← Акыда

Акыда · id 16618

لوائح الأنوار السنية ولواقح الأفكار السنية

السفاريني

Полный текст (799 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

والحاصل أن إعادة الأجسام حق يجب الإيمان به ثم هذه الإعادة هل هي للعدم المحض، أو التفريق المحض؟ والمشهور أنه جمع متفرق، والأصح أنه إيجاد بعد عدم. وقد نص عليه علماء السنة، وكذا المعتزلة، وهو مذهب أهل التحقيق وباللَّه التوفيق (١). فينفخ إسرافيل في الصور (٢) نفخة البعث والنشور كما جاء في الكتاب العزيز المكنون: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [يس: ٥١]. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨]. وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر: ٨ - ١٠]. وقوله تعالى: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (٤١) يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ. . .﴾ الآيه [ق: ٤١ - ٤٢]. قال المفسرون: المنادي هو إسرافيل ﵇ ينفخ في الصور وينادي أيتها العظام البالية الأوصال والأوصال المتقطعة واللحوم المتمزقة، والشعور المتفرقة إن اللَّه يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء (٣) وقيل ينفخ إسرافيل وينادي جبريل (٤).

стр. 597

قال جماعة من المفسرين المكان القريب: صخرة بيت المقدس (١). وأخرج الشيخان من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ما بين النفختين -أي نفخة الصعق، ونفخة البعث أربعون، قيل أربعون يومًا؟ قال أبو هريرة أبيت قيل أربعون شهرًا؟ قال: أبيت. قيل أربعون سنة؟ قال أبيت، ثم ينزل من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل، وليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلا عظم واحد وهو عجب الذنب منه يركب الخلق يوم القيامة". وفي رواية لمسلم: إن في الإنسان عظمًا لا تأكه الأرض أبدًا فيه (يركب) (٢) الخلق يوم القيامة، قالوا: أي عظم هو يا رسول اللَّه؟ قال: عجب الذنب" ورواه مالك وأبو داود والنسائي باختصار (٣). وروى نحوه الإمام أحمد وابن حبان من حديث أبي سعيد مرفوعًا: قيل وما هو يا رسول اللَّه؟ قال: "مثل حبة خردل منه تنبتون" (٤).

стр. 598

وفي تفسير الثعلبي (١)، وابن عطية (٢) عن أبي هريرة وابن عباس ﵃: "إذا مات الناس كلهم في النفخة الأولى أمطر عليهم أربعين عامًا كمني الرجال من تحت العرش يدعى ماء (الحيوان) (٣) فينبتون من قبورهم بذلك المطر كما ينبت الزرع من الماء حتى إذا استكملت أجسادهم نفخ فيهم الروح ثم يلقى عليهم نومة فينامون في قبورهم، فإذا نفخ في الصور النفخة الثانية قاموا وهم يجدون طعم النوم في أعينهم كما يجده النائم إذا استيقظ من نومه فعند ذلك يقولون ﴿يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يس: ٥٢] (٤). وفي الصحيحين من حديث أنس ﵁ أن رجلًا قال: يا رسول اللَّه، قال اللَّه تعالى: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ﴾ [الفرقان: ٣٤] أيحشر الكافر على وجهه؟ قال رسول اللَّه ﷺ : "أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا قادرًا على أن يمشيه على وجهه". قال قتادة حين بلغه: بلى وعزة ربنا (٥).

стр. 599

ثم يقف الناس على أرض "قد مدها اللَّه كما يمد الأديم العكاظي" (١) "فهم في ضيق مقامهم فيها كضيق سهام اجتمعت في كنانتها، فالسعيد يومئذ من يجد لقدمه مقامًا، وأكثر الأقدام يومئذ بعضها على بعض (٢) لأن اللَّه يجمع في ذلك اليوم الأولين والآخرين، ويوم الوقوف أهوال عظيمة وكربات جسيمة تذيب الأكباد وتذهل المراضع وتشيب الأولاد (٣) وهو حق ثابت ورد به الكتاب والسنة، وانعقد عليه الإجماع وهو يوم القيامة لقيام الناس من قبورهم فيقومون لرب العالمين.

стр. 600

ففي صحيح مسلم عن ابن عمر ﵄ مرفوعًا في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦] قال: "يقوم أحدهم في رشحه إلى نصف أذنيه (١) قال ابن عمر ﵁: "يقومون مائة سنة" (٢). ويروى عن كعب (٣): "يقومون ثلاثمائة سنة" (٤) وروى أبو يعلى بإسناد صحيح، وابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة -رضى اللَّه عنه- عن النبي ﷺ قال: "يوم يقوم الناس لرب العالمين مقدار نصف يوم من خمسين ألف سنة فيهون ذلك على المؤمن كتدلي الشمس للغروب إلى أن تغرب" (٥).

