زاد النسائي (٦) في هذا الحديث أنه أتى النبي ﷺ فأخبره، فقال له رسول الله ﷺ : "انطلق فأرني مكانه"؛ قال: "فانطلقت معه، فأريته إياه، فلما وقف عليه حمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: هذا فرعون هذه الأمة")) (٧).
قال م: ظاهر كلامه يفهم أن قوله: (فلو غير أكار قتلني) في رواية أنس ابن مالك، في كتاب مسلم، وأن الحديث عند النسائي من رواية أنس بن مالك، كما هو عند مسلم، وليس الأمر كذلك في الروايتين، أما ما ذكره النسائي فمن حديث ابن مسعود، قال النسائي: حدثني عمرو بن هشام الحراني (٨)، قال: حدثني محمد بن سلمة (٩) عن أبي عبد الرحيم (١٠)، عن زيد ابن أبي أُنَيْسَة (١١)، عن أبي إسحاق (١٢)، عن عمرو بن ميمون الأودي (١٣)، عن ابن مسعود؛ قال: أدركت أبا جهل يوم بدر صريعا؛ قال:
стр. 667
ومعي سيف لي، فجعلت أضربه، ولا يحيك فيه، ومعه سيف له جيد فضربت يده، فوقع السيف، فأخذته، ثم كشفت المغفر (١٤) عن رأسه، فضربت عنقه، ثم أتيت رسول الله ﷺ فأخبرته، فقال: "آلله الذي لا إله إلا هو؟ ". قلت: الله الذي لا إله إلا هو. قال: "آلله الذي لا إله إلا هو؟ ". قلت: الله الذي لا إله إلا هو.
قال: "انطلق فاستثبت". فانطلقت، فقال رسول الله ﷺ : "إن جاء يسعى مثل الطير يضحك فقد صدق". قال: فانطلقت، ثم جئت وأنا أسعى مثل الطائر أضحك، أخبرته فقال: "انطلق فأرني مكانه"، فانطلقت معه فأريته إياه، فلما وقف عليه حمد الله، ثم قال: "هذا فرعون هذه الأمة".
قال م: فتبين بهذا ما قلته من أن الحديث عند النسائي من رواية ابن مسعود، لا من رواية أنس، وظهر في حديث ابن مسعود مخالفة مقتضاه لمقتضى حديث أنس؛ إذ في حديث ابن مسعود أنه تولى قتل أبي جهل -لعنة الله على أبي جهل- وقال في حديث أنس: إن ابني عفراء ضرباه حتى برد.
وأصح الأمرين ما في حديث أنس؛ فهو المشهور المحفوظ، والله أعلم.
وأبو عبد الرحيم -هو خالد بن أبي يزيد- ثقة، وهو خال محمد بن سلمة.
وأما قوله: (وفي رواية: فلو غير أكار قتلني) فإنها في كتاب مسلم عن أبي مجلز (١٥)، أرسلها إرسالا، ولم يذكر من حدثه بها عن أبي جهل -لعنه
стр. 668
[الله] (١٦) - فكلا الوهمين من هذا الباب. اهـ
(١٦٢) لي ذكر (١) من طريق مسلم أيضا حديث عائشة؛ قالت: لما أمر رسول الله ﷺ بتخيير أزواجه بدأ لي الحديث ..
ثم قال: ((وفي طريق أخرى: وأسألك ألا تخبر امرأة من نسائك بالذي قلت.
قال: "لا تسألني امرأة منهن إلا أخبرتها، إن الله لم ييعثني معنتا ولا متعنتا،
стр. 669
ولكن بعتني معلما ميسرا")).
هكذا ذكر ق هنا؛ كأنه من حديث عائشة وليس كذلك، إنما هو حديث جابر بن عبد الله، ومن رواية أبي الزبير عنه معنعنا، ولم ينبه عليه ع فيما ذكر من أحاديث أبي الزبير، عن جابر، ولنورده بإسناده ولفظه:
قال مسلم: (ونا زهير بن حرب (٢)؛ قال: نا روح بن عبادة؛ قال: نا زكرياء ابن إسحاق (٣)، قال نا أبو الزبير (٤) عن جابر بن عبد الله؛ قال: دخل أبو بكر يستأذن على رسول الله ﷺ فوجد الناس جلوسا ببابه، لم يؤذن لأحد منهم؛ قال: فأذن لأبي بكر، فدخل، وذكر الحديث بطوله (٥). وفيه: ثم نزلت عليه هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ - حتى بلغ -: ﴿لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.
