وللقابسي وأبي ذر: "سبتنا (١) " كما يقال: "جمعتنا"، والمعروف (٢) الأول.
ورواه الداودي: "ستًا"، وفسره (٣) بستة أيام، قال القاضي: وهو وهم وتصحيف (٤)(٥).
(ورسول الله ﷺ قائمًا يخطب فاستقبله): يروى: قائماً هكذا -بالنصب- على أنَّه حال من فاعل يخطب، وهو الضمير المستكِنُّ فيه، ويروى بالرفع، على أنَّه خبرٌ أول.
(حوالينا): ظرف لمحذوف؛ أي: أنزلِ المطرَ، و (٦) نحو ذلك.
(ولا علينا): يريد: في المدينة والمباني والمساكن مما لا (٧) يتضرر بتوالي المطر عليه.
(الإكام): على وزن الجِبال، وروي: "الآكام" بهمزة مفتوحة بعدها ألف.
(والظِّراب): -بظاء معجمة (٨) مكسورة-: الروابي (٩) الصغار، واحدها
стр. 1052
ظَرِب؛ مثل: كَتِف (١)، قال الزركشي: وخُصَّت بالذكر؛ لأنها أوفقُ للزراعة من رؤوس الجبال (٢).
قلت: الجبال أيضًا مما ذُكر في متن الحديث هنا، فما هذه الخصوصية بالذكر، ولعله يريد الحديثَ [الذي في الترجمة الآتية؛ فإنَّه لم يُذكر فيه الجبال] (٣).
(فادع الله يَغثنا): -بفتح الياء، وبالجزم- على الجواب، وروي برفع الفعل وضم الياء، من الإغاثة، وهي الإجابة، ولعل الأصل: أن يغيثَنا، فحذفت "أن" فارتفع (٤) الفعل، وهل (٥) ذلك مقيس؟ فيه خلاف.
(اللهم أَغِثْنا): قال الزركشي: كذا الرواية بالهمز رباعيًا؛ أي: هَبْ لنا غيثاً؛ والهمزة فيه للتعدية، وقيل: صوابُه: غِثْنا؛ من غاث، قالوا: وأما أغثنا، فإنه من الإغاثة، وليس من طلب الغيث (٦).
قلت: على تقدير تسليمه لا يضر اعتبار الإغاثة من الغوث في هذا المقام، ولا ثمَّ ما يُنافيه، والروايةُ ثابتة به، ولها وجه، فلا سبيل إلى دفعها بمجرد ما قيل، فتأمله.
стр. 1053
(فسألت أنسًا: أهو الرجل الأوّل؟ فقال: ما (١) أدري): هذا مع أنَّه عبر أولًا بقوله: إن رجلًا دخل المسجد، وعبر ثانياً بقوله: ثمَّ دخل رجل من ذلك الباب، فأتى برجل نكرةً في الموضعين، مع تجويز أن يكون الثاني هو الأول، ففيه أن النكرةَ إذا أُعيدت نكرةً لا يُجزم بأن مدلولها ثانياً غيرُ مدلولها أولًا، بل الأمرُ محتملٌ، والمسألة مقررة في محلها، فلا نُطوِّل بذكرها.
(اللهمَّ حَوالينا و (٢) لا علينا): تقدم مثله.
قال ابن المنير: وفي إدخال الواو معنى دقيق (٣)، وذلك أنَّه (٤) لو أسقطها، لكان مستسقِياً للآكام والظراب ونحوها (٥) مما لا يُستسقى له؛ لقلة الحاجة إلى الماء هنالك، وحيث أدخل الواو، آذن بأن طلبَ المطر على هذه الجهات ليس مقصودًا لعينه (٦)، ولكن ليكونَ وقايةً من أذى (٧) المطر على نفس المدينة، فليست الواو مخلَصَة للعطف، ولكنها كواو التعليل وفائه، فالمراد: أنَّه إن سبق في قضائك (٨) أنْ لا بدَّ من المطر، فاجعله حول المدينة، ويدل على أن الواو ليست لمحض العطف اقترانهُا (٩)
стр. 1054
بحرف النفي (١)، ولم يتقدم مثله.
ولو قلت: اضرب زيدًا ولا عَمْرًا، ما (٢) استقام على العطف.
قلت: لم يستقم إلى إجراءُ هذا الكلام على القواعد، وليس لنا في كلام العرب واو وُضعت للتعليل، وليس (٣) "لا" هنا للنفي، وإنما هي (٤) الدعائية (٥)؛ مثل: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، والمراد: أنزل المطر حوالينا حيث لا نستضرُّ به، ولا تُنزله علينا حيث نستضرُّ به، فلم يطلب منع الغيث بالكلية، وهو من حسن الأدب في الدعاء (٦)؛ لأنَّ الغيث رحمة الله (٧) ونعمتُه [المطلوبة، فكيف يُطلب منه رفعُ نعمته] (٨) وكشفُ رحمته؟! وإنما يُسأل سبحانه كشفَ البلاء، والمزيدَ من النعماء، وكذا فعل ﵇؛ فإنما سأل جلبَ النفع ودفعَ الضرر (٩)، فهو استسقاء (١٠) بالنسبة إلى محلين، والواو لمحض العطف، و"لا" جازمة، لا نافية، ولا إشكال ألبتة، ولو حذفت الواو، وجعلت "لا" نافية، وهي مع ذلك للعطف، لاستقام
стр. 1055
الكلام، لكن أؤثر الأوّل -والله أعلم- لاشتماله على جملتين طلبيتين، والمقامُ يناسبه، فتأملْه (١).
* * *
باب: الاِسْتِسْقاءَ عَلى المنْبَرِ
٦٣٨ - (١٠١٥) - حَدَّثَنا مُسَدَّد، قَالَ: حَدَّثَنا أَبُو عَوانةَ، عَن قَتادَةَ، عَنْ أَنسٍ، قَالَ: بَيْنَما رَسُولُ اللهِ ﷺ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، إِذْ جاءَ رَجُلٌ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ! قَحَطَ الْمَطَرُ، فادع اللهَ أَنْ يَسْقِيَنا. فَدَعا، فَمُطِرْنَا، فَما كِدْنا أَنْ نَصِلَ إِلَى مَنازِلِنا، فَما زِلْنا نُمْطَرُ إِلَى الْجُمُعَةِ الْمُقْبِلَةِ. قَالَ: فَقامَ ذَلِكَ الرَّجُلُ أَوْ غَيْرُهُ، فَقالَ: يا رَسُولَ الله! ادع اللهَ أَنْ يَصرِفَهُ عَنّا. فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "اللَّهُمَّ حَوالَيْنا وَلا عَلَيْنا". قَالَ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ السَّحابَ يَتَقَطَّعُ يَمِينًا وَشِمالًا، يُمْطَرُونَ، وَلا يُمْطَرُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ.