стр. 601

وروى الإمام أحمد وأبو يعلى وابن حبان في صحيحه عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: "يومًا كان مقداره خمسين ألف سنة" فقيل ما أطول هذا اليوم، قال النبي ﷺ : "والذي نفسي بيده إنه ليخفف على المؤمن حتى يكون أخف عليه من صلاة مكتوبة" (١). وقيل: مقدار الوقوف ألف سنة كما رواه الطبراني من حديث ابن عمر مرفوعًا ولفظه: "أما مقام الناس بين يدى رب العالمين فألف سنة لا يؤذن لهم" (٢). وأخرج البيهقي عنه مرفوعًا: "يمكثون ألف عام في الظلمة يوم القيامة لا يكلمون" (٣). وروى ابن أبي الدنيا والطبراني من طرق أحدها صحيح والحاكم، وقال صحيح الإسناد عن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: "يجمع اللَّه الأولين والآخرين لميقات يوم معلوم قيامًا أربعين سنة شاخصة أبصارهم ينتظرون فصل القضاء. . ." (٤) الحديث.

стр. 602

وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "يعرق الناس يوم القيامة حتى يذهب عرقهم في الأرض سبعين ذراعًا ويلجمهم حتي يبلغ آذانهم. وفي بعض ألفاظ الصحيح: "سبعين باعًا" (١). وفي مسلم عن المقداد ﵁، قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إذا كان يوم القيامة أدنيت الشمس من العباد حتى تكون قدر ميل أو ميلين قال: فتصهرهم الشمس فيكونون في العرق كقدر أعمالهم منهم من يأخذه إلى عقبيه، ومنهم من يأخذه إلى حقويه، ومنهم من يلجمه إلجامًا" (٢). قال ابن مسعود ﵁: "الأرض كلها نار يوم القيامة، والجنة من ورائها كواعبها وأكوابها، والذي نفس عبد اللَّه بيده إن الرجل ليفيض عرقًا حتى (يسيح) (٣) في الأرض قامته ثم يرتفع حتى يبلغ أنفه وما مسه الحساب، قالوا مم ذاك يا أبا عبد الرحمن، قال: مما يرى الناس" (٤).

стр. 603

رواه الطبراني بإسناد جيد قوي. وروى الطبراني عن ابن مسعود ﵁ أيضًا مرفوعًا: "إن الرجل ليلجمه العرق يوم القيامة فيقول: يا رب أرحني ولو إلى النار". ورواه أبو يعلى وابن حبان بلفظ: "إن الكافر ليلجمه العرق" (١). وأخرج الحاكم وصححه عن جابر ﵁ مرفوعًا: " (إن العرق) (٢) ليلزم المرء في الموقف حتى يقول: يا رب إرسالك بي إلى النار أهون عليَّ مما أجد، وهو يعلم ما فيها من شدة العذاب" (٣). ثم يقع الحساب والفصل بين العباد بشفاعة النبي ﷺ التي هى لفصل القضاء، وهي الشفاعة العظمى التي يتدافعها ذوو (العزم) (٤) من الأنبياء من آدم إلى نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ﵈ إلى أن تنتهى إلى نبينا ﷺ فيقول أنا لها

стр. 604

وهي المقام المحمود الذي يحمده عليه الأولون والآخرون، وهي تعم جميع أهل الموقف لأجل إراحتهم من ألم الوقوف والشروع في الحساب، وأحاديثها بلغت التواتر (١). وهذه الشفاعة مجمع عليها لم ينكرها أحد ممن يقول بالحشر من هذه الأمة، إذ هي للإراحة من طول الوقوف. ثم الحساب: مصدر حاسب وحسب الشيء يحسبه بالضم إذا عده وهو معنى قول من قال الحساب لغة: العد. واصطلاحًا: توقيف اللَّه عباده قبل الإنصراف من المحشر على أعمالهم خيرًا كانت أو شرًا تفضيلًا. قال الثعالبي: الحساب (٢) تعريف اللَّه الخلائق مقادير الجزاء على أعمالهم (وتذكيره إياهم) (٣) ما قد نسوه من ذلك كما دل عليه قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ [المجادلة: ٦].

стр. 605

فيكلم اللَّه تعالى عباده في شأن أعمالهم، وما لها من الثواب وما عليها من العقاب (١) كما ورد ذلك في السنة (الصحيحة المريحة) (٢) ومحكم الكتاب. قال القرطبي كغيره من أهل العلم: إن اللَّه سبحانه يكلم المسلمين عند الحساب من غير ترجمان (٣) إكرامًا لهم ولا يكلم الكافرين، بل تحاسبهم الملائكة إهانة لهم وتمييزًا لأهل الكرامة (٤) فإذا خلصوا من الحساب وصاروا إما إلى الجنة وإما إلى النار وهي -يعني النار- (٥) دار الكفار بالأصالة. وربما دخلها طوائف من المسلمين من أهل المعاصي وكبائر الذنوب فيعذبون فيها بذنوبهم، ثم تدركهم رحمة أرحم الراحمين وشفاعة النبيين (والصدقين) (٦) فيخرجون منها. . . والى هذا أشار الناظم بقوله: (وقل) (٧) أيها المؤمن بالقرآن وبالنبي المصطفى سيد ولد عدنان، وبما جاء به من الشريعة الواضحة البرهان الفاضحة

