← Иляль хадиса

Иляль хадиса · id 16636

بغية النقاد النقلة

ابن المواق

Полный текст (1 124 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

(١) محمد بن بكر بن داسة، أبو بكر، لازم أبا داود وأخذ عنه السنن، وحدث بها؛ قال أبو على الجياني: (ورواية أبي بكر بن داسة أكمل الروايات كلها، ورواية ابن عيسى الرملي تقاربها) (١) (٢) أبو سعيد بن الأعرابي: أحمد بن محمد بن زياد بن بشر بن درهم، البصري، الصوفي، صاحب التصانيف، سمع أبا داود وخلقا عمل لهم (معجما)، وعنه ابن جُمَيع وابن منده وكان ثقة ثبتا، عارفا عابدا ربانيا كبير القدر، بعيد الصيت، توفي سنة أربعين وثلاث مائة. (٢) (٣) إسحاق بن موسى بن سعيد، أبو عيسى الرملي، المعروف بابن الصريع الوراق، سكن بغداد، وحدث بها عن محمد بن عوف الحمصي ... روى سنن أبي داود عن مصنفها، ورواها عنه أحمد بن دحيم بن خليل القرطبي، وحميد بن ثوابة الجذامي الثغري، سئل الدارقطني عنه، فقال: ثقة. توفي سنة عشرين وثلاث مائة. (٣) (٤) اللؤلؤي، هو: محمد بن أحمد بن عمرو، أبو على اللؤلؤي، البصري، سمع من أبي داود السجستاني السنن، وقرأها عليه عشرين سنة، وروى عن القاسم بن نصر، وجماعة، روى عنه أبو عبد الله الحسين بن بكر بن محمد الوراق، البصري، المعروف بالهراس. حلاه الذهبي بقوله: (الإمام المحدث الصدوق) توفي سنة ثلاث وثلاثين وثلاث مائة. (٤) (٥) ابن خليل، هو: أحمد بن دحيم بن خليل، من أهل قرطبة، يكنى: أبا عمر سمع عبيد الله بن يحيى، وسعيد بن عثمان الأعناقي، وأخذ سنن أبي داود

стр. 282

عن الرملي، وعنه رواها أبو عثمان سعيد بن عثمان النحوي المعروف بابن القزاز. قال فيه ابن الفرضي: كان معتنيا بالآثار، جامعا للسنن، ثقة فيما روى. توفي سنة ثمان وثلاثين وثلاث مائة. (١) (٦) حميد بن ثوابة الجذامي، من أهل وشقة، يكنى أبا القاسم. كانت له عناية بالعلم ورحلة دخل فيها العراق فسمع ببغداد من أبي بكر بن أبي أبي داود السجستاني، ومن أبي بكر أحمد بن محمد بن أبي شيبة، وغيرهما، روى عنه أبو عمر الصدفي، وأحمد بن محمد بن معروف. قال فيه ابن الفرضي: (كان عالما بالحديث بصيرا به). (٢) (٧) عمر بن عبد الملك بن سليمان، أبو حفص، الخولاني، القاضي، المعروف بابن الرفاء، رحل إلى مكة، وقرأ بها على أبي سعيد بن الأعرابي سنن أبي داود، وذلك سنة أربعين وثلاث مائة، وقابله بأصل ابن الأعرابي، ثم رحل إلى العراق بهذا الكتاب، فسمعه بالبصرة نم أبي بكر محمد بن بكر بن داسة سنة إحدى وأربعين وثلاث مائة، وهو ممسك بكتابه، فكان لنسخته لسنن أبي داود ميزة ليست لغيرها. (٣) (٨) أبو عمر الصدفي هو: أحمد بن سعيد بن حزم بن يونس المنتجيلى، من أهل قرطبة عني بالأثار والسنن وجمع الحديث. اتسعت روايته بالرحلة، فسمع ببلده وبمكة وبمصر والقيروان. له التاريخ الكبير، ترجم فيه للمحدثين فبلغ فيه الغاية، مات سنة خمسين وثلاث مائة. (٤) (٩) عيسى بن حنيف، أبو موسى، يروي عن محمد بن بكر بن داسة، وعنه

стр. 283

رواها أبو محمد عبد الله بن الوليد. (١) (١٠) ابن عبد المؤمن، هو: عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن بن يحيى التجيبي، أبو محمد المعروف بابن الزيات، رحل إلى المشرق رحلتين، فسمع ببغداد من أبي علي إسماعيل بن محمد الصفار وجماعه، وسمع بالبصرة من أبي بكر بن داسة سنن أبي داود، وعنه رواها ابن عبد البر. قال فيه ابن الفرضي: (وكان كثير الحديث مسندا صحيح السماع، صدوقا في روايته، إلا أن ضبطه لم يكن جيدا ...) توفي سنة تسعين وثلاث مائة. (٢) (١١) حمد بن محمد بن إبراهيم بن خطاب، أبو سليمان، البستي، الخطابي، صاحب التصانيف، سمع من أبي سعيد بن الأعرابي بمكة، وأبي بكر بن داسة بالبصرة، وآخرين، وسمع منه: أبو عبد الله الحاكم، وأبو عبيد أحمد بن محمد الهروي، وخلق كثير، من مصنفاته: (معالم السنن)، وهو شرح لسنن أبي داود، و (غريب الحديث)، و (أعلام الحديث)، توفي ﵀، سنة ثمان وثمانين وثلاث مائة. (٣) (١٢) عبد الله بن الوليد، أبو محمد الأندلسي، روى سنن أبي داود عن عيسى بن حنيف، ورواها عنه أبو القاسم بن عمر بن الحسن بن عمر الهوزني الإشبيلي. (٤) (١٣) أبو الحسين أحمد بن عبد الرحمن بن الحضائري، روى سنن أبي داود عن عيسى بن حنيف. (٥)

стр. 284

(١٤) ابن عبد البر: هو القاضي أبو عمر، يوسف بن عبد الله بن عبد البر بن عاصم، النمري، القرطبي، حافظ المغرب، (٣٦٨ هـ - ٤٦٣ هـ) له مصنفات كثيرة؛ منها: (التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد)، (الإستذكار بمذاهب علماء الأمصار)، و (الكافي) في الفقه، (الدرر في المغازي والسير)، و (الإستيعاب في معرفة الأصحاب). (١) (١٥) أبو على الغساني، الجياني، الأندلسي، اسمه: الحسين بن محمد بن أحمد، إمام عصره في الحديث، له إلمام واسع باللغة والشعر والإنساب، أخذ عن كبار المحدثين ببلده، حمل عن أبي عمر بن عبد البر، رحل الناس إليه للأخذ عنه من كل قطر ومكان، حدث عنه عياض إجازة، له مصنفات قيمة؛ منها: (تقييد المهمل وتمييز المشكل)، وهو كتاب ضبط فيه كل لفظ يقع فيه اللبس من رجال الصحيحين .. توفي سنة ثمان وتسعين وأربع مائة. (٢)

стр. 285

الفصل الخامس متفرقات المبحث الأول: التعقيب وآدابه عند ابن المواق المبحث الثاني: ضوابط النقل عند ابن المواق المبحث الثالث: أصول التخريج عند ابن المواق المبحث الرابع: في نماذج من المناقشات العلمية في مصطلح الحديث بين ابن المواق وابن القطان المبحث الخامس: في ذكر بعض فوائد كتاب البغية المبحث السادس: نقول عن ابن المواق المبحث السابع: في ذكر المؤاخذات على ابن المواق

стр. 286

المبحث الأول: التعقيب وآدابه عند ابن المواق: كان ابن المواق ﵀ يلتزم بالآداب العلمية في تعقيباته سواء مع شيخه ابن القطان أو مع عبد الحق الإشبيلي، أو غيرهما، وهذه بعض السمات التي كان يسير عليها في تعقيباته: أ - التماس العذر: للواهم أو المخطئ والظن الحسن به: ففي حديث أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال (إذا قال الرجل في مجلس هلم أقامرك فقد وجبت عليه كفارة يمين) (١) هكذا ذكره عبد الحق الإشبيلي، فتعقبه ابن المواق بأنه أسقط من آخره قوله "وإن لم يفعل" وقال: (ومثل هذا لا يصح أن يتركه اختصارا، وإنما يتركه سهوا لوضوح موقعه من فقه الحديث) اهـ. ب - عدم الإسراع بنسبة الوهم للواهم دون التثبت والتأكيد من ذلك: ففى حديث البراء بن عازب: (قضى رسول الله صلى عليه وسلم بحفظ الحائط ....) (٢) ذكر عبد الحق الإشبيلي رواية معمر لهذا الحديث، وقد جهد ابن المواق نفسه ليجد هذه الرواية مذكورة عند بعض من روى الحديث، فلما لم يقف عليها، لم يدع عدم وجودها، بل قال: "والإحاطة لله". ومعنى ذلك أنه رجح عدم عثوره عليها، لعدم إحاطته بروايات الأحاديث، ولم يوهم الإشبيلي لمجرد ذلك. ج - الهدف هو الوصول إلى الحق: كان هدف ابن المواق ﵀ بيان الأوهام وتصحيح الأخطاء الواقعة في كتاب بيان الوهم والإيهام، وكذا في كتاب الأحكام الوسطى، ولذا كان تارة ينتصر لعبد الحق فيما أصاب فيه، وأخرى يصوب ما ذكره ابن القطان،