(باب: الاستسقاء على المنبر).
(بينما رسول الله ﷺ يخطب يوم الجمعة): هذا يدلّ للترجمة؛ فإنَّه ﵊ كان لا يخطب يوم الجمعة بعد اتخاذ المنبر إلا عليه.
стр. 1056
باب: مَنْ اكتَفى بصلاةِ الجُمعةِ في الاستسقاءِ
٦٣٩ - (١٠١٦) - حَدَّثَنا عبد الله بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مالِكٍ، عَنْ شَرِيكِ ابْنِ عبد الله، عَنْ أَنسِ، قَالَ: جاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقالَ: هَلَكَتِ الْمَواشِي، وَتَقَطَّعَتِ السُّبُلُ. فَدَعا، فَمُطِرنا مِنَ الْجُمُعَةِ إِلَى الْجُمُعَةِ، ثُمَّ جاءَ فَقالَ: تَهَدَّمَتِ الْبُيُوتُ، وَتَقَطَّعَتِ السُّبُلُ، وَهَلَكَتِ الْمَواشِي، فادع اللهَ يمسِكْها، فَقامَ ﷺ فَقالَ: "اللهُمَّ عَلَى الآكامِ والظِّرابِ والأَوْدِيَةِ وَمَنابِتِ الشَّجَرِ"، فانْجابَتْ عَنِ الْمَدِينَةِ انْجيابَ الثَّوْبِ.
(فمُطِرنا): استعمله ثلاثيًا، وهي لغة فيه بمعنى الرباعي، وفَرَّقَ بعضُهم فقال: أمطر (١) في العذاب، ومطر (٢) في الرحمة، والأحاديثُ واردة بخلافه.
(ثم جاء): فاعلُه ضمير يعود على (٣) المذكور، فيلزم اتحاد الرجل الجائي، وكأنه بني هنا على ظن عنده، وفي بعض المواضع شكَّ فقال: لا أدري أهو الرجلُ الأول، أم غيرُه؟
(فانجابت انجيابَ الثوب): أي: تقطَّعت كما يتقطَّع الثوبُ قِطعاً متفرقةً.
стр. 1057
باب: ما قِيلَ: إِنَّ النَّبِي ﷺ لَمْ يُحَوِّلْ رِداءَهُ في الاِسْتِسْقاءِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ
(باب: ما قيل: إن النبي ﷺ لم يحوِّلْ رداءه): قال الإسماعيلي: لا أعلم أحدًا ذكر في حديث أنس تحويلَ الرداء، وإذا قال المحدث: لم يذكر أنَّه حول، لم يجز أن يقال: إن النبي ﷺ لم يحول؛ لأنَّ عدمَ ذكرِ الشيء لا يوجب عَدم ذلك (١) الشيء.
* * *
باب: إَذا اسْتَشْفَعُوا إلَى الإمامِ لِيَسْتَسْقِي لَهُمْ، لَمْ يَرُدَّهُمْ
(باب: إذا استشفعوا إلى الإمام (٢) ليستسقيَ لهم): سأل ابن المنير عن السرّ في كونه ﵇ لم يبدأ بالاستسقاء حتَّى سألوه، مع أنَّه ﵇ أشفقُ عليهم منهم، وأولى بهم من أنفسهم؟
وأجاب: بأن مَقامَه ﵇ التوكُّلُ والصبرُ على البأساء والضراء، وكذلك كان أصحابُه الخاصة يقتدون به (٣)، وهذا المقام لا تصل إليه العامة وأهل البوادي، ولهذا (٤) -والله أعلم- كان السائل في الاستسقاء بدوياً، فلما سألوه، أجاب (٥)؛ رعايةً لهم، وإقامة لسنَّة هذه العبادة فيمن (٦)
стр. 1058
بعدَه من أهل الأزمنة التي يغلب على أهلها الجزعُ (١)، وقلةُ الصبر على اللأواء، فيؤخذ منه: أن الأفضلَ للأئمةِ الاستسقاءُ، ولمن ينفرد (٢) بنفسه بصحراءَ أو (٣) سفينةٍ الصبرُ والتسليمُ للقضاء؛ لأنه ﵇ قبل السؤال فَوَّضَ، ولم يستسقِ.
* * *
باب: إِذا اسْتَشْفَعَ الْمُشْرِكُونَ بِالْمُسْلِمِينَ عِنْدَ الْقَحْطِ
(باب: إذا استشفع المشركون بالمسلمين عندَ القحط): غرضه -والله أعلم- بهذه الترجمة التنبيهُ على أن للمشركين مدخلاً في الاستسقاء، وقد فسح العلماء في خروجهم مع المسلمين غير منفردين بالاستسقاء؛ لأنَّ الرحمة التي وسعت كل شيء تسعُهم في الدنيا، وإنما مُنعوا من الانفراد؛ لئلا يصادف ذلك السقي، فيكون فتنة للضعفاء، كذا قاله ابن المنير.
٦٤٠ - (١٠٢٠) - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ سُفْيانَ، حَدَّثَنا مَنْصُورٌ والأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي الضّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: أتيْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ، فَقالَ: إِنَّ قُرَيْشًا أَبْطَؤُوا عَنِ الإسْلَامِ، فَدَعا عَلَيْهِمُ النَّبِيّ ﷺ ، فَأَخَذَتْهُمْ سَنةٌ حَتَّى هَلَكُوا فِيها، وأَكَلُوا الْمَيْتَةَ والْعِظامَ، فَجاءَهُ أَبُو سُفْيانَ، فَقالَ: يا مُحَمَدُ! جِئْتَ تَأْمُرُ بِصِلَةِ الرَّحِم، وَإِنَّ قَوْمَكَ هَلَكُوا، فادع اللهَ.
стр. 1059
فَقَرَأَ: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠]. ثُمَّ عادُوا إِلَى كُفْرِهِمْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالَى: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾ [الدخان: ١٦]: يَوْمَ بَدْرٍ.
