← Акыда

Акыда · id 16618

لوائح الأنوار السنية ولواقح الأفكار السنية

السفاريني

Полный текст (799 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

وأخرج (١) عن أنس ﵁ قال: قلنا يا رسول اللَّه لمن تشفع؟ قال: "لأهل الكبائر من أمتي وأهل العظائم وأهل الدماء" (٢). وأخرج عن كعب بن عجرة مرفوعًا: "شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي" (٣). وأخرج عن طاووس قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي" (٤). قال البيهقي: هذا مرسل حسن يشهد لكون هذه اللفظة شائعة. وأخرج ابن أبي عاصم عن أنس مرفوعًا "ما زلت أشفع إلى ربي ويشفعني، وأشفع ويشفعني حتى أقول أي رب شفعني فيمن قال لا إله إلا اللَّه فيقول هذا ليس لك يا محمد، ولا لأحد وهذه لي وعزتي وجلالي ورحمتي لا أدع في النار أحدًا يقول لا إله إلا اللَّه" (٥).

стр. 632

وأخرج الطبراني في الكبير، والبيهقي عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ليدخلن الجنة قوم من المسلمين قد عذبوا في النار برحمة اللَّه وشفاعة الشافعين" (١). وأخرج الإمام أحمد والبيهقي من حديث حذيفة نحوه (٢). وقال ﷺ : "أنا أول شافع وأول مشفع" رواه عنه أبو هريرة أخرجه مسلم (٣). وجابر بن عبد اللَّه أخرجه البيهقي (٤).

стр. 633

وعبد اللَّه بن سلام أخرجه البيهقي (١). وغير هؤلاء من الصحابة -رضوان اللَّه عليهم-. فيشفع يوم القيامة سائر الرسل والأنبياء والملائكة ﵈ والصحابة والشهداء والصديقون وهم العلماء والأولياء على اختلاف مراتبهم ومقاماتهم عند ربهم يشفعون (وبقدر جاههم ودرجاتهم) (٢). يشفعون لثبوت الأخبار وترادف الآثار وهو أمر جائز فوجب تصديقه والقول بموجبه. وقد أخرج الطبراني في الأوسط عن أنس ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يشفع اللَّه آدم يوم القيامة من جميع ذريته في مائة ألف ألف وعشرة الآف ألف" (٣). وأخرج ابن أبي عاصم والأصبهاني عن أبي أمامة مرفوعًا "يجاء بالعالم والعابد فيقال للعابد أدخل الحنة، ويقال للعالم قف حتى تشفع للناس" (٤).

стр. 634

ورواه البيهقي من حديث جابر وزاد في آخره: "بما كنت أحسنت أدبهم" (١). وأخرج الديلمي من حديث ابن عمر مرفوعًا: "يقال للعالم أشفع في تلامذتك ولو بلغ عددهم نجوم السماء" (٢). وأخرج أبو داود وابن حبان عن أبي الدرداء ﵁ (٣) سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "الشهيد يشفع في سبعين من أهل بيته" (٤). وأخرج نحوه الإمام أحمد والطبراني من حديث عبادة بن الصامت ﵁ (٥).

стр. 635

والترمذي وابن ماجة من حديث (المقدام) (١) بن معديكرب (٢). وأخرج البزار والبيهقي بسند صحيح عن أنس ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن الرجل ليشفع في الرجل والرجلين والثلاثة يوم القيامة" (٣). وأخرج الترمذي والحاكم وصححاه والبيهقي عن عبد اللَّه بن أبي الجدعاء ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "ليدخلن الجنة بشفاعة رجل من أمتي أكثر من بني تميم، قالوا: سواك يا رسول اللَّه، قال: سواي" (٤). قال الفريابي (٥) يقال: إنه عثمان بن عفان ﵁ (٦).

стр. 636

وأخرج الإمام أحمد، والطبراني، والبيهقي بسند صحيح عن أبي أمامة ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: "ليدخلن الجنة بشفاعة رجل ليس بنبي (١) مثل الحيين ربيعة ومضر" زاد في رواية: "بشفاعة رجل من أمتي" (٢). وأخرج الترمذي وحسنه والبيهقي عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن من أمتي لرجالًا يشفع الرجل منهم في الفئام من الناس فيدخلون الجنة بشفاعته ويشفع الرجل منهم للقبيلة فيدخلون الجنة بشفاعته ويشفع الرجل منهم (للرجل) (٣) وأهل بيته فيدخلون الجنة بشفاعته" (٤). قوله في الحديث: "الفئام من الناس": "هو بكسر الفاء مهموز الجماعة الكثيرة". وقد تكرر في الحديث كما في النهاية (٥). وفي القاموس: "الفئام ككتاب الجماعة من الناس لا واحد له من لفظه" (٦).

стр. 637

وأخرج البزار عن أبي موسى الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال: "الحاج يشفع في أربعمائة من أهل بيته" (١). والحاصل أن للناس شفاعات يوم القيامة عند ربهم بقدر أعمالهم وعلو مراتبهم وقربهم من اللَّه ﵎. (والقرآن يشفع (٢) لأهله) (٣). والإسلام يشفع لأهله (٤). والحجر الأسود يشفع لمستلمه (٥).

