← Акыда

Акыда · id 16618

لوائح الأنوار السنية ولواقح الأفكار السنية

السفاريني

Полный текст (799 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

قال: "وأما ما جرى به القلم في اللوح المحفوظ فهل يقع فيه محو وإثبات على قولين للعلماء". قال: "وأما الصحف التي بيد الملائكة فيحصل فيها المحو والإثبات". الثاني: الإيمان بالقدر على درجتين: إحداهما: الإيمان بأن اللَّه تعالى سبق في علمه ما يعمله العباد من خير وشر وطاعة ومعصية قبل خلقهم وإيجادهم ومن هو منهم من أهل الجنة، ومن أهل النار، وأعد لهم الثواب والعقاب جزاء لأعمالهم قبل خلقهم وتكوينهم وأنه كتب ذلك وأحصاه وأن أعمال العباد تجري على ما سبق في علمه وكتابه. الثانية: أن اللَّه تعالى خلق أفعال العباد كلها من الكفر والإيمان والطاعة والعصيان، وشاءها منهم، فهذه الدرجة يثبتها أهل السنة والجماعة وينكرها القدرية (١). والدرجة الأولى أثبتها القدرية أيضًا ونفاها غلاتهم كمعبد الجهني الذي سئل ابن عمر ﵄ عن مقالته: وهي أن لا قدر وأن الأمر أنف (٢) فقال: إذا لقيت (٣) أولئك فأخبرهم أني برئ متهم وأنهم براء مني والذي يحلف به عبد اللَّه بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبًا فأنفقه ما قبل منه حتى يؤمن بالقدر" رواه مسلم في صحيحه (٤) (٥).

стр. 492

قال الحافظ ابن رجب (١): "الذي سئل ابن عمر ﵄ عن مقالتهم معبد الجهني وعمرو بن عبيد وغيرهما، وقد قال كثير من السلف: "ناظروا القدرية بالعلم فإن أقروا به خصموا وإن جحدوه فقد كفروا" يريدون أن من أنكر العلم القديم السابق بأفعال العباد وأن اللَّه تعالى قسمهم قبل خلقهم إلى شقي وسعيد وكتب ذلك عنده في كتاب حفيظ فقد كذب بالقرآن فيكفر بذلك. وإن أقروا بذلك وأنكروا أن اللَّه خلق أفعال عباده (٢) وشاءها وأرادها منهم إرادة كونية قدرية فقد خصموا لأن ما أقروا به حجة عليهم فيما أنكروه وفي تكفير هؤلاء نزاع مشهور بين العلماء وأما من أنكر العلم القديم فقد نص الإمامان الشافعي وأحمد ﵄ على تكفيره وكذلك غيرهما من أئمة الإسلام" (٣). الثالث: أول من تكلم في القدر معبد بن عبد اللَّه بن عويمر الجهني وكان أولًا يجلس إلى الحسن البصري ثم سلك أهل البصرة مسلك معبد لما رأوا عمرو بن عبيد ينتحله كما قال السمعاني (٤).

стр. 493

وبعض الأشعرية وغيرهم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية طيب اللَّه ثراه في كتابه "شرح الإيمان": "أول من ابتدعه بالعراق رجل من أهل البصرة يقال له سيسويه بمهملتين بينهما تحتية من أبناء المجوس وتلقاه عنه معبد الجهني" (١). وذكر العلامة الطوفي (٢) في شرح تائية شيخ الإسلام أن اسمه "سوسن" بواو بين المهملتين فنون، ثم معبد الجهني وأخذ غيلان عن معبد (٣) ويقال أول ما حدث في الحجاز لما احترقت الكعبة (٤) فقال رجل احترقت بقدر اللَّه فق الآخر: لم يقدر اللَّه هذا (٥). قال شيخ الإسلام قدس اللَّه روحه: "لم يكن على عهد الخلفاء الراشدين أحد ينكر القدر فلما ابتدع هؤلاء التكذيب بالقدر رده عليهم من بقي من الصحابة كعبد اللَّه بن عمر وعبد اللَّه بن عباس وواثلة بن الأسقع ﵃ وكان أكثره بالبصرة والشام وقليل منه بالحجاز (فأكثر السلف الكلام في هؤلاء القدرية) (٦). ولهذا قال وكيع بن الجراح: القدرية يقولون: الأمر مستقبل وأن اللَّه لم يقدر الكتابة والأعمال، والمرجئة يقولون: القول يجزي عن العمل والجهمية يقولون:

стр. 494

التصديق يجزي عن القول والعمل. قال وكيع: هو كله كفر" (١). قال شيخ الإسلام: "ولكن لما اشتهر الكلام في القدر ودخل فيه كثير من أهل النظر والعبادة صار جمهور القدرية يقرون بتقدم العلم وإنما ينكرون عموم المشيئة والخلق. وعن عمرو بن عبيد في إنكار الكتاب المتقدم والسعادة روايتان (٢). وقد علمت مما مر أن القدرية فرقتان: الأولى: تنكر سبق علم اللَّه بالأشياء قبل وجودها وتزعم أن اللَّه تعالى لم يقدر الأمور أزلًا ولم يتقدم علمه بها وإنما يأتنفها علمًا حال وقوعها وكانوا يقولون إن اللَّه تعالى أمر العباد ونهاهم وهو لا يعلم من يطيعه ممن يعصيه ولا من يدخل الجنة ممن يدخل النار، حتى فعلوا ذلك فعلمه بعد ما فعلوه، ولهذا قال: الأمر أنف أي مستأنف، هذا مع قوله تعالى (٣): ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] وهو تعالى يعلم قبل أن يخلق الأشياء كلها (ما) (٤) سيكون، وهو كخلق بمشيئته فهو يعلمه ويريده ود إرادته تعالى قائمة بنفسه وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج: ٧٠]. قال ابن عباس ﵄: "إن اللَّه تعالى خلق الخلق وعلم ما هم عاملون ثم قال لعلمه كن كتابًا فكان كتابًا ثم أنزل تصديق ذلك في هذه الآية وفي الآية

стр. 495

الأخرى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد: ٢٢] (١). قال العلماء والفرقة المنكرة لهذا انقرضوا وهم الذين كفرهم الأئمة مالك والشافعي وأحمد وغيرهم ﵃ (٢). ومما احتج به الإمام أحمد عليهم قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ. .﴾ [الأحزاب: ٧] الآية. قال هذه حجة على القدرية. قال الإمام المحقق ابن القيم في "البدائع": "أراد القدرية المنكرة للعلم بالأشياء قبل كونها وهم غلاتهم الذين كفرهم السلف" (٣). قال القرطبي: "وقد انقرض هذا المذهب فلا يعرف أحد ينسب إليه من المتأخرين" (٤). الفرقة الثانية من فرقتي القدرية: المُقِرّون بالعلم: قال الحافظ ابن حجر في شرح البخاري: "القدرية اليوم مطبقون على أن اللَّه تعالى عالم بأفعال العباد قبل وقوعها، وإنما خالفوا السلف في زعمهم بأن أفعال العباد مقدورة لهم وواقعة منهم على جهة الاستقلال، وهو مع كونه مذهبًا باطلًا أخف (٥) من المذهب الأول".

