← Акыда

Акыда · id 16618

لوائح الأنوار السنية ولواقح الأفكار السنية

السفاريني

Полный текст (799 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

وروى من وجه متصل أيضًا وحكمه الرفع لأنه ليس للرأي (١) فيه مجال، وقد ذكر كل ذلك ورواه الحافظ ابن رجب في كتابه "أهوال القبور" (٢). وذكر عن مجاهد أيضًا "أن الأرواح تمكث في قبورها سبعة أيام" (٣). وقد روى عن عبيد بن عمير (٤) فيما أخرجه عنه ابن جريج "إن المؤمن يفتن سبعة أيام والمنافق يفتن أربعين يومًا" (٥).

стр. 527

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 528

الثالث: عذاب القبر ونعيمه وفتنته والسؤال ولواحق ذلك: من كون القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار واجب الاعتقاد ويأتي في كلام الناظم (١) رحمه اللَّه تعالى. وقد نبه هنا بما ذكره من وجوب الإقرار وعدم الإنكار بالملكين اللذين هما منكر ونكير على ما يشبه ذلك ويلحق به مما جاء في القرآن أو حديث البشير النذير. وقد ذكر اللَّه تعالى عذاب القبر في القرآن العظيم في عدة آيات منها قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ. . .﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾ [الواقعة: ٨٣ - ٩٥]. ذكر الحافظ ابن رجب في أهوال القبور عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: تلا رسول اللَّه ﷺ هذه الآيات قال: "إذا كان عند الموت قيل له هذا فإن كان من أصحاب اليمين أحب لقاء اللَّه وأحب اللَّه لقاءه، وإن كان من أصحاب الشمال كره (لقاء اللَّه وكره اللَّه لقاءه) (٢). وأخرج الإمام أحمد أن النبي ﷺ قال: "من أحب لقاء اللَّه أحب اللَّه لقاءه ومن كره لقاء اللَّه كره اللَّه لقاءه فأكب القوم يبكون قال ما يبكيكم؟ قالوا إنا نكره الموت قال: "ليس ذلك ولكنه إذا حضر فأما إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة نعيم فإذا بشر بذلك أحب لقاء اللَّه واللَّه للقائه أحب، وأما إن كان من

стр. 529

المكذبين الضالين فنزل من حميم وتصلية جحيم فإذا بشر بذلك كره لقاء اللَّه واللَّه للقائه أكره" (١). وقال المحقق ابن القيم في كتابه "الروح" من المواضع التي ذكر نعيم القبر وعذابه في القرآن المجيد قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ. .﴾ [الأنعام: ٩٣]. وهذا خطاب لهم عند الموت قطعًا. وقد أخبرت الملائكة وهم الصادقون أنهم حينئذ يجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على اللَّه غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون ولو تأخر عنهم ذلك إلى انقضاء الدنيا لما صح أن يقال لهم اليوم تجزون عذاب الهون ومنها قوله تعالى في آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٦] فذكر عذاب الدارين (٢) صرحًا لا يحتمل غيره. ومنها قوله تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (٤٥) يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ (٣) [الطور: ٤٥ - ٤٦].

стр. 530

وأخرج الترمذي عن علي ﵁ أنه قال: "ما زلنا في شك من عذاب القبر حتى نزلت: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢) كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر: ١ - ٤] (١). وقال ابن مسعود ﵁: "المعيشة الضنك هي عذاب القبر إذا مات الكافر أجلس في قبره فيقال له من ربك؟ وما دينك؟ فيقول: لا أدرى فيضيق عليه قبره ثم قرأ (٢) ابن مسعود ﵁: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ [طه: ١٢٤] (٣). وقال البراء بن عازب ﵄ في قوله تعالى: ﴿عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ [الطور: ٤٧] عذاب القبر" (٤). وروى عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ. .﴾ [السجدة: ٢١] عذاب القبر" (٥).

стр. 531

وكذا قال قتادة (١) والربيع بن أنس (٢) في قوله تعالى: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ [التوبة: ١٠١] إحداهما في الدنيا والأخرى عذاب القبر" (٣). قال الحافظ ابن رجب وغيره من الحفاظ قد تواترت الأحاديث عن النبي ﷺ في عذاب القبر (٤). ففي الصحيحين من حديث عائشة قالت: سألت رسول اللَّه ﷺ عن عذاب القبر قال: "نعم عذاب القبر حق" (٥). وقد ذكرت في كتابي "البحور الزاخرة" (٦) ثم في "لوامع الأنوار" (٧) من ذلك ما يكفي ويشفي. الرابع: ففي كلام الناظم رحمه اللَّه تعالى تنبيه وإشارة إلى ذم من أنكر أمر منكر ونكير (وخدمتهما) (٨) من سؤالهما الموتى ومتعلقات ذلك وأن إنكار ذلك

стр. 532

جهل وسفه لثبوته عن المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى مع عدم استحالة ذلك عقلًا وأنكرت الملاحدة والزنادقة عذاب القبر وضيقه وسعته، وكونه حفرة من حفر النار، أو روضة من رياض الجنة، وأنكروا جلوس الميت في قبره، قالوا وقد وضعنا على صدر الميت زئبقًا ثم كشفنا عليه فوجدناه بحاله، قالوا ولم نجد فيه ملائكة يضربون الموتى بمطارق الحديد، ولا حيات ولا عقارب، ولا نيرانًا وأجلبوا (١) وأجنبوا (٢) من مثل هذه (الوساوس) (٣) والترهات، والحوادس والتشكيكات، وقال إخوانهم من أهل البدع والضلال والإفك والاعتزال: كل حديث يخالف مقتضى العقول نقطع بتخطئة ناقله، وأكثر أهل الاعتزال والبدع والضلال من مثل هذا الهذيان والزور والبهتان، وقد تصدى لرد مقالاتهم وكشف ضلالاتهم أئمة الدين من العلماء المحققين والفضلاء المدققين، وأقاموا الحجج والبراهين على قمع المفترين وقلع عين الشاكين منهم المحقق ابن القيم شمس الدين في كتابه "الروح" (٤) فأجاب عن شبههم بعدة أجوبة. منها أن الرسل عليهم الصلاة والسلام لم تخبر بما تحيله العقول بل أخبارهم قسمان: أحدهما ما يشهد العقل والفطرة السليمة به. والثاني ما لا تدركه العقول بمجردها كالغيوب التي أخبروا بها عن تفاصيل البرزخ واليوم الآخر والثواب والعقاب فلا يكون خبرهم محالًا في العقول أصلًا