стр. 287

وثالثة يشيد بهما معا، ورابعة يوهمهما معا، وكل هذا في آداب متناهية. نموذج لانتصاره لعبد الحق الإشبيلي: في حديث جعفر بن عبد الله المخزومي؛ قال رأيت محمد بن عباد بن جعفر قبل الحجر، ثم سجد عليه، قلت ما هذا؟ قال رأيت خالك ابن عباس قبل الحجر، ثم سجد عليه، وقال رأيت عمر قبله وسجد عليه، وقال رأيت رسول الله ﷺ قبل الحجر وسجد عليه (١) ساق عبد الحق الإشبيلي هذا الحديث من عند البزاز، لكن ابن القطان نَفَى أن يكون هذا الحديث مذكورا في حديث عمر عند البزاز، وقال: ولعله في بعض أماليه وإنما أعرفه هكذا عند ابن السكن، لكن ابن المواق اعترض عليه بأنه عند البزاز من حديث عمر فيما روى ابن عباس عنه، وإنما لم يعثر عليه، لأن البزاز لم يترجم باسم الراوي عن ابن عباس، بل ضمنه تحت ترجمة نافع بن جبير عن ابن عباس. نموذ لموافقته لإبن القطان: في حديث ابن عمر: (التكبير في العيدين في الركعة الأولى سبع تكبيرات وفي الآخرة خمس) (٢) ذكر هذا الحديث عبد الحق ونسبه إلى البزار؛ وقال في إسناده فرج بن فضالة. فجهد ابن القطان نفسه ليجد هذا الحديث في مسند البزار، فلم يقف عليه فيه، ولذا جوز أن يكون وقع له في بعض أماليه، ثم قال أبو الحسن ابن القطان: (والذي في مسند البزار إنما هو الفعل لا القول ومن غير رواية الفرج بن فضالة). وقد بحث ابن المواق عن الحديث في مسند البزار فلم يلقه فيه ولذا قال: (هو كما ذكر، هذا الحديث لم يقع في مسند البزار بذلك اللفظ الذي ذكره ق أصلا، وإنما ذكره الترمذي في كتاب العلل من طريق فرج (بن فضالة.) اهـ.

стр. 288

نموذج آخر في حديث ابن مسعود: (جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم) (١) ساقه عبد الحق الإشبيلي من عند البزار، ثم نقل عنه قوله: (ليس له أصل من حديث عبد الله). وعقب عليه ابن القطان بقوله: (٥ ذا الحديث والكلام بعده ليس في مسند حديث عبد الله بن مسعود من كتاب البزار، ولعله نقله من بعض أماليه، التي تقع في مجالس مكتوبة في أضعاف كتابه، في بعض النسخ ولعله يعثر عليه بعد إن شاء الله) اهـ. فبحث عنه ابن المواق واستبشر خيرا بوجوده في مسند البزار: حيث قال (قد عثر عليه، والحمد لله، وهو كما قدره؛ فإن البزار ذكره في آخر المسند؛ في المشايخ المقلين عقب حديث وابصة بنت معبد في إملاء ذكره هنالك). اهـ نموذج لتوهيمها معا: ذكر عبد الحق الإشبيلي -من طريق أبي أحمد- حديث ابن مسعود: يا عمير أعتقك الحديث .. وتعقبه ابن القطان في باب نسبه الأحاديث إلى غير رواتها؛ لأن ابن الخراط ذكر في مسنده "القاسم بن عبد الله" بينما هو: "القاسم بن عبد الرحمن"، لكن ابن القطان لم يتنبه لوهم آخر لعبد الحق؛ حث سقط له من سنده: "يونس بن عمران" فإنه هو الذي يرويه عن القاسم بن عبد الرحمن، فاستدرك ابن المواق عليه ذلك وعده من أوهامهما. (٢) د - بيان سبب الخلل أو الوهم: ابن المواق حريص على بيان سبب الأوهام التي فيها عبد الحق الإشبيلي، أو أبو الحسن بن القطان الفاسى؛ فمن ذلك مثلا أن عبد الحق وهم أوهاما لم يكن هو الذي وهمها في أول الأمر؛ وإنما نقلها عن غيره كما هي؛ فكانت البلية فيها

стр. 289

ممن نقل عنه، وليس منه، وهذا بعض ما نبه عليه الحافظ ابن المواق؛ من ذلك: ففي حديث ابن عباس أن رجلا قال لرسول الله ﷺ : إني نذرت أن أنحر نفسي ... (١) ذكره عبد الحق الإشبيلي بإسقاط راويين من إسناده، وهما: ابن عباس ومولاه كريب الراوي عنه؛ فجعل الحديث معضلا، بينما هو في مسند البزار، الذي نسبه إليه مسندا، قال الحافظ ابن المواق: (وإنما نقله ق من عند أبي محمد ابن حزم؛ فهو السابق إلى هذا الوهم فيه، وتبعه أبو محمد فسقط بسقوطه، والصواب في ذلك ما ذكرناه). اهـ وفي حديث ابن عمر: من مثل بمملوكه فهو حر .. (٢) تغير لعبد الحق الإشبيلي راو من رواته؛ وهو (عمر بن عيسى) فأورده: (عمرو بن عيسى)، فصحح الحافظ ابن المواق هذا الوهم، ثم بين سببه؛ فقال: (وإنما جر على ق الوهم في هذا الأخير أبو محمد بن حزم؛ فإنه وقع عنده فيه: "عمرو بن عيسى"). اهـ وفي حديث محمد بن عبد الرحمن؛ قال في كتاب صدقة النبي ﷺ في كتاب عمر بن الخطاب أن البقر يؤخذ منها مثل ما يؤخذ من الإبل .. (٣) وهم عبد الحق في اسم أحد رواته (سليمان بن أبي داود)، فقال فيه: (سليمان بن داود)، فلما نقله ع عن عبد الحق فلم ينتبه لوهمه؛ فنقله كما هو عنده، فوهم بوهمه، فصححه الحافظ ابن المواق، ثم قال: (وإنما غلط -والله أعلم- بما وقع فيه من الوهم في كتاب بن أبي حاتم، فإنه ذكره كذلك في باب السنين، وقاله على الصواب في المحمدين لما ذكر ابنه محمد بن سليمان؛ فقال: ابن أبي داود الحراني، فذكره على الصواب) اهـ.

стр. 290

وفي حديث الحسن مرفوعا: من طلق لاعبا أو أنكح لاعبا ... (١) وقع وهم لعبد الحق في أحد رواته وهو (إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى)، حيث قال فيه (إبراهيم بن محمد بن أبي ليلى)، فنبه ابن المواق على هذا الوهم مبينا أصل هذه الجناية؛ فقال: (وإنما جنى عليه هذا الوهم أبو محمد بن حزم؛ فإنه وقع عنده في المحلى كذلك، وكثيرا ما يجني عليه). اهـ وفي حديث زينب بنت جابر الأحمسية التي حجت وهي مصمتة .. (٢) وقع لإبن القطان وهم في اسم راو من رواته؛ وهو: (أحمد بن بشير)؛ فقال فيه: (أحمد بن بشر)، فصححه ابن المواق ونبه إلى مصدر الوهم حيث قال: (وكما ذكره ع وقع لإبن حزم في المحلى، فوهم فيه جميعهم). اهـ وفي حديث علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه-؛ قال: سمع النبي ﷺ رجلا طلق البتة فغضب وقال: "تتخذون آيات الله هزؤا .. " (٣) وهم أبو محمد الإشبيلي في (إسماعيل بن أمية) فذكره (إسماعيل بن أبي أمية)، فنبه ابن المواق على هذا الوهم؛ وقال: (وإنما غلط ق لأن الدارقطني ذكر قبل هذا الحديث متصلا به حديثا رواه من طريق إسماعيل بن أبي أمية الذراع، عن حماد بن زيد عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس؛ قال: سمعت معاذ بن جبل؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "يا معاذ من طلق في بدعة واحدة أو اثنتين، أو ثلاثا ألزمناه بدعته .. " ثم ذكر الحديث المتقدم من طريق إسماعيل بن أمية .. فتوهم ق أنهما رجل واحد، وليس كذلك، ولو تثبت فيما ذكره الدارقطني في كل واحد منهما .. لعلم أنهما رجلان: أحدهما بصري، والآخر كوفي، فالبصري هو إسماعيل بن أبي أمية؛ وهو أبو الصلت الذراع ... والكوفي هو إسماعيل بن أمية القرشي).اهـ

