"كانوا مضرب الأمثال في الإهتمام بإقتناء الكتب وتملكها". (١)
وقد تولى ابن القطان نظارة هذه المكتبة، فمكنه ذلك من الوقوف على جميع مصادر عبد الحق إلا النادر منها، ولهذا قال ابن القطان في مقدمة البيان:
(فليس في كتاب أبي محمد عبد الحق حديث إلا وقفت عليه في الوضع الذي نقله منه، بل في مواضع لم يرها هو قط، بل لعله ما سمع بها، إلا أحاديث يسيرة لم أقف عليها في مواضعها). (٢)
وحتى ابن المواق يعد العثور على حديث لم يعثر عليه ابن القطان من الأمور المستبعدة، ولهذا قال عندما تكلم على حديث عصمة بن مالك الذي نسب عبد الحق تخريجه إلى النسائي:
(وناهيك ألا يقف عليه عَ مع تمكنه من الخزانة السلطانية، وشدة اعتنائه بهذا الفن). (٣)
ولعل د. إبراهيم بن الصديق لم يجانب الصواب حينما وصف مكتبة الموحدين بأنها كانت آنذاك أعظم مكتبات العالم الإسلامي. (٤)
стр. 72
الفصل الثالث
ابن رُشَيْد السبتي (٦٥٧ - ٧٢١ ه ـ)
المبحث الأول: التعريف بابن رشيد السبتي
المبحث الثاني: شيوخ ابن رشيد السبتي
المبحث الثالث: تلاميذ ابن رشيد السبتي
المبحث الرابع: مذهب ابن رشيد الفقهي
المبحث الخامس: رحلة ابن رشيد إلى الأندلس وفاس
المبحث السادس: مصنفات ابن رشيد
المبحث السابع: مكانة ابن رشيد العلمية
стр. 73
المبحث الأول: اسم ابن رشيد ونسبه:
فىِ المرحلة الأولى لقيام الدولة المرينية بالغرب، وفي ظل السيادة القاسمية العرفية على مدينة سبتة ولد بهذا الثغر محب الدين؛ أبو عبد الله بن رشيد.
هو: أبو عبد الله محمد بن عمر بن محمد بن عمر بن محمد بن إدريس بن سعيد بن مسعود بن حسن بن محمد بن عمر بن رُشَيْد الفهري السبتي، من أهل سبتة، يعرف بابن رشيد، كأنه تصغير رُشْد، ولقبه محب الدين. (١)
المبحث الثاني: المذهب الفقهي لإبن رشيد:
أبو عبد الله بن رشيد مالكي المذهب، وهذا ما حدا بذكر ترجمته في كتب طبقات المالكية من طرف كل من ابن فرحون (٢)، وابن مخلوف (٣)، ولكن هذا لا يمنع من أن يكون له اجتهادات تخالف المذهب، (٤) أما من حيث العقيدة فهو على مذهب أهل الحديث في إمرار الصفات وعدم تأويلها.
стр. 74
المبحث الثالث: شيوخ ابن رشيد:
نشأ ابن رشيد في مدينة سبتة، وأخذ بها عن أعلامها، وعلى يدهم تكون علمه، وتفجرت قريحته، وهذه أسماء بعض شيوخه بسبتة:
١ - عبيد الله بن أبي الربيع، أبو الحسين، (ت ٦٨٧) وكان إماما في النحو، فقيها فرضيا، لازمه ابن رشيد، وأخذ عنه القرآن بالقراءات السبع بمضمن كتاب التيسير، وقيد عنه تقييدا حسنا على كتاب سيبويه. (١)
٢ - علي بن محمد، أبو الحسن التلمساني الكتامي، المعروف بابن الخضار (٦٨٣ هـ)، قرأ عليه القراءات السبع بأحكامها. (٢)
٣ - عبد العزيز الغافقي، سمع منه ابن رشيد صحيح البخاري. (٣)
فما أنس من نفشه أنه أتم أخذ ما عندهم حتى تاقت نفسه إلى الرحلة، وهو لا -يز ال في عنفوان الشباب -أواسط العقد الثالث من عمره- فكانت رحلته لأداء فريضة الحج ولإتمام المعلومات، ولقاء المشايخ، وأخذ الإجازات، ومما يؤكد ذلك ما سطره في رحلته الحافلة من مناقشات ومذاكرات ومساجلات دارت بينه وبين من لقيه من العلماء والمحدثين تبين فيها نبوغه، وظهر فيها تفوقه.
قال ابن القاضي: (رحل إلى المشرق لأداء فريضة الحج سنة تلاث وثمانين وست مائة (٦٨٣)، وكانت إجازته البحر من المرية، فتلاقي بها هو والوزير أبو عبد الله محمد بن الحكيم، وكان قصدهما واحدا، ومأمهما متعاضدا، فترافقا في السفر، كما ترافقا في الوطن، فدخل إفريقية ومصر والشام وأخذ بها وبالحجاز عمن لقي من الأئمة الأعلام). (٤)
стр. 75
بغية النقاد النقلة
فيما أخل به كتاب «البيان» وأغفله أو ألم به فما تممه ولا كمله
تأليف
الحافظ أبي عبد الله محمد بن أبي يحيى أبي بكر بن خلف الشهير بابن المواق (٥٨٣ - ٦٤٢ هـ)
دراسة وتحقيق وتعليق
الدكتور محمد خرشافي
أضواء السلف
стр. 76
قال ابن رشيد في وصفه: (وهو شيخ في أخلاقه شكاسة وكبر وعدم فهم ... سمع الأربعين البلدانية للسلفي على الصفراوي، وسمع الخلعيات علي ابن عماد الحراني، وأجاز له جماعة ...). (١)
٢ - أبو القاسم عبد الرحمن بن سليم بن منصور الهمداني الشافعي، ويلقب بـ"علم الدين". ذكر ابن رشيد أنه أحد وجوه الإسكندرية، وأنه أجاز له ولأبنائه وأخواته، وكتب له بخطه، وله خط جيد، وفيه نبل وفطانة ويقظة، وسمى بعض شيوخه، ثم روى من طريقه حديث عمرو بن نفيل مرفوعا (الكمأة من المن الذي أنزل الله علي بني إسرائيل، وماؤها شفاء للعين). (٢)
٣ - عبد الله بن منصور بن علي، الملقب بالمكين الأسمر، أحد الصلحاء الفضلاء، وكان متصدرا لإقراء القرآن بالإسكندرية.
قال ابن رشيد: (قرأت عليه بدكان منزله -عمره الله ببقائه- ضحى يوم السبت الحادي والعشرين لجمادى الآخرة من عام أربعة المذكور جميع المجالس الخمسية السلماسية، التي أملاها الحافظ أبو طاهر السلفي بسلماس سنة ست وخمس مائة). (٣)
٤ - أبو الحسن علي بن محمد بن يوسف بن عفيف الخزرجي الساعدي، ويلقب بضياء الدين، ويشهر بالخزرجي، من أهل غرناطة، رحل عن الأندلس قديما واستقر بالإسكندرية. وضياء الدين هذا شيخ صالح فاضل ثبت حاضر الذهن، عدل بالديار المصرية، أديب ناظم. أخذ عنه الحديث، وأول سماعه منه الحديث المسلسل: الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء). (٤)
стр. 77
٥ - أبو الحسن علي بن أبي العباس أحمد بن عبد المحسن، المعروف بالغَرَّافي (١)، سأله ابن رشيد الإجازة فأجابه متمثلا بالبيتين:
علم الحديث فضيلة تحصيلها ... بالسعي والتطواف في الأمصار
فإذا أردت حصولها بإجازة ... فقد استعضت الصفر بالدينار
ذكر ابن رشيد طائفة من مرويات الغرافي، وعدد مجموعة من شيوخه، ونص على سماع ٥ منه، فذكر من ذلك: "ثلاثيات أبي عبد الله البخاري" وأرخ هذا السماع بالتاسع والعشرين لشهر جمادى الأولى عام أربعة وثمانين وستمائة، وعين موقعه بدار الحديث النبيهة بثغر الإسكندرية المحروس. (٢)
هذه نماذج من شيوخ ابن رشيد بالإسكندرية، وغيرهم كثير.