стр. 533

فتأتي الأنبياء ﵈ بمحارات العقول، لا بمحالاتها، فكل ما يظن أن العقل يحيله فلا خلو من أحد أمرين: إما خطأ في النقل أو خبل في العقل فتكون شبهة خيالية ظن صاحبها أنها أمر عقلي صريح، والحال أنه خيال وهمي غير صحيح، كما قال تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾ الآية [سبأ: ٦]. وأما الذين في قلوبهم زيغ فلا يزدادون إلا رجسًا إلى رجسهم. ومنها أن اللَّه تعالى جعل الدور ثلاثًا؛ دار الدنيا ودار البرزخ ودار القرار وجعل لكل دار أحكامًا تختص بها، وركب هذا الإنسان من بدن ونفس وجعل أحكام الدنيا على الأبدان والأرواح تبع لها، ولهذا جعلت أحكام الشريعة مرتبة على ما يظهر من حركات الإنسان والجوارح وإن أضمرت النفوس خلافه فالعقوبات الدنيوية تقع على البدن الظاهر وتتألم الروح بالتبعية، وجعلت أحكام البرزخ على الأروح والأبدان تبع لها فكما تبعت الأرواح الأبدان في أحكام الدنيا فتألمت بألمها والتذت براحتها ولذاتها، وكانت الأبدان هي المباشرة لأسباب النعيم والعذاب فكذلك تبعت الأبدان الأرواح في نعيمها وعذابها وكان العذاب والنعيم على الروح ولها بالأصالة والأبدان تابعة للأرواح في ذلك عكس دار الدنيا فإذا كان يوم حشر الأجساد وقيام الناس من قبورهم لدار القرار والمعاد صار الحكم من النعيم والعذاب وغيرهما على الأرواح والأجساد باديًا ظاهرًا أصلًا فما أخبر به الرسول من عذاب القبر ونعيمه من هذ القبيل فإذا ظهر للفهم السليم طابق العقل المستقيم. فالنار التي في القبر ليست من جنس نار الدنيا فيشاهدها من شاهد نار الدنيا وإنما هي من نار الآخرة فهي وإن كانت أشد من نار الدنيا إلا إن شدتها على من هي له وعليه دون من مسها من أهل الدنيا بل ربما دفن الميتان في قبر واحد فيكون

стр. 534

أحدهما في روضة ونعيم والآخر في حفرة وعذاب أليم وفي قدرة الحكيم المالك أعظم وأعجب من ذلك وإن كان الضالون لا يشعرون حتى أنه تعالى يحدث في هذا الدار ما يدل على ذلك بل وأعجب من ذلك، فهذا جبريل ﵇ كان ينزل على النبي ﷺ ويتمثل له رجلًا فيكلمه بكلام يسمعه ومن إلى جنب النبي ﷺ لا يراه ولا يسمع كلامه وكذلك غيره من الأنبياء وكانت الملائكة تضرب الكفار بالسياط وتضرب رقابهم وتصيح بهم والمسلمون معهم لا يرونهم ولا يسمعون كلامهم. والحق جل شأنه حجب ابن آدم عن كثير مما يحدث في الأرض فكان جبريل يدارس النبي ﷺ القرآن والحاضرون لا يسمعونه، وكيف يستنكر من عرف اللَّه وأقر بقدرته أن يحدث حوادث يصرف عنها أبصار خلقه وأسماعهم حكمة منه ورحمة بهم لأنهم لا يطيقون رؤيتها وسماعها فالعبد أضعف بصرًا وسمعًا من أن يثبت لمشاهدة عذاب القبر وقد أشهد اللَّه تعالى ذلك بعض عباده فغشي عليهم ولم ينتفعوا بالعيش زمانًا وبعضهم كشف قناع قلبه فمات. . . وسر المسألة أن توسعة القبر وضيقه وإضاءته وخضرته وناره وحياته وعقاربه ليس من جنس المعهود في هذا العالم والمولى الحكيم إنما أشهد عباده هذه الدار وما كان فيها ومنها، وأما ما كان من أمر الآخرة فقد أسبل اللَّه عليه الغطا ليكون الإقرار به والإيمان سببًا لسعادتهم ولو كشف عنه الغطا لكان مشاهدًا عيانًا وفاتت نتيجة الإيمان بالغيب وما يترتب على ذلك من جزيل الثواب (١). والحاصل أن كلما أخبر به الصادق المصدوق وجب الإيمان به وقد تواتر عنه