стр. 291

هـ - الدعاء للواهم عند توهيمه تطييبا لخاطره: ذكر عبد الحق الإشبيلي حديث بريدة إذا جلست في صلاتك فلا تتركن التشهد: لا إله إلا الله، وأني رسول الله، والصلاة علي، وعلى أهل بيتي .. (١) فنبه ابن المواق إلى أن جملة (أهل بيتي) زيدت في هذا الخبر، وأنها ليست في مسند البزار، وهو الأصل الذي نقله منه، ثم قال: (وأراه إنما دخل عليه الوهم من ذكره قبل ذلك: الحديث الذي أورده من حديث أبي مسعود الأنصاري متضمنا هذه الزيادة فاشتبه عليه عند النقل، فنسبه إلى حديث بريدة واهما، والله يتجاوز عنا وعنه، فالظن به أنه لا يأتي شيئًا من هذا بقصد، رحمنا الله وإياه) اهـ. وفي حديث جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ ، كَفَّن حمزة في نمرة في ثوب واحد (٢)؛ قال: عبد الحق الإشبيلي عقبه: (صحح أبو عيسى هذا الحديث). هكذا ذكر، فنبه ابن المواق أن أبا عيسى الترمذي ذكر حديث عائشة: كفن رسول الله ﷺ في ثلاثة أثواب .. تم قال الترمذي عقبه: (حديث عائشة حديث حسن صحيح). قال ابن المواق: (اعتقد ق أن التصحيح لحديث جابر لما رآه بعده، ولم يتثبت عند النقل، والله يتجاوز عنا وعنه بمنه وكرمه). اهـ وخلاصة القول أن لإبن المواق سمات عامة في تعقيباته؛ منها: التنبيه على موطن الوهم أو الخلل في آداب متناهية، والمعاتبة في لطف، والظن الحسن بمن يقعون في الأوهام، وتنزيههم عن تعمد الوقوع فيما وقعوا من الخلل ونحوه، ونشدان الحق في كل تعقيب تعقيب، والإنصاف ببيان موطن الصواب عند الإصابة، وموطن الخطأ أو الوهم عند الزلل، وعدم إجحاف الواهم حقه، إذا وهم في ذكر حديث، ثم ذكره على الصواب ثانية، والتريث في إصدار الأحكام قبل التأكد ...

стр. 292

المبحث الثاني: ضوابط النقل عند ابن المواق: إن الذي يرجع إلى كتاب البغية يجد فيه طائفة من القواعد والضوابط وأصول المبحث العلمي عامة، وفي الدراسات الحديثية خاصة، وهذه بعض المسائل المتفرقة التي تعرض لها في ثنايا كتابه: ١ - وجوب المعارضة عند الإنتهاء: لما تكلم أبو عبد الله بن المواق على حديث أبي حمزة في الرجل الذي نسي الأذان والإقامة، (١) الذي نقله عبد الحق الإشبيلي من عند ابن عدي، فوقع في وهم وهو نسبة الحديث إلى راويه هشام بن خالد، وصوابه: هشام بن عبد الملك. بين ابن المواق سبب الوهم بأن هشام بن خالد، وهشام بن عبد الملك؛ معا يرويان عن بقية، ثم إنهما قد ذكرا معا في كتاب "الكامل" في نفس الصفحة التي نقل منها الإشبيلي حديث الباب، فخالف بصره عند النقل من سطر إلى آخر لما أراد أن ينقل الحديث. ثم عقب ابن المواق على ذلك بأنّ كان عليه أن يعارض، فبالمعارضة يذهب كثير من الخلل. ٢ - وجوب الإبقاء على الأوهام الواقعة في المصنفات على حالها، التنبيه عليها: إذا وقع تغيير أو تصحيف أو خطأ في الكتب فهل يصحح ويعاد إلى الصواب، أم يبقى على صفته التي وجد عليها؟ من العلماء من يرى جواز التصحيح؛ ومن هؤلاء الشعبي؛ فقد نسب إليه القاضي عياض أنه قال: "لا بأس أن يقوم اللحن في الحديث". (٢)

стр. 293

ونقل عن الأوزاعي أنه قال: "أعربوا الحديث؛ فإن القوم كانوا عربا". (١) وقال أيضًا: "لا بأس بإصلاح اللحن في الحديث". وروي مثل هذا عن جماعة من السلف فمن بعدهم. (٢) لكن جمهور أهل العلم يرون وجوب الإبقاء على الخطأ على أصله، وروايته تبعا لما تلقوه. روى الخطيب البغدادي بسنده إلى الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن أبي معمر؛ عبد الله بن سخبرة أنه قال: "إني لأسمع الحديث لحنا فألحن إتباعا لما سمعت". (٣) وهذا ميمون بن مهران يسأل أحمد بن حنبل عن اللحن في الحديث، فيجيبه: "لا بأس به" (٤). كل ذلك حفاظا على الرواية من التغيير، وسدا لباب الذريعة، حتى لا يلج الباب من يظن أن المصنف أخطأ فيصحح ذلك تبعا لما يرى، فيحرف النص ويدخل عليه التغيير .. فهذا القاضي عياض يقول: (الذي استمر عليه عمل أكثر الأشياخ نقل الرواية كما وصلت إليهم وسمعوها ولا يغيرونها من كتبهم اطردوا ذلك في كلمات من القرآن، استمرت الرواية في الكتب عليها بخلاف التلاوة المجمع عليها، ولم يجيء في الشاذ من ذلك في الموطأ والصحيحين وغيرها حماية للباب، لكن أهل المعرفة منهم ينبهون على خطئها عند السماع والقراءة في حواشي الكتب، ويقرءون ما في الأصول على ما بلغهم). (٥)

стр. 294

وهذا المذهب الأخير هو الذي انتصر له أبو عبد الله بن المواق؛ حيث ذكروا رواية للبزار -في حديث- سقط له فيها لفظ، فأعقبها بقوله: "وهذا اللفظ، وإن كان لابد منه ... فلا يجوز تغييره، كما وقعت في كثير من المصنفات أوهام ينبه عليها، وتترك على حالها)). (١) ٣ - التماس الضوابط العلمية قبل الحكم على مؤلّف ما بوهمه في كتابه أو كتبه. من منهج ابن المواق أنه لا يحكم على مصنف ما بوهمه في كتابه إلا بعد التأكد من ذلك، وقد جرى في هذا السبيل على اعتماد أمور منها: أ - مراجعة أكبر عدد من نسخ الكتاب. (٢) ب - الإهتمام بالكتب المروية بالسند الصحيح إلى مؤلفيها. (٣)

стр. 295

ج - الرجوع إلى نسخ الكتاب التي اهتم بها جهابذة العلماء عناية وضبطا وتصحيحا. (١) د - اعتماد السند العالي في رواية المصنفات وتقديمه على غيره. (٢)

стр. 296

المبحث الثالث: أصول التخريج عند ابن المواق هذه بعض الأمور المتعلقة بأصول التخريج التي اهتم بها ابن المواق: -كان ابن المواق ﵀ يهتم بعزو الاُحاديث إلى مواطنها التي رويت فيها، وهو شديد الدقة في ذلك، ولذا فإنه -إذا اختلفت روايات الحديث الواحد سواء في الألفاظ أو المعاني -لم يكن يسمح بنسبة لفظ الحديث إلى راو من رواته دون التأكد من كونه هو اللفظ الذي رواه. -إذا روى الحديث صحابيٌ عن صحابي، عن رسول الله ﷺ ، فإنّه ينسب إلى راويه المباشر عن رسول الله ﷺ . -يجب التفرقة بين ما روي من فعل الرسول ﷺ وبين ما يروي من قوله، ولا يجوز الجمع بينهما دون التنصيص على ذلك. - لا يجوز الجمع بين الأحاديث المتفقة في المعنى والمختلفة في الرفع والوقف إلا ببيان ذلك. - وجوب التفرقة بين أقوال الاُئمة، ومنقولاتهم عن غيرهم، فلا يجوز نسبة القول إلى أحد الأعلام إذا كان هو بدوره نقله عن غيره. - إذا نسبت أقوال مختلفة، أو متعارضة إلى إمام أو عالم، وجب توثيق النسبة لمعرفة صحة ذلك، هل هي روايات عن ذلك الإمام، أو غير ذلك. - يجب التفرقة بين نسبة الأحاديث إلى رواتها، وبين نسبة الأقوال إلى أصحابها.

