← Акыда

Акыда · id 16618

لوائح الأنوار السنية ولواقح الأفكار السنية

السفاريني

Полный текст (799 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

فأني لا أخطئ هذه الثلاثة مواطن" (١) ورواه البيهقي في الشعب وغيره. الثالثة: أخرج أبو داود والترمذي وصححه وابن حبان عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ما من شيء أثقل في الميزان من خلق حسن" (٢). وأخرج أبو نعيم عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ من قضى لأخيه حاجة كنت واقفا عند ميزانه، فإن رجح وإلا شفعت له" (٣). وأخرج البزار والطبراني وأبو يعلى وابن أبي الدنيا والبيهقي بسند حسن عن أنس ﵁ قال: لقي رسول اللَّه ﷺ أبا ذر فقال: "يا أبا ذر ألا أدلك على خصلتين هما خفيفتان على الظهر، وأثقل في الميزان من غيرهما. قال: بلى يا رسول اللَّه، قال: عليك بحسن الخلق، وطول الصمت، فوالذي نفسي بيده ما عمل الخلائق بمثلهما" (٤).

стр. 562

الرابعة: أخرج الأصبهاني (١) عن الليث بن سعد (٢) -رحمه اللَّه تعالى- قال: قال عيسى بن مريم ﵇: "أمة محمد ﷺ أثقل الناس في الميزان ذلت ألسنتهم بكلمة ثقلت (٣) على من كان قبلهم، لا إله إلا اللَّه" (٤). وأخرج أبو داود والترمذي وصححه والنسائي وابن حبان عن ابن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ قال: "خصلتان لا يحافظ عليهما عبد مسلم إلا دخل الجنة هما يسير ومن يعمل بهما قليل يسبح في دبر كل صلاة عشرًا ويحمد عشرًا، ويكبر عشرًا، فذلك خمسون ومائة (باللسان) (٥) وألف وخمسمائة في الميزان، ويكبر أربعًا وثلاثين إذا أخذ مضجعه، ويسبح ثلاثًا وثلاثين ويحمد ثلاثًا وثلاثين، فذلك مائة باللسان، وألف في الميزان وأيكم يعمل في اليوم والليلة ألفين وخمسمائة سيئة" (٦).

стр. 563

وأخرج النسائي والحاكم وصححه عن أبي سلمى قال: قال رسول اللَّه ﷺ "بخ بخ (١) لخمس ما أثقلهن في الميزان: لا إله إلا اللَّه، واللَّه أكبر، وسبحان اللَّه، والحمد للَّه، والولد الصالح يتوفى للمرء فيحتسبه" (٢). وأخرج مثله الإمام أحمد من حديث (أبي أمامة) (٣) والبزار من حديث ثوبان (٤) والطبراني في الأوسط من حديث سفينة ﵃، ولفظ الطبراني "وفرط صالح للرجل" (٥) وهو أعم من الولد.

стр. 564

وأخرج الحاكم عن (أبي الأزهر) (١) الأنماري ﵁ قال: كان رسول اللَّه ﷺ إذا أخذ مضجعه قال: "اللهم اغفر لي، واخسئ شيطاني، وفك رهاني، وثقل ميزاني، واجعلني في الندى (٢) الأعلى" (٣). وأخرج ابن عبد البر (٤) في فضل العلم بسنده عن إبراهيم النخعي (٥) قال: "يجاء بعمل الرجل فيوضع في كفة ميزانه يوم القيامة فيخف، فيجاء بشيء مثل الغمام فيوضع في كفة ميزانه فيرجح، فيقال له: أتدري ما هذا؟ فيقول: لا، فيقال له: هذا فضل العلم الذي كنت تحدثه الناس" (٦). وأخرج ابن المبارك (٧) نحوه عن حماد بن أبي سليمان (٨) قال: "يجيء رجل

стр. 565

يوم القيامة فيرى عمله محتقرًا فبينما هو كذلك إذ جاءه مثل السحاب حتى يقع في ميزانه، فيقال: هذا ما كنت تعلم الناس من خير (فورث بعدك) (١) فأجرت فيه" (٢). الخامسة: وهي من تتمة ما قبلها: أخرج البزار والحاكم عن ابن عمر ﵄ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إن نوحًا ﵇ لما حضرته الوفاة دعا ابنيه، فقال: آمركما بلا إله إلا اللَّه، فإن السموات والأرض وما فيهما لو وضعت في كفة الميزان، ووضعت لا إله إلا اللَّه في الكفة الأخرى كانت أرجح منهما" (٣). وأخرج أبو يعلى (٤)؛ وابن حبان (٥)؛ والحاكم، وصححه عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن رسول اللَّه ﷺ قال: قال موسى يا رب علمني شيئًا

стр. 566

أذكرك وأدعوك به، قال: قل يا موسىى "لا إله إلا اللَّه"، قال: كل عبادك يقول هذا، قال: يا موسى لو أن السموات السبع وعامرهن غيري، والأرضين السبع في كفة، ولا إله إلا اللَّه في كفه، مالت بهن لا إله إلا اللَّه" (١). وأخرج الطبراني عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "والذي نفسي بيده لو جئ بالسموات والأرض ومن فيهن، وما بينهن، وما تحتهن، فوضعت في كفة الميزان، ووضعت شهادة أن لا إله الا اللَّه في الكفة الأخرى، لرجحت بهن" (٢). واللَّه تعالى أعلم. تنبيهات: الأول: الأصح الأشهر أنه ميزان واحد لجميع الأمم ولجميع الأعمال كفتاه كأطباق السموات والأرض (٣) كما مر.