стр. 535

ذلك ولم تحله العقول بل هو داخل في حيز الإمكان وما كان كذلك فانكاره إلحاد. ولهذا قال سيدنا الإمام أحمد ﵁: "عذاب القبر حق لا ينكره إلا ضال مضل" (١). وقال حنبل قلت لأبي عبد اللَّه في عذاب القبر فقال: "هذه أحاديث صحاح نؤمن بها ونقر بها كلما جاء عن النبي ﷺ إسناد جيد أقررنا به إذا لم نقر بما جاء به الرسول ودفعناه ورددناه رددنا على اللَّه أمره قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧] قلت وعذاب القبر حق. قال: حق يعذبون في القبور، قال حنبل: وسمعت أبا عبد اللَّه يقول: نؤمن بعذاب القبر وبمنكر ونكير وما يروى في عذاب القبر" (٢). "قلت: هذه اللفظة نقول منكر ونكير هكذا ونقول ملكين؟ قال: منكر ونكير قلت: يقولون ليس في حديث منكر ونكير. قال: هو هكذا -يعني إنه ثابت منكر ونكير" (٣). قال المحقق ابن القيم في الروح: "وأما أئمة أهل البدع والضلال كأبي هذيل العلاف (٤) وبشر المريسي (٥) ومن وافقهما (من) (٦) خرج عن سمة الإيمان فإنه يعذب

стр. 536

بين النفختين، قالا والمسألة في القبر إنما تقع في ذلك الوقت. وأما أبو على الجبائي (١) وابنه أبو هاشم (٢) والبلخي (٣) فأثبتوا عذاب القبر لكنهم نفوه عن المؤمنين وأثبتوه لأصحاب التخليد من الكفار والفساق على أصولهم (٤) واللَّه تعالى الموفق. ثم أشار الناظم إلى إثبات حوض المصطفى ﷺ فقال: (ولا) تنكرن أيضًا جهلًا وعنادًا وسفهًا وإلحادًا (الحوض) وأل فيه للعهد وبدلًا عن الإضافة أي حوض النبي المصطفى نبينا محمد ﷺ فإنه حق ثابت بإجماع أهل الحق وسنده من الكتاب قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١]. وفي السنة ما هو مشهور بل متواتر، قال الحافظ جلال الدين السيوطي في كتابه "البدور السافرة" (٥) ورد ذكر الحوض من رواية بضعة وخمسين صحابيًا منهم الخلفاء الأربعة الراشدون وحفاظ الصحابة المكثرون وغيرهم (٦) رضوان اللَّه عليهم أجمعين".

стр. 537

قال القرطبي في "تذكرته": "لا يخطر ببالك أو يذهب وهمك إلى أن الحوض يكون على وجه هذه الأرض وإنما يكون وجوده على الأرض المبدلة على (مسافة) (١) الأقطار الآتي ذكرها في المواضع التي تكون بدلًا من هذه الأرض وهى أرض بيضاء كالفضة لم يسفك عليها دم ولم يظلم على ظهرها أحد قط" (٢). وقد أخرج الشيخان وغيرهما من حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "حوضي مسيرة شهر ماؤه أبيض من اللبن وريحه أطيب من المسك وكيزانه كنجوم السماء من شرب منه لا يظمأ أبدًا". وفي رواية: "حوضي مسيرة شهر وزواياه سوا وماؤه أبيض من الورق" وهو في الصحيحين أيضًا (٣). وأخرج الإمام أحمد بسند صحيح وابن حبان في صحيحه واللفظ للإمام أحمد عن أبي أمامة أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إن اللَّه وعدني أن يدخل من أمتي سبعين ألفًا بغير حساب" فقال يزيد بن الأخنس: واللَّه ما أولئك في أمتك إلا كالذباب الأصهب في الذباب. فقال النبي ﷺ : "قد وعدني سبعين ألفًا مع كل ألف سبعين ألفًا وزاد في ثلاث حثيات" قال: فما سعة حوضك يا رسول اللَّه؟ قال: "كما بين

стр. 538

عدن إلى عمان وأوسع وأوسع" يشير بيده قال فيه مثعبان -أي بضم الميم والعين المهملة بينهما مثلثة وآخره موحدة هو مسيل الماء- (١) من ذهب وفضة قال فما حوضك يا نبي اللَّه؟ قال: "أشد بياضًا من اللبن وأحلى من العسل وأطيب رائحة من المسك من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها ولم يسود وجهه أبدًا" (٢). وروى ابن أبي عاصم (٣) وغيره من حديث أبي بن كعب أن رسول اللَّه ﷺ قيل له ما الحوض؟ قال: "والذي نفسي بيده إن شرابه أبيض من اللبن وأحلى من العسل وأبرد من الثلج وأطيب ريحًا من المسك وآنيته أكثر عددًا من النجوم لا يشرب منه إنسان فيظمأ أبدًا ولا يصرف عنه إنسان فيروى أبدًا" (٤). ففى هذا الحديث إن من لم يشرب من حوض النبي ﷺ من أمته لا يزال متصفا بالظمأ أبدا، وروى نحوه البزار والطبراني من حديث أنس ﵁

стр. 539

مرفوعًا وفيه: "من شرب منه شربة لم يظمأ أبدًا ومن لم يشرب منه لم يرو أبدًا" (١) وأخرج الطبراني أيضًا نحوه في الأوسط من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ مرفوعًا (٢). وفي ذلك عدة أحاديث. واللَّه أعلم. تنبيهات: الأول: اختلفت الروايات في تحديد الحوض وتقديره اختلافًا كثيرًا ففي حديث عبد اللَّه ابن عمرو بن العاص أنه مسيرة شهر وزواياه سواء وفي رواية عند الإمام أحمد أنه كما بين عدن وعمان. وفي رواية في الصحيحين ما بين صنعاء والمدينة، وفي رواية لهما أيضًا ما بين المدينة وعمان، وفي رواية ما بين أيلة ومكة، وعند ابن ماجة ما بين المدينة إلى بيت المقدس، وفي رواية ما بين جربا وأذرح. قال في القاموس: "جربا قرية بجنب أذرح وغلط من قال بينهما ثلاثة أيام، وإنما الوهم من رواة الحديث من إسقاط زيادة ذكرها الدارقطنى وهي "ما بين ناحيتي حوضي كما بين المدينة وجربا وأذرح" (٣) انتهى. وفي رواية ما بين أيلة وصنعاء اليمن وهو في الصحيحين قال في جامع الأصول عن كون حوضه ﷺ ما بين جنبيه كما بين جربا وأذرح، رواه البخاري ومسلم وأبو داود (٤).