стр. 638

ولكن ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٨]. ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. وقد ورد في هذا الباب ما يزيد على الإسهاب، وقد ذكرنا ما لعله يقلع شروش (١) الاختلاج (٢) من خواطر من أذعن للنصوص النبوية والآثار المصطفوية، ولم يجنح لأهل الزيع والاعوجاج وخلع ربقة التقليد من عنقه ولم يتماد مع هواه وحمقه. فالنصوص متواترة والآثار متظافرة، والعقل الصحيح (لا يحيد عن ذلك) (٣) والنقل الصريح ناطق بما هنالك. فدع عنك نحلة أهل البدع والضلال وانهج سبيل من اتبع أهل الحق تسلم من الوبال، فإثبات الشفاعة حق لازم وصدق جازم فلا عقل يحيله ولا نقل يزيله، وما

стр. 639

كان هذا سبيله فهو الحصن الحصين، وباللَّه التوفيق (١). وقول الناظم -رحمه اللَّه تعالى-: (وقل) بلسانك معتقدًا بجنانك (إن عذاب القبر) واحد القبور ويجمع أيضًا جمع قله على أقبر، ويقال لمدفن الموتى مقبر. قال الشاعر: (٢) لكل أناس مقبر في فنائهم ... فهم ينقصون والقبور تزيد قال القرطبي: اختلف في أول من سن القبر، فقيل الغراب في قصة قتل هابيل، وقد قيل: إن قابيل كان يعرف الدفن، ولكن ترك أخاه استخفافًا به، فبعث اللَّه الغراب ليبحث في الأرض -يعني التراب- على هابيل ليدفنه كذا في التذكرة (٣). وقيل: إن اللَّه بعث غرابين فاقتتلا فقتل أحدهما الآخر ثم حفر له حفرة فدفنه، ففعل قابيل بأخيه كذلك، فكان ندمه لعدم هدايته أن يفعل كما فعل الغراب فصار الدفن سنة في بني آدم (٤). وفي التنزيل: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس: ٢١] أي جعل له قبرًا يوارى فيه إكرامًا له، ولم يجعله مما يلقى على وجه الأرض تأكله الطير والعوافي (٥). (بالحق): الذي يرادف الصدق أو هو أخص منه. قال العلماء: الحق هو الحكم المطابق للواقع وقد يطلق على الأقوال والعقائد

стр. 640

والأديان والمذاهب باعتبار اشتمالها على ذلك ويقابل الباطل. وأما الصدق فقد شاع في الأقوال خاصة ويقابله الكذب، وقد يفرق بينها بأن المطابقة تعتبر في الحق من جانب الواقع، وفي الصدق من جانب الحكم فمعنى صدق الحكم مطابقته الواقع ومعنى حقيته مطابقة الواقع إياه. (يوضح) أي يُظهر ويُكشف ويُبان بيانًا لا خفاء فيه، ولا شك يعتريه تصريحًا بحقية عذاب القبر ونعيمه خلافًا للمعتزلة ومن وافقهم من أهل العناد (١) والضلال والإلحاد. وفي بعض النسخ: (وقيل في عذاب القبر حق موضح) والأول أولى. وقد قدمنا عند قول الناظم -رحمه اللَّه تعالى-: ولا تنكرن جهلًا نكيرًا ومنكرًا ما لعله يشفي ويكفي (٢). ونزيد هنا أن مذهب سلف الأمة وأئمتها أن الميت إذا مات يكون في نعيم أو عذاب وأن ذلك يحصل لروحه وبدنه وأن الروح تبقى بعد مفارقة البدن منعمة أو معذبة، وأنها تتصل بالبدن أحيانًا يحصل له معها النعيم والعذاب كما في كتاب الروح للمحقق ابن القيم (٣). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -روح اللَّه روحه-: "النعيم والعذاب على النفس والبدن جميعًا باتفاق أهل السنة والجماعة تنعم النفس وتعذب منفردة عن البدن وتنعم وتعذب متصلة بالبدن والبدن متصل بها فيكون النعيم والعذاب عليهما في

стр. 641

هذه الحالة مجتمعين كما يكون للروح منفردة عن البدن. وهل يكون النعيم والعذاب للبدن بدون الروح هذا فيه قولان مشهوران لأهل الحديث وأهل الكلام قال: وفي المسألة أقوال شاذة ليست من أقوال أهل السنة (١). . قول من يقول إن النعيم والعذاب لا يكون إلا على الروح وأن البدن لا ينعم ولا يعذب، وهذا قول الفلاسفة المنكرين لمعاد الأبدان وهؤلاء كفار بإجماع المسلمين ويقوله أكثر من المعتزلة وغيرهم من أهل الكلام وإن قالوا بمعاد الأبدان وإنما ينكرون عذاب البدن في البرزخ فقط. ويقولون إن الأرواح هي المنعمة والمعذبة في البرزخ فإذا كان يوم القيامة نعمت الروح والبدن، أو عذبا معا، وهذا قاله طوائف من المسلمين من أهل الكلام والحديث وغيرهم وهو اختيار ابن حزم (٢) وابن مرة (٣) فهو (مرجوح لا باطل) (٤) إلا (٥) أن صاحبه يقر بعذاب القبر وبالقيامة ويثبت معاد الأبدان والأرواح. والحاصل أن الأقوال الباطلة ثلاثة: الأول: ما تقدم ذكره من قول الفلاسفة.