стр. 567

وقيل لكل أمة ميزان (١). وقال الحسن البصري: "لكل واحد من المكلفين ميزان" (٢). واستظهر بعضهم (٣) إثبات موازين يوم القيامة، لا ميزان واحد لظاهر قوله : ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]. وقوله: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ [الأعراف: ٨]. وقال: "لا يبعد على هذا أن يكون لأعمال القلوب ميزان، ولأفعال الجوارح ميزان، ولما يتعلق بالقول ميزان" (٤). ورد هذا ابن عطية (٥) وقال: "الناس على خلافه وإنما لكل واحد وزن مختص به والميزان واحد" (٦).

стр. 568

وقال بعضهم: إنما جمع الموازين في الآية الكريمة لكثرة من توزن أعمالهم، وهو حسن (١) وباللَّه التوفيق. الثاني: اختلف في الموزون (٢) فقيل العبد مع عمله، وقيل الموزون نفس الأعمال، فتصور الأعمال الصالحات بصور حسنة نورانية ثم تطرح في كفة النور، وهي اليمنى المعدة للحسنات فتثقل بفضل اللَّه سبحانه، وتصور الأعمال السيئة بصور قبيحة ظلمانية، ثم تطرح في الكفة المظلمة، وهي الشمال المعدة للسيئات فتخف بعدل اللَّه كما في الحديث وتقدم. فادعاء امتناع قلب الحقائق في مقام خرق العادات غير ملتفت إليه كما لا يخفى وتقدمت الإشارة إليه، وقيل: إن اللَّه تعالى يخلق أجسامًا على عدد تلك الأعمال من غير قلب لها (٣). والصحيح أن الموزون صحف الأعمال. وصححه إمام المغرب ابن عبد البر (٤)؛ والقرطبي (٥)؛ وأبو المعالي في عقيدته. وقال العلامة ابن حمدان (٦) في "نهاية المبتدئين": والميزان الذي توزن به الحسنات والسيئات نص عليه أي الإمام أحمد ﵁ ذكره أبو الفضل التميمي" (٧).

стр. 569

قال: "وإن له لسانًا وكفتين توزن به صحائف الأعمال". وقال ابن عقيل: (١) "توزن فيه أعمال العباد بمعنى أنهم يعرفون مقاديرها عند رجحانه ونقصانه، قال: ويحتمل أن يكون المطروح فيه الصحف لتعذر بقاء الأعمال، وصوبه الشيخ مرعي في بهجته وذهب إليه جمهور المفسرين (٢). وقد سئل ﷺ عما يوزن يوم القيامة، فقال: الصحف (٣). ذكره الفخر الرازي (٤) وغيره. وحكاه ابن عطية عن أبي (٥) المعالي (٦). يؤيد ذلك ما رواه الترمذي وحسنه، وابن ماجة، وابن حبان في صحيحه، والحاكم وصححه، والبيهقي عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إن اللَّه يستخلص رجلًا من أمتي" وفي لفظ: "يصاح برجل من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة فينشر له تسعة وتسعون سجلًا، كل سجل منها مثل مد البصر، فيقول: أتنكر من هذا شيئًا؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يارب، فيقول: أفلك عذر أو حسنة؟ فيقول: لا يارب، فيقول اللَّه:

стр. 570

بلى إن لك عندنا حسنة، وإنه لا ظلم عليك اليوم فتخرج بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، فيقول احضر وزنك، فيقول: يارب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات، فيقال: إنك لا تظلم، فتوضع السجلات في كفة، والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات وثقلت البطاقة فلا يثقل مع اسم اللَّه شيء" (١). فثبت بهذا الحديث الصحيح أن الموزون صحائف الأعمال كما صوبه العلامة الشيخ مرعي في بهجته، وهو الحق (٢). ومثله ما أخرجه سيدنا الإمام أحمد في مسنده بسند حسن عن ابن عمرو أيضًا ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "توضع الموازين يوم القيامة فيؤتى بالرجل فيوضع في كفة ويوضع ما أحصى عليه في كفة فتمايل به الميزان، فيبعث به إلى النار، فإذا أدبر به إذا صايح يصيح من عند الرحمن لا تعجلوا، لا تعجلوا، فإنه قد بقي له فيؤتى ببطاقة فيها لا إله الا اللَّه، فتوضع مع الرجل في كفته حتى تميل به الميزان" (٣).