قَالَ: وَزادَ أَسْباطٌ، عَنْ مَنْصُورٍ: فَدَعا رَسُولُ الله ﷺ ، فَسُقُوا الْغَيْثَ، فَأَطْبقَتْ عَلَيْهِمْ سَبْعًا، وَشَكا النّاسُ كَثْرَةَ الْمَطَرِ، قَالَ: "اللهُمَّ حَوالَيْنا وَلا عَلَيْنا"، فانْحَدَرَتِ السَّحابَةُ عَنْ رَأْسِهِ، فَسُقُوا النّاسُ حَوْلَهُمْ.
(وزاد (١) أسباط عن منصور: فدعا رسولُ الله ﷺ ، فسقوا الغيثَ، فأطبقت عليهم سبعاً): هذا إنما كان في قصة المدينة، لا في قصة قريش، وأهلُ المدينة لم يدع عليهم النبي ﷺ (٢) بأن يُصابوا بقحط، و (٣) كيف وهم أصحابه وأنصارُه وأحبابه (٤)، وإنما دعا على قريش الذين أبطؤوا عن الإسلام، فأصيبوا بالقحط، فإدخالُ زيادة (٥) أسباط في هذا المحل خللٌ ظاهر، ويبينه قوله في هذه الزيادة: "اللهمَّ حَوالينا ولا علينا".
(فانحدرت السحابةُ عن رأسه): وهذه قضيةُ المدينة بعينها، وليس الوقتُ الذي أُصيب فيه (٦) أهلُ مكة أصيب فيه أهلُ المدينة، قاله الداودي وغيره.
стр. 1060
ونقله ابن التين (١)، وقاله الدمياطي متعجباً من البخاري في إيراد هذا، مع أن (٢) أسباط هو (٣) ابن (٤) محمَّد بن عبد الرحمن القاضي، ضعفه الكوفيون، ومات في سنة مئتين، وقد بأن لك بما ذكرناه أن ترجمة الباب لا معنى لإيرادها؛ لابتنائها (٥) على وهم (٦).
(فسُقُوا الناسُ): بالرفع على البدل من الضمير، أو فاعل على لغة: "يَتَعاقَبُونَ فِيكُمْ مَلائِكَةٌ".
* * *
باب: الدعاءِ إذا كثُرَ المطرُ
٦٤١ - (١٠٢١) - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، حَدّثَنا مُعْتَمِرٌ، عَنْ عبيد الله، عَنْ ثابِتٍ، عَنْ أَنسٍ، قَالَ: كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ يَوْمَ جُمُعَةٍ، فَقامَ النّاسُ فَصاحُوا، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللهِ! قَحَطَ الْمَطَرُ، واحمَرَّتِ الشَّجَرُ، وَهَلَكَتِ الْبَهائِمُ، فادع اللهَ يَسْقِينا. فَقالَ: "اللهُمَّ اسْقِنا". مَرَّتَيْنِ، وايْمُ اللهِ! ما نَرَى في السَّماءَ قَزَعَةً مِنْ سَحابٍ، فَنَشَأَتْ سَحابَةٌ وَأَمْطَرَتْ، وَنَزَلَ عَنِ الْمِنْبَرِ فَصَلَّى، فَلَمّا انْصَرَفَ، لَمْ تَزَلْ تُمْطِرُ إِلَى الْجُمُعَةِ الَّتِي تَلِيها، فَلَمّا قامَ النَّبِيّ ﷺ يَخْطُبُ، صاحُوا إِلَيْهِ: تَهَدَّمَتِ الْبُيُوتُ،
باب: رَفْعِ النّاسِ أَيْدِيَهُمْ مَعَ الإمامِ في الاِسْتِسْقاءِ
٦٤٣ - (١٠٢٩) - قَالَ أيُّوبُ بْنُ سُلَيْمانَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ بِلَالٍ، قَالَ يَحْيىَ بْنُ سَعِيدٍ: سَمِعْتُ أَنسَ بْنَ مالِكٍ، قَالَ: أتى رَجُلٌ أَعْرابِيٌّ مِنْ أَهْلِ الْبَدْوِ، إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ! هَلَكَتِ الْماشِيةُ، هَلَكَ الْعِيالُ، هَلَكَ النّاسُ. فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَيْهِ يَدْعُو، وَرَفَعَ النّاسُ أَيْدِيَهُمْ مَعَهُ يَدْعُونَ. قَالَ: فَما خَرَجْنا مِنَ الْمَسْجدِ حَتَّى مُطِرنَا، فَما زِلْنا نُمْطَرُ حَتَّى كانَتِ الْجُمُعَةُ الأُخْرَى، فَأَتَى الرَّجُلُ إِلَى نبَيِّ اللهِ ﷺ ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ! بَشَقَ الْمُسافِرُ، وَمُنِعَ الطَّرِيقُ.
(باب: رفع الناس أيديهم).
(حتى مُطرْنَا): بدون همزة مبني للمفعول.
(فأتى الرجل): ظاهره أنه الرجل الأوّل؛ إذ الألفُ واللام فيه (١) للعهد الذكْرِي، وقد مر الكلام فيه قريبًا.
(بَشَق المسافر): بموحدة وشين معجمة مفتوحتين وقاف، كذا قيده الأصيلي.
قال القاضي: وفي "المنضَّد": بَشِق -بكسر الشين-: تأخر، وقال غيره: ذل، وقيل: حُبِس، وقيل: هو مشتقٌّ من الباشِق، وهو طائر لا يتصرفُ إذا كَثُر المطر (٢).
стр. 1063
٦٤٤ - (١٠٣٠) - وَقالَ الأُوَيْسِيُّ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ يَحيىَ بْنِ سَعِيدٍ وَشَرِيكٍ، سَمِعَا أَنَسًا، عَنِ النَّبِي ﷺ : أَنَّهُ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْتُ بَياضَ إِبْطَيْهِ.
(حتى يرى (١) بياض إبطيه): هذا من جماله (٢) ﷺ ؛ [فإن كل إبط من الناس متغير؛ لأنه مغموم مِرواح] (٣)، وكان منه ﷺ أبيضَ عَطِرًا.
* * *
باب: ما يُقالُ إذَا أَمْطَرَتْ
وقالَ ابنُ عَبّاسٍ: ﴿كَصَيِّبٍ﴾ [البقرة: ١٩]: المَطَرُ. وقالَ غَيْرُهُ: صابَ وأصابَ يَصُوبُ.