стр. 642

الثاني: قول من يقول إن الروح بمفردها لا تنعم ولا تعذب، وإنما الروح هي الحياة، وهذا قول طوائف من أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم وينكرون أن الروح تبقى بعد فراق البدن وهذا من أبطل الباطل وقد ثبت بالكتاب والسنة واتفاق الأمة أن الروح تبقى بعد فراق البدن وأنها منعمة أو معذبة حتى أن الفلاسفة يقرون بذلك، إلا أنهم ينكرون معاد الأبدان وهؤلاء يقرون بمعاد الأبدان، لكن ينكرون معاد الأرواح ونعيمها وعذابها بدون الأبدان وكلا القولين خطأ وضلال. نعم قول الفلاسفة أبعد عن أقوال أهل الإسلام، وإن كان يرافقهم عليه من يعتقد أنه يتمسك بدين الإسلام، بل من يظن أنه من أهل المعرفة والتصوف والتحقيق والكلام. والثالث: قول من يقول: ليس في البرزخ نعيم ولا عذاب، بل لا يكون ذلك حتى تقوم الساعة الكبرى كما يقوله من يقوله من المعتزلة وغيرهم ممن ينكر عذاب القبر ونعيمه، بناء على أن الروح لا تبقى بعد فراق البدن، وأن البدن لا ينعم ولا يعذب فهؤلاء على بدعة وضلال في أمر البرزخ، إلا أنهم خير من الفلاسفة لإقرارهم بالمعاد والقيامة الكبرى" (١). ومذهب أهل الحق أحق وهو مذهب سلف الأمة وسائر الأئمة، واللَّه تعالى الموفق.

стр. 643

فصل في ذكر بعض قبائح أهل البدع والضلال وتماديهم مع الغي وارتكاب المحال قال الناظم -رحمه اللَّه تعالى- بعد أن بين نهج أهل الحق وسبيل أصحاب الاتباع والصدق، كأنه يقول قد بينا ما يجب اعتقاده مما خالفنا فيه أهل البدع فاحذر أن تقول بقولهم، وتعتقد اعتقادهم، فحيث علمت ذلك فالزم مذهب أهل الحق. (ولا تكفرن) بضم التاء الفوقية وسكون الكاف وكسر الفاء وفتح الراء فهو مؤكد بالنون الخفيقة، أي لا تعتقد تكفير (أهل الصلاة) المعهودة التي هي أحد أركان الإسلام ومباني الدين (١). . . (*) (المحرم قتلها) (٢). والكفر ضد الإيمان وتفتح الكاف كالكفور والكفران بضمها، أي بضم الكاف فيهما. وفي الحديث: "من قال لأخيه يا كافر فقد باء به أحدهما" (٣). لأنه إما أن يصدق عليه أو يكذب، فإن صدق فهو كافر، وإن كذب عاد الكفر إليه بتكفيره أخاه المسلم.

стр. 644

قال في النهاية: "الكفر صنفان: أحدهما الكفر بأصل الإيمان وهو ضده، والآخر الكفر بفرع من فروع الإسلام فلا يخرج به عن أصل الإيمان". قال: "وقيل الكفر على أربعة أنحا: كفر إنكار بأن لا يعرف اللَّه أصلا ولا يعترف به. وكفر جحود، ككفر إبليس يعرف اللَّه بقلبه ولا يقر بلسانه. وكفر عناد، وهو أن يعترف بقلبه ويعترف بلسانه ولا يدين به حسدًا وبغيًا ككفر أبي جهل وأضرابه. وكفر نفاق، وهو أن يقر بلسانه ولا يعتقد بقلبه. قال الهروي (١) سئل الأزهري (٢) عمن يقول بخلق القرآن أتسميه كافرًا؟ فقال الذي يقوله كفر فأُعيد عليه السؤال ثلاثًا، وهو يقول مثل ما قال، ثم قال في الآخر قد يقول المسلم كفرًا" (٣).

стр. 645

ومنه حديث ابن عباس ﵄ قيل له: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]. (قال هم كفرة) (١) وليسوا كمن كفر باللَّه واليوم الآخر" (٢). ومنه حديثه الآخر: "ان الأوس والخزرج ذكروا ما كان منهم في الجاهلية فثار بعضهم إلى بعض بالسبوف فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾ [آل عمران: ١٠١] ولم يكن ذلك على الكفر باللَّه، ولكن على (تغطيتهم) (٣) ما كانوا عليه من الألفة والمودة" (٤). ومنه حديث ابن مسعود ﵁: "إذا قال الرجل للرجل أنت لي عدو، فقد كفر أحدهما بالإسلام" (٥) أراد كفر نعمته لأن اللَّه ألف بين قلوبهم فأصبحوا بنعمته إخوانًا فمن لم يعرفها فقد كفرها (٦). وفي الحديث الآخر: أنه ﷺ قال: "اطلعت على النار فرأيت أكثر أهلها النساء لكفرهن، قيل أيكفرن باللَّه؟ قال: لا ولكن يكفرن الإحسان ويكفرن العشير" (٧)

стр. 646

أي يجحدن إحسان أزواجهن" (١). و (الأحاديث) (٢) في المعنى كثيرة جدًا واللَّه أعلم* (٣). (وإن عصوا) بارتكاب الذنوب كبيرها وصغيرها ولو كانت تلك الذنوب (٤) (و) المعاصي قتل النفوس (٥) تعمدًا، خلافًا للخوارج والمعتزلة. قال الحافظ العلامة شمس الدين محمد بن عبد الهادي الحنبلي (٦) من بني قدامة في مناقب شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس اللَّه روحه-: "أول خلاف حدث في الملة في الفاسق الملي هل هو كافر أو مؤمن؟ فقال الخوارج إنه كافر. وقالت الجماعة إنه مؤمن.