стр. 571

فإن قيل: قد صرح في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ أن الوزن لنفس بدن الآدمي حيث قال: "إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند اللَّه جناح بعوضة" وتقدم (١). فالجواب: أن هذا ضربه النبي ﷺ مثلا للذي يغتر ببعض الأجسام فهو كناية عن عدم الاكتراث بالأجسام، فإن اللَّه لا ينظر للأجسام والأموال، وإنما ينظر للقلوب والأعمال، فكم من جسم وسيم، وهو عند اللَّه من أصحاب الجحيم، وكم من حقير دميم، وهو من أهل القرب والنعيم (٢).

стр. 572

الثالث: زعم النسفي (١) في بحر الكلام: أن الإيمان لا يوزن لأنه لا ضد له يوضع في الكفة الأخرى، إذ ضده الكفر، والإيمان والكفر لا يجتمعان في الواحد (٢). قلت: ويرد هذا ما قدمناه من وزن كلمة الإخلاص، وهي لا إله إلا اللَّه وهي أس الإيمان. وانتصر كل من الحكيم الترمذي، والقرطبي لما ذكره النسفي، وأجاب الحكيم الترمذي عن كلمة الإخلاص بأنها إنما تكون إيمانًا أول مرة، وبعد ذلك تكون من حسناته، قال: ويدل عليه قوله ﷺ : "بلى إن لك عندنا حسنة ولم يقل إن لك عندنا إيمانًا". وقد سئل ﷺ عن لا إله إلا اللَّه من الحسنات هي فقال: "من أعظم الحسنات" رواه البيهقي وغيره (٣).

стр. 573

قلت: وفيه نظر لا يخفي لأنه ينظر إلى أن الإيمان مجرد التصديق و (هو) (١) خلاف مذهب السلف، فإن الأعمال من الإيمان كما يأتي تحريره. فإن قيل ما الحكمة في الوزن مع إحاطة علم اللَّه بكل شيء حتى خائنة الأعين وما تخفي الصدور؟ فالجواب الحكمة في ذلك تعريف اللَّه عبادة ما لهم عنده من الجزاء من خير أو شر قاله الثعلبي. واختار العلامة الشيخ مرعي أن الحكمة إظهار العدل وبيان الفضل حيث إنه يزن مثاقيل الذر من خير أو شر: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠] (٢). الرابع: ظواهر الآثار وأقوال العماء أن كيفية الوزن في الآخرة خفة، وثقلًا كالدنيا ما ثقل نزل إلى أسفل ثم يرفع إلى عليين وما خف طاش إلى أعلى ثم نزل إلى سجين. وبه صرح جموع منهم القرطبي في تذكرته (٣). وقد أخرج البيهقي في شعب الإيمان من طريق السدي (٤) الصغير عن

стр. 574

الكلبي (١) عن أبي صالح (٢) عن ابن عباس ﵄ قال: "الميزان له لسان وكفتان توزن فيه الحسنات والسيئات، فيؤتى بالحسنات في أحسن صورة فتوضع في كفة الميزان فتثقل على السيئات فتؤخذ فتوضع في الجنة عند منازله، ثم يقال للمؤمن: الحق بعملك فينطلق إلى الجنة فيعرف منازله بعمله، ويؤتى بالسيئات في أقبح صورة فتوضع في كفة الميزان فتخف والباطل خفيف، فتوضع في جهنم إلى منازله منها، ويقال: الحق بعملك إلى النار فيأتى النار فيعرف منازله بعمله وما أعد اللَّه له فيها من ألوان العذاب". قال ابن عباس ﵄: "فلهم أعرف بمنازلهم في الجنة والنار بعملهم من القوم ينصرفون يوم الجمعة راجعين إلى منازلهم" (٣). ففي كلام ابن عباس ﵁ التصريح بما ذكرنا (٤). وزعم بعض المتأخرين أن صفة الوزن تخالف الصفة المعهودة في الدنيا فعمل المؤمن إذا رجح صعد (وأسفلت) (٥) سيئاته والكافر تسفل كفته لخلو الأخرى عن

стр. 575

الحسنات واستدل لما قال بقول ذي العزة والجلال ﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]. والجواب عن الآية الكريمة عدم صحة الاستدلال لأن الرفع يكون بعد الوزن، وثقل الميزان كما قدمنا. وزعم قوم أن صفة الوزن: أن توضع أعمال العباد في الميزان دفعة واحدة الحسنات في كفة النور، وهي عن يمين العرش جهة الجنة والسيئات في كفة الظلمة وهي عن يساره جهة النار، قال: ويخلق اللَّه تعالى لكل إنسان علمًا ضروريًا يدرك به خفة أعماله وثقلها. قلت: وهذا يشبه قول المعتزلة. وقيل: علامة الرجحان عمود نور يقوم من كفة الحسنات حتى يكسو كفة السيئات، وعلامة الخفة عمود ظلمة يقوم من كفة السيئات حتى يكسو كفة الحسنات لكل واحد، وهذا من جنس ما قبله (١). والصواب ما قدمنا واللَّه تعالى أعلم. الخامس: اختلف في الميزان، هل هو خاص بأهل الإيمان، أو عام لسائر أهل الأديان. استدل للأول بظاهر قوله تعالى ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥]. وأجاب عنه من يقول بالعموم -وهو المقبول- بأنه مجاز عن عدم الاعتداد بهم،