стр. 496

قال: "والمتأخرون منهم أنكروا تعلق الإرادة بأفعال العباد فرارًا من تعلق القديم بالمحدث" (١). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأما هؤلاء -يعني الفرقة الثانية- فإنهم مبتدعون ضالون لكنهم ليسوا بمنزلة أولئك". قال: "وفي هؤلاء خلق كثير من العلماء والعباد كتب عنهم وأخرج الشيخان لجماعة منهم، لكن من كان داعية لم يخرجوا له، وهذا مذهب فقهاء أهل الحديث كالإمام أحمد وغيره" (٢). (من كان داعية) (٣) إلى بدعة فإنه يستحق العقوبة لدفع ضرره عن الناس، وإن كان في الباطن مجتهدًا، فأقل عقوبته أن يهجر فلا يكون له مرتبة في الدين، فلا يؤخذ عنه العلم ولا يستقضى ولا تقبل شهادته ونحو ذلك. ولهذا لم يخرج أصحاب الصحيح لمن كان داعية، ولكن رووا هم وسائر أهل العلم عن كثير ممن كان يرى رأي القدرية والمرجئة والخوارج والشيعة، ولهذا قال سيدنا الإمام أحمد: "لو تركنا الرواية عن القدرية لتركنا أكثر أهل البصرة" (٤). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "هذا لأن مسألة خلق أفعال العباد وإرادة الكائنات مسألة مشكلة، ولهذا القدرية من المعتزلة وغيرهم أخطأوا فيها" (٥) وقد أفرط القدرية غاية التفريض بحيث إنهم نفوا أن يكون اللَّه تعالى خالقًا لأفعال عباده مع قوله تعالى:

стр. 497

﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] فأثبتوا خالقًا غيره مستقلًا بالخلق والأمر دونه تعالى اللَّه عن ذلك" (١). الرابع: في بعض ما ورد في ذم طائفة القدرية. قد قدمنا كلام عبد اللَّه بن عمر ﵄ وتبريه منهم وأنهم لو كان لأحدهم مثل أحد ذهبًا فأنفقه ما قبل اللَّه تعالى منه حتى يؤمن بالقدر. وساق حديث جبريل ﵇ وفيه: "وتؤمن بالقدر خيره وشره" زاد في رواية "حلوه ومره" رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي (٢). وروى الطبراني في الأوسط عن ابن عباس ﵄ مرفوعًا: "القدر نظام التوحيد فمن وحد اللَّه وآمن بالقدر فقد استمسك بالعروة الوثقى" (٣). (وأخرج) (٤) أبو نعيم في الحلية عن ابن عمر ﵄ مرفوعًا: "القدر سر اللَّه" (٥).

стр. 498

وفي الجامع الكبير (١) عن الحارث (٢) قال: جاء رجل إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ فقال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن القدر؟ قال: سر اللَّه خفي عليك فلا تفشه، قال: أخبرني عن القدر؟ قال: طريق مظلم لا تسلكه. قال: أخبرني عن القدر؟ قال: بحر عميق لا تلجه. قال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن القدر؟. . . إلى أن قال: أيها السائل تقول: لا حول ولا قوة إلا بمن؟ قال: إلَّا باللَّه العلي العظيم، قال: أفتعلم ما في تفسيرها؟ قال: تعلمنى مما علمك اللَّه يا أمير المؤمنين. قال: إن تفسيرها لا يقدر على طاعة اللَّه ولا تكون له قوة في معصية اللَّه في الأمرين جميعًا إلا باللَّه، أيها السائل ألك مع اللَّه مشيئة أو فوق اللَّه مشيئة أو دون اللَّه مشيئة فإن قلت إن لك دون اللَّه مشيئة اكتفيت بها عن مشيئة اللَّه، وإن زعمت أن لك فوق اللَّه مشيئة فقد ادعيت أن قوتك ومشيئتك غالبتان على قوة اللَّه ومشيئته، وإن زعمت أن لك مع اللَّه مشيئة فقد ادعيت مع اللَّه شركاء في مشيئته. . " الخبر (٣). وقد أخرج أبو داود في سننه والحاكم في مستدركه عن ابن عمر ﵄ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "القدرية مجوس هذه الأمة" (٤).

стр. 499

ورواه الترمذي وحسنه وصححه الحكم. قال الحافظ ابن حجر: رجاله رجال الصحيحين، وصحح سنده الحافظ أبو الحسن بن القطان القابسي (١) فهو صحيح على شرط مسلم.

стр. 500

وأما ذكر الحافظ أبي الفرج له في الموضوعات (١) من حديث أبي هريرة فقد تعقب عليه وأن جعفر بن الحارث الذي أعله به قد وثقه ابن عدي فقال: لم أر في أحاديثه حديثًا منكرًا أرجو أنه لا بأس به، وقال البخاري حفظه سيء يكتب حديثه والحديث ورد بهذا اللفظ من حديث حذيفة أخرجه أبو داود (٢) وجابر بن عبد اللَّه. أخرجه ابن ماجة (٣) وعبد اللَّه بن عمر أخرجه الإمام أحمد (٤) والبخاري في تاريخه (٥) والطبراني في الأوسط (٦) واللالكائي في السنة (٧) بأسانيد بعضها على شرط الصحيح، وسهل بن (سعد) (٨) أخرجه الطبراني في الأوسط واللالكائي أيضًا (٩) وأنس أخرجه الطبراني (١٠) وابن عباس أخرجه اللالكائي (١١) وورد عن عمر موقوفًا أخرجه اللالكائي (١٢) فهؤلاء الصحابة ﵃ روى هذا الحديث

стр. 501

عنهم "فلا أقل من أن يكون حسنًا فضلًا عن أن يكون صحيحًا" (١). وقد روى الطبراني في الكبير وابن حبان في صحيحه والحاكم وقال: صحيح الإسناد، وقال الحافظ المنذري: لا أعرف له علة عن أم المؤمنين عائشة الصديقة ﵂ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "ستة لعنتهم ولعنهم كل نبي مجاب الزائد في كتاب اللَّه والمكذب بقدر اللَّه والمتسلط على أمتي بالجبروت ليذل من أعز اللَّه، ويعز من أذل اللَّه والمستحل حرمة اللَّه والمستحل من عترتي ما حرم اللَّه، والتارك للسنة" (٢).