стр. 297

المبحث الرابع: في نماذج من المناقشات العلمية في مصطلح الحديث بين ابن المواق وابن القطان: نموذج حول زيادة راو في السند: تكلم ابن القطان على حديث رافع بن خديج؛ قال: قلت يا رسول الله، إنا لاقوا العدو غدا، وليست معنى مدى الحديث ... (١) فقال: (هذا الحديث هو عند مسلم من رواية سفيان الثوري، عن أبيه سعيد ابن مسروق، عن عباية بن رفاعة بن رافع بن خديج، وهكذا رواه عمر بن سعيد؛ أخو سفيان الثوري). ثم ذكر أن أبا الأحوص رواه عن سعيد بن مسروق -والد سفيان الثوري- عن عباية بن رفاعة بن رافع، عن أبيه، عن جده: رافع بن خديج. فذهب ابن القطان إلى أن رواية أبي الأحوص هاته التي فيها زيادة (عن أبيه) متصلة، بينما حكم على رواية من خالفها بالإنقطاع. هذا مع العلم أن ابن القطان ينقل عن الترمذي قوله: (أن عباية سمع من جده رافع بن خديج) وحجة أبي الحسن ابن القطان في ذلك أن رواية سفيان الثوري، وأخيه عمر -عند مسلم- رويت عن طريق العنعنة، وليس فيها ذكر لسماع عباية بن رفاعة من جده رافع في هذا الحديث بالذات. (٢) ومن تعقبات ابن المواق على شيخه في هذا الحديث: ١ - مؤاخذته على اعتماد رواية أبي الأحوص وجعلها حجة على كل من

стр. 298

خالفه، مع العلم أن جماعة من الحفاظ الثقات الأثبات خالفوه؛ منهم: شعبة، وسفيان وأخوه عمر؛ ابنا سعيد الثوريان، وأبو عوانة، وزائدة بن قدامة، وعمر بن عبيد الطنافسي، وإسماعيل بن مسلم العبدي، وغيرهم ممن تابعهم، ورواية من ذكر كلها في الصحيحين. ٢ - مؤاخذة ابن القطان على تخطئة من خطأ أبا الأحوص، وهم جماعة كبيرة، منهم: أحمد بن حنبل، وأبو بكر بن أبي شيبة، ومسلم بن الحجاج، وأبو عيسى الترمذي، وأبو محمد عبد الغني بن سعيد، وأبو القاسم بن عساكر، وآخرون. ٣ - سفيان الثوري أحفظ من أبي الأحوص، وأعلم بحديث أبيه منه، فكيف إذا أضيف إلى ذلك متابعة الحفاظ الأثبات له -الذين كل واحد منهم أثبت من أبي الأحوص- وموافقتهم لروايته، وبالتالي لا يجوز تقديم رواية أبي الأحوص على رواية سفيان الثوري ومن تابعه. ٤ - إنما ساق ابن القطان رواية أبي الأحوص من عند الترمذي، وهي موجودة في صحيح البخاري، فكان الأولى ألا يبعد النجعة، إذ إيرادها من الصحيح أقوى لما ذهب إليه ابن القطان من تخطئة من خالفه. ولما كان من مذهب ابن المواق أن الصواب في هذا الحديث مع ما رواه الجماعة، وأن أبا الأحوص قد وهم فيه، فإنَه قد التمس مخرجا لرواية البخاري للحديث من طريق أبي الأحوص؛ لذا قال: (وإدخال البخاري لهذه الرواية في الصحيح لا يقتضي أنها عنده أصح من غيرها مما خالفها؛ لأنه أدخل رواية سفيان، وعمر بن عبيد الطنافسي، وشعبة، وأبي عوانة في الصحيح، وإنما أدخل رواية أبي الأحوص؛ والله أعلم، لأنه لم يحفل بقوله في الإسناد: (عن أبيه)، فإنها زيادة لا تكر على الحديث بعلة فيه بخلاف ما لو نقص راويا من الإسناد، فيصير الإسناد منقطعا، فإنه علة فيه، وهكذا وقع في رواية الشيخ أبي ذر عن أشياخه، عن الفربري، عن البخاري بإثبات (عن أبيه) في الإسناد، ووقع في رواية

стр. 299

ابن السكن عن الفربري بإسقاط (عن أبيه)، كأنه طرح الخطأ منه، وأثبت الصواب، وساق عنه الحديث؛ لأنه لم يخطئ في متنه، والله أعلم). اهـ (١) قلت: الطريق التي سلكها الحافظ ابن المواق في هذا الحديث، هي طريق الترجيح؛ حيث رجح رواية جماعة من الحفاظ على رواية أبي الأحوص، وقد سلك هذا السبيل -في هذا الحديث- طائفة من المحدثين، منهم أبو حاتم الرازي؛ قال ابن أبي حاتم: (سألت أبي عن حديث رواه أبو الأحوص عن سعيد بن مسروق، عن عباية ابن رفاعة، عن أبيه، عن أبيه، عن جده، رافع بن خديج .. وذكر الحديث. قال قلت: فأيهما أصح؟ قال الثوري أحفظ) اهـ. (٢) وأرى أنه لا حاجة إلى الترجيح بين هاتين الروايتين، فأبو الأحوص ثقة، لم ينفرد بروايته، فما الذي يمنع من أن يكون عباية بن رفاعة سمع الحديث من أبيه رفاعة، فحدث به كذلك (وهي رواية أبي الأحوص)، وسمعه من جده، فحدث به كذلك؟ ويتأيد ذلك عندي بإخراج البخاري الحديث من طريقه، وكذا من طريق مخالفيه، فالإمام البخاري، ﵀ فحل من كبار فحول الصناعة الحديثية، ولم يدخل في صلب صحيحه، إلا ما صح لدي ٥ من حديث رسول الله ﷺ ، والمتتبع لمنهاج البخاري في صحيحه يلاحظ كثيرا من الدقائق في هذا الباب: فحتى الأحاديث المعلقة عنده، التي كثيرا ما يترجم بها لأبوابه، لا يوردها إيرادا واحدا، فما صح لديه من طريق آخر أورده بصيغة الجزم الدالة على صحة الحديث، وما لم يصح لديه ساقه بإحدى صيغ التضعيف، أو البناء للمجهول. ولا أرى بأن البخاري لم يكترث لهذه الزيادة في السند -في رواية أبي

стр. 300

الأحوص- فكما أن نقصان راو علة في الحديث، فكذلك زيادة راو فيه، نعم ليس الأمر سيان، فعلة النقصان انقطاع في السند، بينما الزيادة إدخال في سند الحديث من ليس منه، فالأمر الثاني أخف من الأول. نموذج في الاختلاف بين ابن المواق وابن القطان على حكم حديث؛ بين التصحيح والتحسين ذكر ابن القطان حديث أنس؛ قال: قنت رسول الله ﷺ شهرا بعد الركوع في صلاة الصبح .. الحديث. (١) وبعد كلام له قال: (نعم روي قنوته ﵇ قبل الركوع من حديث أنس ولكن في غير كتاب مسلم). ثم أورد رواية عبد الرزاق من مصنفه من طريق أبي جعفر، عن عاصم، عن أنس؛ قال: قنت رسول الله ﷺ في الصبح بعد الركوع يدعو على أحياء من أحياء العرب، وكان قنوته قبل ذلك، وبعده قبل الركوع). ثم كان منه أن حكم على حديث عبد الرزاق بالصحة. لكن ابن المواق لم يرتض من شيخه ابن القطان تصحيح حديث عبد الرزاق، مستدلا على ما ذهب إليه بأمرين: الأول منهما هو الشك في الراوي أبي جعفر الواقع في سند الحديث، بين أن يكون أبا جعفر والد علي بن المديني، وهذا ضعيف عندهم، وبين أن يكون أبا جعفر الرازي؛ عيسى بن ماهان، فإن كان الثاني فإن أئمة الحديث قد اختلفوا فيه بين معدل ومجرح؛ فقد وثقه إمامان هما: يحيى بن معين، وأبو حاتم الرازي، ووهنه أحمد بن حنبل، والنسائي، ثم أضاف ابن المواق أنه ليس من رجال الصحيحين، وبهذا يترجح عنده أن هذا الحديث حسن. (٢) ثم رجح ابن المواق أن أبا جعفر الوارد في الحديث هو الرازي.

стр. 301

أما الأمر الثاني فهو مخالفة رواية عبد الرزاق من طريق أبي جعفر عن عاصم للروايات الصحيحة عن أنس. نموذج آخر في الاختلاف بين ابن المواق وابن القطان في الحكم على رواية لحديث: لما تكلم ابن القطان على حديث ابن عباس: من سمع النداء فلم يجب، فلا صلاة له، إلا من عذر. (١) ذكر في الأمر الثاني رواية سليمان بن حرب عن شعبة، عن حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، واعتمدها، بل وقال: (وحسبك بهذا الإسناد صحة). لكن ابن المواق يرى أن رواية سليمان بن حرب بالسند المتقدم وهم، وأنه يجب التوقف فيها؛ لأن سليمان بن حرب انفرد عن شعبة بذكر حبيب بن أبي ثابت في هذا الحديث، دون سائر من رواه عن شعبة. (٢) المبحث الخامس: في ذكر بعض فوائد كتاب البغية: تصحيح كتاب بيان الوهم والإيهام: كان المحدثون يهتمون بطرق التحمل، ويريدون تحصيل السند العالي في كل رواية يروونها، وكثيرا ما لا يكتفون بالإجازة العامة، فهذا ابن المواق نقل كتاب "بيان الوهم والإيهام" من مبيضة شيخه أبي الحسن بن القطان، التي كتبها بيده، ومع ذلك لم يكتف بذلك، فقرأ ما نقل على شيخه وهو ماسك أصله بيده، فكان ابن القطان يصحح لتلميذه ما قد يقع فيه من سهو أو نسيان، كما كان