стр. 540

قال بعض الرواة: هما قريتان في الشام بينهما مسيرة ثلاث ليال (١)، وفي لفظ ثلاثة أيام. وقدمنا ما فيه آنفًا، وفي مسلم والترمذي مثل ما بين عدن إلى عمان البلقاء. . . قال بعض العلماء: "وهذا الاختلاف والاضطراب لا يوجب الضعف لأنه من اختلاف التقدير والتحديد لا من الاختلاف في الرواية لأن ذلك لم يقع في حديث واحد فيعد (اضطرابًا) (٢) وإنما جاء في أحاديث مختلفة من غير واحد من الصحابة وقد سعموه في مواطن متعددة وكان النبي ﷺ -يمثل لكل قوم الحوض بحسب ما يعلم المتكلم ويفهم السائل وبحسب ما يسنح له ﷺ من العبارة ويحدد الحوض بحسب ما يفهم الحاضرون من الإشارة" (٣). قال الحافظ ابن حجر: هذا الاختلاف المتباعد الذي يزيد تارة على ثلاثين يومًا وينقص إلى ثلاثة أيام لا يصلح أن يكون من ضرب المثل في التقدير لأنه إنما يكون فيما يتقارب" (٤). ورد عليه بأن رواية ثلاثة أيام اعترف هو نفسه بأنها غلط فلا يتوجه الاعتراض بها (٥).

стр. 541

وقال النووي: "ليس في ذكر المسافة القليلة ما يدفع المسافة الكثيرة فالأكثر ثابت بالحديث الصحيح فلا معارضة" (١). وقال بعضهم يحمل القصير على العرض والطويل على الطول. قلت ويرد هذا رواية: "زواياه سواء" كما في الصحيحين وأوضح من هذا ما في رواية: "طوله وعرضه سواء". وقال بعضهم بل سبب الاختلاف ملاحظة سرعة السير وعدمها فقد عهد في الناس من يقطع مسافة عشرة أيام في ثلاثة أيام وعكسه وأكثر من ذلك وأقل (٢). والمقصود أنه حوض عظيم متسع كبير جدًا له زوايا وأباريق وأواني كثيرة جدًا ماؤه أبيض من اللبن وأحلى من العسل وأذكى من المسك يشرب منه المؤمنون فلا يظمأون بعد ذلك أبدًا. وباللَّه التوفيق. الثاني: قال القرطبي: "ذهب صاحب "القوت" (٣) إلى أن الحوض بعد الصراط قال والصحيح أنه قبله وكذا قال الغزالى (٤) ذهب بعض السلف إلى أن الحوض يورد بعد الصراط وهو غلط من قائله (٥).

стр. 542

قال القرطبي والمعنى يقتضي تقديم الحوض على الصراط فإن الناس يخرجون من قبورهم عطاشًا فناسب تقديمه لحاجة الناس إليه (١). قال ابن عباس ﵄ سئل رسول اللَّه ﷺ عن الوقوف بين يدي اللَّه تعالى هل فيه ماء؟ قال إي والذي نفسي بيده إن فيه لماء وإن أولياء اللَّه ليردون إلى حياض الأنبياء ﵈" (٢). ورجح القاضي عياض أن الحوض بعد الصراط (٣). وقال العلامة ابن حمدان في نهاية المبتدئين: "يشرب المؤمنون من (حرض النبي ﷺ ) (٤) قبل دخول الجنة وبعد جواز الصراط" انتهى.

стр. 543

وقال الحافظ ابن حجر: "ظاهر الأحاديث أن الحوض بجانب الجنة لينصب فيه الماء من النهر الذي داخلها فلو كان قبل الصراط لحالت النار بينه وبين الماء الذي يصب من الكوثر فيه". قال: "وأما ما أورد عليه من أن جماعة يدفعون عن الحوض بعد أن يروه ويذهب بهم إلى النار. فجوابه: أنهم يقربون من الحوض بحيث يرونه ويرون (١) فيدفعون في النار قبل أن يخلصوا من بقية الصراط" (٢). وقال القرطبي في تذكرته: "الصحيح أن للنبي ﷺ حوضين أحدهما في الموقف قبل الصراط والثاني في الجنة وكلاهما يسمى كوثرًا والكوثر في كلام العرب الخير الكثير" (٣). قال الجلال السيوطي وقد ورد التصريح في حديث صحيح عند الحاكم وغيره بأن الحوض بعد الصراط (٤).

стр. 544

فإن قيل إذا خلصوا من الموقف دخلوا الجنة فلم يحتاجوا إلى الشرب منه فالجواب: بل يحتاجون إلى ذلك لأنهم إذا خلصوا حبسوا هناك لأجل مظالم عليهم فيما بينهم فكان الشرب في موقف القصاص لأجل ما يلقونه من العتاب والخلاص ويحتمل الجمع بأن يقع الشرب من الحوض قبل الصراط لقوم وتأخيره بعده لآخرين بحسب ما عليهم من الذنوب والأوزار، حتى يهذبوا منها على الصراط ولعل هذا أقوى" (١) انتهى. قال العلامة الشيخ مرعي (٢) في "بهجته": "وهذا في غاية التحقيق جامع للقولين وهو دقيق" وباللَّه التوفيق (٣).