стр. 576

وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (١٠٣) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (١٠٤) أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٣ - ١٠٥]. فهذه الآيات في الكفار وتقدم في الحديث. وأما الكفار فيوضع كفرهم وأوزارهم في الكفة المظلمة، وإن كان لهم أعمال بر وضعت في الكفة الأخرى فلا تقاومها. نعم ذكر القرطبي أن الميزان لا يكون في حق كل أحد فإن الذين يدخلون الجنة بغير حساب لا ينصب لهم ميزان، وكذلك من يعجل به إلى النار بغير حساب وهم المذكورون في قوله تعالى ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾ [الرحمن: ٤١] الآية (١). قال الجلال السيوطي في البدور السافرة: "وهذا الذي قاله القرطبي حسن يجمع بين القولين والآيتين، فالفريق الذي يعجل بهم هم الذين لا يقام لهم وزن وبقيت الكفار ينصب لهم الميزان". قال الجلال: "ويحتمل تخصيص الكفار المذكورين بالمنافقين لأنهم هم الذين بيقون في المسلمين، وأهل الكتاب الذين لم يبدلوا بعد لحوق كل أمة بما كانت تعبد كما تقدم في حديث التجلي (٢). وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها". وذكر الغزالي أن السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب، لا ينصب لهم ميزان، ولا يأخذون صحفًا، وإنما هي براءات مكتوبة هذه براءة فلان ابن

стр. 577

فلان (١). واللَّه ولي الإحسان (٢). تتمة: لم يذكر الناظم -رحمه اللَّه تعالى- الصحف ونشرها وأخذها باليمين والشمال، ولا ذكر الصراط ولا الحساب وذلك أنه إنما يشير إلى أمهات مسائل اشتهر فيها خلاف أهل البدع من المعتزلة وغيرهم مما لا يحسن إغفاله في العقائد الدينية، مع أن مما أنكرته المعتزلة أيضًا الصحف، فزعمت المعتزلة أنه عبث مع ثبوتها -كالصراط- بالكتاب والسنة وإجماع أهل الحق. أما الكتاب فعدة آيات منها قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (٩) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (١١) وَيَصْلَى سَعِيرًا (١٢)﴾ [الإنشفاق: ٧ - ١٢]. وفي الآية الأخرى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَه إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ. .﴾ إلى قوله ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩ - ٢٥]. وقال تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٣ - ١٤]. وقال: ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾ [التكوير: ١٠].

стр. 578

ومعنى طائره: عمله (١). وقال مقاتل والكلبي: خيره وشره معه لا يفارقه (٢). وقال الثعلبى في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾ [التكوير: ١٠] أي التي فيها أعمال بني آدم نشرت للحساب، وإنما يؤتى بالصحف إلزامًا للعباد، ورفعًا للجدل والعناد، وأنكرته المعتزلة زعما منهم أنه عبث. وجواب أهل الكلام لهم أفعال اللَّه ليست معللة بالغرض، وعلى تقدير التسليم فلعل في الكتاب حكمة لا نطلع عليها وعدم اطلاعنا عليها لا يوجب العبث. وقد علمت أن من حكمة ذلك إلزام العباد، وقطع معاذيرهم ورفع الجدال مع إعادة الذكر وإحصاء ما في الصحف وتعدادها على العبد وليعلم العبد أنه ما فرط في الكتاب من شيء فيقولون: ﴿يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩] (٣). وأما السنة: فقد أخرج العقيلي (٤) من حديث أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: "الكتب كلها تحت العرش فإذا كان يوم القيامة يبعث اللَّه ريحًا فتطيرها بالأيمان والشمائل أول خط فيها ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٤] (٥).

стр. 579

قال قتادة: (١) "سيقرأ يومئذ من لم يكن قارئًا في الدنيا" (٢). وفي سنن الترمذي وحسنه وصحيح ابن حبان والبيهقي والبزار وابن أبي حاتم عن أبي هريرة ﵁ عنه ﷺ في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء: ٧١]. قال: "يدعى الرجل فيعطى كتابه بيمينه ويمد له في جسمه ستون ذراعًا ويبيض وجهه ويجعل على رأسه تاج من لؤلؤ يتلألأ فينطلق إلى أصحابه فيرونه من بعيد فيقولون: اللهم ائتنا بهذا وبارك لنا في هذا حتى يأتيهم فيقول: أبشروا فإن لكل واحد منكم مثل هذا، وأما الكافر فيسود وجهه، ويمد في جسمه ستون ذراعًا ويجعل على رأسه تاج من نار فيراه أصحابه من بعيد فيقولون: اللهم إنا نعوذ بك من هذا، اللهم لا تأتنا بهذا فيأتيهم فيقولون: اللهم اخزه، فيقول: أبعدكم اللَّه فإن لكل رجل منكم مثل هذا" (٣). وأخرج الترمذي عن أبي هريرة أيضًا ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات فأما عرضتان

