← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16684

مصابيح الجامع

بدر الدين الدماميني

Полный текст (4 546 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

(فقالت امرأة من قريش: أبطأ عليه شيطانه): روى الحاكم من حديث زيد بن أرقم: أن قائل ذلك امرأةُ أبي لهب (١)، وهي العوراء أُمُّ جميل بنتُ حربٍ أختُ أبي سفيان. * * * باب: تَحرِيضِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى صَلاةِ اللَّيْلِ والنَّوافِلِ مِنْ غَيْرِ إِيجابٍ ٦٨٧ - (١١٢٦) - حَدَّثَنا ابْنُ مُقاتِلٍ، أَخْبَرَنا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ هِنْدٍ بِنْتِ الْحارِثِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَيْقَظَ لَيْلَةً، فَقالَ: "سُبْحانَ اللهِ! ماذا أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ مِنَ الْفِتْنَةِ! ماذا أُنْزِلَ مِنَ الْخَزائِنِ! مَنْ يُوقِظُ صواحِبَ الْحُجُراتِ؟ يا رُبَّ كاسِيَةٍ في الدُّنْيا عارِيَةٍ في الآخِرَةِ". (باب: تحريض النبي ﷺ على قيام الليل (٢) والنوافل وغيرها من غير إيجاب). (ماذا أنزل الليلة من الفتن (٣): إما (٤) أن (٥) يريد به الفتن

стр. 1122

الجزئية (١) القريبة (٢) المأخذ، وإما أن يريد ما (٣) أنزل من مقدمات الفتن. وإنما التجأنا إلى هذا التأويل؛ لقوله ﵇: ["أَنا أَمَنَةٌ لأصحابي، فَإِذا ذَهَبْتُ (٤)، جاءَ أَصحابِي ما يُوعَدُونَ" (٥)، فزمانه ﵇] (٦) - جدير بأن يكون حُمي من الفتن، وأيضًا فقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣] وإتمامُ النعمة أمان من الفتنة (٧). وأيضًا: فقولُ حذيفةَ لعمَر: "إنَّ بَينك وبَينها بابًا مغلَقاً" (٨) يعني: بينه وبين الفتنة التي تموج كموج البحر، وتلك إنما استُفتحت (٩) بقتل عمر ﵁، وأما الفتن الجزئية، فهي كقوله: "فتنةُ الرجلِ في أهلِه وماله تُكَفّرُها الصلاةُ والصيامُ والصدقَةُ" (١٠). [(ماذا (١١) أنزل من الخزائن): يحتمل أن يكون المراد: خزائنَ

стр. 1123

الأعطية] (١)، ويحتمل خزائنَ الأقضية مطلقًا. وفيه إشارة إلى تعظيم فتن النساء؛ لأنه قال عقيب الفتن: "يا رَبَّ كاسِيَةٍ في الدنيا عارية في الآخِرة، مَنْ يوقظُ صواحَب الحُجَر؟ ". * * * ٦٨٨ - (١١٢٨) - حَدَّثَنا عبد الله بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنا مالكٌ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ، عَنْ عُروَةَ، عَنْ عائِشَةَ ﵂، قالَت: إِنْ كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَيدَع الْعَمَلَ، وَهْوَ يُحب أَنْ يَعْمَلَ بِهِ، خَشيَةَ أَن يَعْمَلَ بهِ النّاسُ، فَيُفْرَضَ عَلَيْهِمْ، وَما سَبَّحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ سُبْحَةَ الضُّحَى قَطُّ، وَإِنِّي لأُسَبِحُها. (وإني لأُسبحها): مصدره (٢) التسبيح؛ أي: لأُصليها (٣). ووقع في "الموطأ" (٤): لأَستحبها (٥)؛ من الاستحباب. * * * ٦٨٩ - (١١٢٩) - حَدَّثَنا عبد الله بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنا مالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ، عَنْ عُروةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمنينَ- رضِيَ اللهُ

стр. 1124

عَنْها-: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَلَّى ذاتَ لَيْلَةٍ في الْمَسْجِدِ، فَصَلَّى بِصَلَاتِهِ نَاسٌ، ثُمَّ صَلَّى مِنَ الْقابِلَةِ، فَكَثُرَ النّاسُ، ثُمَّ اجْتَمَعُوا مِنَ اللَّيْلَةِ الثّالِثَةِ أَوِ الرّابِعَةِ، فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَلَمّا أَصبَحَ، قَالَ: "قَدْ رَأَيْتُ الَّذِي صَنَعْتُمْ، وَلَمْ يَمْنَعْنِي مِنَ الْخُرُوجِ إِلَيْكُمْ إِلَّا أَنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ". وَذَلِكَ في رَمَضانَ. (إلا أني خشيت أن تُفرض عليكم): فتركَ قيامَ الليل رأفةً (١) بهم. واعلم: أن الترجمة قد اشتملت على أمرين كما رأيتَهُ: التحريض، وعدم الإيجاب، فذكرُ الأحاديثِ المتقدمة شاهدةٌ على التحريض، وذكرُ هذا شاهد (٢) على عدم الإيجاب. * * * باب: قيامِ النَّبيِّ ﷺ اللَّيلَ ٦٩٠ - (١١٣٠) - حَدَّثَنا أَبُو نُعَيْم، قَالَ: حَدَّثَنا مِسْعَر، عَنْ زِيادٍ، قَالَ: سَمِعْتُ الْمُغِيرَةَ ﵁ يَقُولُ: إِنْ كانَ النَّبِيُّ ﷺ ليقُومُ لِيُصَلِّيَ حَتَّى تَرِمُ قَدَماهُ، أَوْ ساقاهُ. فَيُقالُ لَهُ، فَيَقُولُ: "أَفَلا أُكَونُ عَبْدًا شَكُورًا؟! ". (حتى ترم (٣) قدماه أو ساقاه، فيقال له): في كتاب: التفسير من البخاري: عن عائشة: أنها قالت له: أتصنعُ هذا وقد غفر الله لكَ ما تقدم