стр. 545

الثالث: خالفت المعتزلة فلم تقر بإثبات الحوض مع ثبوته بالسنة بالصحيحة الصريحة بل وبظاهر القرآن ففي صحيح البخاري من حديث همام عن قتادة عن أنس ابن مالك ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "بينا أنا أسير في الجنة إذ أنا بنهر حافتاه قباب اللؤلؤ المجوف فقلت ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاك ربك قال فضرب الملك بيده فإذا طينه مسك أذفر" (١). وفي صحيح مسلم عنه مرفوعًا: "الكوثر نهر في الجنة وعدنيه ربي " (٢). وفي حادي الأرواح للمحقق ابن القيم قدس اللَّه روحه عن أنس ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "دخلت الجنة فإذا بنهر يجري حافتاه خيام اللؤلؤ فضربت بيدي إلى ما يجري فيه من الماء فإذا أنا بمسك أذفر فقلت لمن هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاك اللَّه " (٣). وفي سنن الترمذي عن عبد اللَّه بن عمر ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "الكوثر نهر في الجنة حافتاه من ذهب ومجراه على الدر والياقوت تربته أطيب من المسك وماؤه أحلى من العسل وأبيض من الثلج" (٤). قال الترمذي: "حديث حسن صحيح".

стр. 546

إذا علمت هذا مع ما قدمناه من الأحاديث الصحيحة بالألفاظ الصريحة فمن خالف في الحوض ولم يقر بإثباته فهو مبتدع ولم نكفره لأن ثبوته بالقرآن فيه احتمال وليس بصريح. وأما قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١] ففيه اختلاف هل هو الحوض أو الخير الكثير أو النهر الذي في الجنة كما قدمنا (١). نعم الحوض ثابت بالسنة المتواترة وظاهر الكتاب وإجماع أهل الحق فمنكره زائغ عن الصواب مستحق للطرد عنه وكفى بذلك خزي وعذاب (٢).

стр. 547

وفي حديث أبي برزة ﵁ وقد سئل أسمعت رسول اللَّه يذكر في الحوض شيئًا؟ قال أبو برزة ﵁: "لا مرة ولا مرتين ولا ثلاثًا ولا أربعًا ولا خمسًا فمن كذّب به فلا سقاه اللَّه منه" (١). ومن ثم قال العلماء ﵃: "إن ممن يذاد عن حوض النبي ﷺ جنس المفترين على اللَّه وعلى رسوله ﷺ الكذب المحدثين في الدين ما ليس منه من الخوارج والروافض والجهمية وسائر أصحاب الأهواء المخلة، والبدع المضلة، وكذا المسرفون من الظلمة المفرطون في الظلم والجور وطمس الحق، وكذا المتهتكون (٢) في ارتكاب المناهي، والمعلنون في اقتراف المعاصي. . . " (٣). ففي صحيح مسلم من حديث أنس ﵁: "هل تدرون ما الكوثر؟ هو نهر أعطانيه ربي في الجنة عليه خير كثير ترد عليه أمتي يوم القيامة آنيته عدد الكواكب يختلج (٤) العبد منهم فأقول يا رب إنه من أمتي (فيقول) (٥) إنك لا تدري ما أحدث بعدك" (٦). وفي صحيح مسلم أيضًا من حديث حذيفة بن اليمان ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "ليردن على الحوض أقوام فيختلجون دوني فأقول ربي أصحابي رب

стр. 548

أصحابي فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك" (١). وأخرج الإمام أحمد والطبراني والبزار عن ابن عباس ﵄ سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "أنا فرطكم على الحوض فمن ورد أفلح ويجاء بأقوام فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول يا رب يا رب فيقال ما زالوا بعدك مرتدين على أعقابهم" (٢). وأخرج الحكيم (٣) في نوادر الأصول عن عثمان بن مظعون ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "يا عثمان لا ترغب عن سنتي فمن رغب عن سنتي ثم مات قبل أن يتوب ضربت الملائكة وجهه عن حوضي يوم القيامة" (٤). وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "يرد عليّ يوم القيامة رهط من أصحابي -أو قال من أمتي- فَيُحَلأون عن الحوض فأقول يا رب أصحابي (فيقول إنه) لا علم لك ما أحدثوا بعدك إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى" (٥). وفي رواية: "فيجلون".

стр. 549

قال في جامع الأصول: "اختلجوا": استلبوا وأخذوا بسرعة". وقوله: فيحلأون: يعني مبنيًا للمفعول: أي يدفعون عن الماء ويطردون عن وروده، إذا كان بالحاء المهملة ومن رواه بالجيم فهو من الجلاء وهو النفي عن الوطن وهو راجع إلى الطرد" (١). وفي رواية عند البخاري أن رسول اللَّه ﷺ قال: "بينا أنا قائم على الحوض إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال: هلم. قلت: إلى أين؟ قال: إلى النار واللَّه. قلت: ما شأنهم؟. قال: إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقهرى. ثم إذا زمرة أخرى حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال لهم: هلم. قلت: إلى أين؟ قال: إلى النار واللَّه. قلت: ما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا على أدبارهم فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل (٢) النعم" (٣). وفي الصحيحين من حديث أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵄ قالت، قال رسول اللَّه ﷺ : "إني على الحوض انتظر من يرد عليّ منكم وسيؤخذ أُناس دوني فأقول يارب مني ومن أمتي فيقال هل شعرت ما عملوا بعدك واللَّه ما برحوا يرجعون على أعقابهم" (٤) ورواه الشيخان -أيضًا- من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ وزاد: "فأقول سحقًا سحقًا لمن بدل بعدي" (٥).