قال: فبدأ بعائشة فقال: (يا عائشة إني أريد أن أعرض عليك أمرا أحب ألا تعجلي فيه حتى تستشيري أبويك).
قالت: وما هو يا رسول الله؟ فتلا عليها الآية.
قالت: أفيك يا رسول الله أستشير أبوي, أختار الله ورسوله والدار الآخرة وأسألك ألا تخبر امرأة من نسائك بالذي قلت.
قال: "لا تسألني امرأة منهن إلا أخبرتها؛ إن الله لم يبعثني معنتا ولا متعنتا، ولكن بعثني معلما ميسرا". اهـ
стр. 670
(١٦٣) وذكر (١) من طريق مسلم أيضا عن الشعبي (٢)؛ فقال: حدثني النعمان بن بشير أن أمه ابنة رواحة (٣) سألت أباه بعض الموهبة الحديث ..
ثم قال: (("وفي طريق آخر: "فكلهم أعطيت مثل ما أعطيته؟. قال: لا.
стр. 671
قال: فليس يصلح هذا، وإني لا أشهد إلا على حق")). اهـ
هكذا ذكر ق هذا الموضع أيضا كأن اللفظ الثاني من حديث النعمان بن بشير عند مسلم أيضا، وليس كذلك، وإنما يرويه من حديث جابر بن عبد الله، ومن رواية أبي الزبير عن جابر معنعنا كذلك، ولم ينبه عليه أيضا ع كذلك.
قال مسلم: (نا أحمد بن عبد الله بن يونس؛ قال: نا زهير (٤) قال: نا أبو الزبير عن جابر؛ قال: قالت امرأة بشير: انحل ابني غلامك هذا، وأشهد لي رسول الله ﷺ ، فأتى رسول الله ﷺ ، فقال: إن ابنة فلان سألتني أن أنحل ابنها غلامي، وقالت: اشهد لي رسول الله ﷺ . فقال: "أله إخوة؟ " فقال: نعم. قال: "أفكلهم أعطيت مثل ما أعطيته؟ ". قال: لا. قال: "فليس يصلح هذا وإني لا أشهد إلا على حق"). اهـ
(١٦٤) وذكر (١) من طريق النسائي عن ابن جريج،
стр. 672
عن عطاء (٢)، عن عبد الله بن عمرو؛ قال: يا رسول الله إنا نسمع منك أحاديث أفتأذن لنا أن نكتبها؟ فقال: "نعم". فكان أول ما كتب كتاب النبي ﷺ إلى أهل مكة: لا يجوز شرطان في بيع واحد، ولا بيع وسلف، ولا بيع ما لم يضمن، ومن كان مكاتبا على مائة درهم فقضاها إلا عشرة دراهم فهو عبد الحديث ..
ذكره ق في أحاديث الكاتب، ثم قال: ((وعن عمرو بن شعيب، عن
стр. 673
أبيه (٣) عن جده، عن النبي ﷺ ، قال: "المكاتب عبد ما بقي عليه من كتابه درهم").
هكذا ذكر هذا الحديث الثاني مردفا له على حديث النسائي مفهما أنه كتبه من طريقه، وليس كذلك، وإنما خرجه أبو داود في سننه: قال: (نا هارون بن عبد الله (٤)؛ قال: نا أبو بدر (٥)؛ قال: نا أبو عتبة -وهو إسماعيل بن عياش- (٦)؛ قال: نا سليمان بن سليم (٧) عن عمرو بن شعيب، فذكره بإسناده ومتنه سواء.
وهذا الحديث لم يخرجه النسائي فيما أعلم. وسليمان بن سليم -أبو سلمة- شامي، ثقة من ثقات الحمصيين. اهـ
(١٦٥) وذكر (١) من طريق الدارقطني عن ابن عباس؛ قال: قال رسول الله ﷺ (أيما أمة ولدت من سيدها، فإنها إذا مات حرة الحديث ..).