стр. 580

فجدال ومعاذير (١) فعند ذلك تطير الصحف في الأيدي فآخذ بيمينه وآخذ بشماله" (٢). وأخرج نحوه ابن ماجة من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ مرفوعًا قال: "وأما الثالثة فتطاير الصحف في الأيدى، فآخذ بيمينه وآخذ بشماله" (٣). وأخرجه البيهقي من حديث ابن مسعود ﵁ مرفوعًا قال: "وأما العرضة الثالثة فتطاير الكتب في الأيمان والشمائل" (٤). قال الحكيم الترمذي: "الجدال للأعداء يجادلون لأنهم لا يعرفون ربهم فيظنون أنهم إذا جادلوه نجوا وقامت حجتهم، والمعاذير للَّه تعالى يعتذر إلى آدم وإلى أنبيائه ويقيم حجته عندهم على الأعداء ثم يبعث بهم إلى النار. والعرضة الثانية للمؤمنين، وهو العرض الأكبر يخلو بهم فيعاتب من (يريد) (٥)

стр. 581

عتابه في تلك الخلوات حتى يذوق وبال الحياء والخجل، ثم يغفر لهم ويرضى عنهم" (١). فوائد: الأولى: قال الإمام الجليل سعيد بن المسيب: (٢) "الذي يأخذ كتابه بشماله تلوي يده خلف ظهره ثم يعطى كتابه" (٣). وقيل: "تنزع من صدره إلى خلف ظهره" (٤). وقال مجاهد (٥) في قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ﴾ [الإنشقاق: ١٠] قال تجعل شماله وراء ظهره فيأخذ بها كتابه" (٦). الثانية: الذي يأخذ كتابه بشماله إما كافر، وإما (فاسقًا) (٧) فإن كان كافرًا أعطي كتابه بشماله من وراء ظهره، بأن تخلع يده أو تدخل من صدره أو تلوى. وإن كان مؤمنًا عاصيًا يعطى كتابه بشماله من أمامه، وأما المؤمن الطائع فيعطى كتابه بيمينه من أمامه (٨).

стр. 582

الثالثة: ورد أن أول من يأخذ كتابه بيمينه من هذه الأمة: أبو سلمة ابن عبد الأسد (١) واسمه عبد اللَّه المخزومي القرشي بن عمة النبي ﷺ برة بنت عبد المطب، "وهو أول من يدخل الجنة من هذه الأمة (٢)؛ وهو أول من هاجر من مكة هو وزوجته أم المؤمنين أم سلمة إلى الحبشة (٣)، وشهد بدرًا، وكان أخا النبي ﷺ ، وأخا حمزة بن عبد المطلب من الرضاعة أرضعتهم ثويبة مولاة أبي لهب، وشهد الشاهد إلى أن مات بالمدينة سنة أربع (٤). وروي أن أول من يأخذ كتابه بشماله: الأسود أخو أبي سلمة المذكور، روي أنه يمد يده ليأخذ كتابه فيجذبه ملك فيخلع يده، فيأخذه بشماله من وراء ظهره (٥) واللَّه تعالى أعلم. وأما الصراط فهو حق ثابت بلا شطاط.

стр. 583

قال العلماء: الصراط في اللغة الطريق الواضح ومنه قول جرير (١): أمير المؤمنين على صراط ... إذا اعوج الموارد مستقيم (٢) وهو بالصاد والسين المهملتين، وبالزاي (على) (٣) نزاع في إخلاصها ومضارعتها بين الصاد والزاي (٤). وفي الشرع: جسر ممدود على متن جهنم يرده الأولون والآخرون، فهو قنطرة جهنم بين الجنة والنار وخلق من حين خلقت جهنم (٥). قال القرطبي في "تذكرته": في الآخرة صراطان: أحدهما مجاز لأهل المحشر كلهم ثقيلهم وخفيفهم. إلا من دخل الجنة بغير حساب. وإلا من يلتقط عنق من النار. فإذا خلص من خلص من هذا الصراط الأكبر المذكور، ولا يخلص عنه إلا المؤمنون الذين علم اللَّه تعالى منهم أن القصاص لا يستنفذ حسناتهم حبسوا على صراط خاص لهم، ولا روجع إلى النار من هؤلاء أحد إن شاء اللَّه تعالى لأنهم قد عبروا الصراط الأول المضروب على متن جهنم الذي يسقط عنه فيها من أوبقته ذنوبه، وزادت على حسناته جرائحه وعيوبه. . " (٦).

стр. 584

فقد أخرج البخاري والإسماعيلي (١) في مشيخته واللفظ له عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ في هذه الآية: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧] قال: "يخلص المؤمنون من النار فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار فيقتص بعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة، فوالذي نفس محمد بيده لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة منه بمنزله في الدنيا" (٢). قال قتادة: "كان يقال: ما يشبه بهم إلا أهل الجمعة انصرفوا من جمعتهم" (٣). قال القرطبي: "هذا في حق من لم يدخل النار من عصاة الموحدين أما من دخلها ثم أخرج منها، فإنهم لا يحبسون بل إذا أخرجوا أبقوا على أنهار الجنة" (٤). وقال (٥) في "الفتح" في قوله: "يخلص المؤمنون من النار" ينجون من السقوط فيها بمجاوزة الصراط فيها.