стр. 550

قال القرطبي ﵀ قال علماؤنا: "كل من ارتد عن دين اللَّه أو أحدث فيه ما لا يرضاه اللَّه ولم يأذن به فهو من المطرودين عن الحوض وأشدهم طردًا من خالف جماعة المسلمين كالخوارج والروافض والمعتزلة على اختلاف فرقهم فهؤلاء كلهم مبدلون، ثم الطرد قد يكون في حال ويقربون بمد المغفرة إن كان التبديل في الأعمال ولم يكن في العقائد قال: وقد يقال إن أهل الكبائر يردون ويشربون وإذا دخلوا النار بعد ذلك لم يعذبوا بالعطش (١) انتهى. فأهل البدع مطرودون عن حوض النبي ﷺ ومردودون عن الشرب منه واللَّه أعلم. الرابع: جاء في الأخبار أن لكل نبي حوضًا. فأخرج الترمذي من حديث سمرة بن جندب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن لكل نبي حوضًا ترده أمته وإنهم يتباهون أيهم أكثر واردة (٢) وإنى أرجو أن أكون أكثرهم واردة" (٣). وورد في بعض الأخبار "أن لكل نبي حوضًا إلا صالحًا ﵇ فإن حوضه ضرع ناقته" (٤). وباللَّه التوفيق ولا تنكرن جهلًا وعنادًا (الميزان) الذي توزن به الحسنات والسيئات لأنه حق ثابت بالكتاب والسنة وإجماع أهل الحق. أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ

стр. 551

شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]. وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠) نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ [القارعة: ٦ - ١١]. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [الأعراف: ٩]. وفي صدر الآية: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ [الأعراف: ٨]. وأما السنة فبلغت مبلغ التواتر وسنذكر طرفًا منها قريبًا. وأما الإجماع فأجمع أكابر محققي هذه الأمة من أهل السنة (١) بأن الإيمان بثبوت الوزن والميزان حق واجب وفرض لازب (٢) لثبوته بالسماع وعدم استحالة ذلك عقلًا (٣).

стр. 552

وهو من مراتب المعاد الواجب اعتقادها على جميع العباد وهي البعث والنشور ثم (١) القيام لرب العالمين ثم العرض ثم تطاير الصحف وأخذها باليمين والشمال ثم السؤال والحساب ثم الميزان. قال علماؤنا كغيرهم: نؤمن لأن بالميزان الذي توزن به الحسنات والسيئات حق قالوا وله لسان وكفتان توزن به صحائف الأعمال. قال العلامة الشيخ مرعي (٢) في بهجته: "الصحيح أن المراد بالميزان الميزان الحقيقى لا مجرد العدل خلافًا لبعضهم" (٣). وقال أبو المعالى (٤) من علمائنا في عقيدته: "واللَّه تعالى يضع ميزانًا يوم القيامة توزن به الصحائف التي تكون فيها أعمال العباد مكتوبة، قال: وله كفتان إحداهما للحسنات وهي تهوي إلى الجنة والأخرى للسيئات وهي تهوي إلى النار، ويجعل رجحان طاعاته علامة على أنه من أهل الجنة وخفتها علامة لشقوته خلافًا لأهل الاعتزال في إنكارهم الميزان، قالوا لا يجوز أن ينصب ميزان أصلًا، قالوا لأن الأعمال أعراض إن أمكن إعادتها لم يمكن وزنها ولأنها مملومة للَّه فوزنها عبثًا. وأجاب بعض أهل الكلام عن كون الأعراض لا توزن بأنه قد ورد في الحديث أن كتب الأعمال هي التي توزن وحينئذ فلا إشكال. وعن الثاني على تقدير كون أفعال اللَّه تعالى معللة بالأعراض لعل في الوزن حكمة لا نطع عليها وعدم اطلاعنا على الحكمة لا يوجب العبث" (٥) انتهى.

стр. 553

وأقول: نهج المعتزلة مباين لنهج الرسول فإن اللَّه تعالى قادر على تجسيم الأعراض والإتيان بها في أحسن صورة وأقبح صورة وهذا غير محال في العقل وقد ثبت به النقل فوجب إعتقاده والمصير إليه كما ستقف على طرف مما ورد من ذلك واللَّه أعلم. ولكون (١) الإيمان بالميزان ذي الكفتين واللسان من معتقدات أهل السنة وإنكاره من شعار أهل الاعتزال. قال الناظم رحمه اللَّه تعالى: (إنك) أيها المستمع لنظامي المتفهم لمنطوق كلامي: (تنصح): بضم المثناة الفوقية وفتح الصاد المهملة بينهما نون ساكنة مبنيًا للمفعول والنصيحة كلمة يعبر بها عن جملة هي إرادة الخير للمنصوح له وليس يمكن أن يعبر عن (هذا) (٢) المعنى بكلمة واحدة تجمع معناه غيرها. وأصل النصح في اللغة الخلوص. يقال نصحته ونصحت له، ومعنى نصيحة اللَّه تعالى صحة الاعتقاد في وحدانيته وإخلاص النية في عبادته، والنصيحة لكتاب اللَّه

стр. 554

تعالى: هو التصديق به والعمل بما فيه، ونصيحة الرسول ﷺ : التصديق بنبوته ورسالته والانقياد لما أمر به والانكفاف عما نهى عنه ونصيحة الأئمة: أن يطاعوا في الحق ولا يرى الخروج عليهم ولو جاروا. ونصيحة عامة المسلمين: إرشادهم إلى مصالحهم وبيان ما يجب عليهم وإيضاح معتقدهم على نهج السلف، ومجانبة الخوض فيما لا تدركه عقولهم من غوامض العلوم (١). إذا عرفت هذا فألق لبك لما أذكره لك من الأخبار وأتحفك به من الآثار. فأخرج الشيخان من حديث أبي هريرة ﵁ عن رسول اللَّه ﷺ قال: "ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند اللَّه جناح بعوضه" ثم قرأ: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ (٢) [الكهف: ١٠٥]. وأخرج البيهقي في البعث عن ابن عمر عن عمر بن الخطاب ﵄ في حديث سؤال جبريل عن الإيمان فال: يا محمد ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن باللَّه وملائكته وكتبه ورسله (وتؤمن بالجنة والنار والميزان وتؤمن بالبعث بعد الموت) (٣) وتؤمن بالقدر خيره وشره قال: فإذا فعلت هذا فأنا مؤمن؟ قال: نعم. قال: صدقت" (٤).