(باب: ما يُقال إذا أمطرت (٤)، وقال ابن عباس: ﴿كَصَيِّبٍ﴾ المطر): ساق هذا وإن لم يكن من الترجمة في شيء؛ لأنه لما عزم أن يستشهد عليها بقوله ﵇:- "صَيبًا نَافِعًا"، قَدَّمَ (٥) تفسيرَ ابن عباس للصَّيِّبِ بأنّه (٦) المطر.
стр. 1064
٦٤٥ - (١٠٣٢) - حَدَّثَنا مُحَمَّد -هُوَ ابنُ مُقاتِلٍ أبو الحَسَنِ المروَزِيُّ-، قَالَ: أَخْبَرَنا عبد الله، قَالَ: أَخْبَرَنا عبيد الله، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ الْقاسِم بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كانَ إِذا رَأَى الْمَطَرَ، قَالَ: "صَيِّبًا نَافِعًا".
تابَعَهُ الْقاسِمُ بْنُ يَحيىَ، عَنْ عبيد الله. وَرَواهُ الأَوْزاعِيُّ وَعُقَيْلٌ، عَنْ نَافِعٍ.
(إذا رأى المطر، قال: صيبًا نافعًا): أي: اللهم اجعلْه صيبًا نافعًا، وهذا كالخبر الموطّئ (١) في قولك: زيدٌ رجل فاضلٌ؛ إذ الصفةُ هي المقصودة بالإخبار بها، ولولا هي لم تحصل الفائدة.
هذا إن بنينا على قول ابن عباس أن الصَيّبَ هو المطر، وإن بنينا على أنَّه (٢) المطرُ الكثير (٣) كما نقله الواحدي، فكلٌّ (٤) من "صيبًا، ونافعًا" مقصود، والاقتصار عليه محصّل للفائدة.
* * *
باب: مَنْ تَمَطَّرَ في الْمَطَرِ، حَتَّى يَتَحادَرَ عَلَى لِحْيَتِهِ
(باب من تَمَطرَ): أي: تعرَّض للمطر، وتطلَّبَ نزولَه عليه، وإنما يفعل ذلك رجاءَ بركته (٥)؛ لأنه حديثُ عهدٍ بربِّه كما وردَ في حديث (٦)،
стр. 1065
وأخذ البخاري التمطُّرَ من الحديث الذي ساقه في الباب من ناحية أنَّه كان يمكنه التوقي منه بثوب ونحوه، فتركَ فعلَ ذلك (١) قَصدًا (٢) للتمطُّر، والله أعلم.
* * *
باب: قولِ النبيِّ ﷺ : "نُصِرتُ بالصَّبا "
٦٤٦ - (١٠٣٥) - حَدَّثَنا مُسْلِم، قَالَ: حَدَّثَنا شُعْبةُ، عَنِ الْحَكَم، عَنْ مُجاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أَن النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "نُصِرتُ بِالصَّبا، وَأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُورِ".
(نصرت بالصَّبا): -بفتح الصاد المهملة-، وهي الريح التي تهب من المشرق (٣).
قال الزركشي: إذا استوى الليل والنهار (٤)، وتسمَّى: القَبول أيضًا (٥).
(وأُهلكت عادٌ بالدَّبور): -بفتح الدال المهملة-: هي الريح الغربية؛ سميت (٦) بذلك؛ لأنها تأتي من دُبُرِ الكعبة.
стр. 1066
قال ابن بطال: فيه تفضيلُ المخلوقات بعضها على (١) بعض (٢)، يريد: من إضافة النصر للصبا، والإهلاكِ للدبور.
وفيه نظر؛ فإن (٣) كلَّ واحدةٍ منهما (٤) أهلكت أعداءَ الله، ونصرت أنبياءه وأولياءه.
* * *
باب: ما قيل في الزَّلازلِ والآياتِ
٦٤٧ - (١٠٣٦) - حَدَّثَنا أبَو الْيَمانِ، قَالَ: أَخْبَرَنا شُعَيْبٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أبَو الزِّنَادِ، عَنْ عَبْدِ الرّحمَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لا تَقُومُ السّاعَةُ حَتَّى يُقْبَضَ الْعِلْمُ، وَتَكْثُرَ الزَّلَازِلُ، وَيَتَقارَبَ الزَّمانُ، وَتَظْهَرَ الْفِتَنُ، وَيَكْثُرَ الْهَرْجُ، وَهْوَ الْقَتْلُ الْقَتْلُ، حَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمُ الْمالُ فَيَفِيضُ".
(حتى يُقبض العلم): فيه دليل على عِظم شأنه، وأنه العصمة والأَمَنَة.
(وثكثر الزلازل): جمع زَلْزلة، وهي حركةُ الأرض واضطرابُها، حتى ربما يسقط البناءُ القائم عليها.
(ويتقارب الزمان): قيل: المراد؛ قرب القيامة.
стр. 1067
وقيل: قصر الأزمنة عما جرت العادة به (١)، حتى تكون السنةُ كالشهر (٢)، والشهر كالجمعة (٣)، والجمعة كاليوم (٤).
وقيل: قصر الأعمار، وقلة البركة فيها (٥).
وقيل: هو (٦) تقاربُ أحوال الناس في الفساد.
(حتى يكثر فيكم المالُ فيفيضُ): -بفاء وضاد معجمة-؛ أي: حتى (٧) يكثر، فيفضل (٨) منه بأيدي مُلَاّكه (٩) ما لا حاجة لهم به.
وقيل: بل ينتشر فيهم، ويَعُمُّهم.
* * *
٦٤٨ - (١٠٣٧) - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنا حُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: حَدَّثَنا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: "اللهُمَّ بارِكْ لَنا في شامِنا وَفِي يَمَنِنَا". قَالَ: قالُوا: وَفِي نَجْدِنَا؟ قَالَ: قَالَ: "اللهُمَّ بارِكْ لَنا في شامِنا وَفِي يَمَنِنا". قَالَ: قالُوا: وَفِي نَجْدِنَا؟ قَالَ: قَالَ: "هُناكَ الزَّلَازِلُ والْفِتَنُ، وَبِها يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطانِ".
стр. 1068
(عن ابن عمر، قال: اللهم بارك لنا في شامنا): هكذا وقع هنا موقوفًا، وهو مرفوع، أخرجه (١) الترمذي (٢).
ونقل ابن بطال عن القابسي: أنه سقط في الحديث: عن رسول الله ﷺ ؛ لأنَّ ذلك لا يدرك بالرأي (٣).