ثم قال: (وعنه -أي النبي ﷺ أنه قال: "من ولدت منه أمته فهي حرة بعد موته (٢) ").
стр. 674
ثم قال: في إسناد هذا والذي قبله: الحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن العباس. وهو ضعيف).
ثم قال: (ومن حديثه عن ابن عباس أيضا، قال: لما ولدت مارية قال رسول الله ﷺ : (أعتقها ولدها) (٣).
هكذا ذكر هذا الموضع، والمقصود منه؛ هذا الحديث الأخير. فإن قوله: (ومن حديثه أيضا) ظاهره أنه يريد: ومن حديث الحسين الذي تقدم له ذكره، وإن كان يحتمل على بعد أن يريد (ومن حديث الدارقطني)، لكنه غير الظاهر لوجهين:
- أحدهما أن الحسين أقرب مذكور، فالضمير له. الثاني أنه لم يعلل هذا الحديث اكتفاء بما قدم في الحسين. فإذا تقرر هذا، فاعلم أن هذا اللفظ الذي أورده بنصه ليس عند الدارقطني؛ من رواية الحسين بن عبد الله المذكور، وإنما
стр. 675
هو من رواية ابن أبي حسين (٤)؛ وهو عندي: عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين المكي.
قال الدارقطني: نا أبو عبيد؛ القاسم بن إسماعيل (٥). نا زياد بن أيوب (٦)؛ نا سعيد بن زكرياء المدائني عن أبي سارة، عن ابن أبي حسين، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ قال: لما ولدت مارية قال رسول الله ﷺ : (أعتقها ولدها). وحديث ابن عباس هذا ذكره الدارقطني؛ من طرق كلها ترجع إلى حسين بن عبد الله المذكور. وذكر في أثنائها هذه الرواية، فخفي ذلك على أبي محمد (٧)، واعتقدها كلها راجعة إلى حسين المذكور، فوهم ﵀.
رواه عن حسين هذا جماعة منهم: أبو أويس، ولفظه هو المذكور ها هنا أولا من كتاب "الأحكام".
وشريك، ولفظه هو المذكور ثانيا منه.
وسفيان الثوري، ولفظه: (أيما جارية ولدت لسيدها فهي معتقة عن دبر منه).
وعبد الله بن سلمة بن أسلم (٨)، ولفظه: (أم إبراهيم أعتقها ولدها).
وأبو بكر بن أبي سبرة (٩)، ولفظه: (لما ولدت أم إبراهيم قال رسول الله ﷺ : "أعتقها ولدها". وروي عنه في رواية أخرى: (لما ولدت مارية القبطية إبراهيم
стр. 676
ابن النبي ﷺ قال رسول الله ﷺ : "أعتقها ولدها").
هذه الروايات التي ذكرها الدارقطني عن حسين بن عبد الله. وليس فيها نص ما ذكره ق إلا من رواية ابن أبي حسين؛ التي ذكرتها آنفا بإسنادها؛ فهي التي نقل ق. والله أعلم.
فإن قيل: ويقرب مما ذكر ق الرواية التي فيها؛ لما ولدت أم إبراهيم. فلعل أبا محمد هي التي اعتمد بالذكر-، وإن كانت لم تسم فيها أم إبراهيم، فغاية جنايته في هذا أن سماها خاصة.
قلت: وإذا حملنا عمله على هذا، وتسامحنا في ذلك، لكنا قد ألزمناه جناية أكبر مما تقدم، وذلك أنه يكون حينئذ قد سكت عن راو متروك موصوف بالوضع، فلم يعرف أن الحديث من روايته، وهو أبو بكر بن أبي سبرة، فإنه مذكور بوضع الحديث، قال أحمد بن حنبل وغيره. وليست كذلك الرواية التي قلت أنه خرجها، فإن ابن أبي حسين، وهو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين المكي، أحد الثقات، لا مفاضلة بينه، وبين حسين بن عبد الله.