стр. 302

يصحح لنفسه ما قد يكون وهم فيه، ثم تنبه له عند هذه المقابلة، ومن أمثلة هذا التصحيح ما ذكره ابن المواق عند الكلام على حديث عمرة عن عائشة: لما قدم جعفر من أرض الحبشة خرج إليه رسول الله ﷺ فعانقه (ح: ٣٤١) ففي سند هذا الحديث عند الدارقطني في العلل محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير) لكن وقع فيه وهم عند ق، وهذا نص ما ذكره ابن المواق: "وقع فيه ق وهم في ذكر ابن عمير هذا؛ فإنه قال فيه: (محمد بن عُبيد الله)، ولكن ع أراه أصلحه؛ فإني نقلته من مبيضته كذلك: (محمد بن عبيد الله)، فما كان وقت القراءة عليه رده علي: (محمد بن عبد الله)، فأصلحته، فهو عندي مصلح مصحح عليه، وبحسب ما ألفيته في الأحكام كتبته في الأغفال؛ من الباب الذي قبل هذا، وبالله التوفيق". اهـ ولما تحدث ابن المواق عن حديث ابن السعدي: "لن تنقطع الهجرة ما قوتل الكفار" (ح: ١١) ذكر تعقيبات ثلاثة، صحح في التعقيب الأول ما وقع لشيخه ابن القطان في الراوي (عمرو بن أبي سلمة)؛ فإنه أخذه عنه هكذا (عمرو بن سلمة)، ولتأكيد ذلك قال ما نصه: (وكما ذكرته عن ع هي روايتي فيه عنه، قراءة مني عليه، وهو يمسك أصله الذي نقلت منه بخط يده). وفي حديث محمد بن أبي بكر الصديق عن أبيه، في نفاس أسماء بنت عميس الخثعمية بمحمد بن أبي بكر بذي الحليفة (ح: ١٤٨) وقع تصحيف لأبي محمد الإشبيلي في قوله (وترحل)، فجعلها (وترجل) فوافقه ع على ذلك وتكرر منه ذكره على نفس الوهم، ولذا قال ابن المواق عن شيخه ابن القطان: "ذكر هذه اللفظة؛ هكذا بالجيم من ترجيل الشعر، وهكذا تلقيناه عن شيخنا عند قراءة كتاب البيان عليه، وهو وهم، وصوابه: (وترحل)، بالحاء المهملة من الرحيل ..)

стр. 303

وبهذا نخلص إلى الآتي: -أن نسخة ابن المواق من بيان الوهم والإيهام نسخة منقولة من الأصل الذي كتبه المؤلف بيده. -وهي نسخة مقروءة على المؤلف. -وهي نسخة معتنى بها ومصححة من المؤلف نفسه. وبالتالي فهي أقرب نسخة من البيان إلى نسخة المؤلف، وينبغي في تحقيق هذا الكتاب الرجوع إلى بغية النقاد؛ فهي الحكم الفصل في منقولاتها عند اختلاف نسخ هذا الكتاب، ثم إنها تساعد على تنقية الكتاب من الأوهام الواقعة للنساخ فيه. ومن فوائده: إعادة ترتيب ما تبعثر من أوراق بيان الوهم والإيهام في النسخة المصرية؟ حيث حدث فيها تقديم وتأخير اضطرب معه المعنى في كثير من الأحيان. ومنها كذلك: معرفة روايات الرواة لكتب الحديث: نأخذ على سبيل المثال رواة سنن أبي داود، وسن النسائي، ورواة الموطأ. ومنها كذلك: معرفة الطرق المغربية لكتب الحديث: وخاصة سنن أبي داود، وسنن النسائي. ومنها:

стр. 304

تصحيح الأوهام المركبة: وهي الأوهام التي وقع فيها عبد الحق، أو ابن القطان، أو هما معا، ثم انبنى على تلك الأوهام أوهام أخرى أو أحكام. (١) ومنها: تصحيح الأوهام الواقعة في طبعات الكتب الستة: ومن أمثلتها: ما وقع في جامع الترمذي في كتاب فضائل الجهاد من حديث أبي أمامة؛ قال: (حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا الوليد بن جميل عن القاسم أبي عبد الرحمن، عن أبي أمامة؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "أفضل الصدقات ظل فسطاط في سبيل الله، ومنيحة خادم في سبيل الله، أو طروقة فحل في سبيل الله"). قال أبو عيسى: (هذا حديث حسن صحيح غريب). هكذا وقع عند الترمذي، في باب فضل الخدمة في سبيل الله: ٤/ ١٦٨ ح: ١٦٢٧. (حسب طبعة الجامع التي حقق أحمد محمد شاكر جزءا منها). لكن الذي في البغية، وغيرها أن الترمذي يحدث بهذا الحديث عن زياد بن أيوب عن يزيد بن هارون. وهذا هو الصواب من وجوه، ذكرتها في تعليقي على حديث (١١٢). ومنها: معرفة منهج عبد الحق في الأحكام: - منها أن من منهج عبد الحق الإشبيلي أنه إذا ساق الحديث من عند إمام كبير مشهور لم ينزل بذكره ممن هو دونه إلا لفائدة. ذكر ذلك ابن المواق عند

стр. 305

كلامه على (ح: ٧٥). - الإشبيلي لا يجيز نقل الحدبها بالمعنى حسب ما نقل عنه ابن المواق (ح: ١٥٨). - نص ابن المواق على اعتناء عبد الحق وابن القطان بالأحاديث المرفوعة فقط - وينظر كذلك بيان الوهم (١/ ٧٠/ أ) -فإنه لا يذكر في كتابه (كتاب عبد الحق إلا ما كان من حديث النبي ﷺ ). - الروايات المنقطعة، أو التي فيها راو ضعيف ليست من مراد عبد الحق فيما يسوق من روايات لأنها ليست من شرطه. (ح: ١٦٧). - إذا عطف عبد الحق الإشبيلي رواية على أخرى أفاد أنه الرواية الثانية مخرجة من نفس الكتاب، المذكور أولا، ما دام لم يصرح بغيره. ذكر ذلك ابن المواق عند كلامه على (ح: ١٥٨). - أن عبد الحق الإشبيلي يعد إبهام راو في الحديث انقطاعا، ويعل الحديث بذلك. (ح: ١). المبحث السادس: نقول عن ابن المواق: تقدم أن مخطوط "بغية النقاد" الذي بين يدي غير تام، وعند رجوعي لأمهات الكتب الحديثية وجدت نقولا منسوبة إلى ابن المواق ووجدتها في الكتاب، لكن نقولا معزوة إليه، وبعضها منصوص على أنه في "بغية النقاد"، ولا توجد في القسم الذي بين يدي منه، يرجح أنها من الجزء الذي ضاع منه، وقد حاولت أن أستثمر هذه النقول في ثنايا التحقيق والدراسة، لكن يبقى أن بعضها لم يتيسر لي استثماره، لذا قمت بوضع جدول لطائفة من هذه النقول عن ابن المواق أو ما نسب إليه:

стр. 306

الناقل ... الموضوع ... موطنه في البقية إن وجد * ابن رشيد السبتي في ملء العيبة ٥/ ٥٠ ... هل في الصحابة من اسمه عبد الله الصنابجي؟ ... ذكر مختصرا في (ح: ٥٨)، لكن يرجح أنه أعيد كاملا في القسم المفقود من البغية. * الزركشي في نكته على ابن الصلاح (قسم الماجستير) ١/ ١٩٨ ... في جواز تصحيح الأحاديث لمن كانت له الأهلية. طبق ذلك عمليا في أحاديث من البغية. * الزركشي (القسم الأول): ٢/ ٤٠١. صفة الحديث الحسن عند الترمذي. غير موجود في القسم الموجود من البغية. * الزركشي، نفس المصدر ٣/ ٦١٥. فيمن روى من الصحابة قصة لم يحضرها. موجود في البغية (ح: ٧٠)، لكن بتصرف. * الزركشي في نفس المصدر، قسم الدكتوراه ١/ ١٣٢. في نسبة الراوي إلى جده. موجود في البغية (ح: ٢٦٢). * الزكشي، نفس المصدر ١/ ٤٢. متى يحكم على الحديث بالإنقطاع؟. منسوب لإبن المواق في البغية، وليس في القسم الموجود منها. * الزركشي، نفس المصدر ١/ ٥٦. ضابط الإتصال وعدمه في الحديث المعنعن والمؤنن. موجود في البغية بنصه (ح: ١). * الزكشىِ، نفس المصدر ١/ ٧٠. تدليس التسوية، وكونه شر أنواع التدليس. ذكر باختصار في (ح: ١٢)، وأرجح أنه ذكر مفصلا باللفظ الذي أورده الزركشي في القسم المفقود من البغية. * الزركشي، قسم الدكتوراة ٣/ ٧٩٢. حكم الرواية بالمكاتبة. مذكور في البغية بتصرف. * الزركشي في نفس المصدر ٢/ ٥٧٣. تفصيل القول في المجهول وضريبه. لا يوجد في القسم الموجود من البغية. * العراقي في التبصرة والتذكرة ١/ ٨٥. في صفة الحديث الحسن. لا يوجد في القسم الموجود من البغية. * العراقي في نفس المصدر ١/ ١١٠. في صفة الحديث الحسن كذلك. لا يوجد في القسم الموجود من البغية. * العراقي في نفس المصدر ١/ ١٧١. ضابط الإنقطاع والإتصال في الحديث المعنعن. موجود بنصه في البغية (ح: ١).