стр. 1125

من ذنبك وما تأخر؟ فقال (١): "أفلا أكُونُ عَبْدا شَكُوراً؟! " (٢). وترِم (٣) بكسر الراء، ويروى بنصب الآخِر ورفعه. * * * باب: مَنْ نامَ عندَ السَّحَرِ ٦٩١ - (١١٣١) - حَدَّثَنا عَلِيُّ بْنُ عبد الله، قَالَ: حَدَّثَنا سُفْيانُ، قَالَ: حَدَّثَنا عَمْرُو بْنُ دِينارٍ: أَنَّ عَمْرَو بْنَ أَوْسٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ عبد الله بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعاصِ ﵄ أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لَهُ: "أَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى اللهِ صَلَاةُ داوُدَ ﵇، وَأَحَبُّ الصِّيامِ إِلَى اللهِ صِيامُ داوُدَ، وَكانَ يَنامُ نِصفَ اللَّيْلِ، وَيَقُومُ ثُلُثَهُ، وَيَنامُ سُدُسَهُ، وَيصُومُ يَوْمًا، ويُفْطِرُ يَوْمًا". (وكان ينام نصفَ الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه، ويصوم يومًا، ويفطر يوماً): قال ابن المنير: كان داود ﵇ يقسم ليله ونهاره لحق ربه وحَق نفسه. فأما الليل، فاستقام له فيه ذلك في كل ليلة، وأما النهار، فلما تعذَّرَ عليه أن يجزئه بالصيام (٤)؛ لأنه لا يتبغَّض، جعل عوضًا من ذلك أن يصوم يومًا، ويفطر يومًا (٥)، فيتنزل ذلك منزلة التجزئة في شخص اليوم، والله أعلم.

стр. 1126

٦٩٢ - (١١٣٢) - حَدَّثَنِي عَبْدانُ، قَالَ: أَخْبَرَني أَبِي، عَنْ شُعْبةَ، عَنْ أَشْعَثَ: سَمِعْتُ أَبي قَالَ: سَمِعْتُ مَسْرُوقًا قَالَ: سَأَلْتُ عائِشَةَ ﵂: أَيُّ الْعَمَلِ كانَ أَحَبَّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ؟ قالَتِ: الدّائِمُ، قُلْتُ: مَتَى كانَ يَقُومُ؟ قالَتْ: يَقُومُ إِذا سَمِعَ الصّارِخَ. حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ، قَالَ: أَخْبَرَنا أَبُو الأَحوَصِ، عَنِ الأَشْعَثِ، قَالَ: إِذا سَمِعَ الصّارِخَ، قامَ فَصَلَّى. (إذا سمع الصارخ): يعني: الديك. الزركشي: قال ابن ناصر: وأولُ ما يصيح نصفَ الليل (١). * * * ٦٩٣ - (١١٣٣) - حَدَّثَنا مُوسَى بْنُ إِسْماعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنا إِبْراهِيمُ ابْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ذَكَرَ أَبي، عَنْ أَبي سَلَمَةَ، عَنْ عائِشَةَ ﵂، قالَتْ: ما أَلْفاهُ السَّحَرُ عِنْدِي إِلَّا نَائِمًا. تَعْنِي: النَّبِيَّ ﷺ . (ما ألفاه): بالفاء. (السحرُ): فاعل ألفى. (عندي إلا نائماً): -بالنون-؛ من النوم، ويصحَّف (٢) بالقاف.

стр. 1127

باب: طُولِ الْقِيامِ في صَلَاةِ اللَّيْلِ (باب: طول الصلاة في قيام الليل (١): ساق فيه حديث حذيفة. ٦٩٤ - (١١٣٦) - حَدَّثَنا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنا خالِدُ بْنُ عبد الله، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ أَبي وائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ إِذا قامَ لِلتَّهَجُّدِ مِنَ اللَّيْلِ، يَشُوصُ فاهُ بِالسِّواكِ. (كان إذا قام للتهجد من الليل، يشوص فاه): فاستشكله ابن بطال حتى عدَّ ذكره في (٢) هذا الباب من غلط النسخ، أو لأنَّ البخاري ﵀ اخْتُرِمَ قبل (٣) تنقيح كتابه (٤). قال ابن المنير: ويحتمل عندي أن يكون في الحديث إشارةٌ إلى معنى الترجمة؛ من جهة أن استعمال السواك حينئذٍ يدلُّ على ما يناسبه من كمال الهيئة (٥)، والتأهبِ للعبادة، وأخذِ النفس حينئذ بما يؤخذ به في النهار، فكان (٦) ليله ﷺ نهارًا، وهو دليل طول القيام فيه. وُيدفع أيضًا وهمُ من لعله يتوهم أن القيام كان خفيفاً (٧) [بما ورد في