стр. 606

لأهل الإفك والزيغ والبهتان من سائر الملل والأديان مفصحًا بلسانك ومعتقدًا بجنانك، منقادًا بسائر جوارحك وأركانك (يخرج اللَّه العظيم بفضله) (١) العميم وكرمه الجسيم وعفوه الفخيم (من النار) المعهودة التي هى نار جهنم الموقودة (أجسادًا) بعد دخولها فيها وإصابتها من عذابها ما تستحقه منها. كما في صحيح مسلم والحاكم من حديث سمرة بن جندب ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إن من أهل النار من تأخذه النار إلى كعبيه ومنهم من تأخذه إلى ركبتيه، ومنهم من تأخذه إلى حجزته (٢) ومنهم من تأخذه إلى ترقوته" (٣) (٤). وفي صحيح مسلم عن جابر ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يدخل قوم النار من هذه الأمة فتحرقهم النار إلا دارت وجوههم ثم يخرجون منها" (٥). وأخرج مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن ناس

стр. 607

أصابتهم النار بذنوبهم فأماتتهم إماتة حتى إذا كانوا فحمًا أذن بالشفاعة فجيء بهم ضبائر ضبائر". قال في النهاية: "أي جماعات في تفرقة واحدتها ضبارة مثل عمارة وعماير وكل مجتمع ضبارة". وفي رواية أخرى: "فيخرجون ضبارات ضبارات" هو جمع صحة للضبارة والأول جمع تكسير" انتهى (١). "فبثوا على أنهار الجنة". وهو معنى قول الناظم: (من الفحم): أي بعد ما صاروا فحمًا، والفحم: محركة وبسكون الحاء المهملة، وكأمير: الجمر الطافي والفحمة واحدته (٢). (تطرح): أي ترمى وتلقى، يقال طرحه وطرح به كمنعه رماه وأبعده كطرحه واطرحه (٣) -كما في القاموس- (٤). (على النهر): متعلق بتطرح (في) جنة (الفردوس): وهذا معنى حديث أبي سعيد الخدري ﵁ المذكور: "فجيء بهم ضبائر ضبائر فبثوا على أنهار الجنة (ثم قيل) (٥) يا أهل الجنة أفيضوا عليهم فينبتون نبات الحبة

стр. 608

في حميل (١) السيل" (٢). وهو المراد بقول الناظم رحمه اللَّه تعالى: (تحيا) تلك الأجساد بعد ما صارت فحمًا وطرحت على النهر الذي هو في جنة الفردوس بإصابة (مائة) أي ماء ذلك النهر لتلك الأجساد، وتنبت تلك الأجساد بسيلان ماء أنهار الجنة عليها كما تنبت (حبة حمل السيل) أي الحبة التي يحملها السيل (إذ جاء) ذلك (٣) السيل: أي وقت مجيئه. (يطفح): أي يفيض، يقال: طفح الإناء كمنع طفحًا، وطفوحًا امتلأ وارتفع وإناء طفحان يفيض من جوانبه. قوله: (٤) نبات الحبة: أي بكسر الحاء المهملة: بزر البقول والرياحين ونحوها. وأما ما تفتح حاؤه فهو ما يبذر، ذكره الحافظ المنذري (٥). وقوله: (في حميل السيل) يعني بفتح الحاء المهملة وكسر الميم هو الزبد وما يقبله على شاطئه ومثله الغثاء. قال: في النهاية: "الغثاء بالضم والمد ما يجيء فرق السيل مما يحمله من الزبد والوسخ وغيره".

стр. 609

قال: وفي كتاب مسلم "كما تنبت الغثاة" يريد ما احتمله السيل من البزورات ومنه حديث الحسن: "هذا الغشاء الذي كنا نحدث عنه" يريد أراذل الناس وسقطهم" (١). وأخرج البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ أيضًا- عن النبي ﷺ قال: "حتى إذا خلص المؤمنون من النار فوالذي نفسي بيده ما من أحد منكم بأشد مناشدة للَّه تعالى في استيفاء الحق من المؤمنين للَّه تعالى يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار يقولون ربنا كانوا يصومون ويصلون معنا ويحجون، فيقال لهم أخرجوا من عرفتم فتحرم صورهم على النار فيخرجون خلقًا كثيرًا قد أخذت النار أنصاف ساقية وإلى ركبتيه فيقولون: ربنا ما بقى فيها أحد مما أمرتنا به فيقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من خير فأخرجوه فيخرجون خلقًا كثيرًا، ثم يقولون ربنا لم نذر ممن أمرتنا به، فيقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار. . ." الحديث. ثم "مثقال ذرة". وكان أبو سعيد يقول: إن لم تصدقوني بهذا الحديث فاقرأوا إن شئتم ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠]. فيقول اللَّه تعالى: شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون ولم يبق إلا أرحم الراحمين، فيقبض قبضة من النار فيخرج بها قومًا لم يعملوا خيرًا قط قد عادوا حمما فيلقيهم في نهر في أفواه الجنة يقال له نهر الحياة فيخرجون