والراوي أيضًا عن ابن أبي حسين -وهو ابن أبي سارة (١٠) - خير من ابن أَبى سبرة الراوي عن حسين المذكور، وأنا أراه محمد بن عبد الله بن أبي سارة المكي أيضًا؛ روى عنه ابن المبارك، وزيد بن الحباب، ومحمد بن عبيد
стр. 677
الطنافسي (١١)، وغيرهم. فإن كان إياه فلا بأس به، إن شاء الله. وهنالك علي ابن أبي سارة الشيباني، بصري، حدث عن مكحول، وثابت البناني وأبي عبد الله الشقري (١٢). روى عنه موسى بن إسماعيل، وعمر بن علي المقدمي، وعبد الله بن عبد الوهاب الحجبي (١٣)؛ وهو ضعيف الحديث. وأرى الذي في الإسناد ليس بهذا.
وعلى أني من هذا الإسناد على وجل؛ فإن هذا الحديث معروف بحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس؛ عند أئمة هذا الشأن، لا بابن أبي حسين. يدلك على ذلك كثرة الرواة عنه لهذا الحديث.
وقال الأثرم: وسمعت أبا عبد الله، وذكر حسين بن عبد الله. فقال: هو حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن العباس، له أشياء منكرة (١٤). قلت لأبي عبد الله: هو صاحب حديث: أعتقها ولدها؟ فقال: نعم، حديث عكرمة عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال في مارية أم إبراهيم: (أعتقها ولدها). فهذا محرم الثقة برواية ابن أبي حسين؛ فإنها إنما عرفت من هذا الطريق، وراويها سعيد بن زكرياء المدائني ليس موصوفا بالحفظ، ولا هو ممن يعتمد عليه فيما ينفرد به.
стр. 678
وقد قالوا فيه: ليس بالقوي، كذلك ذكر ابن أبي حاتم عن أبيه أنه سأله عنه، فقال: صالح ليس بالقوي (١٥) وكذلك ذكر ابن أبي حاتم عن أبيه أنه سأله عنه، وأما عبد الله بن أحمد بن حنبل فروى عن أبيه أنه قال: ما به بأس (١٦)، كتبنا عنه أحاديث زمعة (١٧).
فأخاف أن يكون هذا الشيخ قد وهم، فتغير له: ابن أبي سبرة بابن أبي سارة، وحسين، بابن أبي حسين. والله أعلم بحقيقة ذلك. اهـ
(١٦٦) وذكر (١) من طريق مسلم عن أسماء بنت أبي بكر؛ قالت: جاءت امرأة إلى النبي- ﷺ ، فقالت يا رسول الله,
стр. 679
إن لي ابنة عريسا أصابتها حصبة (٢) فتمزق (٣) شعرها، أفأصله؟ قال: لعن الله الواصلة (٤) والمستوصلة (٥).
стр. 680
ثم قال: (زاد البخاري: أن زوجها أمرني أن أصل في شعرها. قال: "لا").
هكذا أورد هذه الزيادة، كأنها عند البخاري من حديث أسماء، وليس كذلك، وإنما هي عنده من حديث عائشة، ذكرها البخاري في النكاح، في باب لا تطيع المرأة زوجها في معصية، من طريق خلاد بن يحيى (٦)؛ قال: نا إبراهيم بن نافع (٧)، عن الحسن بن مسلم (٨)، عن صفية (٩) -وهي بنت شيبة- عن عائشة؛ أن امرأة من الأنصار زوجت ابنتها، فتمعط شعر رأسها، فجاءت إلى النبي ﷺ ، فذكرت ذلك له، فقالت: إن زوجها أمرنى أن أصل في شعرها. فقال: "لا" إنه قد لعن الموصلات. اهـ
(١٦٧) وذكر (١) من طريق البخاري عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ؛ قال: "إن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب، فإذا عطس أحدكم، وحمد الله، كان حقا على كل مسلم سمعه أن يقول: يرحمك الله الحديث .. " (٢).
стр. 681
ثم قال: "وقال في طريق آخر: فإذا قال له يرحمك [الله] (٣)، فليقل: يهديكم الله ويصلح بالكم) (٤).