стр. 502

وفي حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: تكونون قدرية ثم تكونون زنادقة ثم تكونون مجوسًا، وإن لكل أمة مجوسًا وإن مجوس أمتى المكذبة بالقدر فإن مرضوا فلا تعودوهم وإن ماتوا فلا تشهدوهم ولا تتبعوا لهم جنازة" (١). قال أبو سليمان الخطابي: "إنما جعلهم مجوسًا لمضاهات مذهبهم مذهب المجوس في قولهم بالأصلين وهما النور والظلمة زعمون الخير من فعل النور والشر من فعل الظمة، فصاروا ثنوية. وكذلك القدرية يضيفون الخير إلى اللَّه والشر إلى غيره، واللَّه تعالى خالق الأمرين معًا" (٢). وكذا قال ابن الأثير في جامع الأصول: "القدرية في إجمع أهل السنة والجماعة هم الذين يقولون إن الخبر من اللَّه والشر من الإنسان وإن اللَّه لا يريد أفعال العصاة، وسموا بذلك لأنهم أثبتوا للعبد قدرة توجد الفعل بانفرادها واستقلالها دون اللَّه تعالى، ونفوا أن تكون الأشياء بقدر اللَّه وقضاه، وقال: وهؤلاء مع ضلالتهم

стр. 503

يضيفون الاسم إلى مخالفهم من أهل الهدي فيقولون أنتم القدرية حين تجعلون الأشياء جارية بقدر من اللَّه فأنتم أولى بهذا الاسم منا لأنكم تثبتون القدر ونحن ننفيه ومثبته أحق بالنسبة إليه من نافيه، فأنتم الداخلون تحت وعيد الحديث دوننا، فأجابهم أهل الحق بأنكلم أولى بذلك لأنكلم تثبتون القدر لأنفسكم ونحن ننفيه عن أنفسنا ومثبت الشيء لنفسه أولى بالنسبة إليه ممن نفاء عن نفسه، وأيضًا هذا الحديث يبطل ما قالوه فإنه ﵊ قال: "القدرية مجوس هذه الأمة" ومعنى ذلك ليس إلا مشابهتهم للمجوس في مذهبهم وقولهم بالأصلين وهما النور والظلمة" (١) انتهى. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية روح اللَّه روحه: "من توهم من القدرية (٢) أو من غيره بن نقل عنهم أن الطاعة من اللَّه والمعصية من العبد فجاهل بمذهبهم فإن هذا لم يقله أحد من علماء القدرية ولا يمكن أن يقولوه فإن أصل قولهم أن فعل العبد للطاعة كفعله للمعصية كلتاهما فعله بقدرة تحصل له من غير أن يخصه اللَّه تعالى بإرادة خلقها فيه تختص بأحدهما ولا قوة جعلها فيه تختص بأحدهما فمن احتج منهم بقوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩] على مذهبهم كان جاهلًا بمذهبهم (٣) وكانت الآية الكريمة حجة عليهم لا لهم لأنه تعالى قال: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ وعندهم ليس الحسنات المفعولة ولا السيئات المفعولة من عند اللَّه بل كلاهما من العبد واللَّه ذكر هذه الآية الكريمة ردًا على من يقول الحسنة من اللَّه والسينة من العبد قال

стр. 504

ولم يقل أحد من الناس إن الحسنة المفعولة من اللَّه والسيئة المفعولة من العبد" (١) واللَّه تعالى أعلم. تتمة: قابلت طائفة القدرية الطائفة المسماة بالجبرية وهم الذين يزعمون أنه لا فعل للعبد أصلًا وأن حركاته بمنزلة حركات الجمادات لا قدرة له عليها ولا قصد ولا اختيار فأثبتوا أن اللَّه تعالى خالق كل شيء ومليكه وربه وهذا جيد حسن، لكن أساؤا بنفي تأثير الأسباب والحكم في الجماد والحيوان وبإنكارهم أن يكون للحيوان من الإنسان أو غيره فعل يفعله بقدرته واختياره وحقيقة قول هؤلاء ترجيح أحد المتماثلين بلا مرجح وحدوث الحوادث بلا سبب أصلًا. قال شيخ الإسلام قدس اللَّه روحه: "قابل القدرية قوم من العلماء والعباد وأهل الكلام والتصوف فأثبتوا القدر وآمنوا بأن اللَّه خالق كل شيء ربه ومليكه وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وهذا حسن لكنهم قصروا في الأمر والنهي والوعد والوعيد وأفرطوا (حتى غلا بهم الأمر) (٢) إلى الإلحاد فصاروا من جنس المشركين الذي قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٤٨]. ثم قال: فأولئك القدرية وإن كانوا يشبهون المجوس من حيث أنهم أثبتوا فاعلًا لما اعتقدوه شرًا غير اللَّه سبحانه فهؤلاء شابهوا المشركين الذين قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾. فالمشركون شر من المجوس لأن المجوس يقرون بالجزية باتفاق المسلمين حتى ذهب بعض العلماء إلى حل نسائهم وطعامهم، وأما المشركون فاتفقت الأمة على تحريم نكاح نسائهم، ومذهب الإمام أحمد في المشهور عنه والإمام الشافعي