стр. 610

كما تخرج الحبة في حمل السيل (١) (٢). قال الحافظ ابن رجب (٣) في كتابه "صفة النار" (٤) المراد بقوله ﷺ لم يعملوا خيرًا قط من أعمال الجوار وإن كان أصل التوحيد معهم، ولهذا جاء في حديث الذي أمر أهله أن يحرقوه بعد موته بالنار أنه لم يعمل خيرًا قط غير التوحيد. أخرجه الإمام أحمد من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا" (٥). وأخرج الحاكم بسند صحيح من حديث أبي سعيد الخدري أيضًا ﵁ عن النبي ﷺ . . . وفيه: "ومنهم من أخذته (أي النار) إلى عنقه ولم تغش الوجوه" قال: "فيستخرجونهم فيطرحون في ماء الحياة، قيل: يا نبي اللَّه وما ماء الحياة؟ قال: غسل أهل الجنة فينبتون فيها كما تنبت الزرعة في غثاء السيل ثم يشفع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في كل من كان يشهد أن لا إله إلا اللَّه مخلصًا فيستخرجونهم منها ثم يتحنن اللَّه سبحانه برحمته على من فيها فما يترك فيها عبدًا في قلبه مثقال ذرة من الإيمان إلا أخرجه منها" (٦).

стр. 611

وأخرجاه في الصحيحين عنه مرفوعًا ولفظه: "يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، ثم يقول اللَّه : أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان فيخرجون منها قد اسودوا فيلقون في نهر الحياء أو الحياة بالشك من الإمام مالك فينبتون كما تنبت الحبة في جانب السيل، ألم تر أنها تخرج صفراء ملوية" (١). هذا لفظ البخاري. ولفظ مسلم: "فيخرجون منها حممًا قد امتحشوا" (٢) -أي احترقوا والمحش احتراق الجلد وظهور العظم- كما في النهاية. (٣). ويروى: "امتحشوا بضم المثناة فوق مبنيًا لما لم يسم فاعله" (٤). وفي الصحيحين أيضًا من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "يجمع اللَّه الناس يوم القيامة. . ." الحديث وفيه: "حتى إذا فرغ تعالى من القضاء بين العباد، وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل النار أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك باللَّه شيئًا ممن دخل النار يعرفونهم بأثر السجود تأكل النار من ابن آدم إلا أثر السجود، حرم اللَّه على النار أن تأكل أثر السجود فيخرجون من النار قد امتحشوا فيصب عليهم ماء الحياة فينبتون فيه كما تنبت الحبة في حميل السيل" (٥).

стр. 612

وظاهر ما قدمنا من الأخبار الصحيحة والآثار الصريحة على أن هؤلاء يموتون حقيقة وتفارق أرواحهم أجسادهم، ويدل له أيضًا ما أخرجه البزار عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "إن أدنى أهل الجنة حظًا أو نصيبًا قوم يخرجهم اللَّه تعالى من النار فيرتاح لهم الرب ﵎ وذلك أنهم كانوا لا يشركون باللَّه شيئًا فينبذون بالعراء فينبتون كما ينبت البقل حتى إذا دخلت الأرواح أجسادهم فيقولون ربنا (كما) (١) أخرجتنا من النار ورجعت الأرواح إلى أجسادنا فاصرف وجوهنا عن النار فيصرف وجوههم عن النار" (٢). قال القرطبي -رحمه اللَّه تعالى-: في قوله ﷺ : "فأماتهم اللَّه إماتة، هذه الموتة للعصاة موتة حقيقية لأنه أكدها بالمصدر وذلك تكريمًا لهم حتى لا يحسوا بالعذاب" قال: فإن قيل فأي فائدة حينئذ في إدخالهم النار وهم لا يحسون بالعذاب؟. فالجواب يجوز أن يدخلهم تأديبًا لهم وإن لم يذوقوا فيها العذاب ويكون صرف نعيم الجنة عنهم مدة كونهم فيها عقوبة لهم كالمحبوسين في السجن فإن السجن عقوبة لهم، وإن لم يكن من غل ولا قيد، قال: ويحتمل أنهم يعذبون أولًا وبعد ذلك يموتون ويختلف حالهم في طول التعذيب بحسب جرائمهم وآثامهم ويجوز أن يكونوا متألمين حالة موتهم غير أن آلامهم أخف من آلام الكفار (لأن آلام) (٣) الكفار المعذبين وهم موتى أخف من عذابهم وهم أحياء دليله قوله تعالى: ﴿وَحَاقَ