стр. 682
وقال النسائي: يغفر الله لنا ولكم)) (٥).
هكذا أورد ق هذه الرواية -أعني ما نسبه إلى النسائي- كأنها عنده من حديث أبي هريرة، وليس كذلك، وإنما هي من حديث علي بن أبي طالب ﵁.
قال النسائي: (أنا أبو داود (٦)؛ قال: نا يحيى بن حماد (٧)؛ قال: نا أبو عوانة (٨) عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى (٩)، عن أخيه
стр. 683
عيسى (١٠)، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى (١١)، عن علي، عن النبي ﷺ ؛ قال: "إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله على كل حال، ويرد عليه، يرحمكم الله، ورد عليهم، يغفر الله لنا ولكم").
وذكر النسائي أيضًا من طريق هلال بن يساف (١٢)، عن سالم بن عبيد (١٣)،
стр. 684
عن النبي ﷺ ؛ قال فيه: وليقل: يغفر الله لي ولكم.
وذكره من حديث ابن مسعود؛ ولفظه: يغفر الله لكم، ليس فيه (لنا) (١٤)، نص فيه لما رواه جعفر بن سليمان (١٥)، عن عطاء بن السائب (١٦)، عن أبي عبد الرحمن (١٧)، عن ابن مسعود.
قال النسائي: (وهذا حديث منكر لا أرى جعفر بن سليمان إلا سمعه من عطاء / ٥٩. أ/ بن السائب بعد الإختلاط) (١٨).
قال م: وإنما لم نجعل هذين الحديثين مراد أبي محمد لأن هلال بن يساف لم يسمعه من سالم بن عبيد، بينهما رجل: تبين ذلك من رواية أخرى عند النسائي، وهذا الثاني ضعفه أبو عبد الرحمن، فلم نر أن نطوقه إخراج واحد منهما، وكأن حديث علي أولى أن يكون مراده، وإن كان من رواية من هو مذكور بسوء الحفظ؛ وهو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى.
ولما ذكر أبو عبد الرحمن النسائي هذا الحديث من طريقه قال: (محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ليس بالقوي في الحديث، سيء. الحفظ، وهو أحد
стр. 685
الفقهاء). فاعلمه، وبالله التوفيق. اهـ
(١٦٨) وذكر (١) حديث ابن عباس، قال: أقبلت يهود إلى النبي ﷺ فقالوا: يا أبا القاسم، نسألك عن أشياء فإن أجبتنا فيها اتبعناك، الحديث بطوله، وفيه: فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ إلى آخر الآية، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ - ذكر ق هذا الحديث في باب أوله حديث: مثل [المؤمن] (٢) الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة، ريحها طيب، وطعمها طيب الحديث .. (٣) - (٤) بعد حديثين (٥) أوردهما من طريق الترمذي، ثم قال:
"وعن ابن عباس؛ قال: أقبلت يهود الحديث .. ".
كأنه نقله من عند الترمذي بذلك النص، ولا أعلمه وقع في جامع الترمذي بكماله، وإنما ذكر الترمذي قطعة منه في تفسير سورة الرعد (٦)، ووقع ذكره على الكمال في سنن [أبي] (٧) عبد الرحمن النسائي في كتاب العشرة بكماله، حسبما أورده ق (٨)، وسنذكر إسناده في الأغفال من باب الأحاديث .....
стр. 686
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 687
المصححة بالسكوت عنها، وليست بصحيحة، إن شاء الله (٩) اهـ.
(١٦٩) وذكر (١) من طريق البخاري في الرؤيا حديثين، ثم قال: "وعن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "مَن صور صورة عذبه الله بها يوم القيامة حتى ينفخ فيها، وليس بنافخ، ومن تحلم كلف أن يعقد شعيرة، ومن استمع إلى حديث قوم يفرون به منه صبّ في أذنه الآنك يوم القيامة"".
ثم قال: "وفي طريق آخر: "ومن تحلم بحلم لم يره، كلف أن يعقد بين شعيرتين .. "".
