينكرها القدرية (١). والدرجة الأولى أثبتها القدرية أيضًا ونفاها غلاتهم كمعبد الجهني الذي سئل ابن عمر ﵄ عن مقالته: وهي أن لا قدر وأن الأمر أنف (٢) فقال: إذا لقيت (٣) أولئك فأخبرهم أني برئ متهم وأنهم براء مني والذي يحلف به عبد اللَّه بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبًا فأنفقه ما قبل منه حتى يؤمن بالقدر" رواه مسلم في صحيحه (٤) (٥).

стр. 492

قال الحافظ ابن رجب (١): "الذي سئل ابن عمر ﵄ عن مقالتهم معبد الجهني وعمرو بن عبيد وغيرهما، وقد قال كثير من السلف: "ناظروا القدرية بالعلم فإن أقروا به خصموا وإن جحدوه فقد كفروا" يريدون أن من أنكر العلم القديم السابق بأفعال العباد وأن اللَّه تعالى قسمهم قبل خلقهم إلى شقي وسعيد وكتب ذلك عنده في كتاب حفيظ فقد كذب بالقرآن فيكفر بذلك. وإن أقروا بذلك وأنكروا أن اللَّه خلق أفعال عباده (٢) وشاءها وأرادها منهم إرادة كونية قدرية فقد خصموا لأن ما أقروا به حجة عليهم فيما أنكروه وفي تكفير هؤلاء نزاع مشهور بين العلماء وأما من أنكر العلم القديم فقد نص الإمامان الشافعي وأحمد ﵄ على تكفيره وكذلك غيرهما من أئمة الإسلام" (٣). الثالث: أول من تكلم في القدر معبد بن عبد اللَّه بن عويمر الجهني وكان أولًا يجلس إلى الحسن البصري ثم سلك أهل البصرة مسلك معبد لما رأوا عمرو بن عبيد ينتحله كما قال السمعاني (٤).

стр. 493

وبعض الأشعرية وغيرهم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية طيب اللَّه ثراه في كتابه "شرح الإيمان": "أول من ابتدعه بالعراق رجل من أهل البصرة يقال له سيسويه بمهملتين بينهما تحتية من أبناء المجوس وتلقاه عنه معبد الجهني" (١). وذكر العلامة الطوفي (٢) في شرح تائية شيخ الإسلام أن اسمه "سوسن" بواو بين المهملتين فنون، ثم معبد الجهني وأخذ غيلان عن معبد (٣) ويقال أول ما حدث في الحجاز لما احترقت الكعبة (٤) فقال رجل احترقت بقدر اللَّه فق الآخر: لم يقدر اللَّه هذا (٥). قال شيخ الإسلام قدس اللَّه روحه: "لم يكن على عهد الخلفاء الراشدين أحد ينكر القدر فلما ابتدع هؤلاء التكذيب بالقدر رده عليهم من بقي من الصحابة كعبد اللَّه بن عمر وعبد اللَّه بن عباس وواثلة بن الأسقع ﵃ وكان أكثره بالبصرة والشام وقليل منه بالحجاز (فأكثر السلف الكلام في هؤلاء القدرية) (٦). ولهذا قال وكيع بن الجراح: القدرية يقولون: الأمر مستقبل وأن اللَّه لم يقدر الكتابة والأعمال، والمرجئة يقولون: القول يجزي عن العمل والجهمية يقولون:

стр. 494

التصديق يجزي عن القول والعمل. قال وكيع: هو كله كفر" (١). قال شيخ الإسلام: "ولكن لما اشتهر الكلام في القدر ودخل فيه كثير من أهل النظر والعبادة صار جمهور القدرية يقرون بتقدم العلم وإنما ينكرون عموم المشيئة والخلق. وعن عمرو بن عبيد في إنكار الكتاب المتقدم والسعادة روايتان (٢). وقد علمت مما مر أن القدرية فرقتان: الأولى: تنكر سبق علم اللَّه بالأشياء قبل وجودها وتزعم أن اللَّه تعالى لم يقدر الأمور أزلًا ولم يتقدم علمه بها وإنما يأتنفها علمًا حال وقوعها وكانوا يقولون إن اللَّه تعالى أمر العباد ونهاهم وهو لا يعلم من يطيعه ممن يعصيه ولا من يدخل الجنة ممن يدخل النار، حتى فعلوا ذلك فعلمه بعد ما فعلوه، ولهذا قال: الأمر أنف أي مستأنف، هذا مع قوله تعالى (٣): ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] وهو تعالى يعلم قبل أن يخلق الأشياء كلها (ما) (٤) سيكون، وهو كخلق بمشيئته فهو يعلمه ويريده ود إرادته تعالى قائمة بنفسه وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج: ٧٠]. قال ابن عباس ﵄: "إن اللَّه تعالى خلق الخلق وعلم ما هم عاملون ثم قال لعلمه كن كتابًا فكان كتابًا ثم أنزل تصديق ذلك في هذه الآية وفي الآية

стр. 495

الأخرى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد: ٢٢] (١). قال العلماء والفرقة المنكرة لهذا انقرضوا وهم الذين كفرهم الأئمة مالك والشافعي وأحمد وغيرهم ﵃ (٢). ومما احتج به الإمام أحمد عليهم قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ. .﴾ [الأحزاب: ٧] الآية. قال هذه حجة على القدرية. قال الإمام المحقق ابن القيم في "البدائع": "أراد القدرية المنكرة للعلم بالأشياء قبل كونها وهم غلاتهم الذين كفرهم السلف" (٣). قال القرطبي: "وقد انقرض هذا المذهب فلا يعرف أحد ينسب إليه من المتأخرين" (٤). الفرقة الثانية من فرقتي القدرية: المُقِرّون بالعلم: قال الحافظ ابن حجر في شرح البخاري: "القدرية اليوم مطبقون على أن اللَّه تعالى عالم بأفعال العباد قبل وقوعها، وإنما خالفوا السلف في زعمهم بأن أفعال العباد مقدورة لهم وواقعة منهم على جهة الاستقلال، وهو مع كونه مذهبًا باطلًا أخف (٥) من المذهب الأول".
следующие страницы →