ثم انتقل أبو محمد إلى القاهرة وبها وجد بغيته في مجموعة من الشيوخ الذين كانت لهم مكانة رفيعة في مختلف العلوم، وخاصة علم الحديث النبوي الشريف، وهؤلاء بعضهم:
١ - أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن محمد بن أبي نصر الحلبي المشهر بابن النحاس، ويلقب ببهاء الدين، وهو أحد أعلام الديار المصرية، إمام في العربية والآداب والخلات، وله نظم رائق، ونثر فائق، وكرم ذات، ومروءة ظاهرة وأخلاق طاهرة، ورواء وبهاء، كانت لإبن رشيد معه عدة لقاءات، منها لقاء في مصر، وآخر في القاهرة - بمسجد الأقمر - وبعد فراغ ابن النحاس من درسه صحبه ابن رشيد إلى منزله، فأكرم وفادته، وعرض عليه جميع كتبه -أو أكثرها- وقال له: حكمك فيها ماض، وهي مباحة لك.
أخذ عنه ابن رشيد كتاب سيبويه، وسمع منه قطعة منتخبة من مسند عبد بن
стр. 78
حميد. (١)
٢ - أبو بكر محمد بن إسماعيل بن عبد الله بن عبد المحسن الأنصاري، الشهير بابن الأنماطي. وصفه ابن رشيد بـ (الشيخ الحبيب الأصيل الراوية المسند). قرأ عليه جميع الثلاثيات المستخرجة من مسند عبد بن حميد بمنزل سكناه، وذلك في ظهر يوم الإثنين الثاني والعشرين من شهر رجب لعام أربعة وثمانين وست مائة. كما سمع منه جميع الجزء الأول من حديث بشر بن مطر عن ابن عيينة. (٢)
٣ - أبو عبد الله محمد بن أبي محمد عبد المنعم بن محمد بن يوسف بن أحمد اليماني الأنصاري المعروف بابن الخيَّمي، وصفه ابن رشيد بقوله: (الأديب البارع، الإمام العالم الصوفي الفاضل المعمر، الحسن السمت والصمت).
سمع عليه ابن رشيد جامع الترمذي من باب ما جاء في البكاء من خشية الله إلى آخر باب: الإستئذان ثلاثا، ومن باب ما جاء مثل النبي والأنبياء إلى آخر الكتاب. (٣)
٤ - أبو الفتح محمد بن مجد الدين علي بن وهب القشيري، الشهير بابن دقيق العيد، وصفه ابن رشيد بقوله: (الإمام الأوحدِ، العلامة المجتهد، مفتي الإسلام، ذو التصانيف الجليلة والمباحث الدقيقة، مدرس المذهبين المالكي والشافعي، بقية العلماء الأعلام) (٤). لقيه ابن رشيد أول ما لقيه بالمدرسة الصالحية - دخلها لحاجة عرضت له - وحدث أن سئل الشيخ عن قراءة البسملة في فاتحة الكتاب في الصلاة، فأجاب الشيخ، واستأذن ابن رشيد في ذكر ما يشهد لإختياره، فأذن له، وجرت بينهما مذاكرة طيبة في السألة أوردها ابن رشيد في
стр. 79
رحلته (١)، ثم ذكر مروياته عنه.
ومن الشام توجه ابن رشيد إلى الحجاز، فالتقى بمشايخ بالمدينة المنورة من أهلها، أو من الوافدين عليها لأداء فريضة الحج؛ نذكر منهم:
١ - أبو إسحاق إبراهيم بن يحيى الفأسي (٢) لقيه ابن رشيد شرقي مسجد النبي ﷺ ، وقد أقعده الكبر عن التصرف، وكان شيخا فاضلا نبيها، حسن البشر، جميل اللقاء، حاضر الذهن، كريم الخلق. قرأ عليه ابن رشيد جميع ثلاثيات البخاري. (٣)
٢ - أبو محمد عبد السلام بن محمد بن مزوع بن أحمد بن عزاز، لقب بعفيف الدين، البصري ثم المدني الحنبلي، جار رسول الله ﷺ ، وصفه ابن رشيد بقوله: (الشيخ الإمام الفاضل الثقة المرضي النحوي). سمع عليه وأجازه الجزء الأول والثاني من حديث أبي علي الحسن بن أحمد بن إبراهيم بن شاذان عن شيوخه. (٤)
٣ - أبو نصر، وأبو الحجاج يوسف بن أبي نصر بن أبي الفرج بن أبي نصر بن الشُّقَاري، لقب بعماد الدين، قدم المدينة زائرا في ركب الشام، وصفه ابن رشيد بقوله: (الشيخ الجليل الفاضل). قرأ عليه ابن رشيد جميع ثلاثيات البخاري بسماعه على ابن الزبيدي بسنده المشهور. (٥)
٤ - أحمد بن عثمان بن عمر الشافعي، الصري، خطيب المسجد النبوي، قرأ
стр. 80
عليه ثلاثيات البخاري. (١) وتوجه ابن رشيد من المدينة إلى مكة شرفها الله (٢)، لأداء فريضة الحج، وممن التقى بها وأخذ عنهم من المشايخ:
١ - ٢ - أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن خليل العسقلاني، وأخوه أحمد ابن أبي بكر، أخوان فاضلان، فقيها الحرم الشريف ومفتياه، من أهل مكة، لقيهما ابن رشيد بمنزلهما من الحرم الشريف فتذاكر معهما في مسائل فقهية وأصولية، وكان أول حديث سمعه ابن رشيد منهما - بمنزلهما - حديث عبد الله بن عمرو ﵁، عن رسول الله ﷺ : "الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء). (٣)
كما سمع من محمد بن أبي بكر بعض (الأربعين حديثا من رواية المحمدين)، (٤) وأجازه ما فيها بالجملة إن لم يكن بالخصوص. (٥)
٣ - أبو اليمن عبد الصمد بن عبد الوهاب بن الحسن بن محمد بن الحسن ابن هبة الله الدمشقي، المعروف بابن عساكر، الشافعي، نزيل مكة. سمع عليه ابن رشيد جملة من الصنفات بأسانيده فيها، منها: كتاب تحفة عيد الأضحى، لأبي القاسم زاهر بن طاهر الشحامي، وجزء من مسلسل يوم العيد، تخريج أبي القاسم علي بن حسن بن هبة الله الشافعي عن شيوخه، كما سمع عليه طائفة من أشعاره ... (٦)
стр. 81
المبحث الرابع: تلاميذ ابن رشيد:
عرف ابن رشيد في المرحلة الأولى من حياته بشفغه الكبير لأخذ العلم وتحصيله على أيدي المشايخ، سواء في بلده أو في البلدان التي حلها في طريقه إلى المشرق ذهابا وإيابا، ثم لما اتسع أفق معرفته في الرواية والتحصيل صارت له حلقات للتدريس أينما حل وارتحل حتى اشتهر بمجالسه الحديثية التي كان لِعقدها في سبتة ثم غرناطة ثم مراكش، وأخيرا بمدينة فاس، ولا غرو أن يكون له عدد كبير من التلاميذ والآخذين عنه، وهؤلاء أسماؤهم منتورة بين ثنايا الترجمات في الكتب التي ترجممت لإبن رشيد أو للأعلام المعاصرين. له؛ ومنهم: ابن جزي، وأبو البركات بن الحاج، وأبو الفضل عمر بن إبراهيم (١)، ومحمد بن عبد الرحمن بن سعد التميمي. (٢)