قال م: هذا ما ذكره بنصه، ولا أعلمه وقع عند البخاري بهذا النص، وإنما الذي ذكره بنصه أبو داود؛ قال: (نا مسدد (٢)؛ قال: نا حماد (٣) قال: نا أيوب عن عكرمة، عن ابن عباس؛ أن النبي ﷺ قال: "من صور صورة عذبه
стр. 688
الله بها يوم القيامة حتى ينفخ فيها، وليس بنافخ، ومن تحلم (٤) كلف أن يعقد شعيرة (٥)، ومن استمع إلى حديث قوم يفرون به منه صب في أذنيه (٦) الآنك (٧) يوم القيامة) (٨).
والذي عند البخاري ليس بهذا النص الذي ذكره ق، فإنه ذكر الحديث من رواية سفيان (٩) عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ ، قال: "من تحلم بحلم لم يره كلف أن يعقد بين شعيرتين، ولن يفعل، ومن استمع إلى حديث قوم؛ وهم له كارهون أو يفرون منه صب في أذنيه (١٠) الآنك يوم القيامة، ومن صور صورة عذب وكلف أن ينفخ فيها، وليس بنافخ" (١١).
هذا لفظ البخاري فيه كما ترى على التقديم والتأخير في هذه الخصال المذكورة.
فما ذكره ق أولا هم عند البخاري آخرا.
وما ذكره ق آخرا هو عند البخاري ثانيا.
وما ذكره ق ثانيا هو عند البخاري أولا، إلى ما فيه من نقص في بعض
стр. 689
الألفاظ، وزيادة في بعضها، وشك في بعضها، (١٢) وهو عند أبي داود كما ذكر من غير خلاف أصلا، فهو مراده، والله أعلم. اهـ
(١٧٠) فصل فيما اشتركا فيه من الوهم اللاحق لهما، أو لأحدهما من هذا الباب؛ من ذلك أن أبا محمد ذكر (١) حديث قيس بن عاصم أنه أسلم فأمره النبي ﷺ أن يغتسل بماء وسدر.
ثم قال: "وذكره الترمذي، وقال: حديث حسن (٢).
стр. 690
وعند أبي داود. "ألق عنك شعر الكفر واختتن". يقول: احلق). وحديث داود منقطع الإسناد" (٣).
стр. 691
قال م: انتهى ما ذكره ق بنصه، وليس يرتاب قارئ هذا الحديث من كتاب الأحكام في أن المقول له: (ألق عنك شعر الكفر واختتن) هو قيس بن عاصم، ولا في أن الحديث من روايته باللفظين، وليس كذلك. فإن راوي هذا اللفظ الأخير الذي أورده من طريق أبي داود إنما هو جد عثيم بن كليب، إلا ذكر الاختتان منه، فإنه في حديث آخر مرسل لا ذكر فيهما لقيس ابن عاصم.
وبيان ذلك بإيراد ما ذكر أبو داود في ذلك؛ قال أبو داود: (نا مخلد بن خالد (٤)؛ قال: نا عبد الرزاق، قال: أنا ابن جريج؛ قال: أخبرت عن عثيم بن كليب، عن أبيه، عن جده؛ أنه جاء النبي ﷺ فقال له النبي ﷺ : "ألق عنك شعر الكفر"؛ يقول: احلق.
قال: وأخبرني آخر أن النبي ﷺ قال لآخر معه: "ألق عنك شعر الكفر
стр. 692
واختتن"".
فهذا ما عند أبي داود في ذلك، فالأمر بحلق الشعر خاصة، يرويه ابن جريج عمن لم يسمه، عن عثيم بن كليب، عن أبيه عن جده. والأمر بالإختتان معه يرويه ابن جريج عن آخر لم يسمه أيضًا، كما رأيت. وما لقيس بن عاصم فى ذلك كله ذكر، وإنما حديث قيس بن عاصم ما ذكره ق أولا أن النبي ﷺ أمره أن يغتسل بماء وسدر فحسب، وكذلك ذكره النسائي، وأبو داود، والترمذي.