стр. 1128

حديث ابن عباس: فتوضأ وضوءًا خفيفًا، وابن عباس] (١) إنما أراد (٢) وضوءًا رشيقاً مع إكمال وإسباغ، والسواك (٣) يدل على كماله. قلت: أطال الخطابة (٤)، ولم يكشف الخطبَ، والحقُّ أحقُّ أن يُتَّبَع. وبالله التوفيق. وقوله في الحديث الذي قبل هذا: "حَتى هَمَمْتُ بأمر سوءٍ" هو بإضافة أمر إلى سوء، وهو بفتح السين المهملة. * * * باب: كيفَ كانَ صَلَاةُ النَّبِيِّ ﷺ وَكَمْ كانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ (وكم كان رسول الله ﷺ يصلي بالليل (٥)): فيه عن ابن عباس: "أنها كانت ثلاثَ عشرةَ ركعةً" (٦)، وعن عائشة: [سبع]، وتسع، وإحدى عشرة، وثلاث عشرة، منها الوتر وركعتا الفجر. فقيل: الاختلافُ من قِبَلهما؛ لأنَّ الرواة ثقات، وذلك محمول على التوسعة.

стр. 1129

وقيل: الاختلاف من قبل (١) الرواة (٢)، وأن الصحيح (٣) فيها (٤) إحدى عشرة ركعة، وأَوَّلوا ما خالفَ ذلك. وربما يقال (٥): كيف (٦) تُنزل هذه الأحاديثُ منزلةَ المتعارضات حتى يُحتاج إلى الجمع بينها، وإنما هي أفعال، وكلها (٧) مشروع؟ وحاصل القضية: أن قيام الليل إن كان واجبًا بالنسبة إليه ﵇، واختَلَفَ عددُ الركعات منه في أوقات، عُلم أن الأقل (٨) هو الواجب (٩)، والزائد نافلة. قال ابن المنير: وإنما جاءت المعارضة في قول الراوي (١٠) الواحد: كان يفعل كذا، أو كانت (١١) صلاته كذا؛ فانه لفظٌ يعطي العادةَ والدوامَ، ولا يُتصور المداومةُ على عادتين في زمن واحد، فإن ذلك يرجع إلى النفي والإثبات؛ إذ قولها: كانت صلاته إحدى عشرة (١٢) [يقتضي أنها عادته،

стр. 1130

لا يزيد عليها، ثمَّ قولها: كانت صلاته ثلاث عشرة] (١) يقتضي الزيادةَ، فيفضي إلى اجتماع النفي والإثبات، وهو مستحيل. * * * ٦٩٥ - (١١٣٩) - حَدَّثنا إِسْحاقُ، قَالَ: حَدَّثَنا عبيد الله، قَالَ: أَخْبَرنا إِسرائِيلُ، عَنْ أَبِي حُصَينٍ، عَن يَحيَى بنِ وَثّابٍ، قَالَ: سَألتُ عائِشةَ ﵂ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِاللَّيْلِ، فَقالَتْ: سَبْعٌ، وتسعٌ، وَإحدَى عَشْرَةَ، سوَى ركعَتَيِ الْفَجْرِ. (ابن وَثّاب): -بواو مفتوحة وثاء مثلثة مشددة-؛ من الوثب. * * * باب: عَقْدِ الشَّيطانِ على قافية الرأس إذا لم يُصلِّ باللَّيلِ ٦٩٦ - (١١٤٢) - حَدَّثَنا عبد الله بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنا مالكٌ، عَنْ أَبي الزِّنادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "يَعْقِدُ الشَّيْطانُ عَلَى قافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ إِذا هُوَ نَامَ ثَلَاثَ عُقَدٍ، يَضْرِبُ كلَّ عُقْدَةٍ: عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيل فارقُدْ، فَإِنِ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ اللهَ، انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ تَوَضَّأَ، انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ صَلَّى، انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَأَصبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ، وَإِلَّا، أَصبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ". (يعقد الشيطان): كناية عن تثقيله بالنوم وتثبيطه.

стр. 1131

قال الزركشي: وفي رواية ابن ماجه: "يعقد بحبل" (١)، وهو مناسب لقوله: ليل طويل، وهو من باب عقد السواحر النفاثات في العقد، وذلك بأن يأخذن خيطًا فيعقدنَ عليه عقدةً (٢) منه، ويتكلمن بالسحر، فيتأثر المسحور عند ذلك، إما بمرض، أو تحريك قلب (٣). (على قافية رأسِ أحدِكم): أي: على مؤخَّر الرأس، وكذا (٤) قافية كل شيء، ومنه قافيةُ الشِّعْر. قيل: وإنما خص مؤخر الرأس؛ لأنه محلّ العقل والفهم. (يضرب على (٥) كل عقدة): ويروى: "عند كل عقدة". (عليكَ ليلٌ طويل): جملة اسمية، أو فعليةٌ والفعلُ محذوف؛ أي: بقي عليك ليلٌ طويل، يلقي إليه (٦) هذه الجملةَ الخبريةَ بطريق الوسواس؛ ليثبط عزمَه عن المبادرة للنهوض. (فارقد): كأن الفاء رابطة شرط مقدر؛ أي: وإذا كان كذلك، فارقدْ، ولا تعجلْ بالقيام؛ ففي الوقت مُتَّسَع. قال الزركشي: وفي رواية لمسلم: "عليكَ ليلًا طويلًا" (٧) - بالنصب (٨) -