стр. 307

الناقل ... الموضوع ... موطنه في البغية إن وجد * العراقي في نفس المصدر ٢/ ١٠٥. حكم الرواية بالمكاتبة. غير موجود بنصه في البغية ولكن نفس الحكم المنصوص عليه فيها. * العراقي في شرحه المسمى فتح المغيث ص: ٣٣. في الحديث الحسن. غير موجود في القسم الموجود من البغية. * العراقي في نفس المصدر ص: ٤٨. في الحديث الحسن كذلك. غير موجود * العراقي في نفس المصدر ص: ٧٦. ضابط الإنقطاع والإتصال في الحديث المعنعن. موجود بنصه في البغية (ح: ١) * العراقي في نفس المصدر ص: ٢٢٣. حكم الرواية بالمكاتبة. غير موجود في البغية، ولكن نفس الحكم منصوص عليه فيها. * العراقي في التقييد والإيضاح ص: ٥٣. حكم الحديث الذي سكت عنه أبو داود. غير موجود في القسم الذي بين يدي من البغية. * العراقي في نفس المصدر ٦١. في الحديث الحسن. غير موجود في القسم الذي بين يدي من البغية. * العراقي في نفس المصدر ص: ٨٦. ضابط الإنقطاع والإتصال في الحديث المعنعن. موجود بنصه في البغية (ح: ١). * العراقي في نفس المصدر ص: ١٣٩. حمل أهل العمل على العدالة. غير موجود في القسم الذي بين يدي. * العراقي في نفس المصدر ص: ٤٤٣، ٤٤٤ (وكذلك نقله عن العراقي صاحب نهاية الإغتباط بمن رمي من الرواة بالاختلاط ص: ٢٤٧). كون حماد بن زيد سمع من عطاء ابن السائب قبل الاختلاط. غير موجود في القسم الذي بين يدي من البغية. * ابن الوزير اليماني في العواصم والقواصم (ت ٨٤٠): ١/ ٣٠٧. حامل العلم المعروف بعنايته به، محمول أبدا على السلامة حتى يظهر ما يجرحه. غير موجود في القسم الذي بين يدي من البغية. ابن حجر في التلخيص الحبير ٢/ ١٢٧. ادعاء تصحيف في حديث الوصية بتوسيع القبر موجود بنصه ح: ٢٣٨ * الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير ٢/ ١٧٤. التنبيه على علة خفية في حديث. غير موجود في القسم الذي بين يدي من البغية. * ابن حجر في نفس المصدر ٤/ ٨. في عودة الضمير، على من يعود. موجود بنصه في (ح: ١٨٣).

стр. 308

الناقل ... الموضوع .... موطنه في البغية إن وجد * ابن حجر في ت. التهذيب ٦/ ٧٨. الكلام على الراوي عبد الله بن أبي يعقوب. ذكر الحديث الذي بمناسبة كلام ابن المواق على الراوي عبد الله بن أبي يعقوب، لكنه أشار إلى أنه فصل الكلام فيه في موضع آخر من كتابه. (ح: ٦). * ابن حجر في ت. التهذيب ٧/ ٣٨١. جهالة حال عمر بن حفص الوصابي. ذكر ابن المواق الحديث الذي فيه عمر بن حفص الوصابي (ح: ٢٥٦)، لعلة أخرى، ووعد بتتمه الكلام فيه، لكن لم يذكر فيما بين يدي، فالمرجح أنه في القسم المفقود. * ابن حجر في الفتح ٢/ ٥١٥. رد ابن المواق على ابن القطان في دعوى التعليق في حديث عند البخاري. موجود بنصه في (ح: ٤٦). * ابن حجر في الفتح ٢/ ١٥٧. عدم توهيم جماعة من الثقات بمخالفة الواحد لهم. موجود بنصه في (ح: ٩٦). * ابن حجر في الفنح ١٢/ ٤٠٧. قول ابن المواق بكون زيادة وقعت في حديث مدرجة. منسوب إلى ابن المواق في البغية، وهو بنصه في (ح: ٣٨٠). * ابن حجر في نكته على ابن الصلاح ١/ ٤٧٦. في صفة الحديث الحسن عند الترمذي. غير موجود في القسم الذي بين يدي. * البقاعي (ت ٨٨٥) في نكته الوفية في شرح الألفية. مخطوط مكتبة الأوقاف، بغداد ل. ٦٢. ب (عن هـ النكت للزركشي) ق ١/ ٤٠١). في صفة الحديث الحسن عند الترمذي. غير موجود في القسم الذي بين يدي. * السخاوي في فتح المغيث ١/ ١٩٧. ضابط الإتصال والإنقطاع في الحديث المعنعن. موجود بنصه في (ح: ١). * السخاوي في نفس المصدر ٢/ ١٨. أهل العلم محمولون على العدالة. غير موجود في القسم الذي بين يدي.

стр. 309

الناقل ... الموضوع ... موطنه في البغية إن وجد * السخاوي في نفس المصدر ٢/ ٤٤. في رد رواية المجهول الذي لم يرو عنه إلا واحد. غير موجود في القسم الذي بين يدي. * السخاوي في نفس المصدر ٢/ ٥٠. في جهالة الحال. غير موجود في القسم الذي بين يدي. * السخاوي في نفس المصدر ٢/ ٥١. هل الرواية عن الراوي تعد تعديلا له؟. غير موجود في القسم الذي بين يدي. * السخاوي في نفس المصدر ٤/ ٣٧٧. حول اختلاط سعيد بن أبي عروبة ومن سمع منه قبل الاختلاط أو بعده. غير موجود في القسم الذي بين يدي. * السيوطي في التدريب ١/ ١٢٦. في شرط البخاري ومسلم. غير موجود في القسم الذي بين يدي. * السيوطي في التدريب ١/ ١٥٥. صفة الحديث الحسن عن الترمذي. غير موجود في القسم الذي بين يدي. * الحافظ زكرياء الأنصاري (ت ٩٢٥) في فتح الباقي على ألفية العراقي ١/ ١١٠. صفة الحديث الحسن عن الترمذي. غير موجود في القسم الذي بين يدي. * العجلوني (ت: ١١٦٢) في كشف الخفاء ١/ ١١٨. ترجيح الوصل على الإرسال في حديث أنس: أرحم أمتي. غير موجود في القسم الذي بين يدي. * الصنعاني في توضيح الأفكار ١/ ١٥٩. في صفة الحديث الحسن عند الترمذي. غير موجود في القسم الذي بين يدي. * الصنعاني في نفس المصدر ١/ ٢٤٠. في صفة الحديث الحسن عن الترمذي كذلك. غير موجود في القسم الذي بين يدي. * الصنعاني في توضيح الأفكار ٢/ ١٢٩. هل الرواية عن الراوي تعد تعديلا له؟. غير موجود في القسم الذي بين يدي. * أبو الطبب شمس الدين آبادي في التعليق المغني على الدارقطني ٣/ ٢٩٨. في عودة الضمير في رواية، على من هو؟. موجود بنصه في (ح: ١٨٣). * أبو الطيب شمس الدين آبادي في التعليق المغني على الدارقطني ٤/ ١٢٧. عدم توهيم جماعة من الثقات لراو خالفهم. موجودة بمعناه في (ح: ٩٦)

стр. 310

المبحث السابع: في ذكر المؤاخذات على ابن المواق تمهيد: إن الإنسان إذا أقدم على تصنيف كتاب في موضوع ما، واعتنى به مراجعة وضبطا وتنقيحا، فإن من يأتي بعده ويطلع عليه لابد أن يجد فيه مجالا للتعقيب والمؤاخذة، وهذا شيء لا مندوحة منه، لأن البشر من طبيعته النقصان، فما بالك بمؤلف: "بغية النقاد" الذي توفي صاحبه قبل أن يخرجه من مبيضته، لهذا لا يستغرب ما يمكن أن يلاحظ من أول وهلة من تداخل بعض الأبواب والفصول، أو وضع حديث في غير موضعه من الكتاب، وابن المواق دقيق الملاحظة لذا فإنه يمكن الجزم بأنه لو أطال الله في عمره حتى أتم كتابه مراجعة وتنقيحا لكان في صورة أفضل من هذه بكثير، فسبحان من بيده الأمر من قبل ومن بعد. وبالرجوع إلى هذا القسم الموجود من بغية النقاد في وضعه الحالي يلاحظ أنه يحتاج إلى مزيد تنقيح وترتيب ومراجعة؛ كما أنه لا يخلو من أماكن هى في حاجة إلى التعقيب العلمي؛ سواء فيما تعقب هو، أو فيما لم ينتبه إليه من أوهام أو إيهامات إما لعبد الحق الإشبيلي، أو لإبن القطان الفاسي. وقد قمت بالتعقيب على ما يحتاج لذلك في موضعه من التحقيق، ولكن هذا لا يمنع من ذكر بعض هذه النماذج: من أوهام ابن المواق في تعقيباته على شيخه ابن القطان: لما ذكر عبد الحق الإشبيلي حديث أبي حمزة (١) أنه قال: سئل النبي ﷺ عن رجل نسي الأذان والإقامة، فقال النبي ﷺ : إن الله تجاوز عن أمتي السهو في الصلاة. وذكر أنه من رواية هشام بن خالد. تعقبه ابن القطان، فبين وهمه فيه بقوله:

стр. 311

(وهو خطأ لا شك، وإنما رواه عن بقية: هشام بن عبد الملك، أبو تقي الحمصي، وهو شيخ متقن، يروي عن بقية، وجماعة من الشاميين سواه. وروى عنه الأئمة كأبي داود، والرازيين، وغيرهم، والأمر في ذلك، في نفس الإسناد، في الموضع؛ الذي نقله منه). ثم تناول ابن القطان الأسباب المحتملة التي قد تكون أوقعت عبد الحق في هذا الوهم؛ فذكر منها: الإحتمال الأول: أن يكون اعتمد على حفظه، ونسب والد هشام، فلما أراد أن ينسبه قال: هشام بن خالد، ولم يراجعه في الأصل. الإحتمال الثاني: أن فيما كتب أوهاما؛ فأراد أن يفسر من أمر هشام ما يتمم به الفائدة للقارئ؛ فظنه هشام بن خالد، خاصة أنه أشهر أصحاب بقية بن الوليد. وقال في الإحتمال الثالث: (ويحتمل على بعد أن يكون قد رأى الحديث أيضًا من رواية هشام بن خالد عن بقية. فأراد أن يعرف بذلك. وهذا إنما كان يستقيم له بعد أن يعرف راويه عن بقية في الموضع الذي نقله منه؛ هو هشام بن عبد الملك، ثم يتبعه أن يقول: ورواه أيضًا هشام بن خالد عن بقية. فأما أن يذكره من عند أبي أحمد، تم يتبعه أنه رواه هشام بن خالد عن بقية. فعمل غير صحيح لما فيه من إيهام الخطأ أنه عند أبي أحمد كذلك، فاعلم ذلك، والله الموفق). (١) والإمام ابن المواق ما علم منه إلا الدقة في التعقب، وعدم إصدار الأحكام إلا بعد التحري، والضبط؛ فالعجب منه كيف ادعى أن ابن القطان لم يتعقب عبد الحق الإشبيلي في بيان أن الراوي في هذا الحديث هو هشام بن عبد الملك، وليس هشام بن خالد.

стр. 312

الإهتمام ببيان النكارة حتى في الروايات الضعيفة: لما ذكر ابن المواق حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ من عند ابن عدي: (لا نكاح إلا بولي وخاطب وشاهدي عدل). (١) كان من تعقيباته بيان أن لفظ (وخاطب) لفظ منكر، وقد استدل على ذلك بكون محمد بن إبراهيم بن شعيب، أبي الحسين المغازي انفرد بالراوية التي فيها هذه الزيادة، وأن روايتي: أحمد بن محمد بن الفرات، وأحمد بن عمار النسوي ليس فيهما لفظ (وأخاطب). قلت: وكان عليه، -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-، أن يبين أن هذا الحديث ضعيف في رواياته التي عند ابن عدي، سواء التي فيها (وخاطب) أو التي ليس فيها ذلك اللفظ المنكر. إذ كلها تلتقي في المغيرة بن موسى، وقد نقل البيهقي عن أبي أحمد؛ قال: ثنا الحميدي، ثنا البخاري؛ قال مغيرة بن موسى بصري منكر الحديث -قال أبو أحمد: المغيرة بن موسى في نفسه ثقة- (٢) وإذا تبين أن الحديث من جميع طرقه عند ابن عدي ضعيف، فلا حاجة إلى بيان نكارة هذه اللفظة في إحدى هذه الطرق الضعيفة. فإن قيل إن ابن عدي وثق المغيرة في الكامل بقوله: (والمغيرة بن موسى في نفسه ثقة، ولا أعلم له حديثا منكرا فأذكره، وهو مستقيم الرواية). (٣) يقال إنه لم يوثق ٥ معه غير ابن حبان، أما الساجي، والعقيلي، والدولابي، وابن الجارود؛ فإنهم بأجمعهم ذكروه في الضعفاء. وأورد له العقيلي حديثا في سنده محمد بن جحادة، وقال لا أصل له عن محمد بن جحادة ... (٤) عد حديث له طرق متصلة مرسلًا: في حديث عرفجة (٥) جاء فيه: (عن عبد الرحمن بن طرفة بن عرفجة أن

стр. 313

جده قطع أنفه يوم الكلاب) الحديث. قال فيه ابن المواق إن عبد الرحمن روى قصة لم يدركها فالحديث مرسل. قلت: ولكن للحديث روايات؛ منها ما ثبت فيه (عن جده)، وعبد الرحمن سمع من جده، فالحديث متصل حسب هذه الرواية. اعتماد ابن المواق لتصحيف وفي رواية صحيحا: ذكر عبد الحق حديث ابن عباس: "ليس عليكم في ميتكم غسل إذا غسلتموه ... فبحسبكم أن تغسلوا أيديكم" (١) ونقله عن ابن القطان للتعقيب عليه في سنده، فاستدرك عليه ابن المواق في لفظة (أيديكم) بأن الصواب فيها: (آنيتكم) ... وبأنه كذلك عند عبد الحق وفي سنن الدارقطني الذي نقل منه الحديث. قلت: الذي في سنن الدارقطني -المطبوعة- (فبحسبكم أن تغسلوا أيديكم)، وهو كذلك عند الحافظ أبي محمد الغساني الجزائري في كتابه (تخريج الأحاديث الضعاف من سنن الدارقطني) (٢). وفي مخطوط (الأحكام) لعبد الحق الإشبيلي (آنيتكم) عوض (أيديكم). فذهب الحافظ ابن المواق إلى أن اللفظ الوارد في هذا الحديث هو: (آنيتكم)، وجعل من أورده على خلاف ذلك وهما، معتمدا على ما في (الأحكام)، وكذا النسخة التي وقعت بين يديه من كتاب سنن الدارقطني. قلت: ولا أرى أن ما ذهب إليه الحافظ ابن المواق صوابا لأمرين: - الأول: أنه لا وجه له من حيث المعنى، فالأواني لا تنجس، والأيدي هي التي تباشر غسل الميت، والأجدر أن يذكر الشرع حكمها، أما غسل الأواني فهو من تحصيل الحاصل، فلا حاجة للتنصيص عليه.

стр. 314

- الثاني: أن كل من روى الحديث أو نقله عن غيره؛ كله لم يورده إلا بلفظ (أيديكم)، وأذكر على سبيل المثال: الحاكم، والبيهقي. وعليه فإن ابن القطان لم يهم فيه، بل الصواب ما أورده، ومما يتأيد به ذلك ما ذهب إليه الحافظ ابن حجر في حمل الأمر بالغسل في حديث أبي هريرة المتقدم على غسل الأيدي، حسب تصريح هذا الحديث بذلك. (١) نسبة حديث للترمذي، وهو غير موجود فيه: - ذكر ابن القطان حديث ابن عباس أن النبي ﷺ كان يصبح، ولم يجمع الصوم. (٢) فتعقبه ابن المواق، لكنه أثناء تعقيبه عليه نسب الحديث إلى الترمذي. قلت: نسب الحافظ ابن المواق هذا الحديث إلى الترمذي؛ وليس له ذكر في جامعه، ولا في غيره من كتبه التي اطلعت عليها، والحديث ذكره عبد الحق في الأحكام (٣) من عند ابن حزم -في المحلى- (٤) ولعل سبب وهمه أنه ذكر الحديث أثناء كلامه على حديث سمرة بن جندب: سكتتان حفطهما من رسول الله ﷺ .. الحديث. فإنه ذكره من عند الترمذي، فوهم، فأعاد الضمير على حديث الباب. وهذه بعض الإشارات المجملة إلى مؤاخذات على الحافظ ابن المواق: في الحديث (٤٦) عرف بالراوي أبي بكر، فقال هو: (ابن عبد الرحمن)، والصواب أنه: أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم). وفي الحديث (٦٩) ذهب ابن القطان إلى أن معني النسائي بقوله: (هذا خطأ فاحش، والصواب حديث بشر، أراد بالخطأ زيادة (في الرهان)، ووافقه على