قال م: فذكر ع حديث (ألق شعر الكفر واختتن) في باب المراسيل التي لم يعلها ق بغير الإرسال، وهي معتلة بغيره، ولم ينبه على ذلك، بل تكلم عليه بكلام لم ينقحه ولا تفهمه، فوهم فيه أيضا (٥)، وسترى الكلام عليه حيث وقع له ذكره من الباب المذكور إن شاء الله تعالى. اهـ
стр. 693
(١٧١) وذكر (١) من طريق الترمذي حديث أبي هريرة في مخالفة الطريق
стр. 694
يوم العيد، ثم قال: "خرجه البخاري".
стр. 695
قال م: فتابعه ع على ذلك فذكر الحديث في باب الأحاديث المصححة بالسكوت عنها، فقال: (وذكر حديث أبي هريرة في مخالفة الطريق يوم العيد من عند البخاري والترمذي) (٢).
قال م: فوهما معا في ذلك، فإن البخاري إنما أخرجه من حديث جابر بن عبد الله، لا من حديث أبي هريرة.
قال البخاري: (حدثني محمد (٣)، قال: أنا أبو تُمَيْلة -يحيى بن واضح- (٤) عن فُليح بن سليمان، عن سعيد بن الحارث (٥)، عن جابر؛ قال: "
стр. 696
كان النبي ﷺ إذا كان يوم العيد خالف الطريق").
قال البخاري: (تابعه يونس بن محمد عن فُليح، وحديث جابر أصح).
يعني من حديث أبي هريرة.
قال م: وقول البخاري ﵀: (وحديث جابر أصح) يوضح لك أنه لم يخرجه من حديث أبي هريرة، والله أعلم. اهـ
(١٧٢) وذكر (١) من طريق الترمذي عن أبي أمية الشعباني؛ قال: أتيت أبا
стр. 697
ثعلبة الخشني (٢)؛ فقلت له: كيف تصنع في هذه الآية؟ قال: أية آية؟ قلت: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (٣). الحديث ..
ثم قال: "وفي رواية قيل: "يا رسول الله أجر خمسين منا أو منهم"؟
стр. 698
قال: "بل أجر خمسين منكم"".
هكذا ذكر هذه الرواية، كأنها من حديث أبي أمية، عن أبي ثعلبة، وفي ذلك نظر، فإن الواقع من ذلك في جامع أبي عيسى الترمذي هو أن قال: (نا سعيد بن يعقوب الطالقاني (٤)، نا عبد الله بن المبارك، أنا عتبة بن أبي حكيم، نا عمرو بن جارية اللخمي، عن أبي أمية الشعباني؛ قال: أتيت أبا ثعلبة الخشني؛ فذكر الحديث، ثم قال: قال عبد الله بن المبارك: وزادني غير عتبة: قيل يا رسول الله أجر خمسين منا أو منهم؟ الحديث ..
قال م: وهذه رواية ظاهرها الإرسال؛ إذ لا يسوغ لأحد أن يرويها بإسناد يصله إلى عبد الله بن المبارك؛ فيقول عنه عن رجل، عن عمرو بن جارية، عن أبي أمية، عن أبي ثعلبة، ولو فعل هذا فاعل عد متسامحا متساهلا في النقل بالظن، وذلك جرح في فاعله، إذ لعل ابن المبارك لم تكن عنده هذه الرواية متصلة بالنبي ﷺ بل مرسلة، فلا يكون عن أبي ثعلبة، ولا عن أبي أمية، والله أعلم.
وقد ذكر ع هذا الحديث في باب ما أعله ق، ولم يبين علته لإتباع ق الحديث بقول الترمذي: (هذا حديث حسن غريب)، ولم ينبه على هذا القدر فيه، فشاركه ق في ذلك، وبالله التوفيق. اهـ
(١٧٣) فصل فيما انفرد به ع من الوهم اللاحق له من هذا الباب؛ من ذلك أنه ذكر (١) في باب الأحاديث المصححة بالسكوت عنها، وليست كذلك،
стр. 699
من طريق النسائي حديثين، ثم قال: "وذكر من طريقه أيضًا عن ابن عمر أنه
стр. 700
كان يأتي الجمار في الأيام الثلاثة بعد يوم النحر ماشيا ذاهبًا وراجعا".