(قال: هنالك الزلازل والفتن): ولذلك -والله أعلم- أمسكَ عن الدعاء للمشرق؛ لأنه علم العاقبة، وأن القدرَ سبقَ بوقوع الفتنة فيها، والزلازلُ ونحوُها من العقوبات.
قال ابن المنير: والأدبُ أن لا يُدعى بخلاف القدر مع كشف العاقبة.
قلت: بل هو حينئذ (٤) محرَّم، والله أعلم.
стр. 1069
كِتابُ الكسُوفِ
стр. 1070
كِتابُ الكسُوفِ
(الكسوف): هو التغير إلى السواد، ومنه: كَسَفَ (١) وجهُه: إذا تغير، وفعله يستعمل لازمًا ومتعديًا، يقال: كَسَفَتِ الشمسُ، وكَسَفَها الله، وهل (٢) هو والخسوف بمعنى أو لا؟ سيأتي (٣) بعد.
باب: الصلاةِ في كسوفِ الشمسِ
٦٤٩ - (١٠٤٢) - حَدَّثَنا أَصبَغُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْروٌ، عَنْ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ الْقاسِم حَدَّثَهُ، عَنْ أَبيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّهُ كانَ يُخْبِرُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "إِنَّ الشَّمْسَ والْقَمَرَ لا يَخْسِفانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلا لِحَياتِهِ، وَلَكِنَّهُما آيَتانِ مِنْ آياتِ اللهِ، فَإِذا رَأَيْتُمُوهُما، فَصَلُّوا".
(فإذا رأيتموهما): -بميم قبل الألف ضمير اثنين-؛ أي: الكسوفين:
(إن الشمس والقمر آيتان): أي: كسوفهما آيتان؛ لأنه الذي خرج الحديث بسببه.
(ما من أحدٍ أغيرُ): روي أغير: بضمة وفتحة، وعلى كل، فيحتمل "ما" أن تكون حجازية، أو تميمية، أما إذا رفع، فيحتمل أن (١) تكون صفة لأحد باعتبار المحل، والخبر محذوف منصوب، فتأتي الحجازية، ويحتمل تقدير (٢) الخبر المحذوف مرفوعًا، أو يجعل أغيرُ (٣) نفسُه خبراً، فتأتي التميمية، وأما مع الفتح، فيحتمل نصبُه على الخبر، وجرُّه بالفتحة على الصفة، والخبر [محذوف منصوب، فالحجازية، وأن يكون مجروراً بالفتحة على الصفة والخبر] (٤) المحذوف مرفوع، فالتميمية.
وأما نسبة المغيرة إلى الله تعالى، وليست من الصفات اللائقة به، فأولها الأستاذ أبو بكر بن فَوْرَك على الزجر والتحريم (٥).
* * *
باب: النِّداءَ بِـ "الصَّلَاةَ جامِعَةً" في الْكُسُوفِ
(باب: النداء بالصلاةَ جامعةً): على الحكاية؛ أي: بهذا اللفظ، "والصلاةَ" نصب على الإغراء، و"جامعةَ" حال منها.
تَجَلَّتِ الشَّمْسُ، فَخَطَبَ النّاسَ، فَقالَ في كُسُوفِ الشَّمْسِ والْقَمَرِ: "إِنَّهُما آيَتانِ مِنْ آياتِ اللهِ، لا يَخْسِفانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلا لِحَياتِهِ، فَإِذا رَأَيْتُمُوهُما، فافْزَعُوا إِلَى الصَّلَاةِ".
(خَسفت): بفتح الخاء.
(فقال في كسوف الشمس والقمر: إنهما آيتان من آيات الله، لا يخسفان): قال ابن المنير: أما الاستشهاد على الجواز في حال الانفراد بالإطلاق في التثنية (١)، فغير متوجه؛ لأنَّ التثنية بابُ تغليب، فلعله غلَّب أحدَ الفعلين كما غلَّب أحدَ الاسمين.
قلت: التغليب مجاز، فدعواه على خلاف (٢) الأصل، فالاستدلالُ بالحديثِ مُتَأَتٍّ.
وقوله: كما غلَّب أحد الاسمين، إن أراد في هذا الحديث الخاص، ممنوع، وإن أراد (٣) فيما هو خارج؛ كالقمرين، فلا يقيده، بل ولو (٤) كان في هذا الحديث ما يقتضي تغليبَ أحد الاسمين، لم يلزم منه تغليبُ أحدِ الفعلين.
стр. 1075
باب: قولِ النبيِّ ﷺ : "يخوِّف اللهُ عبادَه بالكسوف "
٦٥٣ - (١٠٤٨) - حَدَّثَنا قُتَيْتةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنا حَمّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ يُونسَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ الشَّمْسَ والْقَمَرَ آيَتانِ مِنْ آياتِ اللهِ، لا يَنْكَسِفانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَلَكِنَّ اللهَ تَعالَى يُخَوِّفُ بِها عِبادَهُ".
وَقالَ أبو عبد الله: لَمْ يَذْكُر عَبْدُ الْوارِثِ، وَشُعْبةُ، وَخالِدُ بْنُ عبد الله، وَحَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَن يُونسَ: "يُخَوِّفُ بِها عِبادَهُ".
وَتابَعَهُ مُوسَى، عَنْ مُبارَكٍ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو بَكرَةَ، عَن النبيِّ ﷺ : "إِنَّ اللهَ تَعالَى يُخَوِّفُ بِهِما عِبادَهُ".
وَتابَعَهُ أَشْعَثُ، عَنِ الْحَسَنِ.
(ولكن يخوف الله بهما (١) عباده): التخويفُ عبارة عن إحداث الخوف بسبب، ثمَّ قد يقع الخوف، وقد لا يقع.
فإن قيل: يلزم الخلفُ (٢) في الوعيد.
فالجواب: المنعُ؛ لأنَّ الخلفَ وضدَّه من عوارض الأقوال، وأما الأفعال، فلا، إنما هي من جنس المعاريض، والصحيحُ عندنا فيما يتميز به الواجب أنَّه التخويف، ولهذا لم يلزم الخلفُ على تقدير المغفرة.
فإن قيل: الوعيدُ لفظ، فكيف يخلص (٣) من الخلف؟
стр. 1076
فالجواب: أن لفظ الوعيد عام أُريد به الخصوص، غير أن كلَّ أحد يقول: لعلِّي داخل في العموم، فيحصل له التخويف، فيحصل الخوف، وإن كان الله تعالى لم يُرده في العموم، ولكن أراد تخويفه بإيراد العموم، وسَتْر العاقبة عنه في بيان أنَّه خارج منه، فيجتمع حيئنذ الوعيد والمغفرة، ولا خُلْفَ، ومصداقُه في قوله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩].