стр. 315

ذلك ابن المواق. قلت: الصواب أن النسائي إنما صوب حديث عمران بن حصين، وإنما خطأ حديث أنس. (١) وفي الحديث (٧٧) وقع ابن القطان في وهم فيه؛ فنسبه إلى أبي هريرة، وهو في مسند عمر بن الخطاب، ولم ينبه الحافظ ابن المواق على هذا الوهم. وفي الحديث (١٨١) ينظر التعقيب الثاني -من تعقيباتي- في الهامش. وفي الحديث (١٩٠) من مخطوط البغية جاء ما نصه: (أن رجلا من جدام جامع امرأته وهما محرمان، فسأل الرجل رسول الله ﷺ . فقال له: "اقضيا يوما مكانه. الحديث". قلت: إن الذي عند جميع من ذكر الحديث (اقضيا نسككما ..)، والحديث ورد في باب الحج، وليس في باب الصيام. فإما أن يكون الوهم من الناسخ، وهذا ما يرجح، أو أن يكون من ابن المواق، وهذا مستبعد، والله أعلم. وفي الحديث (١٩١) عرف الحافظ ابن المواق بعبد الرحمن بن ميسرة الوارد في سند الحديث فقال: هو أبو ميسرة الحضرمي، فأخطأ التعريف به، إذ المراد به عبد الرحمن بن ميسرة الحضرمي، الحمصي ... (٢) وفي الحديث (١٩٩) كان إذا دخل الخلاء قال: اللهم إني أعوذ بك من الخبيث المخبث ... تعامل معه الحافظ ابن المواق بحرفية معناه، فرجح أن فقه الحديث يقتضي أن التعوذ يكون في الخلاء، وهذا الفهم مرجوح، كما بينت في التعليق.

стр. 316

وفي الحديث (٢٢٤) استدل الحافظ ابن المواق بأن عبد الحق الإشبيلي سقطت له لفظة (حتى يصلى عليه)، وهي مذكورة في نص الحديث عند أبي داود. قلت: إن عبد الحق أخرج الحديث من عند مسلم، ولا حاجة لإيراد رواية أبي داود وبناء التعقيب عليها، إذ رواية مسلم كفيلة بأن تسعفه إلى نفس التعقيب المذكور في هذا الحديث. وفي الحديث (٢٤٩) استدرك الحافظ ابن المواق على شيخه ابن القطان ثلاثة استدراكات، قال في الثاني منها: أن الصواب في رواية هذا الحديث لفظ (الدبر)، وليس لفظ (الدم)، والأرجح عندي أنه عكس ما قال، على أن الحديث ضعيف من جميع الطرق المذكورة له. (١) وفي الحديث (٣٥١) الذي ذكره عبد الحق من مسند حذيفة بن اليمان: كل مسجد فيه إمام ومؤذن ... الحديث. من عند ابن عدي، فنفى ابن المواق أن يكون له ذكر عند أبي أحمد، والحديث موجود عنده. (٢) وفي الحديث (٣٥٣) الذي ذكره عبد الحق الإشبيلي من مسند ابن مسعود مرفوعا: "لا تأتوا النساء في أعجازهن، ولا في أدبارهن". من طريق أبي أحمد. هذا الحديث أعله الإشبيلي بحمزة بن محمد الجزري، وقد جهد نفسه ابن المواق أن يجد الحديث عند ابن عدي فلم يجده، والصواب أنه لا يوجد فيه ذكر لحمزة ابن محمد، وإنما هو: محمد بن حمزة فهذا القلب هو الذي سبب المتاعب لإبن المواق، بل وأوقعه في ما أوقعه من أوهام. وفي الحديث (٣٥٩) نفى الحافظ ابن المواق أن يكون لحديث الباب ذكر في كتابي السنن والعلل، للدارقطني، والحديث موجود في السنن له.

стр. 317

وفي الحديث (٣٦٠) طال بحث الحافظ ابن المواق عن حديث الباب المنسوب إلى عبد الرزاق في مصنفه، فلم يلفه فيه، والحديث موجود فيه. أما الحديث رقم (٣٦٣) الذي رواه عبد الحق الإشبيلي من مسند معاذ بن جبل: (كنت مع النبي ﷺ ، فأصبحت يوما قريبا منه ... الحديث. من طريق النسائي. فقد نفى الحافظ ابن المواق أن يكون النسائي خرجه، والصواب أنه عنده في سننه الكبرى.

стр. 318

قسم التحقيق

стр. 319

تمهيد خدم أسلافنا، ﵏، سائر فروع العلوم الإسلامية، حتى غدت هذه الأمة متميزة بين جميع الأمم بإرث حضاري خاص، لا يشاركها غيرها فيه، سواء من حيث الكم أو الكيف، وبذل الخلف جهودا مشكورة في سبيل إحياء بعض هذا التراث، لكنها تبقى دون المستوى المطلوب لإتمام الإخراج والنشر، وخصوصا أن هذا الأمر يتطلب قدرة علمية، وضوابط منهجية للتحقيق، ولا يخفى أن ما نشر من هذا التراث لا يخضع كله لهذه المقاييس والمعايير، ولذا فإنه من الواجب أن يعاد النظر في كثير منه للنظر فيما حقق مستوفيا للشروط العلمية والفنية، وفيما كان متسما منه بالصبغة التجارية. إن الهدف الرئيسي لتحقيق أي نص من النصوص هو رده إلى حالته الأولى التي وضعه عليها المؤلف، أو على الأقل إلى أقرب صورة منها، وهذا عمل ليس بالأمر الهين؛ إذ يتطب مقاييس جد دقيقة، وأدوات للعمل؛ منها جمع النسخ والمقابلة فيما بينها، والرجوع إلى الموارد الأصلية التي استورد المؤلف منها نصوصه، فكانت معينة في تأليفه لمصنفه، وقد اعتاد الباحثون أن يتيسر لهم جمع المادة كما كان النص المراد تحقيقه غير موغل في القدم، لكن الأمر يصعب وتزداد المشقة كما تعلق التحقيق بمصنف يعود إلى قرون وقرون، وهذه المشقة غالبا ما تتكون من شقين شق يتعلق -بندرة النسخ للنص المراد تحقيقه، وشق ثان مرجعه إلى عدم توفر موارد المؤلف والمصنفات التي ألفت حوله شرحا أو تلخيصا أو استدراكا أو تعليقا. لقد ترك سلف هذه الأمة تراثا إسلاميا ضخما، أخرج منه إلى النور القليل، ولا زال الكثير ينتظر أقلام العلماء وجهودهم لانتزاعه من ركام الرفوف وإنقاذه من عبث الأرضة به ومن شأن الباحثين أن ينتقوا من النصوص ما يكفل لهم أكبر قدر من النجاح

стр. 320

في القيام بمهمتهم، وبأدنى جهد؛ وهذا ما جعل الباحثين في كثير من الأحيان يمكثون مدة طويلة لاختيار النص الذي يصلح للتحقيق، ونتيجة لذلك لا تجد من الباحثين من يقبل على المخطوطات اليتيمة التي ليست لها في الخزائن العامة والخاصة إلا نسخة واحدة، أو لها نسخ ولكنها كلها مبتورة، ومن الباحثين من لا يكترث لهذا النوع من الصعاب ويتجشمها مقتحما لها، ولعلي أكون من هذا القسم الثاني. كان هذا شأني مع تحقيق كتاب غرر الفوائد المجموعة في ما وقع في صحيح مسلم من الأحاديث المقطوعة، لرشيد الدين العطار، -مرحلة دبلوم الدارسات العليا- وهو كتاب لا توجد منه سوى نسختين في الخزائن العالمية -حسب علمي- ولكنهما مبتورتان معا؛ ومما زاد الأمر صعوبة كون جزء من البتر مشتركا في النسختين في نفس الموضع منهما، وقبل أن أقدم على تسجيله -رسالة علمية- لتحقيقه سجله أحد الباحثين في إحدى الجامعات السعودية، لكن ما إن تحقق الباحث أن البتر مشترك بين النسختين في نفس الموضع منهما حتى تخلى عنه ليبحث عن موضوع جديد، واستطعت بحول الله تعالى، وعونه أن أقدم عليه رغم بتره المذكور، وما اكتنف ذلك من الصعاب، وقد يسر الله لي تذليلها، وقد ساعدنا على ذلك التمكن من معرفة موارد رشيد الدين العطار في كتابه، وكذا الإطلاع على نقول عنه من الكتاب المذكور، فتمكنت من ترميم المخطوط وإصلاح ما به من بتر، فتم بفضل الله إخراج الكتاب كاملا. كان ما تقدم في تحقيق كتاب "الغرر"، لكن الأمر في مخطوط "بغية النقاد" لإبن المواق، أشد وطأة إذ لا يعرف لهذا الكتاب إلا نسخة يتيمة في دير الأسكوريال بأسبانيا، وهي مبتورة من الأول والأخير، هذه كلها عوامل لا تشجع على الإقبال على تحقيق هذا المخطوط، لكن لمن تترك هذه الجوهرة الفريدة، وهذا الكنز الثمين؟ وخصوصا أن عوادي الزمان كثيرة؛ لا تبقي ولا تذر، إن سلم الكتاب من بعضها أصابه البعض الآخر .... وإذا كانت بعض الجامعات العربية قد اشترطت توفر نسختين من المخطوط -
следующие страницы →