стр. 555

وأخرج الحاكم وصححه وقال على شرط مسلم عن سلمان الفارسي ﵁ عن النبي ﷺ قال: "يوضع الميزان يوم القيامة فلو وزن فيه السموات والأرض لوسعهن فتقول الملائكة يا رب لمن يزن هذا فيقول لمن شئت من خلقي فتقول الملائكة سبحانك ما عبدناك حق عبادتك ويوضع الصراط مثل حد الموس فتقول الملائكة من تجيز على هذا؟ فيقول من شئت من خلقي فيقولون سبحانك ما عبدناك حق عبادتك" (١). وأخرجه الإمام عبد اللَّه بن المبارك في "الزهد" (٢) والآجري في "الشريعة" (٣) عن سلمان موقوفًا. وأخرج أبو الشيخ ابن حيان (٤) عن ابن عباس ﵄ قال: "الميزان له لسان وكفتان" (٥). وأخرج ابن جرير (٦) في تفسيره وابن أبي الدنيا (٧) عن حذيفة ﵁ قال: "صاحب الموازين يوم القيامة جبريل ﵇" (٨).

стр. 556

وقال الحسن البصري (١) رحمه اللَّه تعالى: "هو ميزان له لسان وكفتان وهو بيد جبريل ﵇" (٢). وأخرج ابن مردويه (٣) في تفسيره عن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "خلق اللَّه كفتي الميزان مثل السماء والأرض. فقالت الملائكة: يا ربنا لمن تزن بهذه؟. قال: أزن به من شئت، وخلق اللَّه الصراط كحد السيف فقالت الملائكة: يا ربنا من تجيز على هذا؟ قال: أجيز عليه من شئت" (٤). وروى أن داود ﵇ سأل ربه أن يريه الميزان فلما رآه غشى عليه فلما أفاق قال إلهي من ذا الذي يقدر يملأ كفة حسناته؟ فقال إذا رضيت عن عبدي ملأتها بتمرة" (٥). ذكره البزار (٦) والثعلبي (٧). وقال عبد اللَّه بن سلام ﵁: "إن ميزان رب العالمين ينصب للجن

стр. 557

والإنس يستقبل به العرش إحدى كفتيه على الجنة والأخرى على جهنم لو وضعت السموات والأرض في إحداهما لوسعتهن، وجبريل ﵇ آخذ بعموده ينظر إلى لسانه" (١). ففي هذا أن أعمال الجن توزن كما توزن أعمال الإنس، وكذلك ارتضاه الأئمة (٢) قاله العلامة الشيخ مرعي في "بهجته" (٣). قال القرطبي في "تذكرته": المتقون توضع حسانهم في الكفة النيرة وصغايرهم في الكفة الأخرى فلا يجعل اللَّه لتلك الصغائر وزنا وتثقل الكفة النيرة حتى لا ترتفع وترفع المظلمة ارتفاع الفارغة الخالية". قال: وأما الكفار فيوضع كفرهم وأوزارهم في الكفة المظلمة وإن كان لهم أعمال بر، وضعت في الكفة الأخرى فلا تقاومها إظهارًا لفضل المتقين وذل الكافرين" (٤). وأخرج البزار والبيهقي في البعث عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: "يؤتى بابن آدم يوم القيامة فيوقف بين كفتي الميزان يوكل به ملك، فإن ثقل

стр. 558

ميزانه نادى الملك بصوت يسمع الخلائق: سعد فلان بن فلان، سعادة لا يشقى بعدها أبدًا، وإن خفت موازينة (١) نادى الملك بصوت يسمع الخلائق: ألا شقي فلان بن فلان شقاوة لا يسعد بعدها أبدًا" (٢). وأخرج ابن أبي حاتم (٣) عن ابن عباس ﵄ قال: "يحاسب الناس يوم القيامة فمن كانت حسناته أكثر من سيئاته بواحدة دخل الجنة، ومن كانت سيئاته أكثر من حسناته بواحدة دخل النار، قال: وإن الميزان تخف بمثقال حبة وترجح، ومن استوت حسناته وسيئاته كان من أصحاب الأعراف فوقفوا على الصراط (٤). وأخرج البزار بسند حسن عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ عن الروح الأمين قال: (قال الرب ﵎ (٥): يؤتى بسيئات العبد وحسناته

стр. 559

فيقتص بعضها ببعض فإن بقيت له حسنة واحدة وسع اللَّه له في الجنة (١). وأخرج الحاكم والبيهقي والآجري عن عائشة ﵂ قالت: قلت يا رسول اللَّه هل تذكرون أهليكم يوم القيامة؟ قال: "أما في ثلاث مواطن فلا يذكر أحد أحدًا: حيث يوضع الميزان حتى يعلم أيثقل ميزانه أو يخف، وحيث تطاير الكتب حتى يعلم أين يقع كتابه في يمينه أو شماله أو من وراء ظهره، وحيث يوضع الصراط حتى يعلم ينجو أم لا ينجو" (٢). ورواه الآجري أيضًا عنها ﵂ بلفظ: "قلت يا رسول اللَّه هل يذكر الحبيب حبيبه يوم القيامة؟ قال: " أما عند ثلاث فلا" وذكر الميزان والكتب والثالث حين يخرج عنق من النار فيقول ذلك العنق: وكلت بثلاثة وكلت بالذي دعى مع اللَّه إلها آخر، ووكلت بكل جبار عنيد، وبكل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب (٣).