стр. 613

بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ. . .﴾ إلى قوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٥ - ٤٦]. فأخبر أن عذابهم إذا بعثوا أشد من عذابهم وهم موتى (١). وقال في "مطامح الأفهام" (٢): "يجوز أن يريد بالإماتة المذكورة أنه أنامهم وقد سمى اللَّه تعالى النوم وفاة (٣) لأن فيه نوعًا من إعدام الحس وفي الحديث المرفوع: "إذا أدخل اللَّه الموحدين النار أماتهم فيها فإذا أراد أن يخرجهم منها أمسهم العذاب تلك الساعة" (٤). والمختار ما ذكره القرطبي (٥) من كون الإماته حقيقة أن يكونوا عذبوا قبل الإماتة حتى ماتوا من ألم العذاب لطفًا بهم ورحمة (٦) واللَّه أعلم. تنبيه: أشار الناظم رحمه اللَّه تعالى بقوله: "وقل يخرج اللَّه العظيم بفضله من

стр. 614

النار. . ." إلخ إلى خلاف الخوارج والمعتزلة. فالخوارج يكفرون عصاة الأمة. والمعتزلة يقولون بخروجهم من الإسلام وعدم دخولهم في الكفر فيثبتون منزلة بين منزلتي الإيمان والكفر، ومع ذلك يخلدونهم في النار إذا لم يتوبوا فعند الخوارج والمعتزلة جميعًا أن من دخل النار لا يخرج منها أبدًا، بل كل من دخلها يخلد فيها أبد الآباد محتجين بظاهر قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ٤٨]. وبقوله تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨]. فزعموا أن كل من دخل جهنم يخلد فيها لأنه إما كافر، أو صاحب كبيرة مات بلا توبة، هذا رأيهم ورأي من وافقهم وهو فاسد ومذهب مبطل معاند ترده الأخبار الصحيحة والآثار الصريحة وإجماع أهل الحق أيدهما اللَّه تعالى رحمة للخلق. وأجابوا عن الآية الكريمة أن المراد بقوله تعالى: ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ الكفار للآيات الواردة والأخبار الثابتة في الشفاعة. قال القاضي البيضاوي: (١) "تمسكت المعتزلة بهذه الآية على نفي الشفاعة لأهل الكبائر، وأجيب بأنها مخصوصة بالكفار، ويؤيد هذا أن سياق الخطاب معهم، والآية نزلت ردًا لما كانت اليهود تزعم أن آباءهم تشفع لهم" انتهى (٢). وأجابوا أيضًا عن قوله تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ أن

стр. 615

المراد بالظالمين الكفار، فإن الظالم على الإطلاق هو الكافر. وزعمت (١) المعتزلة أيضًا في قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢]، ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]. ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦] ومن أخزاه اللَّه لا يرتضيه، ومن ارتضاه لا يخزيه، قال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ. . .﴾ [التحريم: ٨]. والجواب عن الآية الأولى ما قال سيدنا أنس بن مالك ﵁ خادم رسول اللَّه ﷺ معنى (من تدخل): من تخلد" (٢). وقال قتادة: "تدخل مقلوب تخلد ولا نقول كما قالت أهل حرورا (٣) -يعني الخوارج-" (٤). فعلى هذا قوله: ﴿فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ على باب من الهلاك أي أهلكته وأبعدته ومقته.

стр. 616

ولهذا قال سعيد بن المسيب: "الآية جاءت خاصة في قوم لا يخرجون من النار" (١). دليله قوله تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ أي الكفار، وإن سلم أن الآية في عصاة الموحدين، فالمراد بالخزي: الحياء، يقال: خزي خزاية إذا استحى فهو خزيان وامرأة خزيا فخزى المؤمنين يومئذ استحياؤهم من دخول النار، ودار البوار مع أهل الشرك والكفار ثم يخرجون بشفاعة النبي الكريم ورحمة الرؤوف الرحيم (٢). وفي النصرة لا يستلزم نفي الشفاعة لأنها طلب مع خضوع والنصرة ربما تنبني بالمدافعة والممانعة (والاستعلا) (٣) على أننا نقول لا يسلم لهم زعمهم أن الفاسق غير مرضي مطلقا بل هو مرضي من جهة الإيمان والعمل الصالح وإن كان مبغوضًا من جهة الذنوب والعصيان وارتكاب القبائح، بخلاف الكافر فإنه ليس بمرضى مطلقًا لعدم الأساس الذي تنبني عليه الحسنات والاعتداد بالكمالات وهو الإيمان (٤). والحاصل أن من الواجب اعتقاده أن اللَّه تعالى يخرج من النار بفضله وبشفاعة أنبيائه وأهل القرب منه كل موحد وإن كان فاسقًا ولو لم يتب خلافًا للخوارج والمعتزلة (٥) واللَّه أعلم.