стр. 647

وقالت طائفة المعتزلة هو لا مؤمن، ولا كافر، منزلة بين المنزلتين وخلدوه في النار، واعتزلوا حلقة الحسن البصري وأصحابه فسموا معتزلة" (١). وأما أهل السنة فلم يخرجوه من الإسلام، ولم يحكموا عليه بالخلود في النار، وإنما هو مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته، وهو في مشيئة اللَّه تعالى (٢). والخوارج يكفرون كل مرتكب لذنب ولو صغيرة، لأن عندهم كل ذنب كبيرة نظرًا لعظمة من عصي. وكل كبيرة كفر، فصاحب الذنب عندهم يخرج من الإيمان ويدخل (في) (٣) الكفر ويخلد في النار، قالوا لأنه لا يخلد في النار إلا الكفار، وعندهم من دخل النار لا يخرج منها أبدًا، وطريقة المعتزلة أن مرتكب الكبيرة خرج من الإيمان ولا يدخل في الكفر، فهو في منزلة بين الكفر والإيمان، ومع ذلك يخلدونه في النار مع قولهم: إن مرتكبي الكبائر لسيوا بكفار، فوافقوا الخوارج في خلود مرتكبي الكبائر في النار وخالفوهم بقولهم: إنهم ليسوا بكفار ودخول النار عندهم جميعًا مشترط حيث لم يتوبوا قبل معاينة الموت. والمعتزلة (من أول فرقة من فرق أهل الضلال) (٤) بعد الخوارج أسسوا قواعد

стр. 648

الخلاف لما ورد به ظاهر السنة وجرى عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ﵃ في باب العقائد. . وذلك أن رئيسهم واصل بن عطاء أبا حذيفة المعروف بالغزال المعتزلي مولى بني منبه، وقيل مولى بني مخزوم كان أحد البلغاء المتكلمين يجلس في حلقة الحسن البصري، وكانت الخوارج قد أظهرت القول بكفر مرتكبي الكبيرة، فقال واصل: إن مرتكب الكبيرة ليس بمؤمن ولا كافر، فأثبت منزلة بين منزلتين وألف كتابه: "المنزلة بين المنزلتين". فقال له الحسن البصري -رحمه اللَّه تعالى-: اعتزل عنا فسموا المعتزلة (١). وهم يسمون أنفسهم أصحاب العدل والتوحيد لقولهم بوجوب الثواب للمطيع والعقاب على العاصي على اللَّه تعالى. والتوحيد يعنون به نفي (٢) الصفات القديمة عنه تعالى (٣). وفي تاريخ ابن خلكان (٤) ذكر السمعاني (٥) في كتاب الأنساب في ترجمة المعتزلي (٦) أن واصل بن عطاء كان يجلس إلى الحسن البصري -رحمه اللَّه تعالى- فلما ظهر الاختلاف فقالت الخوارج بتكفير مرتكبي الكبائر، وقالت الجماعة بأنهم

стр. 649

مؤمنون وإن فسقوا بالكبائر فخرج واصل بن عطاء عن الفريقين وقال: إن الفاسق من هذه الأمة لا مؤمن ولا كافر، منزلة بين منزلتين فطرده الحسن من مجلسه فاعتزل عنه وجلس إليه عمرو بن عبيد فقيل لهما ولأتباعهما (معتزلون) (١). وذكر ابن خلكان في تاريخه أيضًا في ترجمة قتادة بن دعامة السدوسي البصري الأكمه وكان تابعيا عالمًا كبيرًا -قال: إنه دخل مسجد البصرة فإذا بعمرو بن عبيد ونفر قد اعتزلوا من حلقة الحسن البصري وحلقوا وارتفعت أصواتهم فأمهم وهو يظن أنها حلقة الحسن فلما صار معهم عرف أنها ليست هي فقال: إنما هؤلاء المعتزلة ثم قام عنهم فمنذ يومئذ سموا المعتزلة (٢). إذا علمت ما قررنا فالحق مذهب أهل الحق من أهل السنة والجماعة أن مرتكبي الكبائر في مشيئة اللَّه تعالى وعفوه لأن أصل الإيمان من التصديق باللَّه والمعرفة والإذعان موجود، فإذا مات مرتكب الكبيرة مصرًا على ذنبه فأمره مفوض إلى ربه وسعة رحمته (٣). (فكلهم): أي العباد إلا من عصمه اللَّه من المرسلين والأنبياء عليهم الصلاة والسلام أو حفظه من خواص الأولياء. (يعصى): من العصيان خلاف الطاعة، يقال عصاه يعصيه عصيًا ومعصية وعاصاه فهو عاص، والمعصية تشمل الكبائر والصغائر.