* * *
باب: التعوُّذ من عذابِ القبر في الكسوف
٦٥٤ - (١٠٤٩) - حَدَّثَنا عبد الله بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مالِكٍ، عَنْ يَحيىَ ابْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرّحمَنِ، عَنْ عائِشَةَ زَوْج النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّ يَهُودِيَّةً جاءَتْ تَسْألها، فَقالَتْ لَها. أَعاذَكِ الله مِنْ عَذابِ الْقَبْرِ. فَسَأَلَتْ عائِشَةُ ﵂ رَسُولَ اللهِ ﷺ : أيعَذَّبُ النّاسُ في قُبُورِهِمْ؟ فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "عائِذًا بِاللهِ مِنْ ذَلِكَ".
(عائذًا بالله): من الصفات القائمة مقامَ المصدر؛ أي: عِياذاً بك.
والذي اختاره ابنُ مالك في مثل [هذا] أن (١) يكون حالًا مؤكدة؛ أي: أعوذ عائذا بالله.
стр. 1077
باب: طولِ السّجودِ في الكسوف
٦٥٥ - (١٠٥١) - حَدَّثَنا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنا شَيْبانُ، عَنْ يَحيىَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عبد الله بْنِ عَمْرٍو: أَنَّهُ قَالَ: لَمّا كسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، نُودِيَ: إِنَّ الصَّلَاةَ جامِعَة، فَرَكعَ النَّبِيّ ﷺ ركعَتَيْنِ في سَجْدَةٍ، ثُمَّ قامَ فَرَكعَ ركْعَتَيْنِ في سَجْدَةٍ، ثُمَّ جَلَسَ، ثُمَّ جُلِّيَ عَنِ الشَّمْسِ. قَالَ: وَقالَتْ عائِشَةُ ﵂: ما سَجَدتُ سُجُودًا قَطّ كانَ أَطْوَلَ مِنْها.
(ما سجدث سجودًا قَطُّ كان أطولَ (منها): إما أن تكون عبرت بالسجود عن الصلاة كلّها، كأنها قالت: ما صليتُ صلاةً قَطُّ كانت (١) أطولَ منها، غير أنها أعادت (٢) الضمير المستكنَّ في "كان" على السجود؛ اعتبارًا بلفظه، إذ (٣) هو (٤) مذكر (٥)، وأعادت ضمير "منها" عليه؛ اعتبارًا بمعناه؛ إذ هو مؤنث، وإما أن يكون قولها: "منها" على حذف مضاف؛ أي: من سجودها.
* * *
باب: صلاةِ الكسوفِ جماعةً
٦٥٦ - (١٠٥٢) - حَدَّثَنا عبد الله بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مالِكٍ، عنْ زيدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ، عَنْ عبد الله بْنِ عَبّاسٍ، قَالَ:
قال ابن السِّيْد: العرب تقول: ما رأيت كاليوم [رجلاً، وما (١) رأيت كاليوم] (٢) منظرًا، والرجلُ والمنظرُ لا يصح أن يُشَبَّها باليوم، والنحويون يقولون: معناه: ما رأيتُ كرجل أراه اليومَ رجلًا، وما رأيتُ كمنظرٍ (٣) رأيتُه اليوم منظرًا، وتلخيصه: ما رأيت كرجل اليوم رجلًا، وكمنظر إليوم منظراً، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، وجازت إضافة الرجل والمنظر إلى اليوم؛ لتعلقهما به، وملابستهما له باعتبار رؤيتهما (٤) فيه.
وقال غيره: الكافُ هنا اسمٌ، وتقديرُه: ما رأيت مثلَ منظرِ هذا اليومِ منظرًا، ومنظرًا تمييز (٥)؛ ومراده باليوم: الوقتُ الذي هو فيه (٦).
قلت: اعتبار هذا القول الثاني في الحديث يلزم منه تقدم (٧) التمييز على عامله (٨)، والصحيح منعُه، فالظاهر في إعرابه أن منظرًا مفعولُ أر (٩)، وكاليوم (١٠) ظرفٌ مستقرٌّ صفة له، وهو (١١) بتقدير مضاف محذوف كما تقدم؛ أي: كمنظر اليوم، وقَط ظرف لأر، وأفظعَ (١٢) حدلٌ من اليوم على
стр. 1080
ذلك التقدير، والمفضَّلُ عليه وجازُه محذوفان (١)؛ أي: كمنظر اليوم حالةَ كونه أفظعَ من غيره، والله أعلم بالصواب (٢).
* * *
باب: صلاةِ النساءِ مع الرجال في الكسوفِ
٦٥٧ - (١٠٥٣) - حَدَّثَنا عبد الله بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبرَنا مالكٌ، عَنْ هِشامِ بْنِ عُروَةَ، عَنِ امْرَأَتِهِ فاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ، عَنْ أَسْماءَ بِنْتِ أَبي بَكْرٍ ﵄: أَنَّها قالَتْ: أتيْتُ عائِشَةَ ﵂ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ خَسَفَتِ الشمْس، فَإِذا النّاس قِيام يُصَلُّونَ، وَإِذا هِيَ قائِمَةٌ تُصَلِّي، فَقُلْتُ: ما لِلناس؟ فَأَشارَتْ بِيَدِها إلىَ السَّماءِ، وَقالَتْ: سُبْحانَ اللهِ! فَقُلْتُ: آيَة؟ فَأَشارَتْ: أَيْ نَعَمْ. قالَتْ: فَقُمْتُ حَتَّى تَجَلَّانِي الْغَشيُ، فَجَعَلْتُ أَصُبُّ فَوْقَ رَأْسِي الْماءَ، فَلَمّا انْصَرَفَ رَسُولُ الله ﷺ ، حَمِدَ اللهَ، وَأَثْنَى عَلَيهِ، ثُمَّ قَالَ: "ما مِن شَيْءَ كُنْتُ لَم أَرَهُ إِلا قَدْ رَأَيْتُهُ في مَقامِي هَذا، حَتَّى الجَنَّةَ والنارَ، ولَقَدْ أُوِحيَ إِلَيَّ أَنَّكم تُفْتَنُونَ في القُبورِ مثْلَ -أَو قريبًا منْ- فِتْنَةِ الدجّالِ، لا أَدرِي أيّتَهُما قالَتْ أسْماءُ، يُؤْتَى أَحدُكُمْ، فَيُقالُ لَهُ: ما عِلْمُكَ بِهَذا الرَّجُلِ؟ فَأَمّا الْمُؤْمِنُ، أَوِ الْمُوقِنُ، لا أَدرِي أَيَّ ذَلِكَ قالَتْ أسْماءُ، فَيَقُولُ: مُحَمَّد رَسُولُ الله ﷺ ، جاءَنا بِالْبَيِّناتِ والْهُدَى، فَأَجَبْنا، وآمَنّا، واتَّبَعْنا، فَيُقالُ لَهُ: نَمْ صالِحًا، فَقَد عَلِمْنا إِنْ
стр. 1081
كنْتَ لَمُوقِنًا، وَأَمّا الْمُنافِقُ، أَوِ الْمُرتابُ، لا أَدرِي أيتَهُما قالَتْ أَسْماء، فَيقُولُ: لا أَدرِي، سَمِعْتُ النّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا، فَقُلْتُهُ".