المبحث الخامس: رحلة ابن رشيد إلى الأندلس وفاس:
لما عاد ابن رشيد من رحلته المباركة -السالفة الذكر- أقام بمسقط رأسه سبتة مدة خمس سنوات كانت كلها عطاءات علمية وجهودًا مشكورة، ففي هذه الفترة أتم تأليف كتابه "الإفادة"، كما ألف "السنن الأبين". ثم كتب إليه رفيقه في الرحلة إلى الحجاز: الوزير أبو عبد الله محمد بن الحكيم يستدعيه إلى حضرة غرناطة، فاستجاب لهذه الدعوة، ورحل إلى غرناطة فأقام بها وتصدر بجامعها الأعظم للخطبة والإمامة ولإقراء الحديث والرواية (٣)، كما ولي قضاء الأنكحة، واستمر على علمه هذا حتى اغتيل صديقه الوزير محمد بن الحكيم، فرحل عن غرناطة ولحق بحضرة فاس، فحل بها مغززا مكرما من لدن السلطان أبي سعيد المريني الذي مكنه من اختيار المدينة التي تروقه للإقامة بها، فاختار مراكش،
стр. 82
فقدمها للصلاة والخطبة بجامعها العتيق، ثم استدعاه السلطان إلى حضرة فاس، ليصير من خواصه، وتصدر لإقراء الحديث بجامع القرويين، وعرف مجلسه بشرق صحن السجد بين الظهر والعصر لتدريس صحيح البخاري، واستمر على ذلك حتى لبي داعي ربه في الثالث والعشرين لشهر محرم الحرام عام إحدى وعشرين وسبع مائة للهجرة (٧٢١ هـ) (١)، ودفن خارج باب الفتوح بمطرح الجنة. (٢)
المبحث السادس: مصنفات ابن رشيد:
ترك ابن رشيد تصانيف عديدة يمكن تقسيمها حسب الفنون والعلوم الآتية:
- في النحو: تقييد على كتاب سيبويه. (٣)
- في البلاغة: إحكام التأسيس في أحكام التجنيس. (٤)
- الإضاءات والإنارات في البديع، وقد سماه كذلك: إيراد المرتع الريع لرائد التسجيع والترصيع. (٥)
- في العروض: وصل القوادم بالخوافي، في ذكر أمثلة القوافي، وهو شرح لكتاب القوافي، لأبي الحسن حازم القرطاجني. (٦)
стр. 83
- جزء مختصر في العروض. (١)
- في الحديث وعلومه: إفادة النصيح في التعريف بسند الجامع الصحيح للبخاري. (٢)
- السنن الأبين والمورد الأمعن في المحاكمة بين الإمامين في السند المعنعن. (٣)
- المقدمة المعرفة لعلو المسافة والصفة. (٤)
- الرحلة الحجازية المعروفة بملء العيبة بما جمع في طول الغيبة في الوجهتين الكريمتين مكة وطيبة. (٥)
- إيضاح المذاهب فيمن يطلق عليه اسم الصاحب. (٦)
стр. 84
- و"ترجمان التراجم في إبداء مناسبة تراجم صحيح البخاري". (١)
- ومن تآليفه في الحديث كذلك: تخريجه وتتميمه لكتاب ابن المواق في تعقيبه على شيخه ابن القطان الفاسي. (٢)
المبحث السابع: مكانة ابن رشيد العلمية:
تمهيد:
أجمع من ترجم لإبن رشيد على وصفه وتحليته بأوصاف تبين ما كان له من مكانة سامقة في الحديث وعلومه، كيف لا وهو العلم الذي أحب حديث رسول الله ﷺ ، واستحلى في سبيله المشاق والصعاب وجاب الآفاق، وهو لا يزال في عنفوان الشباب، قال ابن رشيد:
(وبعد فإني لما رأيت الحديث يحبه ذكور الرجال ويكرهه إناثهم أحببت الذكورة وكرهت الأنوثة، وصرفت همتي إليه، ولم أعول من العلوم مع كتاب الله إلا عليه، على أني لم أواف هذا العلم بأفقنا إلا كاسدة سوقه، غامرة سوقه، متقلصا بسوقه، قد تلفت بضائعه ودرست صنائعه ... اللهم إلا أني لا رحلت وجدت منه معينا فوردت، ولكني تعجلت الصدر فليتني ما صدرت، ورويت لكني ما ارتويت، ولا كل الذي أملت حويت). (٣)
стр. 85
وقد كانت رحلته المشرقية التي قضى فيها ثلاث سنوات خير زاد له في هذا العلم؛ حيث مكنته من لقاء المشايخ وكبار الحفاظ والسماع منهم، فحصل له ما لم يحصل لغيره في عصره من علو السند، وكثرة الشيوخ، ونقل المصنفات بأسانيدها إلى أصحابها، ومعرفة العلل وطبقات الرجال، والإطلاع على النادر من الكتب الحديثية والأجزاء والمسلسلات ... وبالرجوع إلى مصنفاته الحديثية نجد ترجمة عملية لهذه المكانة العالية التي بلغها في علم الحديث رواية ودراية.
وهذه بعض الشهادات من بطون كتبه، وخاصة رحلته المسماة (ملء العيبة):
- شهادة على ضبط ابن رشيد وإتقانه ومعرفته بعلل الحديث:
كان لإبن رشيد ﵀ معرفة بطرق الأحاديث وأسانيدها ومتابعاتها وشواهدها، ولذا قلما يمر بحديث فيه انقطاع أو علة أو تحريف لمتن أو إسناد إلا ويقف عنده لينبه على الصواب فيه مقارنا ومحتجا برواية غيره ممن أخذ عنه نفس الحديث؛ حتى يميز الصواب من الخطأ، والأمثلة على ذلك كثيرة؛ ومنها هذا الحديث من الجزء المعروف بجزء أبي جهم العلاء بن موسى الباهلي، وهو مما يروى عن الليث بن سعد، وقد قرأه ابن رشيد على الشيخة الصالحة الكاتبة؛ أم الخير: فاطمة بنت إبراهيم. بن محمود البطائحي بالحرم النبوي؛ قال:
((ومنه بالإسناد: أنا الليث بن سعد، عن نافع، عن إبراهيم بن عبد الله بن معبد بن عباس أنه قال: "إن امرأة اشتكت شكوى فنذرت لئن شفاني الله لأخرجن فلأصلين في بيت المقدس، فبرئت وصحت، وظهرت تريد الخروج. فلما أتت ميمونة زوج النبي ﷺ تسلم عليها، فأخبرتها بذلك، فقالت: انطلقى فكلي ما صنعت، وصلي في مسجد الرسول، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: صلاة فيه أفضل من الف صلاة فيما سواه إلا مسجد الكعبة")).