стр. 505

وغيرهما أنهم لا يقرون بالجزية، فجمهور العلماء على أن مشركي العرب لا يقرون بالجزية. والمقصود أن من أثبت القدر واحتج به على إبطال النهي والأمر فهو شر ممن أثبت الأمر والنهي ولم يثبت القدر. قال شيخ الإسلام: هذا متفق عليه بين المسلمين وغيرهم من أهل الملل، بل من جمع الخلق فإن من احتج بالقدر وشهد الربوبية العامة لجميع المخلوقات ولم يفرق بين الأمور والمحظور، والمؤمن والكافر، وأهل الطاعة وأهل المعصية لم يؤمن بأحد الرسل ولا بشيء من الكتب وكان عنده آدم وإبليس سواء، وهذا الضلال قد كثر في كثير من أهل التصوف والزهد والعبادة ولا سيما إذا قرنوا به توحيد أهل الكلام المثبتين للقدر والمشيئة من غير إثبات المحبة والبغض والرضى والسخط، الذين يقولون التوحيد هو توحيد الربوبية، وأما الإلهية فهي عندهم القدرة على الاختراع، وعندهم مجرد الإقرار بأن اللَّه تعالى رب كل شيء كاف، وهؤلاء يدعون التحقيق والفناء في التوحيد، ويقولون إن هذا نهاية المعرفة، وإن صاحب هذا المقام لا يستحسن حسنة ولا يستقبح سيئة لشهوده الربوبية العامة والقيومية الشاملة. وهذا الموضع وقع فيه من الشيوخ الكبار من شاء اللَّه، ولا حول ولا قوة إلا باللَّه، وغاية توحيد هؤلاء توحيد المشركين الذين كانوا يعبدون الأوثان ويقرون أن اللَّه تعالى خالقهم وخالق السموات والأرض ومن فيهن وبيده ملكوت كل شيء فكانوا مقرين بالقدر وهو معروف عنهم (١) في النظم والنثر، ومع هذا فلما لم يكونوا يعبدون اللَّه تعالى وحده لا شريك له بل عبدوا غيره كانوا مشركين شرًا من اليهود والنصارى فمن كان غاية توحيده ومنتهى تحقيقه هذا التوحيد كان توحيده توحيد المشركين.

стр. 506

قال شيخ الإسلام: "وهذا المقام مقام وأي مقام زلت فيه أقدام وضلت فيه أفهام، وبدل فيه دين الإسلام والتبس فيه أهل التوحيد بعباد الأصنام على من يزعم نهاية المعرفة والتحقيق والكلام، ومعلوم عند كل من يؤمن باللَّه ورسوله أن الشيعة والمعتزلة والقدرية المثبتين للأمر والنهي والوعد والوعيد خير ممن يسوى بين المؤمن والكافر والبر والفاجر، والنبي الصادق، والمتنبئ الكاذب وأولياء اللَّه وأعدائه، بل هم أحق من المعتزلة بالذم. كما قال أبو محمد الخلال (١) في كتاب "السنة" عن المروذي (٢) قال قلت لأبي عبد اللَّه -يعني الإمام أحمد- ﵁: رجل يقول إن اللَّه أجبر العباد على المعاصي فقال: (هذا لا نقول) (٣) وأنكر ذلك، وقال: ﴿يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [المدثر: ٣١]. وأنكر سفيان الثوري أيضًا على من يقول (جبر) (٤) وقال إن اللَّه تعالى جبل العباد. وقال المروذي أراد قول النبي ﷺ لأشج عبد القيس: "إن فيك لخلقين يحبهما اللَّه تعالى؛ الحلم والأناة" فقال: أخلقين تخلقت بهما أم خلقين جبلت عليهما؟

стр. 507

فقال: "بل خلقين جبلت عليهما" فقال: الحمد للَّه الذي جبلني على خلقين يحبهما" (١). وقال الأوزاعي (٢): "ما أعرف للجبر أصلًا من القرآن ولا السنة فأهاب أن أقول ذلك ولكن القضاء والقدر والخلق والجبل فهذا يعرف في القرآن والحديث". قال شيخ الإسلام: "أدخل الخلال وغيره من علماء الإسلام القائلين بالجبر في مسمى القدرية وإن كانوا لا يحتجون بالقدر على المعاصى فكيف بمن يحتج به على المعاصى، ويدخل في ذم أهل الحلم ممن يحتج بالقدر على إسقاط الأمر والنهي أعظم مما يدخل فيه المنكر له فإن ضلال هذا أعظم وأكثر". قال شيخ الإسلام: "ولهذا قرنت القدرية يعني الجبرية بالمرجئة في كلام غير واحد من السلف، فالقدري إن احتج بالقدر كان عونًا للمرجيء وإن كذّب به كان هو والمرجيء متقابلان هذا يبالغ في التشديد حتى يجعل العبد لا يستعين باللَّه على فعل ما أمره يه وترك ما نهاه عنه، وهؤلاء القدرية حقيقة -كما مر- والمرجيء يبالغ في الناحية الأخرى ومن المعلوم أن من أسقط الأمر والنهي الذي بعث اللَّه بهما رسله وأنزل بهما كتبه فهو كافر باتفاق المسلمين واليهود والنصارى، بل قول هؤلاء متناقض لا يمكن أحدًا منهم أن يعيش به ولا تقوم به مصلحة أحد من الخلق ولا يتعاشر عليه (اثنان) (٣).

стр. 508

فإن القدر إن كان حجة فهو حجة لكل أحد وإلا فليس هو حجة لأحد فمتى أساء إنسان لآخر بأخذ ماله أو إفساد عياله فلامه أو ذمه أو طلب عقوبته أبطل الاحتجاج بالقدر" (١). قال شيخ الإسلام قدس اللَّه روحه: "ومن ادعى أن العارف إذا شهد الإرادة سقط عنه الأمر والنهي كان هذا من الكفر الذي لا يرضاه أحد بل هو ممتنع في الحقل محال في الشرع" (٢). وقال تلميذه المحقق ابن القيم في كتابه "شرح منازل السائرين": "مشهد أصحاب الجبر الذي يشهدون أنهم مجبورون على أفعالهم وأنها واقعة بغير قدرتهم واختيارهم، بل لا يشهدون أنها أفعالهم البتة ويقولون إن أحده غير فاعل في الحقيقة ولا قادر وأن الفاعل فيه غيره والمحرك له سواه، وأنه آلة محضة وحركاته بمنزلة هبوب الرياح وحركات الأشجار، وإذا أنكرت عليهم أفعالهم احتجوا بالقدر وحملوا ذنوبهم عليه، وقد يغلون (٣) في ذلك حتى يروا أفعالهم كلها طاعات خيرها وشرها لموافقتها المشيئة والقدر ويقولون كما إن موافقة الأمر طاعة فموافقة المشيئة طاعة". قال: "وهؤلاء شر من القدرية النفاة، وأشد عداوة للَّه، ومناقضة لكتبه ورسله ودينه، حتى أن من هؤلاء من يعتذر عن إبليس لعنه اللَّه ويتوجع له، ويقيم عذره بجهده وينسب ربه تعالى وتقدس إلى ظلمه بلسان الحال و (القال) (٤) ويقولون ما