стр. 1132

على الإغراء، والأول أولى من جهة المعنى؛ لأنه أمكنُ في الغرور، من حيث إنه يخبره بطول الليل، ثمَّ يأمره بالرقاد، وإذا (١) نُصب على الإغراء، لم يكن فيه إلا الأمرُ بملازمه طولِ الرقاد، وحينئذ فيكون قولُه: "فارقد" ضائعًا (٢). قلت: فحينئذ يتعين الرفع، ولا يقال: هو أولى. (فإن استيقظ، فذكر الله، انحلت عقدة): أي: عقدةٌ واحدة من تلك العقد الثلاث. قال ابن المنير: فيه: أن الوسائلَ الوجوديةَ داخلةٌ في التكليف، وأن (٣) ما لا يتمّ الواجبُ إلا به، فهو واجبٌ، وإن كان وجودياً، وذلك أنَّه سَوى هنا بين القيام من النوم، وبين الوضوء وبين الصلاة (٤)؛ فإن (٥) الشيطانُ يعارض في الثلاثة، والشيطان إنما يعارض في الطاعة (٦)، والقيامُ من النوم وسيلة وجودية، والوضوء وسيلة شرعية، والصلاةُ هي المقصودة بالخطاب، فسَوَّى بينها وبين وسيلتها (٧) الوجودية والشرعية في الخطاب، فهذا يدلّ على ما قلناه.

стр. 1133

قلت: فيه نظر. (فإن صلى): المراد: الفريضة، قاله ابن التين (١)، قال (٢): وقيل: النافلة. (انحلت عقدةٌ): روي بالإفراد، وبالجمع (٣)، ويشهد للثاني روايةُ البخاري في كتاب: بدء الخلق: "انْحَلتْ عُقَدُهُ كُلّها" (٤). (وإلا أصبحَ خبيثَ النفس): قال أبو عمر (٥): زعم قوم أن في هذا ما يعارض الحديث الآخَرَ: "لا يَقُولَنَّ أَحَدكُمْ خَبُثَتْ نفسِي" (٦)، وليس كذلك؛ لأنَّ النهي إنما ورد عن إضافة المرء ذلك [إلي نفسه، وأما إضافة ذلك] (٧) إلى غيره مما يصدق عليه، فليس بممنوع (٨). (كسلان): غير منصرف، مذكَّر كَسْلى؛ أي: يصبح كذلك؛ لشؤم تفريطه، وظفر الشيطان به (٩) بتفويته الحظَّ الأوفرَ من قيام الليل، فلا يكاد يسخو بنفسه، ولا تخفُّ عليه (١٠) صلاةٌ ولا غيرُها من القُربات.

стр. 1134

٦٩٧ - (١١٤٣) - حَدَّثَنا مُؤَمَّلُ بْنُ هِشامٍ، قَالَ: حَدَّثَنا إِسْماعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنا عَوْفٌ، قَالَ: حَدَّثَنا أَبُو رَجاءَ، قَالَ: حَدَّثَنا سَمُرَةُ بْنُ جُنْدَبٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في الرُّؤْيا، قَالَ: "أَمّا الَّذِي يُثْلَغُ رَأْسُهُ بِالْحَجَرِ، فَإِنَّهُ يَأخُذُ الْقُرآنَ فَيَرفِضُهُ، وَيَنامُ عَنِ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ". (أبو رجاء): هو عثمان بن تميم العطاردي. (يثلَغُ): -بثاء مثلثة ولام وغين معجمة-، بالبناء للمفعول؛ أي يشق ويخدش. (فيرفُضه): -بالفاء والضاد المعجمة، [و] بكسر الفاء وضمها-؛ أي: يتركه. * * * باب: إذا نام ولم يُصلِّ، بالَ الشَّيطانُ في أُذُنِهِ ٦٩٨ - (١١٤٤) - حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنا أَبُو الأَحوَصِ، قَالَ: حَدَّثَنا مَنْصُورٌ، عَنْ أَبي وائِلٍ، عَنْ عبد الله ﵁، قَالَ: ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ، فَقِيلَ: ما زالَ نَائِمًا حَتَّى أَصبَحَ، ما قامَ إِلَى الصَّلَاةِ، فَقالَ: "بالَ الشَّيْطانُ في أُذُنِهِ". (بال الشيطان في أذنه): يمكن (١) أن يُحمل على ظاهره، والعقلُ لا يُحيله. ويحتمل أن يريد به صرفَه عن الصارخ بما يقرُّه في أذنه حتى لا ينتبه،