قال ابن رشيد تعقيبا على هذه الرواية: "قلت كذا سمعنا هذا الحديث على فاطمة، عن نافع، عن إبراهيم بن عبد الله بن معبد بن عباس أنه قال: "إن
стр. 86
امرأة .. " وكذلك رأيته في الأصل السموع على ابن أبي مسعود الفارسي، وفي غيره من الأصول. ولعله سقط فيه (عن ابن عباس). والحديث عند مسلم بن الحجاج (١) ﵀ عن قتيبة بن سعيد، ومحمد بن رمح، عن الليث، عن نافع، عن إبراهيم بن عبد الله بن معبد، عن ابن عباس أنه قال. وذكر في الحديث. وفي اللفظ اختلاف يسير. إبراهيم هذا هو ابن عبد الله بن معبد بن عباس بن عبد المطلب. أخرج له مسلم دون البخاري، يروي عن أبيه عبد الله.
وذكر محمد بن طاهر القدسي في كتابه الذي جمع فيه رجال الصحيحين، أن إبراهيم هذا يروي عن ميمونة عند مسلم، ولم يعين الموضع. فما أدري أعنى هذا الموضع؟ أم غيره فزد فيه بحثا)) (٢)
- شهادة أخرى على ضبط وتحقيق ابن رشيد في ألفاظ الأحاديث ورواياته:
التحقيق في روايات الحديث يحتاج إلى سعة إطلاع وتحصيل، وتمكن ودقة نظر، ومعرفة المحفوظ من الشاذ، وإدراك الخفي من مدارك تعقيبات الحفاظ ومقاصدهم وكثرة المارسة لأقوال أهل هذا الشأن ... وهذا مثال لتحقيق ابن رشيد في قولهم إن (من السلمين) زائدة في حديث مالك في زكاة الفطر:
قال ابن رشيد:
((قلت: اشتهر بين المحدثين أن مالكا ﵀ انفرد من بين الثقات في هذا الحديث بقوله (من المسلمين).
قال الإمام أبو عمرو بن الصلاح ﵀ في كتابه البديع الذي صنفه في معرفة أنواع الحديث في النوع المحتوي على معرفة زيادات الثقات وحكمها: (الثالث) ما يقع بين هاتين المرتبتين مثل زيادة لفظة في حديث لم يذكرها سائر
стр. 87
من روى ذلك الحديث: مثاله ما رواه مالك عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ فرض زكاة الفطر من رمضان على كل حر أو عبد ذكرا وأنثى من المسلمين، فذكر أبو عيسى الترمذي أن مالكا تفرد من بين الثقات بزيادة قوله (من المسلمين)، وروى عبيد الله بن عمر، وأيوب، وغيرهما هذا الحديث عن نافع، عن ابن عمر دون هذه الزيادة، فأخذ بها غير واحد. من الأئمة واحتجوا بها، منهم الشافعي، وأحمد ﵃ والله أعلم، انتهى ما أردنا إراده من كلام ابن الصلاة، ﵀.
وفي كلامه وحكاية ما حكاه عن الترمذي بعض النظر، فقد روى هذه الزيادة عن نافع أبو عثمان الضحاك بن عثمان بن عبد الله بن خالد القرشي. ذكر ذلك مسلم في صحيحه (١)؛ قال مسلم ﵀: وحدثنا - محمد بن رافع، نا ابن أبي فديك؛ قال: أنا الضحاك عن نافع، عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ فرض زكاة الفطر من رمضان على كل نفس من المسلمين، حرٍّ أو عَبْدٍ أو رَجُلٍ أوْ امْرأةٍ، صغير أو كبير، صاعا من تمر أو صاعا من شعير، ورواه أيضا بزيادة (من المسلمين) عن نافع ابنه عمر بن نافع. ذكر ذلك البخاري في صحيحه. قال البخاري (٢) ﵀ نا يحيى بن محمد بن السكن؛ قال: نا محمد بن جهضم؛ قال: نا إسماعيل بن جعفر عن عمر بن نافع عن أبيه عن ابن عمر؛ قال: فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر صاعا من تمر، أو صَاعًا من شعير على العبد والحر والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين، وأمر بها أن تؤدى قبل
خروج الناس من الصلاة.
وأورد ابن رشيد كلام الناس في توثيق عمر بن نافع، والضحاك بن عثمان الراوين للحديث عن نافع بتلك الزيادة، ثم قال: (فهذا ما يَرِد على قول الترمذي، وعلى قول الإمام ابن الصلاح؛ فإنه نقل قول الترمذي كالراضي به.
стр. 88
ويَرِدُ على ابن الصلاح تعقب آخر إلا أنه خفي دقيق، وذلك أنه حكى عن الترمذي أن مالكا تفرد بهذا الزيادة من بين الثقات، وكلام الترمذي في معرضه إذا تُؤمل أقبلُ للتأويل مما حكاه عنه ابن الصلاح ﵀ وبإيراد نصه في ذلك يتبين المعنى الذي أشرنا إلى غموضه، قال أبو عيسى ﵀ في جامعة ما نصه: (ورب حديث إنما يستغرب لزيادة تكون في الحديث، وإنما يصح إذا كانت الزيادة ممن يعتمد على حفظه مثلما روى مالك بن أنس عن نافع عن ابن عمر؛ قال: فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر من رمضان على كل حر وعبد ذكرًا أو أنثى من المسلمين صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير؛ قال: وزاد مالك في هذا الحديث (من المسلمين)، وروى أيوب السختياني، وعبيد الله بن عمر، وغير واحد من الأئمة هذا الحديث عن نافع، عن ابن عمر، ولم يذكروا فيه (من المسلمين)، وقد روى بعضهم عن نافع مثل رواية مالك ممن لا يعتمد على حفظه، وقد أخذ غير واحد من الائمة بحديث مالك واحتجوا به؛ منهم: الشافعي، وأحمد بن حنبل؛ قالا: إذا كان للرجل عبيد غير مسلمين لم يؤد عنهم صدقة الفطر، واحتجا بحديث مالك، فإذا زاد حافظ ممن يعتمد على حفظه قبل ذلك عنه، انتهى كلام الترمذي. وهو أوسع، فإنه علق الحكم في الزيادة عمن يعتمد على حفظه، وابن الصلاح علق الحكم بالثقة، ولا شك أن المعتمد على حفظه في إطلاقهم أعلى رتبة من الثقة؛ فإن الترمذي موافق على أن عمر بن نافع ثقة، وقد لا يوافق على أنه ممن يعتد على حفظه، فلذلك لم يذكره مع مالك، فافهم هذا فإنه مهم خافٍ والله الموفّق والمرشد)). (١)
مكانة ابن رشيد العلمية من خلال شهادات ذوي الشأن والاختصاص في التأريخ للرجال:
كان ابن رشيد -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- مشاركا في العلوم إلا أنه أرسخ قدما في
стр. 89
العربية والأدب وعلم الحديث، وصفه ابن خلدون في تاريخه بكبير مشيخة المغرب، وسيد أهله، شيخ المحدثين الرحالة. وقال فيه لسان الدين الخطيب: "الخطيب المحدث المتبحر في علوم الرواية والإسناد، كان ﵀، فريد دهره عدالة وجلالة وحفظا وأدبا وسمتا وهديا، واسع الأسمعة، عالي الإسناد، صحيح النقل، أصيل الضبط، تام العناية بصناعة الحديث، قيما عليها بصيرا بها، محققا فيها، ذاكرا فيها للرجال، جماعة للكتب، محافظا على الطريقة، مضطلعا بغيرها، من العربية واللغة والعروض، فقيها أصيل النظر، ذاكرا للتفسير، ريان من الأدب، حافظا للأخبار والتواريخ، مشاركا في الأصليين، عارفا بالقراءات، عظيم الوقار والسكينة، بارع الخط، حسن الخلق، كثير التواضع، رقيق الوجه، متحملا كلف الخاصة والعامة، مبذول الجاه والشفاعة، كهفا لأصناف الطلبة)). (١)
ونقل القري عن أبي البركات بن الحاج قوله فيه:
((ابن رشيد ثقة عدل، من أهل هذا الشأن المتحققين به، وكان من أهل المعرفة بعلم القراءات، وصناعة العربية وعلم البيان والآداب والعروض والقوافي، مشاركا في غير ذلك من الفنون، من خدام الكتاب والسنة، حسن العهد، كريم العشرة برا بأصدقائه، فاضلا في جميع أنحائه، أديبا خطيبا بليغا ذاكرا متأدبا، يقرض الشعر على تكلف، ويجود النثر، وييصر مواقع حسنه، وأعظم عنايته بعلم الحديث متنه وسنده ومعرفة رجاله، ولذلك كان جل أشغاله، وفيه أعظم احتفاله حتى حصل منه على غاية قصده ومنتهى آماله)). (٢)
стр. 90
القسم الثاني
حركة التأليف الحديثية
من "الأحكام" إلى "اليغية "
تمهيدان:
التمهيد الأول: علم العلل
التمهيد الثاني: الكتب المؤلفة في أحاديث الأحكام
стр. 91
التمهيد الأول
علم العلل
стр. 92
الذي يرجع إلى كتب الأحكام الثلاثة، وكذا "بيان الوهم والإيهام"، و "بغية النقاد" يلحظ أن هذه الكتب لها جانبان يمكن أن يُرى من خلالهما موضوعها:
١ - جانب موضوعه من حيث النقد الحديثي؛ وهو: علم العلل.