стр. 509

ذنبه وقد صان وجهه عن السجود لغير خالقه وقد وافق حكمه ومشيئته فيه وإرادته منه، ثم كيف يمكنه السجود وهو الذي منعه منه وحال بينه وبينه، وهل كان في ترك سجوده لغير اللَّه إلا محسنًا لكن إذا كان المحب قليل حظ فما حسناته إلا ذنوب" (١). قال المحقق ابن القيم: "وهؤلاء أعداء اللَّه حقًا وأولياء إبليس وأحبابه وإخوانه". قال: "وإذا ناح منهم نائح على إبليس رأيت من البكاء والحنين أمرًا عجبًا ورأيت من تظلم الأقدار واتهام الجبار ما يبدو على فلتات ألسنتهم وصفحات وجوههم وتسمع من أحدهم التظلم والتوجع ما تسمعه من الخصم المغلوب (٢) الحاجز عن خصمه. قال: فهؤلاء الذين قال فيهم شيخ الإسلام ابن تيمية في تائيته: وتدعى خصوم اللَّه يوم معادهم ... إلى النار طرا فرقة القدرية (٣) يعني الجبرية. وتقدم أن شيخ الإسلام ذكر أن بدعة القدرية النفاة كانت في أواخر عصر الصحابة ﵃ (٤). قال: "وأما بدعة هؤلاء المحتجين بالقدر فلم يعرف لها إمام ولم تعرف بها طائفة من طوائف المسلمين معروفة" (٥).

стр. 510

قال: "وإنما كثر ذلك في المتأخرين وسموا هذه حقيقة وجعلوا الحقيقة تعارض الشريعة ولم يميزوا بين الحقيقة الشرعية التي تتضمن تحقيق أحوال القلوب كالإخلاص والصبر وبين الحقيقة الكونية القدرية التي نؤمن بها ولا نحتج بها على المعاصي ويزعم بعض هؤلاء أن الخضر ﵇ إنما سقط عنه التكليف لأنه شهد الإرادة" (١). (ومن مثل هذه الخرافات) (٢) وهذه المقالة من أشنع المقالات وأفظع البدع المحدثات والمحتج على معاص اللَّه تعالى بالقدر زنديق وخارج عن ربقة التوفيق وعادم التحقيق فإن الباري جل شأنه أرسل الرسل ﵈ بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطل المفاسد وتقليلها وفي الاحتجاج بالمعاصي على القدر عكس ما جاءت به الرسل من تعظيم النهي والأمر. واللَّه تعالى أعلم (٣). فإن قلت قد ذكرت طائفتي (٤) القدرية النافية والمثبتة (٥) بالذم فما الممدوح بعدهما؟ قلنا: الممدوح أهل السنة والجماعة الذين هم الوسط ما بين الإفراط والتفريط فلم يفرطوا تفريط القدرية النفاة ولم يفرطوا إفراط الجبرية المحتجين بالقدر على معاصي اللَّه، فمذهب أهل السنة كافة من السلف الأثرية والخلف الأشعرية

стр. 511

والماتريدية (١) أن جميع أنواع الطاعات المعاصي والكفر والفساد وكل عمل وفعل وقول واقع بقضاء اللَّه وقدره وهو تعالى خالق ذلك كله لا خالق سواه فأفعال العباد مخلوقة للَّه تعالى خيرها وشرها حسنها وقبيحها والعبد غير مجبور على أفعاله بل هو قادر عليها بإقدار اللَّه تعالى له على ذلك. فهذا القدر باتفاق طوائف أهل السنة (الثلاثة) (٢). ثم اختلفوا فقال الأشعري ومن وافقه العبد مكتسب فأثبت للعبد كسبًا ومعناه أن العبد قادر على فعله وإن كانت قدرته لا تأثير لها في ذلك كما مر. قال شيخ الإسلام روح اللَّه روحه: هذا قول الأشعري ومن وافقه من المثبتة للقدر من الفقهاء وطوائف من أهل السنة من أصحاب مالك والشافعي وأحمد حيث لا يثبتون في المخلوقات قوى ولا طبائع ويقولون إن اللَّه تعالى فعل عند الأسباب لا بها ويقولون إن قدرة العبد لا تأثير لها في الفعل ويقول الأشعري إن اللَّه تعالى فاعل فعل العبد وإن عمل العبد ليس فعلًا للعبد بل كسب له". قال شيخ الإسلام: "وهذا قول من ينكر الأسباب والقوى التي في الأجسام وينكر تاثير القدرة التي للعبد التي يكون بها الفعل ويقول لا أثر لقدرة العبد أصلًا في فعله، نعم الأشعري يثبت للعبد قدرة محدثة واختيارًا، ويقول إن الفعل كسب للعبد مع قوله لا تأثير لقدرة العبد في إيجاد المقدور، وهو مقام دقيق حتى قال بعض أهل التحقيق: إن هذا الكسب الذي أثبته الأشعري غير معقول ولذا قال جمهور

стр. 512

العقلاء ثلاثة أشياء لا حقيقة لها طفرة النظام (١) وأحوال أبي هاشم (٢) وكسب الأشعرى (٣). وذلك لأنه يلزم منه أن لا يكون فرق بين القادر والعاجز، إذ مجرد الاقتران لا اختصاص له بالقدرة، فإن فعل العبد يقارن حياته وعلمه وإراداته وغير ذلك من صفاته فإذ لم يكن للقدرة تأثير إلا مجرد الاقتران فلا فرق بين القدرة وغيرها (٤) فإن الكسب المذكور هنا في كلام الأشعري هو ما اصطلح عليه المتكلمون وهو ما وقع

стр. 513

من الفاعل مقارنًا لقدرة محدثة واختيار، وقيل هو ما وجد بقدرة محدثة في المكتسب. وقال ابن حمدان في نهاية المبتدئين: "الكسب هو ما خلقه اللَّه في محل قدرة المتكسب على وفق إرادته في كسبه". قال شيخ الإسلام رحمه اللَّه تعالى: "فسر المتكلمون الكسب بما قارن القدرة المحدثة في محلها قال ومجرد المقارنة لا يميز القدرة عن غيرها فإن الفعل يقارن العلم والإرادة وغير ذلك قالوا والقدرة هي التمكن من التصرف وقيل سلامة البنية". وقال شيخ الإسلام أيضًا فيما كتبه على حسن إرادة اللَّه تعالى: "الكسب عند القائل به عبارة عن اقتران المقدور بالقدرة الحادثة، والخلق هو المقدور بالقدرة القديمة" (١). ومن الأشعرية من يقول: قدرة العبد مؤثرة في صفة الفعل لا في أصله كأبي بكر الباقلاني ومن وافقه. قال شيخ الإسلام: "ومذهب الأشعري في هذه المسألة (٢) يقرب من مذهب الجبرية الجهمية فإنه يحكي عن الجهم بن صفوان وغلاة أتباعه أنهم سلبوا العبد قدرته واختياره حتى قال بعضهم: إن حركته كحركة الأشجار بالرياح. قال شيخ الإسلام: إن الجهم كان يقول: لا أثر لقدرة العبد أصلًا في فعله، وكان يثبت مشيئة اللَّه تعالى، وينكر أن يكون له حكمة ورحمة وينكر أن يكون للعبد فعل أو قدرة مؤثرة. قال وحكي عنه أنه كان خرج إلى الجذمى ويقول: أرحم