стр. 560

فوائد: إحداها: أخرج الإمام أحمد في الزهد من طريق رباح بن زيد عن أبي الجراح عن رجل يقال له خازم أن النبي ﷺ نزل عليه جبريل وعنده رجل يبكي، فقال من هذا؟ قال: فلان. قال جبريل ﵇ إنا نزن أعمال بني آدم كلها إلا البكاء، فإن اللَّه يطفي بالدمعة بحورًا من نيران جهنم" (١). وأخرج البيهقي عن مسلم بن يسار (٢) قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ما اغرورقت عين بمائها الا حرم اللَّه سائر ذلك الجسد على النار، ولا سالت قطرة: على خدها فيرهق ذلك الوجه قتر ولا ذلة، ولو أن باكيًا بكى في أمة من الأمم رحموا، وما من شيء إلا له مقدار وميزان إلا الدمعة فإنها يطفأ بها بحار من النار" (٣). الثانية: أخرج الترمذي وحسنه من حديث أنس بن مالك قال: سألت رسول اللَّه ﷺ أن يشفع لي يوم القيامة فقال: "أنا فاعل إن شاء اللَّه. قلت: فأين أطلبك؟ قال: أول ما تطلبني على الصراط. قلت: فإن لم القك على الصراط؟ قال: فاطلبني عند الميزان، قلت: فإن لم القك عند الميزان؟ قال: فاطلبني عند الحوض،

стр. 561

فأني لا أخطئ هذه الثلاثة مواطن" (١) ورواه البيهقي في الشعب وغيره. الثالثة: أخرج أبو داود والترمذي وصححه وابن حبان عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ما من شيء أثقل في الميزان من خلق حسن" (٢). وأخرج أبو نعيم عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ من قضى لأخيه حاجة كنت واقفا عند ميزانه، فإن رجح وإلا شفعت له" (٣). وأخرج البزار والطبراني وأبو يعلى وابن أبي الدنيا والبيهقي بسند حسن عن أنس ﵁ قال: لقي رسول اللَّه ﷺ أبا ذر فقال: "يا أبا ذر ألا أدلك على خصلتين هما خفيفتان على الظهر، وأثقل في الميزان من غيرهما. قال: بلى يا رسول اللَّه، قال: عليك بحسن الخلق، وطول الصمت، فوالذي نفسي بيده ما عمل الخلائق بمثلهما" (٤).

стр. 562

الرابعة: أخرج الأصبهاني (١) عن الليث بن سعد (٢) -رحمه اللَّه تعالى- قال: قال عيسى بن مريم ﵇: "أمة محمد ﷺ أثقل الناس في الميزان ذلت ألسنتهم بكلمة ثقلت (٣) على من كان قبلهم، لا إله إلا اللَّه" (٤). وأخرج أبو داود والترمذي وصححه والنسائي وابن حبان عن ابن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ قال: "خصلتان لا يحافظ عليهما عبد مسلم إلا دخل الجنة هما يسير ومن يعمل بهما قليل يسبح في دبر كل صلاة عشرًا ويحمد عشرًا، ويكبر عشرًا، فذلك خمسون ومائة (باللسان) (٥) وألف وخمسمائة في الميزان، ويكبر أربعًا وثلاثين إذا أخذ مضجعه، ويسبح ثلاثًا وثلاثين ويحمد ثلاثًا وثلاثين، فذلك مائة باللسان، وألف في الميزان وأيكم يعمل في اليوم والليلة ألفين وخمسمائة سيئة" (٦).

стр. 563

وأخرج النسائي والحاكم وصححه عن أبي سلمى قال: قال رسول اللَّه ﷺ "بخ بخ (١) لخمس ما أثقلهن في الميزان: لا إله إلا اللَّه، واللَّه أكبر، وسبحان اللَّه، والحمد للَّه، والولد الصالح يتوفى للمرء فيحتسبه" (٢). وأخرج مثله الإمام أحمد من حديث (أبي أمامة) (٣) والبزار من حديث ثوبان (٤) والطبراني في الأوسط من حديث سفينة ﵃، ولفظ الطبراني "وفرط صالح للرجل" (٥) وهو أعم من الولد.

стр. 564

وأخرج الحاكم عن (أبي الأزهر) (١) الأنماري ﵁ قال: كان رسول اللَّه ﷺ إذا أخذ مضجعه قال: "اللهم اغفر لي، واخسئ شيطاني، وفك رهاني، وثقل ميزاني، واجعلني في الندى (٢) الأعلى" (٣). وأخرج ابن عبد البر (٤) في فضل العلم بسنده عن إبراهيم النخعي (٥) قال: "يجاء بعمل الرجل فيوضع في كفة ميزانه يوم القيامة فيخف، فيجاء بشيء مثل الغمام فيوضع في كفة ميزانه فيرجح، فيقال له: أتدري ما هذا؟ فيقول: لا، فيقال له: هذا فضل العلم الذي كنت تحدثه الناس" (٦). وأخرج ابن المبارك (٧) نحوه عن حماد بن أبي سليمان (٨) قال: "يجيء رجل

стр. 565

يوم القيامة فيرى عمله محتقرًا فبينما هو كذلك إذ جاءه مثل السحاب حتى يقع في ميزانه، فيقال: هذا ما كنت تعلم الناس من خير (فورث بعدك) (١) فأجرت فيه" (٢). الخامسة: وهي من تتمة ما قبلها: أخرج البزار والحاكم عن ابن عمر ﵄ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إن نوحًا ﵇ لما حضرته الوفاة دعا ابنيه، فقال: آمركما بلا إله إلا اللَّه، فإن السموات والأرض وما فيهما لو وضعت في كفة الميزان، ووضعت لا إله إلا اللَّه في الكفة الأخرى كانت أرجح منهما" (٣). وأخرج أبو يعلى (٤)؛ وابن حبان (٥)؛ والحاكم، وصححه عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن رسول اللَّه ﷺ قال: قال موسى يا رب علمني شيئًا
следующие страницы →