стр. 617

فصل في الشفاعة وأنواعها وإثباتها بالبرهان القطعي ولما ذكر الناظم -رحمه اللَّه تعالى- أن من الواجب اعتقاد خروج من يدخل النار من عصاة الموحدين منها ناسب ذكر شفاعة النبي ﷺ في عصاة أمته وأهل الكبائر منهم فقال: (و) قل بلسانك معتقدًا بجنانك (إن رسول اللَّه) ﷺ والرسول: إنسان أوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه، فإن لم يؤمر بتبليغه فهو نبي فقط، فإذًا كل رسول نبي بلا عكس (١). ورسل اللَّه صلوات اللَّه وسلامه عليهم على ما في حديث أبي ذر ﵁ عند ابن حبان في صحيحه: ثلاثمائة وثلاثة عشر أولهم آدم ﵇ وخاتمهم نبينا محمد ﷺ وعليهم أجمعين. وأما الأنبياء فمائة ألف نبي وأربعة وعشرون ألفا (٢).

стр. 618

وقد اعترض جماعة من الحفاظ على ابن حبان لإدخاله هذا الحديث في صحيحه. واللَّه أعلم. (للخلق): جميعًا. . . (١) الجار والمجرور متعلق بقوله: (شافع) الشفاعة العامة التي هي لفصل القضاء كما تقدم. والشفاعة لغة: الوسيلة والطلب. وشرعًا: سؤال الخير للغير. كذا عرفها بعضهم، والأليق أنها مشتقة من الشفع ضد الوتر فكأنَّ الشافع ضم سؤاله إلى سؤال المشفوع له من شفع يشفع بفتح العين المهملة شفاعة فهو شافع وشفيع، والمشفع بكسر الفاء الذي يقبل الشفاعة، فالشفاعة التي هى لعموم الخلق هي الشفاعة العظمى التي يشفع فيها لأهل الموقف حتى يقضى بينهم بعد أن يتدافعها الأنبياء أصحاب الشرائع آدم إلى نوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام.

стр. 619

وقد وردت من عدة أوجه عن جماعة من الصحابة ﵃ عن النبي ﷺ منهم: أبو بكر وأنس وأبو هريرة وابن عباس وابن عمر وحذيفة وعقبة بن عامر وأبي سعيد الخدري وسلمان الفارس ﵃ فهؤلاء ورد أمر الشفاعة في أحاديثهم مطولًا، وورد أيضًا مختصرًا من حديث أبي بن كعب وعبادة ابن الصامت وجابر بن عبد اللَّه، وعبد اللَّه بن سلام وغيرهم رضوان اللَّه عليهم أجمعين (١). فشفاعة النبي ﷺ من السمعيات وردت بها الأخبار وصحت بها الآثار حتى بلغت مبلغ التواتر وانعقد عليها إجماع أهل الحق من السلف الصالح قبل ظهور المبتدعة، لكن تقدم أن هذه الشفاعة التي هى لفصل القضاء وإراحة الخلق من طول الوقوف مجمع عليها (٢). وقد ثبت للنبي ﷺ الاختصاص بعدة شفاعات سواها منها: أنه يشفع ﷺ لقوم من أمته أن يدخلهم الجنة بغير حساب وقد روى حديث هذه الشفاعة مسلم في صحيحه (٣).

стр. 620

وجزم بالاختصاص جماعة فهم القاضي عياض والنووى والجلال السيوطي وغيرهم (١).

стр. 621

ومنها شفاعته ﷺ في قوم استوجبوا النار بأعمالهم، فيشفع فيهم فلا يدخلونها، وقد جزم جماعة بعدم اختصاصه بها، إذ لم يرد نص صريح والأصل عدمه. نعم جزم الحافظ السيوطي في "أنموذج اللبيب" (١) أنها من خصائصه. ومنها شفاعته ﷺ في رفع درجات أناس في الجنة، وهذه لا تنكرها المعتزلة كالأولى. ومنها شفاعته في إخراج عموم أمته من النار حتى لا يبقى منهم أحد، ذكره غير واحد من العلماء (٢). وكذا يشفع لجماعة من صلحاء المسلمين ليتجاوز عنهم في تقصيرهم في الطاعات كما ذكره القزويني (٣) في كتابه المسمى بالعروة الوثقى. وباللَّه التوفيق. تنبيه: الشفاعة التي تنكرها المعتزلة وتجحدها هى فيمن استحق النار من المؤمنين أن لا يدخلها وفيمن دخلها منهم أن يخرج منها، لزعمهم أن انفاذ الوعيد واجب عليه تعالى فكذّبت المبتدعة بشفاعة النبي ﷺ ونفتها مع ثبوت أدلتها وتظافر حججها مما ربما يعسر إحصاؤه ويتعذر استقصاؤه.

стр. 622

وقد أخرج البخاري عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أنه خطب فقال: "سيكون في هذه الأمة قوم يكذّبون بالرجم، وبالدجال، ويكذّبون بطلوع الشمس من مغربها، ويكذبون بعذاب القبر، ويكذبون بالشفاعة، ويكذبون بقوم يخرجون من النار بعد ما امتحشوا" (١). وأخرح سعيد بن منصور (٢) والبيهقي وهناد (٣) عن أنس ﵁ قال: "من كذّب بالشفاعة فلا نصيب له فيها، ومن كذب بالحوض فليس له فيه نصيب". (٤).