стр. 514

الراحمين يفعل هذا إنكارًا لأن يكن له تعالى رحمة يتصف بها سبحانه زعمًا منه أنه ليس له إلا مشيئة محضة لا اختصاص لها بحكمة بل يرجح أحد المتماثلين بلا مرجح (١). هذا وأما مذهب السلف الصالح المثبتون للقدر من جميع الطوائف فإنهم يقولون إن العبد فاعل لفعله حقيقة وإن له قدرة حقيقة واستطاعة حقيقة ولا ينكرون تأثير الأسباب الطبيعية بل يقرون بما دل عليه الشرع والعقل من أن اللَّه تعالى ينبت النبات بالماء وأن اللَّه يخلق السحاب بالرياح وينزل الماء بالسحاب، ولا يقولون القوى والطبائع الموجودة في المخلوقات لا تأثير لها أثرًا لفظًا ومعنى من تأثير الأسباب في مسباتها واللَّه تعالى خالق السبب والمسبب. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية الأعمال والأقوال والطاعات والمعاصي من العبد بمعنى أنها قائمة به وحاصلة بمشيئته وقدرته وهو المتصف بها والمتحرك بها ويعود حكمها عليه وهي من اللَّه تعالى بمعنى أنه خلقها قائمة بالعبد وجعلها عملًا له وكسبًا، فهي من اللَّه مخلوقة له، ومن العبد صفة قائمة به واقعة بقدرته وكسبه كما إذا قلنا هذه الثمرة من الشجرة، وهذا الزرع من الأرض بمعنى أنه حدث منها ومن اللَّه بمعنى أنه خلقه منها فالحوادث تضاف إلى خالقها باعتبار وإلى أسبابها باعتبار (٢). والحاصل أن مذهب السلف ومحققي أهل السنة أن اللَّه تعالى خلق قدرة العبد وإرادته وفعله وأن العبد فاعل لفعله حقيقة ومحدث لفعله واللَّه تعالى هو الذي جعله فاعلًا محدثًا له قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠]، فأثبت مشيئة العبد وأخبر أنها لا تكون إلا بمشيئته تعالى.

стр. 515

وهذا صريح قول أهل السنة في إثبات مشيئة العبد وأنها لا تكون إلا بمشيئة الرب. قال شيخ الإسلام: "هذا قول جمهور أهل السنة من جميع الطوائف وهو قول كثير من أصحاب الأشعري كأبي إسحاق الإسفرائيني (١) والجويني (٢) وغيرهما: فيقولون العبد فاعل لفعله حقيقة وله قدرة واختيار وقدرته مؤثرة في مقدورها كما تؤثر القوى والطبائع والأسباب كما دل على ذلك الشرع والعقل قال تعالى: ﴿فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [الأعراف: ٥٧]، وقد أثبت للعبد استطاعة فقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وقال: ﴿هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥]، وقال: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٥]، وقال: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢]، وفي القرآن من هذا ما لا يحصى إلا بكلفة، وقد ذكرت في شرح الدرة المسماة (٣) (بلوامع الأنوار) ما يشفي ويكفى (٤).

стр. 516

فصل في ذكر بعض أمهات السمعيات ذكر الناظم ﵀ ورضي عنه أنموذجًا من السمعيات في منظومته ليستدل بما ذكر على كل ما شاع واشتهر فقال: (ولا): ناهية (تنكرن): فعل مضارع مبني على الفتح لأنه مؤكد بالنون الخفيفة في محل جزم بلا الناهية و (جهلًا): مفعول لأجله أي لأجل الجهل وقلة الحلم والفضل الملكين المسميين (نكيرًا ومنكرًا) مفعول لا تنكرن وهما الملكان اللذان ينزلان على الميت في قبره يسألانه عن ربه ومعتقده، فالإيمان بذلك واجب شرعًا لثبوته عن النبي المعصوم ﷺ في عدة أخبار يبلغ مجموعها مبلغ التواتر وقد استنبط ذلك واستدل عليه بقوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: ٢٧]. وأخرج الشيخان من حديث البراء بن عازب ﵄ عن النبي ﷺ قال في قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ. . .﴾ نزلت في عذاب القبر. زاد مسلم: يقال له من ربك؟ فيقول: اللَّه ربى ونبي محمد فذلك قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾. وفي رواية للبخاري: إذا قعد المؤمن في قبره أتى ثم شهد أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدًا رسول اللَّه فذلك قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ﴾ (١) الآية.

стр. 517

وفي سنن أبي داود من حدث البراء مرفوعًا: يأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: ما هذا الرجل؟ الذي بعث فيكم فيقول هو رسول اللَّه ﷺ فيقولون له: وما يدريك؟ فيقول: قرأت كتاب اللَّه فآمنت به وصدقت فينادي مناد من السماء أن صدق عبدي فافرشوه من الجنة وافتحوا له بابًا إلى الحنة وألبسوه من الجنة ويفسح له فيه مد بصره"، وقال في الكافر: فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري. . . إلى أن قال فينادى مناد من السماء أن كذب عبدي فافرشوه من النار، وافتحوا له بابًا إلى النار، قال: فيأتيه من حرها وسمومها ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه" (١). وفي الصحيحين من حديث أنس ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه إنه ليسمع قرع نعالهم أتاه ملكان فيقعدانه فيقولون ما كنت تقول في هذا الرجل لمحمد ﷺ ، فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد اللَّه ورسوله فيقال له انظر إلى مقعدك من النار وقد أبدلك اللَّه مقعدًا من الجنة قال فيراهما جميعًا -يعني المقعدين-. قال قتادة ذكر لنا أنه يفسح له في قبره. وقال المنافق والكافر فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري كنت أقول ما يقول الناس فيقال لا دريت ولا تليت ويضرب بمطراق من حديد فربة فيصيح صيحة يسمعه من يليه غير الثقلين". ورواه أبو داود وزاد: "إن المؤمن يقال له ما كنت تعبد؟ فإن هداه اللَّه قال: كنت أعبد اللَّه فقال: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: هو عبد اللَّه ورسوله فما يسئل عن شيء غير هذا".