стр. 585

قال: "واختلف في القنطرة المذكورة فقيل هي من تتمة الصراط وهي طرفه الذي يلي الجنة وقيل إنها صراط آخر وبه جزم القرطبي" (١). واختار الجلال السيوطي في "البدور السافرة" أنه طرف الصراط الذي يلي الجنة للأحاديث (٢) واللَّه أعلم إذا علمت هذا، فقد قال العلماء ﵃ ورحمهم: الصراط أدق من الشعرة وأحدّ من السيف وأحمى من الجمرة، لما رواه للطبراني بإسناد حسن عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ قال: "يوضع الصراط على سواء جهنم مثل حد السيف المرهف مدحضة -أي مزلقة مزلة- أي لا تثبت عليه قدم بل تزل عنه إلا من يثبته اللَّه تعالى، عليه كلاليب من نار يختطف بها فممسك يهوي فيها (٣) ويستبقون عليه بأعمالهم فمنهم من شده (٤) كالبرق، فذلك الذي لا ينشب أن ينجو، ومنهم من شده كالريح، ومنهم من شده كالفرس الجواد، ومنهم من شده كهرولة الرجل، ثم كمشي الرجل، وآخر من يدخل الجنة رجل قد لوحته (٥) النار فيقول اللَّه له: سل

стр. 586

وتمن، فإذا فرغ، قال: لك ما سألت ومثله معه" (١). وأخرج الإمام أحمد من حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "لجهنم جسر أدق من الشعرة وأحدّ من السيف عليه كلاليب (٢) وحسك (٣) تأخذ من شاء اللَّه، والناس عليه كالطرف، وكالبرق، وكالريح، وكأجاويد الخيل، والركاب، والملائكة يقولون: رب سلم سلم، فناج مسلم، ومخدوش مسلم، ومكور في النار على وجهه" (٤). وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد ﵁ قال: "بلغني أن الجسر (أدق) (٥) من الشعر وأحدّ من السيف (٦).

стр. 587

وأخرج ابن ماجة عنه نحوه مرفوعًا (١). وأخرج ابن عساكر (٢) عن الفضيل بن عياض (٣) -رحمه اللَّه تعالى- قال: "بلغنا أن الصراط مسيرة خمس عشرة ألف سنة خمسة آلاف صعود، وخمسة آلاف هبوط، وخمسة آلاف مستوى أدق من الشعرة وأحدّ من السيف على متن جهنم، لا يجوز عليه إلا ضامر مهزول من خشية اللَّه تعالى" (٤). والأخبار والآثار في ذلك كثيرة جدًا، واللَّه تعالى أعلم. تنبيهات: الأول: اتفقت الكلمة على إثبات الصراط في الجملة، لكن أهل الحق يثبتونه على ظاهر ما ورد من كونه جسرًا ممدودًا على متن جهنم أحدّ من السيف وأدق من الشعرة، وأحمى من الجمرة. وأنكره أكثر المعتزلة كالقاضي عبد الجبار (٥) المعتزلي وكثير من أتباعه (٦)، زعمًا منهم: أنه لا يمكن عبوره، وإن أمكن ففيه تعذيب، ولا عذاب على المؤمنين والصلحاء يوم القيامة، وإنما يراد به طريق الجنة المشار إليه بقوله تعالى: ﴿سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ [محمد: ٥ - ٦].

стр. 588

وطريق النار المشار إليه بقوله تعالى: ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٣]. ومنهم من حمله على الأدلة الواضحة والمباحات، أو الأعمال الردية ليسأل عنها ويؤاخذ بها (١). وكل هذا هذيان وخرافات وبهتان، لوجوب حمل النصوص على حقائقها الظاهرة، وليس العبور على الصراط بأعجب من المشي على الماء (٢) أو الطيران في الهواء أو الوقوف فيه (٣). وقد أجاب ﷺ عن سؤال حشر الكافر على وجهه، بأن القدرة صالحة لذلك (٤). وأنكر العلامة القرافي (٥) كون الصراط أدق من الشعرة، وأحد من

стр. 589

السيف (١) وسبقه إلى ذلك شيخه الإمام العز بن عبد السلام (٢) وهما

стр. 590

محجوجان بثبوت الأخبار الصحيحة بالألفاظ الصريحة في ذلك، فوجب حملها على ظاهرها كما ثبت ذلك في الصحاح والمسانيد والسنن مما لا يحصى إلا بكلفة من أنه جسر مضروب على متن جهنم يمر عليه جميع الخلائق وهم في جوازه متفاوتون كما مر -واللَّه تعالى الموفق. الثاني: الحق أن الصراط مخلوق الآن. ونقل بعض العلماء (١) عن بعض أهل التحقيق أنه يجوز أن يخلقه اللَّه تعالى حين يضرب على متن جهنم، ويجوز أن يكون خلقه حين خلق جهنم، ونحوه في كلام القاضي عياض (٢). الثالث: من الخرافات الباردة، زعم من زعم أن ماهية الصراط شعرة من شعر جفون مالك خازن النار. فهو كلام تنبؤ عنه الأفهام وتمجه الأوهام وإن نقله مثل الحافظ برهان الدين الحلبي (٣) فلا يلتفت إليه ولا يعول عليه واللَّه أعلم (٤).