стр. 650

فما فيه حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة فهو كبيرة. وزاد شيخ الإسلام: "أو ورد في ارتكاب المعصية وعيد بنفى إيمان (أو لعن) (١) " (٢). وقيل: ما لحق صاحبها وعيد شديد بنص كتاب أو سنة، وما عدا ذلك فهو من الصغائر. (وذو): أي صاحب. (العرش): العظيم الذي هو أعظم المخلوقات وهو العالى عليها من جميع الجوانب. (يصفح): من الصفح وهو الإعراض عن المؤاخذة. وفي حديث أم المؤمنين عائشة الصديقة تصف أباها ﵄: "صفوح عن الجاهلين" (٣): أي كثير الصفح والعفو والتجاوز عنهم. ومنه: "الصفوح" في صفة اللَّه تعالى (٤) وهو العفو عن ذنوب العباد المعرض

стр. 651

عن عقوبتهم تكرمًا. كما في نهاية ابن الأثير (١) فالمولى الكبير يغفر الذنب الكبير، ولا يؤاخذ بالتقصير. وقد ورد في الكتاب والسنة ما يؤيد ما ذهب إليه أهل الحق وأجمعوا عليه من الحق والصدق. كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ الآية (٢) [البقرة: ١٧٨]. وفي ذلك يقول: "فمن عفي له من أخيه شيء" فأثبت له أخوة الإيمان (٣). وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التحريم: ٨]. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا. . .﴾ [الحجرات: ٩ - ١٠] إلى قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾. وفي الصحيحين عن النبي ﷺ من حديث عبادة بن الصامت ﵁ أنه قال وحوله عصابة من أصحابه: "بايعوني على أن لا تشركوا باللَّه شيئًا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ولا تعصوني في معروف فمن وفّي منكم فأجره على اللَّه ومن أصاب من ذلك شيئًا. . . (٤) فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئًا

стр. 652

ثم ستره اللَّه فهو إلى اللَّه إن شاء عفى عنه وإن شاء عاقبه". قال: فبايعناه على ذلك (١). وقال ﷺ فيما يرويه عن ربه تعالى: "ابن آدم لو لقيتنى بقراب (٢) الأرض خطايا ثم أتيتني لا تشرك بي شيئًا لأتيتك (٣) بقرابها مغفرة" (٤) أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح. وأخرجه الطبراني من حديث ابن عباس ﵄ (٥) وأبو عوانة (٦) في مسنده من حديث أبي ذر.

стр. 653

ورواه أيضًا الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي ذر (١). وأخرج مسلم في صحيحه عن أبي ذر عن النبي ﷺ قال: "يقول اللَّه تعالى: من تقرب مني شبرًا تقربت منه ذراعًا، ومن تقرب مني ذراعًا تقربت منه باعًا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة، ومن لقيني بقراب الأرض خطيئة لا يشرك بي شيئا لقيته بقرابها مغفرة" (٢). وأخرج الإمام أحمد من رواية أخشن السدوسي قال: دخلت على أنس ﵁ فقال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "والذي نفسي بيده لو أخطأتم حتى تملأ خطاياكم ما بين السماء والأرض ثم استغفرتم اللَّه لغفر لكم" (٣).

стр. 654

وقال ﷺ : "من مات لا يشرك باللَّه شيئًا دخل الجنة" (١). وقال: "من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا اللَّه دخل الجنة" (٢). وقال: "إن اللَّه حرم على النار من قال لا إله إلا اللَّه يبتغي بذلك وجه اللَّه" (٣). فالتوحيد أعظم أسباب المغفرة كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]. فدلت الآية مع حديث أنس أن من جاء مع التوحيد بملء الأرض خطايا لقيه اللَّه بملئها مغفرة مع مشيئة اللَّه تعالى فإن شاء غفر له وإن شاء وأخذه بذنبه ثم كان عاقبته أن لا يخلد في النار، بل يخرج منها ثم يدخل الجنة. قال بعض المحققين الموحد لا يلقى في النار، كما يلقى الكفار، ولا يبقى فيها كما تبقى الكفار (٤).

стр. 655

فدل الكتاب والسنة واتفاق الفرقة الناجية على أنه لا يخلد في النار أحد من أهل التوحيد. وأما قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا﴾ [النساء: ٩٣]. ونظائر أمثالها من نصوص الوعيد كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن: ٢٣] (١). وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠]. وكذا ما ورد من السنة كقوله ﷺ : "من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ (٢) بها خالدًا مخلدًا في نار جهنم" (٣). ونظائره كثيرة. فحمله قوم على المستحل فيكون كافرًا. وأما من فعل هذه الأفعال من غير استحلال لم يلحقه وعيد الخلود وإن لحقه وعيد الدخول، وقد أنكر سيدنا الإمام أحمد ﵁ هذا القول وقال: لو