стр. 1135

فكأنه (١) ألقى في أذنه بوله، فاعتلَّ سمعُه بسبب ذلك. ويحتمل أن يكون كناية عن استرذاله، وجعلِ أذنه كالمحل الذي يُبال فيه. * * * باب: الدعاءِ والصَّلاةِ من آخِرِ اللَّيلِ ٦٩٩ - (١١٤٥) - حَدَّثَنا عبد الله بنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مالِكٍ، عَن ابْنِ شِهابٍ، عَن أَبي سَلَمَةَ، وأَبي عبد الله الأَغَرِّ، عَن أَبي هُريرةَ ﵁: أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "يَنْزِلُ رَبُّنا ﵎ كلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّماءِ الدُّنْيا، حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ، يَقُولُ: مَنْ يَدعُوني فَأَستَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ يَسْألنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟ ". (ينزل ربنا ﵎): لا يجوز حملُه على النزول بالحركة والانتقال؛ لاستحالته على الله تعالى (٢)، وإنما هو نزول معنوي أريد به رحمتُه (٣) لعباده، وإقبالُه عليهم بمزيد اللطف. قال ابن فورك: ضبط لنا بعض أهل النقل هذا الخبر عن النبي ﷺ بضم الياء من ينزل (٤).

стр. 1136

قال القرطبي: وكذا قيده بعضُهم، فيكون معدّى (١) إلى مفعول محذوف؛ أي: يُنزل اللهُ ملكًا، قال: ويدل عليه رواية النسائي: "إنَّ الله يُمْهِلُ حَتَّى يَمْضِيَ شَطْرُ اللَّيْلِ الأَوَّلُ، ثُمَّ يَأْمُرُ مُنادِياً يَقُولُ: هَلْ مِنْ داع فَيُسْتَجابَ لَه (٢) " الحديث (٣)، وصححه عبدُ الحق، قال: وبهذا يرتفع الإشكال (٤). قال الزركشي: لكن روى ابن حبَّان في "صحيحه" (٥): "يَنْزِلُ اللهُ إِلَى (٦) السماءِ فَيَقُولُ: لا أَسْأَلُ عَنْ عِبادِي غَيْرِي" (٧). قلت: لا يلزم من إنزاله الملكَ أن يسألَه (٨) عما صنع العباد، يجوز (٩) أن يكون الملَكُ مأموراً بالمناداة، ولا يسأل ألبتة عما كان (١٠) بعدها، فهو

стр. 1137

- أعلمُ بما كان، وبما (١) يكون، لا يخفى عليه خافية. (حين يبقى ثلثُ الليلِ الآخِرُ): -بضم الآخر- صفة لثلث. (فأستجيبَ له): منصوبٌ بإضمار أن بعد (٢) الفاء، لوقوعه (٣) جوابَ (٤) الاستفهام؛ كقوله تعالى: ﴿فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا﴾ [الأعراف: ٥٣]، ويجوز الرفع على تقدير مبتدأ؛ أي (٥): فأنا أستجيبُ له. * * * باب: فضلِ الطُّهورِ باللَّيلِ والنَّهارِ، وفضلِ الصلاةِ بعد الوضوءِ بالليلِ والنهار ٧٠٠ - (١١٤٩) - حَدَّثَنا إِسْحاقُ بْنُ نصرٍ، حَدَّثَنا أَبُو أسُامَةَ، عَنْ أَبِي حَيانَ، عَن أَبي زرعَةَ، عَن أَبي هُريرةَ ﵁: أَنَّ النبي ﷺ قَالَ لِبِلَالٍ عِنْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ: "يا بِلَالُ! حَدِّثْنِي بِأَرْجَى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ في الإسْلَامِ، فَإِنِّي سَمِعْتُ دَفَّ نَعْلَيْكَ بَيْنَ يَدَيَّ في الْجَنَّةِ"، قَالَ: ما عَمِلْتُ عَمَلًا أَرجَى عِنْدِي أَنِّي لَمْ أتطَهَّر طُهُورًا في ساعَةِ لَيْلٍ أَوْ نهارٍ، إِلَّا صَلَّيْتُ بِذَلِكَ الطُّهُورِ ما كُتِبَ لِي أَنْ أُصَلَيَ. قَالَ أَبُو عبد الله: دَفَّ نَعْلَيْكَ، يَعْنِي: تَحْرِيكَ.

стр. 1138

(عن أبي (١) حَيّان): بحاء مهملة مفتوحة ومثناة من تحت مشددة. (بأرجَى عمل): هو أفعلُ تفضيلٍ من فعلٍ مبني للمفعول، وهو سماعي، مثل أَشْغَلَ، وأَعْذَرَ؛ أي: أكثرَ مشغوليةً ومعذوريةً. ومنه: أَعْنَى في قول سيبويه: وَهُمْ بشأنِه أَعْنَى، فالعملُ ليسَ براجٍ للثواب، [وإنما هو مرجُوُّ الثواب] (٢)، وأضيفَ إلى العمل؛ لأنه السببُ الداعي إلى الرَّجاء (٣). (دَفَّ نعليك): -بدال مهملة مفتوحة وفاء مشددة-؛ أي: صوتَ مَشْيِك فيهما، قال القاضي: وفي رواية ابن السكن: "دَوِيَّ نَعْلَيْكَ"، وهو قريب من معناه (٤). قال الزركشي: وقال المحب الطبري: هو بالمعجمة، ويروى بالمهملة؛ أي: حركةَ نعليكَ وسيرهما، تقول: هو يدفُّ في السير (٥). (إلا صليت بذلك الطهور): والحكمةُ في فضل الصلاة على هذا الوجه من وجهين: أحدهما: أن الصلاة عَقيبَ الطهور (٦) أقربُ (٧) إلى اليقين منها إذا