стр. 623

وأخرج البيهقي عنه أيضًا ﵁ أنه قيل له: إن قومًا يكذّبون بالشفاعة قال: "لا تجالسوا أولئك" (١). وأخرج عنه أيضًا قال: "يخرج قوم من النار ولا نكذب بها -أي الشفاعة- كما يكذّب بها أهل حرورا -يعني الخوارج-" (٢). وأخرج البيهقي أيضًا عن شبيب بن فضالة المكي (٣) قال ذكروا عند عمران بن حصين الشفاعة (٤) فقال رجل يا أبا نجيد إنكم تحدثوننا أحاديث لم نجد لها أصلًا في

стр. 624

القرآن، فغضب عمران، وقال للرجل أقرأت القرآن؟ قال: نعم، قال: فهل وجدت صلاة العشاء أربعًا، وصلاة المغرب ثلاثًا، والغداة ركعتين، والظهر أربعًا، والعصر أربعًا؟ قال: لا، فقال فعمن أخذتم هذا ألستم عنا أخذتموه، وأخذناه عن نبي اللَّه ﷺ ، وفي كل أربعين درهمًا درهم، وفي كل كذا شاة، وفي كل كذا بعير، أوجدتم في القرآن هذا؟ قال: لا، قال: ووجدتم في القرآن ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] أوجدتم طوفوا سبعًا، واركعوا ركعتين، خلف المقام، أوجدتم هذا في القرآن؟ عمن اخذتموه؟ ألستم أخذتموه عنا وأخذناه عن رسول اللَّه ﷺ ، قال: بلى، قال: أوجدتم في القرآن "لا جلب (١) ولا جنب (٢) ولا شغار (٣) في الإسلام؟ قالوا: لا. قال: فإن اللَّه تعالى قال في كتابه ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، وإنّا قد أخذنا عن نبي اللَّه ﷺ أشياء

стр. 625

لم يكن لكم بها علم" (١). وفي صحيح مسلم عن عبد اللَّه بن عمرو ﵄ أن رسول اللَّه ﷺ تلى قول اللَّه في إبراهيم: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦]. وقول عيسى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨] فرفع يديه وقال: "أمتي أمتي ثم بكى فقال اللَّه تعالى يا جبريل اذهب إلى محمد فقل له: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسؤك" (٢). وأخرج البزار والطبراني في الأوسط وأبو نعيم بسند حسن عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "اشفع لأمتي حتى ينادي ربي ﵎ أرضيت يا محمد؟ فأقول أي رب رضيت" (٣).

стр. 626

وأخرج الترمذي وابن ماجة والحاكم وصححه وابن حبان في صحيحه والبيهقي والطبراني عن عوف بن مالك الأشجعي ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن ربي خيرني بين أن يدخل نصف أمتي الجنة". وفي لفظ: "ثلثي أمتي الجنة بغير حساب، ولا عذاب وبين الشفاعة لأمتي فأخترت الشفاعة، قال وهي لكل مسلم" (١). وروى نحوه الإمام أحمد والطبراني والبزار بسند جيد من حديث معاذ بن جبل ﵁ وفيه "وعلمت أنها أوسع لهم وهي لمن مات لا يشرك باللَّه شيئًا" (٢).

стр. 627

وأخرج الطبراني مثله من حديث أنس ﵁ (١). وروى نحوه الإمام أحمد والطبراني أيضًا والبيهقي بسند صحيح من حديث ابن عمر ﵄ وفيه: "فاخترت الشفاعة لأنها أعم وأكفأ أترونها للمتقين، ولكنها للمذنبين الخطائين المتلوثين" (٢). وأخرج الإمام أحمد والبيهقي والطبراني في الأوسط عن بريدة ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إني أشفع يوم القيامة لأكثر مما على وجه الأرض من حجر ومدر" (٣). وأخرجه الطبراني أيضًا في الأوسط من حديث (أنيس) الأنصاري بلفظ:

стр. 628

"لأكثر مما على وجه الأرض من حجر ومدر" (١). وأخرج البخاري عن عمران بن حصين ﵁ عن النبي ﷺ قال: "يخرج قوم من النار بشفاعة محمد ﷺ ويدخلون الجنة ويسمون الجهنميين" (٢). وأخرج البخاري ومسلم من حديث جابر ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إن اللَّه يخرج قومًا من النار بالشفاعة فيدخلهم الجنة" (٣). وأخرج أبو داود والترمذي والحاكم والبيهقي وصححوه عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "شفاعتى لأهل الكبائر من أمتي" (٤).