стр. 656

استحل ذلك ولم يفعله كان كافرا والنبي ﷺ إنما قال من فعل كذا وكذا. وقالت فرقة أخرى الاستدلال بنصوص الوعيد هذه مبني على ثبوت العموم، قالوا: وليس في اللغة ألفاظ عامة وقصدوا بذلك تعطيل هذه الأدلة عن استدلال الخوارج والمعتزلة بها، لكن ذلك يستلزم تعطيل جملة الشرع فردوا باطلًا بأبطل منه وأبطلوا بدعة بأقبح منها، فكانوا كمن رام أن يبني قصرًا فهدم مصرًا. وقالت فرقة أخرى في الكلام إضمار فمنهم من قال بإضمار الشرط أي فجزاؤه كذا إن جازاه أو إن شاء. ومنهم من قال بإضمار الاستثناء والتقدير: فجزاؤه كذلك إلا أن يعفو. وقالت فرقة أخرى هذا وعيد واخلاف الوعيد لا يذم بل يمدح فيجوز على اللَّه إخلاف الوعيد لا إخلاف الوعد. والفرق بينهما أن الوعيد حقه فإخلافه عفو وهبة وإسقاط ذلك منه من موجبات كرمه وجوده وإحسانه وامتنانه. والوعد أوجبه على نفسه بموعده واللَّه لا يخلف الميعاد. ولهذا مدح به كعب (١) بن زهير ﵁ رسول اللَّه ﷺ حيث قال:

стр. 657

نبئت أن رسول اللَّه أوعدني ... والعفو عند رسول اللَّه مأمول (١). و (٢) كان قد تناظر في هذه المسألة أبو عمرو بن العلاء (٣) أحد القراء السبعة وعمرو بن عبيد المعتزلي رفيق واصل بن عطاء فقال عمرو بن عبيد: يا أبا عمرو لا يخلف اللَّه وعده وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ [النساء: ٩٣] فقال أبو عمرو: ويحك يا عمرو من العجمة أتيت إن العرب لا تعد إخلاف الوعيد ذمًا، بل جودًا وكرمًا، أما سمعت قول الشاعر (٤): ولا يرهب ابن العم ما عشت صولتي ... ولا أختتي (٥) من صولة المتهددِ وإني إن أوعدته أو وعدته ... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي

стр. 658

وعلى كل حال فقد قام الدليل على ذكر الموانع من إنفاذ الوعيد بعضها بالإجماع وبعضها بالنص، فالتوبة مانعة بالإجماع. والتوحيد مانع بالنصوص المتواترة التي لا مدفع لها والحسنات العظيمة الماحية مانعة، والمصائب المكفرة مانعة، وإقامة الحدود في الدنيا من الموانع بالنص فلا تعطل هذه النصوص وأضعاف (أضعاف) (١) أضعافها. فلا بد من إعمال النصوص من الجانبين. ومن ثم قامت الموازنة بين الحسنات والسيئات اعتبارًا لمقتضى العقاب ومنعه إعمالًا لأرجحها، وعلى هذا بناء مصالح الدارين ومفاسدهما، وبناء الأحكام الشرعية، والأحكام القدرية وهو مقتضى الحكمة السارية في الوجود، وبه ارتباط الأسباب ومسبباتها خلفًا وأمرًا، وقد جعل اللَّه تعالى لكل ضد ضدا يدافعه ومانعًا يمانعه، ويكون الحكم للأغلب منهما حكمة باهرة" (٢). وقدرة قاهرة، تحير في مجاري تصاريفها العقول، وتعجز عن الإحاطة بتعاريفها النقول. والحاصل واللَّه تعالى أعلم: كون المذنب الملي وإن كثرت ذنوبه وعظمت خطاياه في مشيئة مولاه إن شاء عافاه (٣). وعلى كل حال القول بخلود أهل التوحيد في النار يعد من المحن والوبال، وهو من شعار أهل البدع والضلال، والصواب اجتناب اعتقاده وعدم الالتفات إلى من

стр. 659

تمادى في جهله وعناده والتعويل على مذهب أهل الحق ووجوب اعتقاده وباللَّه التوفيق (١).

стр. 660

فصل في الكلام على الإيمان وبيان تباين أقوال الناس فيه وترجيح المستحق للرجحان بالدليل الثابت وإقامة البرهان قال الناظم -رحمه اللَّه تعالى- معتمدًا مذهب السلف الصالح من الصحابة ﵃ والتابعين لهم بإحسان: (وقل) بلسانك معتقدًا بجنانك مذعنًا بأركانك (إنما) أداة حصر. (الإيمان): وهو لغة التصديق واصطلاحًا: تصديق الرسول فيما جاء به عن ربه. وهذا القدر متفق عليه ثم وقع الاختلاف هل يشترط مع ذلك مزيد أمر من جهة إبداء هذا التصديق باللسان المعبر عما في القلب إذْ التصديق من أفعال القلوب، أو من جهة العمل بما صدق به من ذلك كفعل المأمورات وترك المحظورات، وهذا هو الذي اشتهر من مذهب السلف (١) ولذا قال: الإيمان عند السلف ومن نحا منحاهم من الخلف: (قول) باللسان فمن لم يقر وينطق بلسانه مع القدرة لا يسمى مصدقًا، فليس هو إذًا بمؤمن كما اتفق على ذلك سلف الأمة من الصحابة والتابعين لهم بإحسان. (ونية): أي قصد إذْ النية هى القصد أي عقد بالجنان فمن تكلم بكلمة التوحيد غير جازم بها بقلبه إما مع الشك (والتردد) (٢) وإما مع اعتقاده خلاف ما شهد به فهو منافق، وليس بمؤمن خلافًا للكرامية الزاعمين بأن الإيمان هو القول الظاهر