стр. 1139

تباعدت منه (١)؛ لكثرة عوارض الحدث من حيث لا يشعر المكلف. الوجه الآخر: ظهور أثر الطهور (٢) باستعماله في استباحة الصلاة، وإظهار آثار الأسباب مؤكدٌ (٣) لها ومحقق. * * * باب: ما يُكره من التشديد في العبادةِ ٧٠١ - (١١٥٠) - حَدَّثَنا أَبُو مَعْمَرٍ: حَدَّثَنا عَبدُ الْوارِثِ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبِ، عَنْ أَنسِ بْنِ مالِكٍ ﵁، قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَإِذَا حَبْلٌ مَمْدُودٌ بَيْنَ السّارِيَتَيْنِ، فَقالَ: "ما هَذا الْحَبْلُ؟ "، قالُوا: هَذا حَبْل لِزَينَبَ، فَإِذا فَتَرَتْ، تَعَلَّقَتْ. فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَا، حُلُّوهُ، لِيُصَلِّ أَحدكُمْ نشاطَهُ، فَإِذا فترَ، فَلْيقْعُد". (فإذا فتر، فليقعدْ): يحتمل أن يكون المراد: فإذا فتر في أثناء القيام فليقعد، ويتم الصلاة قاعدًا. أو: إذا فتر بعد [فراغ بعض التسليمات، فليقعد لإيقاع ما بقي من نوافله قاعدًا. أو: إذا فتر بعد] (٤) انقضاء البعض، أن يترك بقيةَ النوافل جملة إلى أن يحدُثَ له نشاط.

стр. 1140

ولا يمكن أن يكون من جملة الصور تركُ إتمام النافلة (١) بعدَ الشروع فيها؛ لأنَّ ذلك إبطالٌ لعملٍ دخل فيه، والإبطالُ منهيٌ عنه. * * * ٧٠٢ - (١١٥١) - قَالَ: وَقالَ عبد الله بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مالِكٍ، عَنْ هِشامِ بْنِ عُروَةَ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ عائِشَةَ ﵂، قالَت: كانَتْ عِنْدِي امْرَأة مِنْ بَنِي أسَدٍ، فَدَخَلَ عَلَي رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقالَ: "مَنْ هَذِهِ؟ "، قُلْتُ: فلَانة، لا تَنامُ بِاللَّيْلِ، فَذُكرَ مِنْ صَلَاتِها، فَقالَ: "مَهْ، عَلَيْكُمْ ما تُطِيقُونَ مِنَ الأَعْمالِ؛ فَإِنَّ اللهَ لا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلّوا". (كانت عندي امرأة من بني أسد): هي الحَوْلاءُ بنتُ تُوَيْتٍ، وسبق حديثُها في الإيمان (٢) (٣). * * * باب: ما يُكره مِنْ تركِ قيام الليلِ لمَن كانَ يقومُهُ ٧٠٣ - (١١٥٢) - حَدَّثنا عَبّاسُ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنا مُبَشَرٌ، عَنِ الأَوْزاعيِّ. وَحَدَّثنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُقاتِلٍ أَبُو الْحَسَنِ، قَالَ: أَخْبَرَنا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنا الأَوْزاعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحيىَ بْنُ أَبي كثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سلَمَةَ ابْنُ عَبْدِ الرّحمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعاصِ -رَضِيَ اللهُ

стр. 1141

عَنْهُما-، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يا عَبْد الله! لا تَكُنْ مِثْلَ فُلَانٍ، كانَ يَقُومُ اللَّيْلَ، فترَكَ قِيامَ اللَّيْلِ". (يا (١) عبد الله! لا تكن مثلَ فلان، كان يقوم من الليل (٢)، فترك): قال ابن المنير: فيه دليل على أن الشروع في العملِ المتحدِ المشخَصِ مُلزِمٌ (٣)، وأن تاركَه مذمومٌ (٤) بطريق الأولى؛ لأنه إذا نُهي عن ترك العبادة (٥)، وإن كان المستقبلُ منها لم يشرع فيه بعد، لكنه شرع في جنسه، فتركُ المعينِ المشخصِ الذي شرع (٦) في بعضه أشدُّ، ولهذا يَعْصي من قطعَ (٧) النافلةَ عمدًا، وتلزمُه الإعادة، ولا يعصي من تَركَ العادةَ، ولكنه يكاد. * * * باب ٧٠٤ - (١١٥٣) - حَدَّثَنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنا سُفْيانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أبِي الْعَبّاسِ، قَالَ: سَمِعْتُ عبد الله بْنَ عَمْرٍو ﵄: قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ : "أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَقُومُ اللَّيْلَ وَتَصُومُ النَّهارَ؟ "، قُلْتُ: إِنِّي