стр. 591

فصل في حساب الناس وذكر دخول طائفة من عصاة الأمة النار وخروجهم منها إما برحمة الكريم الغفار، وإما بشفاعة النبي المختار ﷺ وإما بغير ذلك (١). اعلم أولًا أن المعاد الجسماني حق واقع وصدق صادع، دل عليه النقل الصحيح والنص الصحيح، ولم يمنعه العقل، ولم يحله فوجب الإيمان بموجبه، وهو أن اللَّه يبعث الموتى من القبور بأن يجمع أجزاءهم الأصلية ويعيد الأرواح إليها، لقوله تعالى: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٩]. والآيات القرآنية في ذلك كثيرة جدًا، والأحاديث النبوية طافحة به، فلا جرم لا ينكره إلا كافر ملحد، وزنديق قد عتى وتمرد، وعدم التوفيق. وقد أنكره الطبايعيون (٢)، والدهرية (٣)، والملحدة، ويرد إنكارهم النقل

стр. 592

الصريح والعقل الصحيح على ما بينه أهل التحقيق والترجيح. وأنكرت الفلاسفة المعاد الجسماني، بناء منهم على امتناع إعادة المعدوم بعينه (١). وأما المعتزلة فوافقوا أهل الحق (٢) على المعاد الجسماني، بناء منهم على أن المعدوم عندهم شيء فلو لم يقولوا به لأحالوه لأن المعدوم قبل الوجود عندهم قابل للوجود، فكذلك إذا انعدم بعد الوجود. وعند أهل السنة: المعدوم نفي محض، وهم مع ذلك قائلون بجواز إعادته، وللمتكلمين في جواز إعادة الأعراض قولان: جواز إعادتها وهو الحق، لأنه تعالى على كل شيء قدير. والثاني: قول الفلاسفة ومن وافقهم من المعتزلة كأبي الحسين البصري (٣)، والخوارزمي (٤)؛ والكرامية (٥). فالمعاد الجسماني واجب الاعتقاد، ومنكره من أهل الكفر والإلحاد. قال الإمام المحقق ابن القيم في كتابه "الروح" كشيخه شيخ الإسلام وغيرهما

стр. 593

من علماء الحق الأعلام: "معاد الأبدان متفق عليه بين المسلمين واليهود والنصارى" (١). وكذا قال الجلال الدواني: (٢) "معاد الأبدان بإجماع أهل الملل، وبشهادة نصوص القرآن بحيث لا يقبل التأويل" (٣). وقد أخرج ابن جرير (٤)؛ وابن المنذر (٥)، و"ابن أبي حاتم" (٦)، والإسماعيلي (٧) في معجمه، والحافظ الضياء (٨) في المختارة، وابن مردويه (٩)، والبيهقي (١٠) في البعث والنشور عن ابن عباس ﵄ قال: جاء العاص

стр. 594

ابن وائل إلى رسول اللَّه ﷺ بعظم حائل ففته بيده فقال يا محمد يحيي اللَّه هذا بعد ما أرم؟ قال: نعم يبعث اللَّه هذا ثم يميتك ثم يحييك ثم يدخلك نار جهنم". فنزلت الآيات من آخر يس: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ﴾ [يس: ٧٧ - ٨٣] إلى آخر السورة (١). فهذا نص صريح في الحشر الجسماني، يقلع عرف التأويل بالكلية من قلوب أهل التواني. ولذا قال الفخر الرازي (٢) "الإنصاف أنه لا يمكن الجمع بين الإيمان بما جاء به النبي ﷺ وبين نفي الحشر الجسماني". وكذا لا يمكن القول بقدم العالم، كما يقول الفلاسفة، وبين الحشر الجسماني. والنشور: يرادف البعث. والحشر لغة: الجمع، والمراد به جمع أجزاء الإنسان بعد التفرق، ثم إحياء الأبدان بعد موتها فيعيد جميع العباد، ويعيدهم بعد إيجادهم بجميع أجزائهم الأصلية وهى التي من شأنها البقاء من أول العمر إلى آخره ويسوقهم إلى محشرهم لفصل القضاء، فكل هذا حق ثابت بالكتاب والسنة وإجماع أهل الحق (٣).

стр. 595

ففي البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عباس ﵄ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يخطب على المنبر يقول: "إنكم ملاقوا اللَّه حفاة عراة غرلا ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] (١). ومثله في الصحيحين أيضًا من حديث عائشة ﵂ (٢). ومثله أيضًا من حديث أم سلمة أخرجه الطبراني في الأوسط بسند صحيح وفيه: فقالت أم سلمة ﵂ فقلت يا رسول اللَّه واسوأتاه ينظر بعضنا إلى بعض؟ فقال: شغل الناس، فقلت: ما شغلهم؟ قال: نشر الصحائف فيها مثاقيل الذر ومثاقيل الخردل" (٣). وروي مثله عن أم المؤمنين سودة بنت زمعة ﵂: "شغل الناس ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧]. رواه الطبراني أيضًا ورواته ثقات (٤).