стр. 661

فعندهم الإيمان مجرد الكلمة، وإن لم يكن معتقدًا لها بقلبه، وإذا كان مصدقًا بقلبه غير ناطق بلسانه مع القدرة فهو غير مؤمن أيضًا عند سلف الأمة خلافا للجهمية ومن وافقهم من المتكلمة. قال اللَّه تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨]. فنفى تعالى الإيمان عن المنافقين وهذا يرد مذهب الكرامية فإن المنافق ليس بمؤمن وقد ضل من سماه مؤمنًا، وكذلك من قام بقلبه علم وتصديق وهو يجحد الرسول وما جاء به ويعاديه كاليهود وغيرهم ممن سماه اللَّه كافرًا ولم يسمهم مؤمنين قط ولا دخلوا في شيء من أحكام الإيمان فهم كفار خلافًا للجهمية ومن وافقهم في زعمهم أنهم إذا كان العلم في قلوبهم فهم مؤمنون كاملوا الإيمان حتى زعموا أن إيمانهم كإيمان النبيين والصديقين. وفي الآيات القرآنية والأحاديث النبوية ما يقلع شروش (١) هذا الضلال ويقمع رؤوس هذا الوبال ممن اتبع هواه وخالف مولاه. كقوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا. . .﴾ الآية [النمل: ١٤]. ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦]. ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩]. إلى غير ذلك من الآيات الصريحة والأخبار الصحيحة.

стр. 662

(وفعل): بالأركان وهذا هو اللفظ الوارد عن السلف ولذا قال ﵀: (على قول النبي) ﷺ (مصرح) به بالرفع صفة لفعل وما قبله من القول والنية. قال البخاري في صحيحه: "الإيمان قول وعمل" (١). قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري بشرح البخاري: "هذا هو اللفظ الوارد عن السلف الذين أطلقوا ذلك". وقد روى مرفوعًا (٢). قال: والمراد بالقول: النطق بالشهادتين، وأما العمل فالمراد به ما هو من عمل القلب والجوارح ليدخل الاعتقادات (٣) والعبادات ومراد من أدخل ذلك في تعريف الإيمان ومن نفاه، إنما هو بالنظر إلى ما عند اللَّه تعالى فالسلف قالوا: هو اعتقاد بالقلب، ونطق باللسان، وعمل بالأركان. وأرادوا بذلك أن الأعمال شرط في كماله ومن هنا نشأ عنهم (٤) القول بزيادة

стр. 663

الإيمان ونقصه كما يأتي بعد هذا. والمرجئة (١) قالوا: هو اعتقاد ونطق فقط. والكرامية (٢) قالوا: هو نطق به فقط. والمعتزلة (٣) قالوا: هو العمل والنطق والاعتقاد كالسلف (٤). والفرق بين المعتزلة وبين السلف: أن المعتزلة جعلوا الأعمال شرطًا في صحته والسلف جعلوها شرطًا في كماله وهذا بالنظر إلى ما عند اللَّه تعالى أما بالنظر إلى ما عندنا فالإيمان هو الإقرار فقط، فمن أقر أجريت عليه الأحكام في الدنيا ولم يحكم عليه بكفر إلا إن بإقرن بإقراره فعل يدل على كفره كالسجود للصنم، فإن كان

стр. 664

الفعل لا يدل على الكفر كالفسق: فمن أطلق عليه الإيمان فبالنظر إلى إقراره ومن نفى عنه الإيمان فبالنظر إلى كماله، ومن أطلق عليه الكفر فبالنظر إلى أنه فعل فعل الكافر، ومن نفاه عنه فبالنظر إلى حقيقته. وأما المعتزلة فأثبتت الواسطة كما مر فقالوا: الفاسق لا مؤمن ولا كافر" (١). انتهى. وقال الحافظ ابن رجب (٢) في "شرح الأربعين" وغيره: "المشهور عن السلف وأهل الحديث أن الإيمان قول وعمل ونية وأن الأعمال كلها داخلة في مسمى الإيمان" (٣). وفي كتاب الأم للإمام الشافعي ﵁ في باب النية: كان الإجماع من الصحابة والتابعين ومن بعدهم ومن أدركناهم يقولون: "الإيمان قول وعمل ونية ولا يجزئ واحد من الثلاثة إلا بالآخر" (٤). قال الحافظ ابن رجب: "انكر السلف على من أخرج الأعمال عن الإيمان إنكارًا شديدًا، وممن أنكر ذلك على قائله وجعله محدثًا: سعيد (٥) بن جبير،

стр. 665

وميمون (١) بن مهران، وقتادة (٢)؛ وأيوب السختياني (٣)؛ والنخعي (٤)، والزهري (٥)؛ ويحيى بن (أبي) كثير (٦) وغيرهم" (٧). وقال الثوري: (٨) "هو رأى محدث أدركنا الناس على غيره" (٩). وقال الأوزاعي: (١٠) "كان من مضى من السلف لا يفرقون بين الإيمان والعمل فمن استكملهما استكمل الإيمان، ومن لم يستكملهما لم يستكمل