стр. 1142

أَفْعَلُ ذَلِكَ، قَالَ: "فَإِنَّكَ إِذا فَعَلْتَ ذَلِكَ، هَجَمَتْ عَيْنُكَ، وَنَفِهَتْ نَفْسُكَ، وَإِنَّ لِنَفْسِكَ حَقّ، وَلأَهْلِكَ حَقّ، فَصُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ". (هَجَمت عينُك (١): أي: غارَتْ ودخلَتْ في موضعها؛ من قولك: هجمتُ على القوم: إذا دخلتُ عليهم، وهو بفتح الهاء والجيم. (ونَفِهت): -بنون مفتوحة وفاء مكسورة-؛ أي: أَعْيَتْ وكَلَّتْ (٢). (وإن لنفسك عليك حقًا (٣): -بالنصب- اسم إن (٤)، ويروى بالرفع على أن اسم إن ضميرُ شأن حُذف، والجملة الاسمية بعدها خبرها، وكذا ما بعده (٥). * * * باب: فَضْلِ مَنْ تَعارَّ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّى (باب: فضل من تعارَّ من الليل فصلى): التعارّ -براء مشددة-: هو الانتباه بالليل معه صوت من استغفارٍ أو تسبيح أو نحوه، وإنما استعمله هنا دون الانتباه (٦) والاستيقاظ؛ لزيادة معنى، وهو (٧) الإخبار بأن من هَبَّ من

стр. 1143

نومه ذاكرًا لله (١) تعالى مع الهبوب، فسأل الله خيرًا، أعطاه، فقال: تعارَّ؛ ليدل على المعنيين، وإنما يوجد (٢) ذلك لمن تعوَّدَ الذكر، واستأنس به، وغلب عليه حتى صار حديثَ نفسِه في نومه ويقظته، ونظيرُه قوله تعالى: ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ [الإسراء: ١٠٧] فإن (٣) معنى خَرَّ: سقط سقوطًا يُسمع منه خريرُه. * * * ٧٠٥ - (١١٥٤) - حَدَّثَنا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ، أَخْبَرَنا الْوَليدُ، عَنِ الأَوْزاعِيَّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَيْرُ بْنُ هانِئٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي جُنادَة بْنُ أبي أُمَيَّةَ: حَدَّثَنِي عُبادَةُ بْنُ الصّامِتِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "مَن تَعارَّ مِنَ اللَّيْلِ، فَقالَ: لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُل شَيءٍ قَدِيرٌ، الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَسُبْحانَ اللهِ، وَلا إِلَهَ إِلَّا الله، واللَّه أكبَرُ، وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ، ثُمَّ قَالَ: اللهُمَّ اغْفِر لِي، أَوْ دَعا، استُجِيبَ، فَإِنْ تَوَضَّأَ وَصَلَّى، قُبِلَتْ صَلَاتُهُ". (جُنادة): بجيم مضمومة فنون (٤) فألف فدال مهملة فهاء تأنيث. (فإن توضأ وصلَّى، قُبلت صلاته): أورد (٥) ابن المنير هنا سؤالًا، وهو: أنَّه لم يذكر في الحديث إلا قبولَ الصلاة، وهو من لوازم صحة

стр. 1144

الصلاة كيفما كانت، فاضلة أو مفضولة، فما وجه ترجمة البخاري بذلك على فضل الصلاة حينئذٍ، وهو أمر زائد على القبول العام؟ فأجاب (١): بأن القبول هنا أرجى منه في غير هذا الموطن، ولولا ذلك لسقطت فائدة الكلام، فبقربِ الرجاءِ فيه من اليقين تميّزَ على غيره، وثبتَ له الفضل. قلت: أما أولًا: فلا نسلم أن القبول من لوازم الصحة بدليل صحة صلاة الآبق، وهي غير مقبولة، كما صرح به الشَّارع، وقد مر البحثُ فيه في أول كتاب: الوضوء. وأما ثانيًا: فإن البخاري لم يترجم على فضل الصلاة المذكورة بمعنى إنافتها (٢) في المزية على غيرها من الصلوات المستقبلة، وإنما بَوَّب لفضلِ من استيقظَ من الليل، [فذكر ذلك الذكر المخصوص، وصلَّى، ولا شك أنَّه أورد ما يقتضيه، وذلك أنَّه ﵊ أخبر أنَّه إذا تعارَّ من الليل، وقال ما نص عليه من الذكر، ثمَّ دعا بالمغفرة أو غيرها، استُجيب له، وإن صلى، قُبلت صلاته، ولا شك في فضل من اتَّصف بذلك، وفوزِه بمزيةٍ عظيمةٍ على من لم يحصُل له، وليس في ذلك فضلُ الصلاة في هذه الحالة على غيرها من الصلوات المتقبلة، ولا أن رجاء (٣) قبولها قريبٌ من اليقين، فتأمله.