стр. 629

وأخرج الطبراني عن عبد اللَّه بن بسر ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "شفاعتي في أمتي للمذنبين المثقلين" (١). والطبراني أيضًا وأبو نعيم عن أبي أمامة ﵁ أنه ﷺ قال: "نعم الرجل أنا لشرار أمتي، قيل: كيف يا رسول اللَّه؟ قال: أما شرار أمتي فيدخلهم اللَّه الجنة بشفاعتي، وأما خيارهم فيدخلهم الجنة بأعمالهم" (٢). وعن ابن عباس ﵄ أنه ﷺ قال: "شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي". قال ابن عباس ﵄: "السابق بالخيرات يدخل الجنة بغير حساب، والمقتصد يدخل الجنة برحمة اللَّه، والظالم لنفسه وأهل الأعراف يدخلون الجنة بشفاعة محمد ﷺ " (٣).

стр. 630

وفي أوسط الطبراني عن ابن عمر ﵄ مرفوعًا: "إني ادخرت شفاعتى لأهل الكبائر من أمتي" (١). وفي الكبير عن أم سلمة ﵂ قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "أعملي ولا تتكلي فإن شفاعتى للهالكين من أمتي" (٢). وأخرج الترمذي والحاكم والبيهقي عن جابر ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي". قال جابر ﵁: "من زادت حسناته على سيئاته فذاك الذي يدخل الجنة بغير حساب، ومن استوت حسناته وسيئاته فذاك الذي يحاسب حسابًا يسيرًا ثم يدخل الجنة؛ وإنما شفاعة رسول اللَّه ﷺ لمن أوبق نفسه وأغلق ظهره" (٣).

стр. 631

وأخرج (١) عن أنس ﵁ قال: قلنا يا رسول اللَّه لمن تشفع؟ قال: "لأهل الكبائر من أمتي وأهل العظائم وأهل الدماء" (٢). وأخرج عن كعب بن عجرة مرفوعًا: "شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي" (٣). وأخرج عن طاووس قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي" (٤). قال البيهقي: هذا مرسل حسن يشهد لكون هذه اللفظة شائعة. وأخرج ابن أبي عاصم عن أنس مرفوعًا "ما زلت أشفع إلى ربي ويشفعني، وأشفع ويشفعني حتى أقول أي رب شفعني فيمن قال لا إله إلا اللَّه فيقول هذا ليس لك يا محمد، ولا لأحد وهذه لي وعزتي وجلالي ورحمتي لا أدع في النار أحدًا يقول لا إله إلا اللَّه" (٥).

стр. 632

وأخرج الطبراني في الكبير، والبيهقي عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ليدخلن الجنة قوم من المسلمين قد عذبوا في النار برحمة اللَّه وشفاعة الشافعين" (١). وأخرج الإمام أحمد والبيهقي من حديث حذيفة نحوه (٢). وقال ﷺ : "أنا أول شافع وأول مشفع" رواه عنه أبو هريرة أخرجه مسلم (٣). وجابر بن عبد اللَّه أخرجه البيهقي (٤).

стр. 633

وعبد اللَّه بن سلام أخرجه البيهقي (١). وغير هؤلاء من الصحابة -رضوان اللَّه عليهم-. فيشفع يوم القيامة سائر الرسل والأنبياء والملائكة ﵈ والصحابة والشهداء والصديقون وهم العلماء والأولياء على اختلاف مراتبهم ومقاماتهم عند ربهم يشفعون (وبقدر جاههم ودرجاتهم) (٢). يشفعون لثبوت الأخبار وترادف الآثار وهو أمر جائز فوجب تصديقه والقول بموجبه. وقد أخرج الطبراني في الأوسط عن أنس ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يشفع اللَّه آدم يوم القيامة من جميع ذريته في مائة ألف ألف وعشرة الآف ألف" (٣). وأخرج ابن أبي عاصم والأصبهاني عن أبي أمامة مرفوعًا "يجاء بالعالم والعابد فيقال للعابد أدخل الحنة، ويقال للعالم قف حتى تشفع للناس" (٤).

стр. 634

ورواه البيهقي من حديث جابر وزاد في آخره: "بما كنت أحسنت أدبهم" (١). وأخرج الديلمي من حديث ابن عمر مرفوعًا: "يقال للعالم أشفع في تلامذتك ولو بلغ عددهم نجوم السماء" (٢). وأخرج أبو داود وابن حبان عن أبي الدرداء ﵁ (٣) سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "الشهيد يشفع في سبعين من أهل بيته" (٤). وأخرج نحوه الإمام أحمد والطبراني من حديث عبادة بن الصامت ﵁ (٥).

стр. 635

والترمذي وابن ماجة من حديث (المقدام) (١) بن معديكرب (٢). وأخرج البزار والبيهقي بسند صحيح عن أنس ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن الرجل ليشفع في الرجل والرجلين والثلاثة يوم القيامة" (٣). وأخرج الترمذي والحاكم وصححاه والبيهقي عن عبد اللَّه بن أبي الجدعاء ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "ليدخلن الجنة بشفاعة رجل من أمتي أكثر من بني تميم، قالوا: سواك يا رسول اللَّه، قال: سواي" (٤). قال الفريابي (٥) يقال: إنه عثمان بن عفان ﵁ (٦).
следующие страницы →