(فيقول: لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئًا، فقلته): قال ابن بطال: فيه ذمُّ التقليد، وأن المقلِّدَ لا يستحقُّ اسمَ العلم التام على الحقيقة (١).
ونازعه ابن المنير: بأن ما حكي عن حال هذا المجيب لا يدلُّ على أنَّه كان عنده تقليد معتبر، وذلك لأنَّ التقليد المعتبر هو الذي لا وهنَ عند صاحبه، ولا حضور شك، وشرطُه أن يعتقد كونَه عالمًا، ولو شعر بأن مستندَه كونُ الناس قالوا شيئًا فقاله، لا يخلُّ اعتقاده، ورجع شكًا، فعلى هذا لا يقول المعتقد المصَمِّمُ يومئذ: سمعتُ الناس يقولون؛ لأنه يموت على ما عاش عليه، وهو في حال الحياة قد قررنا أنَّه لا يشعر بذلك، بل عبارتُه هناك -إن شاء الله تعالى- مثلُها هنا من التصميم، وبالحقيقة (٢)، فلا بدَّ أن يكون للمَصمَّم أسبابٌ (٣) حملته على التصميم غيرُ مجردِ القول، وربما لا يمكن التعبير عن تلك الأسباب؛ كما تقول في العلوم العادية: أسبابُها (٤) لا تنضبط.
(عائذ بالله): كذا رُوي هنا بالرفع على أنَّه خبرٌ لمحذوف؛ أي: أنا، وقد سبق توجيهُ نصبه، وهو الأكثرُ في استعمالهم.
(ثمَّ أمرهم أن يتعوذوا من عذاب القبر): والحكمة في ذلك -والله أعلم- أن ظلمة الكسوف إذا عَمَّتِ الشمسَ تناسب ظلمة القبر، وإن كان نهارًا، فهي جديرة أن يذكر عندها ما يشبهها.
* * *
باب: الذِّكرِ في الكسوف
٦٥٩ - (١٠٥٩) - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، قَالَ: حَدَّثَنا أَبُو أُسامَةَ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عبد الله، عَنْ أَبِي بُردَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَقامَ النَّبِيُّ ﷺ فَزِعًا، يَخْشَى أَنْ تَكُونَ الساعَةُ، فَأَتَى الْمَسْجدَ، بِأَطْوَلِ قِيامٍ وَرُكُوعٍ وَسُجُودٍ رَأَيْتُهُ قَطُّ يَفْعَلُهُ، وَقال: "هَذِهِ الآياتُ الَّتِي يُرسلُ الله، لا تَكُونُ لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَلا لِحَياتِهِ، وَلَكِنْ يُخَوِّفُ الله بِهِ عِبادَهُ، فَإِذا رَأَيْتُمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، فافْزَعُوا إِلَى ذِكْرِهِ وَدُعائِهِ واستِغْفاِره".
(بُريد بن عبد الله): بموحدة مضمومة، مصغَّر.
(فصلى بأطولِ قيام وركوعٍ وسجودٍ رأيته (١) قطُّ يفعله): فيه استعمال قَطُّ مع الإثبات، وقد سبق مثلُه في موضع واحد.
стр. 1084
فإن قلت: ما محلُّ قوله: "رأيته يفعلُه" من الإعراب؟
قلت: جَرّ على الصفة، إما للمعطوف الأخير، وإما للمعطوف عليه أولًا، وحذف من الأول لدلالة الثاني، أو بالعكس، وإنما قلنا ذلك؛ لأنه ليس في هذه الجملة ضميرُ غيبة (١) إلا ما هو للواحد المذكر (٢)، وقد تقدّمت ثلاثة أشياء، فلا تصلح من حيث هي ثلاثة أن تكون مَعادًا له.
فإن قلت: ضميرُ الغيبة من "رأيته" على ماذا (٣) يعود؟
قلت: يحتمل عودُه على النبي ﷺ ، كما أن فاعل "يفعله" يعود عليه (٤)، ويحتمل أن يعود على ما عاد عليه المنصوب من "يفعله".
فإن قلت: لمَ (٥) لمْ يجعل الجملة صفة لأطولِ (٦) قيامٍ وركوع وسجودِ، وأطول مفردٌ مذكرٌ يصحُّ عودُ الضمير المذكر (٧) عليه، ولا حاجة إلى الحذف إذن (٨).
قلت: لأنه يلزم أن يكون المعنى: أنَّه فعل في قيام الصلاة لكسوف الشمس وركوعها وسجودها (٩) مثلَ أطولِ شيء كان يفعلُه في ذلك في
стр. 1085
غيرها من الصلوات، ولم يفعل طولًا زائدًا على ما عُهد منه في سواها، وليس كذلك، اللهم إلا أن يكون صلَّى قبلَ هذه المرةِ لكسوفٍ آخرَ، فيصدق حينئذ أنَّه فعل مثلَ (١) أطولِ ما كان يفعله، لكنه يحتاج إلى ثبت، فحرره.