فوهم في ذلك؛ فإن ق لم يذكره من طريق النسائي؛ وإنما ذكره من طريق
أبي داود (٢)، ثم إن الحديث لم يقع في سنن النسائي أصلًا، فاعلمه. اهـ
(١٧٤) وذكر (١) في باب ما أعله ق برجال وترك غيرهم حديث القضاء بمعاقد القمط من طريق البزار (٢)، ثم قال بعد ذلك: (وذكر أيضًا من طريقه حديث العبد الذي خرج، فلقي رجلا فقطع يده، ثم لقي آخر فشجه)
стр. 701
الحديث .. (٣)
هكذا ذكره موذنًا بأن ق خرجه من طريق البزار كالأول، وليس كذلك، وإنما ذكره ق من كتاب "المؤتلف والمختلف"، للدارقطني، فاعلمه. اهـ
(١٧٥) فصل لما فرغ ع من ذكر ما عثر عليه من مضمن هذا الباب؛ قال (١):
"واعلم أن هذا الذي نبهت عليه في هذا الباب من إيهام كون الحديث، أو الزيادة في حديث من رواية راو، وليس أو ليست من روايته، أو من كتاب، وليس منه، أو في قصة، وليس منها، قد يقع له عكسه -أعني أن يتوهم من ذكره الشيء من موضع عدمه في غيره- ولكن أقبح ما في هذا أن يكون ذلك من عمله، كما اتفق له في حديث سلمة بن الأكوع الطويل المتضمن بيعة الحديبية، وبيعة الشجرة، وغزوة ذي قَرَد، وخيبر، ومسابقة سلمة، وغير ذلك، فإنه ذكره من طريق مسلم (٢)، فلما فرغ منه قال (٣):
стр. 702
(وعند البخاري (٤) في هذا الحديث -ولم يذكره بكماله- قلت: يا نبي الله قد حميت القوم الماء وهم عطاش، فابعث إليهم الساعة. فقال: (يا ابن الأكوع ملكت فأسجح" (٥).
قال ع: فهذا بلا ريب يوهم عدم هذا في كتاب مسلم، وهو عنده بنصه من رواية يزيد بن أبي عبيد (٦) عن سلمة في طريق من طرق حديثه (٧)، فاعلم ذلك" (٨).
стр. 703
قال م: هذا الذي ذكر ع ها هنا ليس موضعه، وإنما حقه أن يذكر في باب إبعاد النجعة، فهو به أولى من كل ما ذكر فيه، ومن ذلك فإنه لم يذكر منه إلا هذا الحديث الواحد، وقد أغفل أيضًا من هذا النوع ما يُنَبَّه عليه الآن.
стр. 704
(١٧٦) من ذلك أن أبا محمد ذكر من طريق مسلم حديث أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها). الحديث بطوله.
ثم قال: (وعن عبيد بن عمير (١)؛ قال: قال رجل يا رسول الله, ما حق الإبل؟
قال: (حلبها على الماء، وإعارة دلوها، وإعارة فحلها، ومنيحتها، وحمل عليها في سبيل الله).
ثم قال ق: (هكذا ذكره مسلم مرسلًا إلا ذكر الحلب فإنه أسنده من حديث أبي هريرة، وأسنده كله أبوبكر البزار من حديث عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﷺ .
стр. 705
قال م: فأبعد ق النجعة ما شاء، فكان كما قيل: يشكو من الظمإ والماء في لهواته.
فإنه أغفل الحديث عند مسلم من طريق عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي ﷺ ، فذكر الخمس خصال التي في مرسل عبيد بن عمير، فإن مسلمًا، ﵀، ذكره إثر المرسل المذكور؛ وفيه: قلنا يا رسول الله, وما حقها؟ قال: إطراق فحلها، وإعارة دلوها ومنيحتها، وحلبها على الماء، وحمل عليها في سبيل الله، وسنذكر الخبر بإسناده في باب إبعاد النجعة، فهو أولى به إن شاء الله (٢). اهـ
(١٧٧) وذكر (١) من طريقه أيضًا حديث أنس في قصة صفية بنت