٢ - جانب موضوعه من حيث كون الكتاب تخصص في أحاديث الأحكام. وأتناول الآن ما يتعلق بالجانب الأول:
كان من منهج عبد الحق الإشبيلي في كتابه "الأحكام الوسطى" بيان الحديث الصحيح من المعلل، وبالتالي فقد اشتمل كتابه على ما صح من الأحاديث، وما كان به علة بينها إِمَّا بالتنصيص عليها أو بالإشارة إليها، ثم جاء أبو الحسن بن القطان ليعقب عليه فيما وَهِمَه أو تَوَهَّمه في كتابه، وهذا ما حدا به
أن يسمي كتابه: "بيان الوهم والإيهام الواقعين في كتاب الأحكام"، ولما كان
الكمال شيئا لا مجال للوصول إليه فقد جاء ابن المواق ليتابع المسيرة فوضع بدوره تعقيبا على كتاب شيخه ابن القطان؛ وهو الكتاب الذي بين أيدينا: "بغية النقاد" فكانت الكتب الثلاثة تدور في محور واحد هو محور علم العلل، وهو علم من أشرف وأدق علوم الحديث، لا يخوض فيه إلا الجهابذة من كبار المحدثين ونقدة الحديث، فاقتضى الأمر أن أضع مقدمة تمهيدية في هذا العلم:
العلة فى اللغة:
تطلق العلة في اللغة على معان منها:
- المرض، يقال: عل واعتل، وأعله الله تعالى، فهو معل وعليل. (١)
стр. 93
- التكرار، يقال: عله بالشراب إذا سقاه مرة ثانية. (١)
- التلهية والأشغال، يقال: علله بالشيء إذا ألهاه وشغله به، ومنه تعليل الصبي بالطعام.
وقال صاحب القاموس: "والعلة بالكسر المرض، عل يعِل واعتل، وأعله الله تعالى، فهو معل وعليل، ولا تقل: معلول، والمتكلمون يقولونها، ولست منهم على ثلج". اهـ (٢)
ولكن كثيرا من المحدثين يطلقون على الحديث الذي فيه علة معلول، ومن الذين وقع ذلك في كلامهم: البخاري، والترمذي، والدارقطني، وأبو أحمد بن عدي، وأبو عبد الله الحاكم، وأبو يعلى الخليلي، وسمى الحافظ ابن حجر كتابه "الزهر المطلول في الخبر المعلول". (٣)
وقد أنكر بعض العلماء استعمال كلمة معلول للحديث الذي توجد فيه علة؛ قال ابن الصلاح: "والمعلول مرذول عند أهل العربية واللغة" (٤)
وتبعه النووي فقال: إنه لحن. (٥) ووافقه السيوطي على ذلك. (٦)
وحجتهم في ذلك أن اسم الفعول من أعل الرباعي لا يأتي على صيغة مفعول، بل يقولون فيه: معل، أما معلل فهو مفعول ل: علل، وهو بمعنى ألهاه بالشيء وشغله به.
стр. 94
لكن قد يجاب عن ذلك بأنه قد ورد في لغة العرب هكذا: "معلول"؛ قال الحافظ العراقي: " قد حكاه جماعة من أهل اللغة، منهم قطرب، فيما حكاه اللبي، والجوهري في الصحاح، والمطرزي في المغرب ... واستعمل أبو إسحاق (الزجاج) لفظة المعلول في المتقارب من العروض". (١)
وقال الجوهري في الصحاح: "اعتل أي مرض، فهو عليل، ولا أعلك الله، أي لا أصابك بعلة ... وعل الشيء فهو معلول". (٢)
وقال محمد بن عمر بن عبد العزنر بن القوطية: "عل الإنسان مرض، والشيء أصابته العلة فيكون استعماله بالمعنى الذي أرادوه غير منكر، بل قال بعضهم: استعمال هذا اللفظ أولى لوقوعه في عبارات أهل الفن، مع ثبوته لغة، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، قال ابن هشام في شرح بانت سعاد:
تحلو عوارض ذي ظلم إذا ابتسمت ... كأنها منهل بالراح معلول (٣)
والأصل فيه أن الإبل إذا شربت في أول الورد يقال فيها نهلت، من النهل، فإذا ردت إلى أعطانها فسقيت ثانية فذلك علل.
ولقد جنح الحافظان البلقيني والعراقي إلى تسميته بالمعلل.
قال البلقيني: وصواب الإستعمال "المعلل" إذا كان من أعل.
والحافظ العراقي ممن لا يرتضي استعمال معلول في الحديث المعلل لذا يقول في منظومته:
وسم مابعلة مشمول ... معللا ولا تقل معلول
ويظهر أن صاحب الصباح المنير قد فَصَّل القول في الموضوع حيث انتصر لمن
стр. 95
استعمل العلول فيما قصده المحدثون وعلماء الأصول وغيرهم من حيث اللغة، بل ذهب إلى أنه هو الأكثر استعمالا عند أهل اللغة. (١)
العلة في الإصطلاح:
تناول كثير من المحدثين تعريف العلة، واختلفت تعريفاتهم، فتقاربت بعضها في المعنى واختلفت أخرى.