стр. 518

وزاد أيضًا- فيقول: دعوني حتى أبشر أهلي فيقال له: اسكن. وذكر الكافر أنه يسئل عما كان يعبد ثم عن هذا الرجل" (١). وفي الصحيحين أيضًا عن أسماء بنت الصديق ﵄ أن رسول اللَّه ﷺ قال في خطبته يوم كسفت الشمس: "ولقد أوحي إليّ أنكم تفتنون في قبوركم مثل أو قريبًا (٢) من فتنة الدجال يؤتى أحدكم فيقال له ما علمك بهذا الرجل؟ فأما المؤمن أو الموقن فيقول محمد رسول اللَّه جاءنا بالبينات والهدى فأجبنا وآمنا واتبعنا فيقال له: نم صالحًا فقد علمنا إن كنت لمؤمنًا، وأما النافق والمرتاب فيقول: لا أدري سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته" (٣). وأخرجه الإمام أحمد بلفظ: "ولقد رأيتكم تفتنون في قبوركم يسئل الرجل ما كنت تقول وما كنت تعبد؟ " (٤). وروى أيضًا من حديث أبي هرووة ﵁ أخرجه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجة وابن حبان في صحيحه وأخرجه الطبراني أيضًا وفيه: "أتاه منكر ونكير أعينهما مثل قدور النحاس وأنيابهما مثل صياصي البقر -أي قرونها- وأصواتهما مثل الرعد القاصف" (٥).

стр. 519

وروي أيضًا من حديث جابر ﵁ أخرجه الإمام أحمد (١)؛ ومن حديث أبي سعيد ﵁ أخرجه الإمام أحمد أيضًا (٢). ومن حديث أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أخرجه أبو بكر الخلال في كتاب السنة وفيه: أنه ﷺ قال له: "كيف أنت يا عمر إذا كنت من الأرض في أربعة أذرع في ذراعين ورأيت منكرًا ونكيرًا قلت: يا رسول اللَّه وما منكر ونكير قال: فتانا القبر يبحثان الأرض يأنيابهما ويطآن في أشعارهما أصواتهما كالرعد القاصف وأبصارهما كالبرق الخاطف ومعهما مرزبة لو اجتمع عليها أهل منى لم يطيقوا رفعها هي أيسر عليهما من عصاي هذه قلت: يا رسول اللَّه وأنا على حالي هذه؟ قال: نعم. فقلت: إذًا أكفيكهما". زاد في رواية: فامتحناك فإن التويت ضرباك بها ضربة صرت رمادًا" (٣). وأخرجه الإسماعيلي من وجه آخر (٤). وروي أيضًا من حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ﵄ أخرجه الإمام أحمد وابن حبان في صحيحه وفيه فقال عمر ﵁: "أترد علينا

стр. 520

عقولنا يا رسول اللَّه؟ فقال ﷺ : نعم كهيئتكم اليوم فقال عمر ﵁ بفيه الحجر" (١). تنبيهات: الأول: قد علمت أن اسم الملكين منكر ونكير وقد نص على ذلك الإمام أحمد ﵁ (٢). قال الحكيم الترمذي (٣): "وإنما سميا فتاني القبر لأن في سؤالهما انتهارًا وفي خلفهما صعوبة قال: وسميا منكرًا ونكيرًا لأن خلقهما لا يشبه خلق الآدميين ولا خلق الملائكة ولا خلق البهائم ولا خلق الهوام بل مما خلق بديع وليس في خلقهما أنس للناظرين إليهما جعلهما اللَّه تعالى تكرمة للمؤمن لتثبته وتبصره، وهتكًا لستر المنافق في البرزخ من قبل أن يبعث" (٤).

стр. 521

قال الجلال السيوطي: "وهذا يدل على أن الاسم: "منكر" بفتح الكاف وهو المجزوم به في القاموس" (١). قلت: وكذا في نهاية ابن الأثير -قال: - "ومنكر ونكير أسماء الملكين مفعل وفعيل" (٢). وذكر ابن يونس (٣) من الشافعية أن اسم ملكي (٤) المؤمن مبشر وبشير. (٥) قلت: وهذا يحتاج إلى دليل مأثور وأنى به فإنه ليس في الأحاديث سوى منكر ونكير. قال الإمام المحقق ابن القيم في كتابه "الروح": "قال كثير من المعتزلة لا يجوز تسمية ملائكة اللَّه تعالى بمنكر ونكير وإنما المنكر ما يبدو من تلجلجه أي الميت إذا سئل والنكير تقريع الملكين له" (٦). قلت: فلهذا فال الناظم: (ولا تنكرن) ووصف المنكر لذلك بالحهل. وقد قال الإمام أحمد: "نؤمن بعذاب القبر وبمنكر ونكير فروجع في منكر ونكير فقال: هكذا هو" (٧) -يعني أنهما منكر ونكير-.

стр. 522

وأيضًا قصد الناظم بما ذكر الإشارة إلى إثبات عذاب القبر وأن الإيمان به واجب وكذا الإيمان بمنكر ونكير. قال أبو المعالي (١) من علمائنا: "وعذاب القبر وإحياء الموتى في قبورهم ومسآءلة منكر ونكير لهم ثابت وواجب القول به وأنه يعذب بعد أن ترد الروح إليه فعذاب القبر حق وحكمة وعدل على الجسم والروح يشتركان فيه كما اشتركا في المعصية وإن كان نعيم كان كذلك على الجسم والروح فيشتركان في النعيم كما اشتركا في الطاعة خلافًا للمعتزلة في إنكارهم عذاب القبر ومسألة منكر ونكير لإعادة الأرواح في القبور. خلافًا لابن جرير في قوله يعذب في قبره من غير أن ترد الروح إليه ويحس بالألم وإن كان غير حي (٢). وقد مر في صحيح الأخبار ما يرد هذا وأمثاله من سائر طوائف أهل الإنكار وباللَّه التوفيق.