* * *
باب: الدعاء في الكسوف
٦٦٠ - (١٠٦٠) - حَدَّثَنا أبَو الوَليِدِ، قَالَ: حَدَّثَنا زائِدةُ، قَالَ: حَدَّثَنا زِيادُ بنُ عِلَاقَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ المُغِيَرَةَ بُنُ شُعْبَةَ يَقُولُ: انكَسَفَتِ الشَّمسُ يَومَ ماتَ إِبْراهِيمُ، فَقالَ النّاسُ: انْكَسَفَتْ لِمَوْتِ إِبْراهِيمَ. فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ الشَّمْسَ والْقَمَرَ آيَتانِ مِنْ آياتِ اللهِ، لا يَنْكَسِفانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلا لِحَياتِهِ، فَإِذا رَأَيْتُمُوهُما، فادعُوا اللهَ، وَصَلُّوا حَتَّى يَنْجَلِيَ".
(زياد بن عِلاقة): بكسر العين المهملة وبالقاف.
* * *
باب: الصَّلَاةِ في كُسُوفِ الْقَمَرِ
(باب: الصلاة في كسوف القمر): ساق فيه حديث أبي بكرة (٢): "انكسفت الشمس على عَهْدِ رسول الله ﷺ ، فصلى ركعتين".
стр. 1086
وانتقده الإسماعيلي بأن هذا الحديث لا مدخلَ له في هذا الباب، ورواه ابن أبي شيبة: "انكسفت الشمسُ، أو القمرُ (١) " (٢).
[وفي رواية هُشيم: "انكسفتِ الشمس والقمر".
وفي رواية لابن عُلَيَّة: "إنَّ الشمسَ والقمر"، (٣)، الحديث، وفيه: "فَإِذا (٤) رَأيْتُمْ مِنْها شَيْئا فَصَلُّوا" (٥).
* * *
٦٦١ - (١٠٦٣) - حَدَّثَنا أَبُو مَعْمَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الْوارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنا يُونسٌ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أِبي بَكْرَةَ، قَالَ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَخَرَجَ يَجُرُّ رِداءَهُ حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْمَسْجدِ، وَثابَ النّاسُ إِلَيْهِ، فَصَلَّى بِهِمْ ركعَتَيْنِ، فانْجَلَتِ الشَّمْسُ، فَقالَ: "إِنَّ الشَّمْسَ والْقَمَرَ آيَتانِ مِنْ آياتِ اللهِ، وَإِنَّهُما لا يَخْسِفانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَإذا (٦) كانَ ذاكَ (٧)، فَصَلُّوا وادعُوا حَتَّى يُكْشَفَ ما بِكُمْ". وَذاكَ أَنَّ ابْنًا لِلنَّبِيِّ ﷺ ماتَ يُقالُ لَهُ: إِبْراهِيمُ، فَقالَ النّاسُ في ذاكَ.
стр. 1087
(فإذا كان ذلك، فصلُوا): قال الإسماعيلي: رواية (١) من روى: "فإذا رَأَيْتُمْ مِنْها شَيْئًا، فَصَلُوا" أدخلُ في الباب من قوله: "فإذا كان ذلك".
قلت: يريد: لأنَّ الأول نص، وهذا محتمل لأنَّ تكون الإشارة عائدةً إلى كسوف الشمس، والظاهر عودُ ذلك إلى خسوفهما (٢) جميعًا.
* * *
باب: الجهرِ بالقراءةِ في الكسوف
٦٦٢ - (١٠٦٦) - وَقالَ الأَوْزاعِيُّ وَغَيْرُهُ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ، عَنْ عُروَةَ، عَنْ عائِشَةَ ﵂: أَنَّ الشَّمْسَ خَسَفَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ ، فَبَعَثَ مُنادِيًا بِـ: الصَّلَاةُ جامِعَة، فَتَقَدَّمَ فَصَلَّى أَربَعَ ركَعاتٍ في ركْعَتَينِ، وَأَربَعَ سَجَداتٍ.
وَأَخبَرَنِي عَبْدُ الرّحمَنِ بْنُ نَمِرٍ: سَمِعَ ابْنَ شِهابٍ مِثْلَهُ.
قَالَ الزهْرِيّ: فَقُلْتُ: ما صَنعَ أَخُوكَ ذَلِكَ، عبد الله بْنُ الزُّبَيْرِ، ما صَلَّى إِلَّا ركْعَتَيْنِ مِثْلَ الصُّبْح، إِذْ صَلَّى بِالْمَدِينَةِ؟ قَالَ: أَجَلْ، إِنَّهُ أَخْطَأَ السُّنَّةَ.
تابَعَهُ سُفْيانُ بْنُ حُسَيْنٍ، وَسُلَيْمانُ بْنُ كَثِيرٍ، عَن الزُّهْرِيِّ في الْجَهْرِ.
(فبعث مناديًا الصلاةَ جامعةً): أي: فبعث منادياً يقول: الصلاة جامعة؛ أي: احضروا الصلاةَ في حال كونها جامعةً، وقد روي برفعهما،
стр. 1088
[وروي بإدخال الباء على الصلاة مع الوجهين على الحكاية.
(قال: أجل): كنعم هيئة ومعنى] (١)، وروي: من أجل.
стр. 1089
كِتابُ السُّجودِ
стр. 1090
كِتابُ السُّجودِ
باب: ما جاءَ في سجود القرآن وسنَّتِها
٦٦٣ - (١٠٦٧) - حَدَثَنا مُحَمَدُ بْنُ بَشارٍ، قَالَ: حَدَثَنا غُنْدَرٌ، قَالَ: حَدَّثَنا شُعبةُ، عَنْ أَبي إِسْحاقَ، قَالَ: سمِعتُ الأَسْوَدَ، عَنْ عبد الله ﵁ قَالَ: قَرَأَ النَّبِيُّ ﷺ النَّجْمَ بِمَكَةَ، فَسَجَدَ فِيها، وَسَجَدَ مَنْ مَعَهُ غَيْرَ شَيْخٍ، أَخَذَ كَفًّا مِن حَصى، أَوْ تُرابٍ، فَرَفَعَهُ إِلَى جَبْهَتِهِ، وَقالَ: يَكْفِيني هَذا، فَرَأَيْتُهُ بعْدَ ذَلِكَ قُتِلَ كافِرًا.
(كتاب: السجود).
(وسجد من معه غيرَ شيخ أخذ كفًا من (١) حصى): هو أُميةُ بنُ خَلَفٍ كما ذكره البخاري في تفسير سورة النجم (٢).
وحكى المنذري فيه أقوالًا: الوليد بن المغيرة، عتبة بن ربيعة، أَبو أُحَيْحَة، سعيدُ بن العاص.
قال: وما ذكره البخاري أصحّ (٣).