ولعل أول كتاب ذكر. تعريف العلة هو كتاب: معرفة علوم الحديث للحاكم، وقد جاء فيه: "وهو علم برأسه غير الصحيح والسقيم والجرح والتعديل" (٢)
ويقول الحاكم أيضا: " وإنما يعلل الحديث من أوجه ليس للجرح فيها مدخل" (٣)
أما ابن الصلاح فيعرف علل الحديث بقوله:
"وهي عبارة عن أسباب خفية غامضة قادحة فيه، فالحديث العلل هو الذي اطلع فيه على علة تقدح في صحته مع أن الظاهر السلامة منها، ويتطرق ذلك إلى الإسناد الذي رجاله ثقات، الجامع شروط الصحة من حيث الظاهر" (٤)
وأما الحافظ زين الدين عبد الرحيم العراقي (ت ٨٠٤ هـ) فقد عرف العلة بقوله: "العلة عبارة عن أسباب خفية غامضة طرأت على الحديث فأثرت فيه، أي قدحت في صحته". (٥)
ويمكن أن يقال بأن الحاكم إنما أعطى بعض العالم العامة لعلم العلة، ولم يضع
стр. 96
له تعريفا جامعا مانعا، إذ كلامه لا يشمل ضوابط ومقاييس العلة عند المحدثين.
وفي تعريف ابن الصلاح قصور حيث لم يتناول الإشارة إلى وقوع العلة في المتن، هذا بالإضافة إلى الدور؛ حيث ورد في التعريف لفظ العلة.
ويلاحظ في تعريف العراقي أن لفظة (طرأت) تشعر بأن الحديث كان في أصله صحيحا فدخلت عليه العلة، لكن هذا ليس بلازم في كل حديث معلول.
وللحافظ العراقي تعريف آخر للحديث المعلل نقله عنه برهان الدين البقاعي (ت ٨٥٥ ص) في نكته على ألفيتة؛ حيث جاء فيه: "والمعلل خبر ظاهره السلامة اطلع فيه بعد التفتيش على قادح". (١)
ولعل هذا التعريف أكثر قبولا من غيره.
لكن الذي يرجع إلى كتب العلل يلاحظ أن المحدثين توسعوا في إطلاقها، وهذا ما ذكره ابن الصلاح بقوله:
"ثم اعلم أنه قد يطلق اسم العلة على غير ما ذكرناه من باقي الأسباب القادحة في الحديث، الخرجة له من حال الصحة إلى حال الضعف، المانعة من العمل به، على ما هو مقتضى لفظ العلة في الأصل؛ ولذلك نجد في كتب علل الحديث الكثير من الجرح بالكذب، والغفلة، وسوء الحفظ، ونحو ذلك من أنواع الجرح.
وسمى الترمذي النسخ علة من علل الحديث.
ثم إن بعضهم أطلق اسم العلة على ما ليس بقادح من وجوه الخلاف؛ نحو إرسال من أرسل الحديث الذي أسنده الثقة الضابط حتى قال: من أقسام الصحيح ما هو صحيح معلول، كما قال بعضهم من الصحيح ما هو صحيح شاذ، والله أعلم. اهـ (٢)
стр. 97
العلة في اصطلاح المحدثين الأندلسيين والمغاربة:
الأندلسيون والمغاربة من المحدثين جنحوا إلى الدلالة الواسعة لصطلح العلة، ولذا نجدهم يعللون الحديث بكل ما ينافي شروط القبول سواء كان ظاهرا أم خفيا، فالإرسال والإنقطاع والإعضال والتدليس والإضطراب؛ كل ذلك يعتبر عندهم علة. (١)
قال ابن عبد البر: الإنقطاع في الأثر علة تمنع من وجوب العمل به. (٢)
وذكر ابن عبد البر حديث خزيمة بن جزي في السؤال عن أحفاش الأرض، وعقب عليه بأنه لا يحتج بمثله لضعف إسناده ولا يعرج عليه بم لأنه يدور على عبد الكريم بن أبي المخارق وليس يرويه غيره، وهو ضعيف متروك الحديث، ثم ذكر شاهدا من حديث عبد الرحمن بن معقل -صاحب الدثنية- وهو رجل يعد في الصحابة، ثم عقب ابن عبد البر عليه بقوله: وهو أيضا حديث ضعيف، وإسناده ليس بالقائم عند أهل العلم؛ وهو يدور على أبي محمد -رجل مجهول- وهو حديث لا يصح عندهم وعبد الرحمن بن معقل لا يعرف إلا بهذا الحديث، ولا تصح صحبته، وإنما ذكرت هذا الحديث والذي قبله ليوقف عليهما، ولرواية الناس لهما، ولتبيين العلة فيهما". (٣)
فالقوادح التي ذكر ابن عبد البر في الحديثين؛ من جرح ابن أبي المخارق وانفراده بالحديث، وجهالة أبي محمد كلها قوادح ظاهرة، وقد جعلها كلها من العلل.
ومن منهج ابن حزم أنه لا يفرق بين القوادح الظاهرة والخفية في التعليل، وقد أورد الدكتور إبراهيم بن الصديق بعض النماذج للإستدلال على ذلك؛ منها قوله:
стр. 98
(وقال ابن حزم: فإن ذكروا حديثا رويناه من طريق هشام الدستوائي عن عطاء بن السائب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ... فإن رواية عطاء لهذا الخبر مضطربة معلولة، وعطاء قد تغير بأخرة".
فسمى الإضطراب والتغير، وهما ظاهران علة كما ترى.
وقال ابن حزم أيضا، بعد أن ذكر حديثين عن المغيرة في مسح أعلى الخفين وأسفلهما:
"وأما حديثا المغيرة فأحدهما عن ابن شهاب عن المغيرة، ولم يولد ابن شهاب إلا بعد موت المغيرة بدهر طويل. وهذا قادح ظاهر".
وأضاف: "والثاني مدلس أخطأ فيه الوليد بن مسلم في موضعين، ثم أسند من طريق ثور بن يزيد، قال حدثت عن رجاء بن حيوة، عن كاتب المغيرة أن رسول الله ﷺ مسح أعلى الخفين وأسفلهما، فصح أن ثورا لم يسمع من رجاء ابن حيوة وأنه مرسل لم يذكر كاتب المغيرة".
وهذا قادح خفي وهو العلة في الإصطلاح وأضاف:
"وعلة ثالثة، وهي أنه لم يسم فيه كاتب المغيرة"
والجهل بالراوي قادح ظاهر، ومع ذلك سماه علة). (١)
والذي يعود إلى قسم "العلل" من كتاب تقييد المهمل لأبي علي الجياني يجده قد سار على نفس النهج الذي اصطلح عليه الغاربة، فهو لا يفرق بين ما كان ظاهرا وما كان خفيا من القوادح.
ويزداد الأمر بيانا بالرجوع إلى كتاب الأحكام الشرعية، لعبد الحق الإشبيلي، حيث يطالعنا في مقدمة كتابه بما يسلط الضوء على اتساع دلالة العلة عنده؛
стр. 99
حيث يقول:
(وأكثر ما ذكر من العلل ما يوجب حكما ويثبت ضعفا ويخرج الحديث من العمل به إلى الرغبة عنه والترك له، أو الإعتبار بروايته، مثل القطع والإرسال والتوفيق، وضعف الراوي، والاختلاف الكثير في الإسناد، وليس كل إسناد يفسده الاختلاف. وليس الإرسال أيضا علة عند قوم إذا كان الذي يرسله إماما، ولا التوقيف علة أخرى إذا كان الذي يسنده ثقة، وضعف الراوي علة عند الجميع). (١)
أما ابن القطان فهو إمام الغاربة في علم العلل في هذه الحقبة -النصف الثاني من القرن السادس والقسم الأول من القرن السابع- ونظرة أولى إلى كتابه: "بيان الوهم والإيهام الواقعين في كتاب الأحكام" تعطي الجزم بأنه لم يخرج عن الإصطلاح الواسع الدلالة لهذا العلم، إذ حتى محترزات الإتصال والعدالة هي الأخرى مما يعلل به ابن القطان ...