стр. 666

الإيمان" ذكره البخاري في صحيحه (١). وقد دل على دخول الأعمال في الإيمان قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]. وفي الصحيحين من حديث ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال لوفد عبد القيس: "آمركم بأربع: الإيمان باللَّه، وهل تدرون ما الإيمان باللَّه؟ شهاده أن لا إله إلا اللَّه وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وأن تعطوا من المغانم الخمس" (٢). وفي الصحيحين أيضًا من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا اللَّه، وأدناها

стр. 667

إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان" (١). قال شيخ الإسلام -روح اللَّه روحه-: قال (أبو القاسم) (٢) الأنصاري شيخ الشهرستاني في شرح الإرشاد لأبي المعالى (٣) بعد أن ذكر قول أصحابه الأشاعرة من أن الإيمان مجرد التصديق. وذهب أهل الأثر إلى أن الإيمان جميع الطاعات فرضها ونفلها وعبروا عنه بأنه: إتيان ما أمر اللَّه فرضًا ونفلًا والانتهاء عما نهى عنه تحريمًا وأدبًا، قال: وبهذا كان يقول أبو علي الثقفي (٤) من متقدمي أصحابنا وأبو العباس القلانسي (٥).

стр. 668

وقد مال إلى هذا المذهب أبو عبد اللَّه بن مجاهد (١) وهذا قول مالك بن أنس (٢) إمام دار الهجرة ومعظم أئمة السلف ﵃ فكانوا يقولون: الإيمان معرفة بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالأركان" (٣). زاد بعض السلف من أهل السنة: واتباع السنة لأن العمل لا يكون محبوبًا للَّه تعالى إلا بذلك. كما قال سهل بن عبد اللَّه التستري (٤): "الإيمان قول وعمل ونية وسنة لأن الإيمان إن كان قولًا بلا عمل فهو كفر، وإذا كان قولًا وعملًا بلا نية فهو نفاق، وإذا كان قولًا وعملًا ونية بلا سنة فهو بدعة" (٥). قال شيخ الإسلام -روح اللَّه روحه-: "الإيمان الذي أصله في القلب لابد فيه من شيئين: تصديق القلب وإقراره ومعرفته، ويقال لهذا قول القلب، فإذا كان في القلب معرفة وإرادة سرى ذلك إلى البدن بالضرورة فلا يمكن أن يتخلف البدن عما يريده القلب، ولهذا قال ﷺ : "ألا وإن في الجسد مضغة

стр. 669

إذا صلحت صلح لها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد ألا وهي القلب" (١). وقال أبو هريرة ﵁: "القلب ملك والأعضاء جنوده" (٢). قال شيخ الإسلام: "لابد في الإيمان القلبي من حب اللَّه ورسوله وأن يكون اللَّه ورسوله أحب إليه مما سراهما، والمحبة تستلزم إرادة والإرادة التامة مع القدرة تستلزم الفعل فيمتنع أن يكون الإنسان محبًا للَّه ورسوله مريدًا لما يحبه اللَّه ورسوله إرادة جازمة مع قدرته على ذلك وهو لا يفعله. فإذا لم يتكلم بالإيمان مع قدرته دل على أنه ليس في قلبه الإيمان الواجب الذي فرضه اللَّه عليه. ومن هنا يظهر خطأ قول جهم ومن وافقه حيث ظنوا أن الإيمان مجرد تصديق القلب وعمله ثم جعلوا إيمان القلب هو الإيمان وظنوا أنه قد يكون الإنسان مؤمنا كامل الإيمان بقلبه، وهو مع هذا يسب اللَّه ورسوله ويعادي أولياء اللَّه ويوالي أعداء اللَّه ويقتل الأنبياء ويهدم المساجد ويهين المصاحف ويكرم الكفار ويهين المؤمنين. قالوا: وهذه كلها معاصي لا تنافي الإيمان الذي في القلب، بل يفعل هذا وهو عند اللَّه مؤمن في الباطن.

стр. 670

قالوا: وإنما تثبت له في الدنيا أحكام الكافر، لأن هذه الأقوال والأفعال أمارة على الكفر فيحكم بالظاهر، كما يحكم بالإقرار والشهود، وإن كان الباطن قد يكون بخلاف ما أقر به وشهد الشهود به. فإذا أورد عليهم الكتاب والسنة والإجماع على أن الواحد من هؤلاء كافر في نفس الأمر معذبًا في الآخرة. قالوا: هذا دليل على انتفاء التصديق، والعلم من قلبه والكفر عندهم شيء واحد وهو الجهل، والإيمان شيء واحد وهو العلم. وربما قالوا: الكفر تكذيب القلب والإيمان تصديقه فإنهم متنازعون، هل تصديق القلب شيء غير العلم أو هو هو (١). قال شيخ الإسلام: "وهذا القول مع أنه أفسد قول قيل في الإيمان، فقد ذهب إليه كثير من أهل الكلام، قال وقد كَفَّرَ السلف كوكيع (٢) بن الجراح والإمام أحمد وأبي عبيد (٣) وغيرهم ﵃ من يقول بهذا القول". وقالوا: إبليس كافر بنص القرآن، وإنما كفره باستكباره وامتناعه من السجود لآدم لا لكونه كذب خبرًا، وكذلك فرعون وقومه، قال اللَّه تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤]. وقال موسى ﵇ لفرعون: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٢].
следующие страницы →