стр. 596

والحاصل أن إعادة الأجسام حق يجب الإيمان به ثم هذه الإعادة هل هي للعدم المحض، أو التفريق المحض؟ والمشهور أنه جمع متفرق، والأصح أنه إيجاد بعد عدم. وقد نص عليه علماء السنة، وكذا المعتزلة، وهو مذهب أهل التحقيق وباللَّه التوفيق (١). فينفخ إسرافيل في الصور (٢) نفخة البعث والنشور كما جاء في الكتاب العزيز المكنون: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [يس: ٥١]. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨]. وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر: ٨ - ١٠]. وقوله تعالى: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (٤١) يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ. . .﴾ الآيه [ق: ٤١ - ٤٢]. قال المفسرون: المنادي هو إسرافيل ﵇ ينفخ في الصور وينادي أيتها العظام البالية الأوصال والأوصال المتقطعة واللحوم المتمزقة، والشعور المتفرقة إن اللَّه يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء (٣) وقيل ينفخ إسرافيل وينادي جبريل (٤).

стр. 597

قال جماعة من المفسرين المكان القريب: صخرة بيت المقدس (١). وأخرج الشيخان من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ما بين النفختين -أي نفخة الصعق، ونفخة البعث أربعون، قيل أربعون يومًا؟ قال أبو هريرة أبيت قيل أربعون شهرًا؟ قال: أبيت. قيل أربعون سنة؟ قال أبيت، ثم ينزل من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل، وليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلا عظم واحد وهو عجب الذنب منه يركب الخلق يوم القيامة". وفي رواية لمسلم: إن في الإنسان عظمًا لا تأكه الأرض أبدًا فيه (يركب) (٢) الخلق يوم القيامة، قالوا: أي عظم هو يا رسول اللَّه؟ قال: عجب الذنب" ورواه مالك وأبو داود والنسائي باختصار (٣). وروى نحوه الإمام أحمد وابن حبان من حديث أبي سعيد مرفوعًا: قيل وما هو يا رسول اللَّه؟ قال: "مثل حبة خردل منه تنبتون" (٤).

стр. 598

وفي تفسير الثعلبي (١)، وابن عطية (٢) عن أبي هريرة وابن عباس ﵃: "إذا مات الناس كلهم في النفخة الأولى أمطر عليهم أربعين عامًا كمني الرجال من تحت العرش يدعى ماء (الحيوان) (٣) فينبتون من قبورهم بذلك المطر كما ينبت الزرع من الماء حتى إذا استكملت أجسادهم نفخ فيهم الروح ثم يلقى عليهم نومة فينامون في قبورهم، فإذا نفخ في الصور النفخة الثانية قاموا وهم يجدون طعم النوم في أعينهم كما يجده النائم إذا استيقظ من نومه فعند ذلك يقولون ﴿يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يس: ٥٢] (٤). وفي الصحيحين من حديث أنس ﵁ أن رجلًا قال: يا رسول اللَّه، قال اللَّه تعالى: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ﴾ [الفرقان: ٣٤] أيحشر الكافر على وجهه؟ قال رسول اللَّه ﷺ : "أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا قادرًا على أن يمشيه على وجهه". قال قتادة حين بلغه: بلى وعزة ربنا (٥).

стр. 599

ثم يقف الناس على أرض "قد مدها اللَّه كما يمد الأديم العكاظي" (١) "فهم في ضيق مقامهم فيها كضيق سهام اجتمعت في كنانتها، فالسعيد يومئذ من يجد لقدمه مقامًا، وأكثر الأقدام يومئذ بعضها على بعض (٢) لأن اللَّه يجمع في ذلك اليوم الأولين والآخرين، ويوم الوقوف أهوال عظيمة وكربات جسيمة تذيب الأكباد وتذهل المراضع وتشيب الأولاد (٣) وهو حق ثابت ورد به الكتاب والسنة، وانعقد عليه الإجماع وهو يوم القيامة لقيام الناس من قبورهم فيقومون لرب العالمين.

стр. 600

ففي صحيح مسلم عن ابن عمر ﵄ مرفوعًا في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦] قال: "يقوم أحدهم في رشحه إلى نصف أذنيه (١) قال ابن عمر ﵁: "يقومون مائة سنة" (٢). ويروى عن كعب (٣): "يقومون ثلاثمائة سنة" (٤) وروى أبو يعلى بإسناد صحيح، وابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة -رضى اللَّه عنه- عن النبي ﷺ قال: "يوم يقوم الناس لرب العالمين مقدار نصف يوم من خمسين ألف سنة فيهون ذلك على المؤمن كتدلي الشمس للغروب إلى أن تغرب" (٥).
следующие страницы →