وسيتضح من خلال منهج ابن المواق في التعليل المزيد من التفصيل العملي لمدرسة التعليل بالمغرب.
стр. 100
التمهيد الثاني
الكتب المؤلفة في أحاديث الأحكام
стр. 101
تقدم الجانب الأول من موضوع الكتب الثلاثة -"الأحكام" و"البيان" و"البغية"- وهو علم العلل أما الجانب الثاني لهذه الكتب فهو تصنيفها باعتبارها كتب أحكام، وهذا يقتضي أن نلقي نظرة موجزة عن الكتب الحديثية التي صنفت في الأحكام.
اهتم المحدثون في فترات غير قليلة بذكر سند الحديث، وهم إذا ذكروه قد تفصوا من عهدته، لشيوع المعرفة بالرجال، جرحهم وتعديلهم، سابقهم ولاحقهم، ولمعرفة من سمع من هذا الراوي، ومن لم يسمع منه، ومن يدلس ومن لا يدلس، ومن-روي المناكر، ومن يتحاشاها، من له علم بشيوخه عامة، وبرواة عصره، ومن هو مقصور العلم بمعرفة حال شيوخه الذين أخذ عنهم، وبمن اختلط في فترة من عمره، وبمن لم يختلط، كما كان لهم علم ومعرفة بعلل الأخبار، وناسخها من منسوخها، ومتقدمها من لاحقها.
وكانت دائرة العلوم الإسلامية محصورة فى الكتاب والسنة، وثم اتسعت هذه الدائرة لتتفرع إلى علوم أخرى؛ من فقه وأصول وحديث وتفسير وكلام، وأصبح كل علم منها قائما بذاته، له أسسه وقواعده التي تضبط مساره وتحدد اتجاهه، فغلبت إحدى هذه الفروع المعرفية على كل طائفة من العلماء، وشاع التخصص فى الدراسة والتحصيل، وأصبح أهل كل تخصص لا ينازعون أهل التخصص الآخر، لكن التداخل بين العلوم الإسلامية يفرض احتياج كل طائفة إلى الأخرى، وكتاب الله هو أصل هذه العلوم وإليه مرجعها، لكنه أجمل في مواطن كثيرة، وترك للسنة التفصيل فيها، ولم يعرج على أحكام في مجالات أخرى باعتبار أن الرسول ﷺ سيتكفل ببيانها ... من هنا كانت أحاديث رسول الله ﷺ قطب الرحى للعلوم الإسلامية، فلا يستعاض عنها بشيء، ولا يقوم مقامها علم من العلوم.
ولما كانت جميع أفعال الإنسان وأقواله وتصرفاته محكومة بشرع الله احتاج الناس لعرفة هذا الشرع، ولا مجال لمعرفته إلا بالرجوع إلى ما صح عن رسول الله ﷺ من الأقوال والأفعال والتقريرات التي تبين ذلك، ثم إن مجال اتساع
стр. 102
العلوم من جهة، وضعف الهمة من جهة ثانية لم يعد يسمح لأهل الفقه مثلا أن يعودوا إلى دواوين السنة وكتبها الكثيرة لإنتقاء الصحيح منها دون غيره لبناء الأحكام الفقهية عليه، فكانت الحاجة الملحة للمحدثين -وهم فرسان هذا العلم- أن يدلوا بدلوهم لييسرو للفقهاء النصوص الحديثية التي تكون مرتكز عملهم، وهكذا برزت المؤلفات فى أحاديث الأحكام محذوفة السند، مبينة الرتبة، منصوص على ما فيه علة منها، مع الإشارة إلى مخرجيها، وهذه بعضها:
- الجامع في حد صحيح الحديث باختصار الأسانيد، للحافظ أبي محمد علي ابن سعيد، المعروف بابن حزم الأندلسي المتوفى سنة ٤٥٦ هـ. (١)
- "الجامع لنكت الأحكام" المستخرج من الكتب المشهورة في الإسلام، لأبي القاسم زيدون بن علي القيرواني، الشهير بأبي القاسم الزيدوني -ولما كان مؤلفه فقيها فإنه لم يكن موفيا بالناحية الفنية الحديثية؛ التي وضع الكتاب من أجلها، وفي هذا الصدد يقول عبد الحق الإشبيلي:
(وإن أبا القاسم ﵀ أخذ الأحاديث غثها وسمينها، صحيحها وسقيمها، فأخرجها بجملتها ولم يتكلم في شيء من عللها إلا الشيء اليسير والنادر القليل، وقد ترك أحاديث فى الأحكام لم يخرجها، إذ لم تكن في الكتب التي أخرج حديثها، وإن كان فيها أحاديث معتلة فقد أخرج أمثالها في الوهن ... وأيضا فإن أبا القاسم عمد إلى الحديث فأخرجه من كتب كثيرة وترجم عليه بأسماء عديدة، ولم يذكر إلا لفظا واحدا، ولم يبين لفظ من هو، ولا من انفرد به، وقلما يجيء الحديث الواحد في كتب كثيرة إلا باختلاف في لفظ أو معنى أو زيادة أو نقصان، ولم يبين هو شيئا من ذلك إلا في النزر القليل، أو في الحديث
стр. 103
من المائة، أو في أكثر، أو فيما كان من ذلك، وليس الاختلاف في اللفظ مما يقدح في الحديث إذا كان المعنى متفقا، ولكن الأولى أن ينسب كل كلام إلى قائله، ويعزى كل لفظ إلى الناطق به). (١)
وفي نفس المرحلة التاريخية -تقريبا- كانت محاولة أخرى في التأليف في أحاديث الأحكام في المشرق العربي، للحافظ المحدث أبي محمد الحسين بن مسعود البغوي (ت ٥١٦ هـ) تتجلى في كتابه الشهير بـ (مصابيح السنة).
وهو كتاب انتخبه البغوي من صحيحي البخاري ومسلم، وسنن أبي داود والترمذي والنسائي والدارمي، ذاكرا أحاديثه محذوفة الأسانيد، ولم يهتم بذكر من أخرج كل حديث على حدة، ولا ذكر صحابيه.
يقول في مقدمة كتابه عن أحاديث الكتاب:
(جمعتها للمنقطعين إلى العبادة، لتكون لهم بعد كتاب الله تعالى حظا من السن، وعونا على ما هم فيه من الطاعة، وتركت ذكر أسانيدها حذرا من الإطالة عليهم، واعتمادا على نقل الأئمة، ربما سميت في بعضها الصحالي الذي يرويه عن رسول الله ﷺ ... وتجد أحاديث كل باب منها تنقسم إلى صحاح وحسان (٢) ... وما كان فيها من ضعيف أو غريب أشرت إليه وأعرضت عما كان منكرا أو موضوعا). (٣)
стр. 104
ومن الذين ساهموا في تثبيت مسيرة التصنيف في أحاديث الأحكام أبو جعفر أحمد بن عبد الملك الأنصاري الإشبيلي، المعروف بابن أبي مروان (ت ٥٤٩ هـ) وذلك في كتابه: "المنتخب المنتقى" حيث جمع فيه مفترق الصحيح من الحديث الواقع في المصنفات والمسندات.