стр. 523

الثاني: جاء في رواية سؤال ملكين (١) كما مر وفي أخرى سؤال واحد وفي رواية سؤال ثلاثة، وفي أخرى سؤال أربعة. قال القرطبي: "لا تعارض بين الملكين والواحد بل ذلك بالنسبة إلى الأشخاص فرب شخص يأتيه اثنان معًا فيسألانه معًا عند انصراف الناس ليكون: أهول في حقه وأشد بحسب ما اقترف من الآثام وآخر يأتيانه قبل انصراف الناس عنه تخفيفًا عليه لحصول أنسه بالناس، وآخر يأتيه ملك واحد فيكون أخف عليه وأقل من المراجعة لما قدمه من العمل الصالح". قال: "ويحتمل أن يأتي اثنان ويكون السائل أحدهما وإن اشتركا في الإتيان". فتحمل رواية الاختصار على ذلك الواحد على هذا (٢). وصوبه الجلال السيوطي في كتابه "شرح الصدور" (٣) فإن ذكر الملكين هو الموجود في غالب الأحاديث. وقد ذكر بعض العلماء أن الملائكة الذين ينزلون على الميت في قبره أربعة منكر ونكير وناكور ورومان. وإلى هذا أشار الحافظ جلال الدين السيوطي في أرجوزته: التثبيت في التبييت" (٤) بقوله رحمه اللَّه تعالى:

стр. 524

وقد أتى في مرسل مضعف ... أن السؤال من ثلاثة لفي (١) أو أربع أولئك الأثنان ... والحقوا ناكور مع رومان (٢) وقد اختلفت الأحاديث في كيفية السؤال. وأجاب القرطبي عن ذلك أنه يختلف باختلاف الأشخاص فمنهم من يسأل عن بعض اعتقاداته ومنهم من يسأل عن كلها، ويحتمل أن يكون الاقتصار على بعضها من بعض الرواة وأتى غيره بالحديث تامًا (٣) وصوب هذا السيوطي لاتقاق أكثر الأحاديث عليه (٤). نعم يؤخذ منها خصوصًا من رواية أبي داود عن أنس فما يسأل عن شيء بعدها. وعند ابن مردويه: "فما يسأل عن شيء غيرها أنه لا يسأل عن شيء من التكليفات غير الاعتقاد خاصة. وصرح به في رواية البيهقي من طريق عكرمة عن ابن عباس ﵄

стр. 525

في قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] قال الشهادة يسألون عنها في قبورهم بعد موتهم قيل لعكرمة ما هو؟ قال: يسألون عن الإيمان بمحمد ﷺ وأمر التوحيد" (١). وقد ذكر السيوطي وغيره أنه ورد في رواية عن أنس أن الميت يسأل في المجلس الواحد ثلاث مرات وباقي الروايات ساكتة عن ذلك فتحمل على ذلك أو يختلف الحال بالنسبة إلى بعض الأشخاص (٢). وعن طاووس (٣) رحمه اللَّه تعالى: "أن الموتى يسألون سبعة أيام" (٤). وكذا جاء عن مجاهد (٥) "أن الموتى يفتنون في قبورهم سبعًا وأنهم كانوا يستحبون أن يطعم عن الأموات تلك الأيام" (٦) رواه الإمام أحمد في الزهد وأبو نعيم في الحلية بإسناد صحيح إلا أنه مرسل.

стр. 526

وروى من وجه متصل أيضًا وحكمه الرفع لأنه ليس للرأي (١) فيه مجال، وقد ذكر كل ذلك ورواه الحافظ ابن رجب في كتابه "أهوال القبور" (٢). وذكر عن مجاهد أيضًا "أن الأرواح تمكث في قبورها سبعة أيام" (٣). وقد روى عن عبيد بن عمير (٤) فيما أخرجه عنه ابن جريج "إن المؤمن يفتن سبعة أيام والمنافق يفتن أربعين يومًا" (٥).

стр. 527

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 528

الثالث: عذاب القبر ونعيمه وفتنته والسؤال ولواحق ذلك: من كون القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار واجب الاعتقاد ويأتي في كلام الناظم (١) رحمه اللَّه تعالى. وقد نبه هنا بما ذكره من وجوب الإقرار وعدم الإنكار بالملكين اللذين هما منكر ونكير على ما يشبه ذلك ويلحق به مما جاء في القرآن أو حديث البشير النذير. وقد ذكر اللَّه تعالى عذاب القبر في القرآن العظيم في عدة آيات منها قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ. . .﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾ [الواقعة: ٨٣ - ٩٥]. ذكر الحافظ ابن رجب في أهوال القبور عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: تلا رسول اللَّه ﷺ هذه الآيات قال: "إذا كان عند الموت قيل له هذا فإن كان من أصحاب اليمين أحب لقاء اللَّه وأحب اللَّه لقاءه، وإن كان من أصحاب الشمال كره (لقاء اللَّه وكره اللَّه لقاءه) (٢). وأخرج الإمام أحمد أن النبي ﷺ قال: "من أحب لقاء اللَّه أحب اللَّه لقاءه ومن كره لقاء اللَّه كره اللَّه لقاءه فأكب القوم يبكون قال ما يبكيكم؟ قالوا إنا نكره الموت قال: "ليس ذلك ولكنه إذا حضر فأما إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة نعيم فإذا بشر بذلك أحب لقاء اللَّه واللَّه للقائه أحب، وأما إن كان من

стр. 529

المكذبين الضالين فنزل من حميم وتصلية جحيم فإذا بشر بذلك كره لقاء اللَّه واللَّه للقائه أكره" (١). وقال المحقق ابن القيم في كتابه "الروح" من المواضع التي ذكر نعيم القبر وعذابه في القرآن المجيد قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ. .﴾ [الأنعام: ٩٣]. وهذا خطاب لهم عند الموت قطعًا. وقد أخبرت الملائكة وهم الصادقون أنهم حينئذ يجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على اللَّه غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون ولو تأخر عنهم ذلك إلى انقضاء الدنيا لما صح أن يقال لهم اليوم تجزون عذاب الهون ومنها قوله تعالى في آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٦] فذكر عذاب الدارين (٢) صرحًا لا يحتمل غيره. ومنها قوله تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (٤٥) يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ (٣) [الطور: ٤٥ - ٤٦].

стр. 530

وأخرج الترمذي عن علي ﵁ أنه قال: "ما زلنا في شك من عذاب القبر حتى نزلت: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢) كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر: ١ - ٤] (١). وقال ابن مسعود ﵁: "المعيشة الضنك هي عذاب القبر إذا مات الكافر أجلس في قبره فيقال له من ربك؟ وما دينك؟ فيقول: لا أدرى فيضيق عليه قبره ثم قرأ (٢) ابن مسعود ﵁: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ [طه: ١٢٤] (٣). وقال البراء بن عازب ﵄ في قوله تعالى: ﴿عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ [الطور: ٤٧] عذاب القبر" (٤). وروى عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ. .﴾ [السجدة: ٢١] عذاب القبر" (٥).
следующие страницы →