يقول ابن الأبار:
(كان حافظا عارفا بالحديث ورجاله، فقيها ظاهري المذهب، على طريقة ابن حزم، وله تأليف مفيد في الحديث سماه: "المنتخب المنتقى" جمع فيه مفترق الصحيح مما افترق في أمهات المسندات من نوازل الشرع. (١)
ولما كان عبد الحق الإشبيلي من خواص تلامذة أبي جعفر بن أبي مروان فقد استفاد منه ومن كتابه "المنتخب المنتقى" فجعله نواة لكتابه: (الأحكام).
قال ابن الأبار: (وعليه بنى كتابه أبو محمد عبد الحق بن عبد الرحمن الإشبيلي، ومنه استفاد، وكان صاحبا لأبي جعفر هذا وملازما له). (٢)
بل إن الشيخ أحمد بن الصديق، ﵀، ادعى أن عبد الحق قد أغار على كشاب ابن أبي مروان ونسبه إليه، حيث قال:
(فائدة في ترجمة أبي جعفر أحمد بن عبد الملك الأنصاري المعروف بابن أبي مروان من تكملة ابن الأبار: كان حافظا عارفا بالحديث ورجاله، فقيها ظاهري
стр. 105
على طريقة ابن حزم، وله تأليف مفيد سماه: "المنتقى" جمع فيه ما افترق في
أمهات المسندات من نوازل الشرع، بنى كتابه أبو محمد عبد الحق الإشبيلي في الأحكام عليه، ومنه استفاد، وكان صاحبا لأبي جعفر هذا وملازما له، واستشهد بلبلة عند ثورة أهلها ..... قلت (أحمد بن الصديق): فضاع هذا المسكبن وحاز الشهرة عبد الحق بكتاب الأحكام، ولكن إن كانت تلك الأوهام منه فقد سلمه الله من ابن القطان، ووقع في يده عبد الحق؛ وذلك جزاء من يغير على كتب الناس ويدعي ما ليس له). اهـ (١)
стр. 106
الفصل الأول
كتابا الأحكام لعبد الحق الإشبيلي "الكبرى" و"الصغرى "
تمهيد: سبب تأليف عبد الحق لكتب الأحكام
المبحث الأول: الأحكام الكبرى
المبحث الثاني: الأحكام الصغرى
المبحث الثالث: الكتب المصنفة على الأحكام الصغرى
стр. 107
مؤلفات عبد الحق الإشبيلي كثيرة جداً -تقدم ذكرها- وكلها في غاية الجودة وحسن السياق، لكن كتب الأحكام الثلاثة حازت درجة السبق وحسن القبول، وانتشرت في الناس، وهي: الأحكام الكبرى، والوسطى، والصغرى.
سبب تأليف عبد الحق لكتب الأحكام:
ذكر صاحب صلة الصلة أن أبا الحجاج يوسف بن محمد البلوي بن الشيخ، المالقي (ت ٦٠٤ هـ) لما رحل إلى الحج سنة ٥٦٠ - أو نحوها- أخذ فى طريقه ببجاية عن أبي محمد عبد الحق الإشبيلي، وعزم عليه في تأليف كتاب الآحكام، وقد فاوضه في ذلك، ولما قفل من رحلته أقام معه ببجاية وصحبه أشهرا، وأخذ عنه أحكامه، وكير ذلك، وكان من أقعد الناس به وبأخباره. (١)
حدث بكتاب الأحكام عن عبد الحق، هكذا ذكر الرعيني، وابن الأبار، وعينها ابن غازي، فقال "الأحكام الكبرى".
المبحث الأول: الأحكام الكبرى:
وهو أصل هذه الكتب ذلك أنه انتقى أحاديثه من الموطأ، والكتب الخمسة، ومسند أبي بكر البزار، والكامل في الضعفاء، لإبن عدي، والمصنف، لإبن أبي شيبة، والمحلى، لإبن حزم، والسنن، والعلل، وكلاهما للدارقطني، ومصنف قاسم ابن أصبغ، ومستدرك الحاكم، وغيرها من الصادر الحديثية. (٢)
وهو عمل ضخم استوعب فيه المصنف أحاديث كثيرة جدا بأسانيدها، حيث
стр. 108
ينقل النصوص من مصادرها كاملة، وقد يسندها منه إلى النبي ﷺ ، إن كانت له في حديث الباب رواية مسندة، وقد يدخل عليها كلاما تارة للتعريف بأصحاب هذه الأصول، وأخرى للتعريف ببعض رجال الإسناد، وحينا آخر لتناول عللها.
وقد نص عبد الحق نفسه على تسمية كتابه هذا بالكتاب الكبير (١) وكذلك سماه ابن القطان في غير ما إحالة (٢)
وممن روى هذا الكتاب: (٣)
محمد بن أحمد الهاشمي (٤)
وعلي بن أبي نصر البجائي (٥)
وأبو الحجاج بن الشيخ البلوي (٦)
وسهل بن مالك (٧)
وأبو محمد بن حوط الله (٨)
стр. 109
المبحث الثاني: الأحكام الصغرى
هذا الكتاب اختصره عبد الحق من أحكامه الوسطى، ولذلك قد يطلق عليه كذلك: مختصر الأحكام، ومن ميزات هذا الإختصار ما يأتي:
- حذف الأحاديث الضعيفة، والإقتصار على ذكر الأحاديث الصحيحة.
- الإبقاء على كل الأحاديث الصحيحة في الأغلب الأعم.
- ولا تفترق الوسطى عن الصغرى من حيث ترتيب الأبواب (باستثناء الأبواب الأخيرة، ففيها تقديم وتأخير).
- حذف بعض الأبواب من الوسطى، وخاصة ما لا يسمح التقييد بالأحاديث الصحيحة بذكره؛ مثل:
- باب ذكر أحاديث أعلها برجال، وفيها من هو مثلهم، أو أضعف، أو مجهول لا يعرف.
- باب ذكر أحاديث أعلها، ولم يبين من أسانيدها مواضع العلة.
- باب ذكر أحاديث ضعفها، وهي صحيحة أو حسنة، وما أعلها به ليس بعلة. (١)
رواية الأحكام الصغرى:
اهتم العلماء برواية الأحكام الصغرى، حتى إنك لتجدها مووية بأسانيدهم إلى مؤلفها في برامجهم وأثباتهم، أو تلقوها عن شيوخهم فأثبتوا روايتهم لها، وهذا بعض من ذكرها ضمن مروياته:
المنذري مناولة في تكملته. (٢)
стр. 110
والتجيبي في برنامجه. (١)
والذهبي في سيره وتذكرته. (٢)
والمجاري في برنامجه. (٣)
والرصاع في فهرسته. (٤)
والوادي آشي في برنامجه. (٥)
وابن غازي في فهرسته. (٦)
والروداني في صلة الخلف. (٧)
وتوجد عدة نسخ مخطوطة من كتاب الأحكام الصغرى -وقد عنون بعضها بالأحكام الحديثية- في الخزائن العالمية والمغربية، أكتفي بذكر ما في خزانة القروين منها:
- مخطوطة تحمل رقم ١٠٧٩/ ٨٠ في مجلد واحد ضخم بخط أندلسي جيد - تام في كاغد أصفر، في أوراقه طرر، وتعاليق كثيرة،. متلاش، تاريخ نسخه ٥٩٦ هـ، عار عن اسم الناسخ. (٨)
- مخطوطة تحمل رقم ٤٠/ ٢١٨، في سفر واحد بخط أندلسي متقن، متلاشية في الجملة، ناسخها محمد بن علي بن عباد الأنصاري.