стр. 1145

باب: الضِّجْعَةِ عَلَى الشِّقِّ الأَيْمَنِ بَعْدَ ركْعَتَيِ الْفَجْرِ (باب: الضِّجعة): - بكسر الضاد المعجمة-؛ لأنَّ المراد: الهيئة، ويجوز الفتح على إرادة المرة، وإنما ذكر البخاري حديثَ عائشة في الباب بعده] (١)؛ لينبّه على أنه لم يكن يفعلها دائمًا، وبذلك احتج الأئمة على عدم وجوبها، وحملوا الأمرَ بها في حديث الترمذي على الإرشاد إلى الراحة والنشاط لصلاة الصبح. * * * باب: الحديثِ بعد ركعتي الفَجْرِ ٧٠٦ - (١١٦٢) - حَدَّثَنا قتيْبةُ، قَالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الرّحمَنِ بْنُ أَبي الْمَوالِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عبد الله ﵄، قَالَ: كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُعَلِّمُنا الاِسْتِخارَةَ في الأُمُورِ كَما يُعَلِّمُنا السُّورَةَ مِنَ الْقُرآنِ، يَقُولُ: "إِذا هَمَّ أَحدُكُمْ بِالأَمْرِ، فَلْيَركَعْ ركعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ، ثُمَّ لِيَقُلِ: اللهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدرتكَ، وَأَسْألكَ مِنْ فَضْلِكَ الْعَظِيم، فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلا أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلا أَعْلَمُ، وَأَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ. اللهُمَّ إِنْ كنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذا الأَمْرَ خير لِي، في دِيني وَمَعاشِي وَعاقِبةِ أَمْرِي، أَوْ قَالَ: عاجِلِ أَمْرِي وآجِلِهِ، فاقْدُرهُ لِي، وَيَسّرهُ لِي، ثُمَّ بارِكْ لِي فِيهِ، وَإِنْ كنْتَ تَعْلَمُ أَن هَذا الأَمْرَ شَرٌ لِي، في دِيني وَمَعاشِي وَعاقِبةِ أَمْرِي، أَوْ قَالَ: في عاجِلِ أَمْرِي وآجِلِهِ، فاصرِفْهُ عَنِّي، واصرِفْنِي عَنْهُ، واقْدُر لِيَ الْخَيْرَ حَيْثُ كانَ، ثُمَّ أَرضِنِي. قَالَ: وَيُسَمِّي حاجَتهُ".

стр. 1146

(وأستقدرك): أي: أسألك أن تقدر لي الخيرَ. (فاقدِره لي): قال القاضي: ضبطه الأصيلي بكسر الدال، وضبطه غيره (١) بالكسر والضم (٢). قال القرافي في آخر "القواعد" (٣) من الدعاء المحرم: الدعاءُ المرتَّبُ على استئناف المشيئة؛ كمن يقول: اقدر لي الخير؛ لأنَّ الدعاء بوضعه اللغوي إنما يتناول المستقبلَ دون الماضي؛ لأنه طلبٌ، وطلبُ الماضي مُحال فيكون مقتضى هذا الدعاء [أن يقع تقدير الله في المستقبل من الزمان، والله تعالى يستحيل عليه استئنافُ التقدير، بل وقع جميعُه في الأزل، فيكون هذا الدعاء] (٤) يقتضي مذهب من يرى أن لا قضاء، وأن الأمر أُنُفٌ كما خرجه مسلمٌ عن الخوارج، وهو فسقٌ بإجماع. ثمَّ أوردَ حديثَ الاستخارة هذا على نفسه؛ فإنه قال فيه: فاقدره لي. وأجاب: بأنه يتعين أن يعتقد أن المراد بالتقدير هنا: التيسير على سبيل المجاز؛ فالداعي (٥) إنما أراد هذا المجاز، وإنما يحرم الإطلاقُ عندَ عدم النية (٦). (ثمَّ أرضني): -بهمزة قطع-؛ من الإرضاء.

стр. 1147

قال ابن المنير: رأى (١) البخاري الاستدلالَ بالاستخارة والتحية والأفعال المستمرة أولى من الاستدلال بقوله (٢): "صَلاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى" (٣)؛ لأنه لا يقومُ الاستدلالُ به على النهار إلا بالقياس، ويكون القياسُ حينئذ كالمعاوض لمفهوم (٤) قوله: "صَلاةُ الليلِ"؛ فإن ظاهره: أن صلاة النهار ليست كذلك، وإلا سقطت فائدة تخصيص الليل (٥). والجواب: أنه ﵇ إنما خَصَّ الليلَ لأجل أن فيه الوتر خشيةَ أن يُقاس على الوتر [غيرهُ، فيتنفل المتنفلُ بالليل أوتارًا، فبين ﵇ أن الوتر] (٦) لا يكون إلا واحدةً، وأن بقية صلاة الليل مثنى مثنى، وإذا ظهرت فائدة التخصيص سوى المفهوم، صار حاصلُ الكلام: صلاة النافلة (٧) مثنى مثنى، فيعم الليل والنهار، فتأمله؛ فإنَّه لطيف جدًا. * * * باب: ما جاءَ في التطوُّعِ مَثْنى مَثْنى ٧٠٧ - (١١٧٠) - حَدَّثَنا آدَمُ، قَالَ: أَخْبَرَنا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنا عَمْرُو ابْنُ دِينارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ جابِرَ بْنَ عبد الله ﵄ قَالَ: قَالَ

стр. 1148

رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ يَخْطُبُ: "إِذا جاءَ أَحدكُمْ والإمامُ يَخْطُبُ، أَوْ قَدْ خَرَجَ، فَلْيُصَلِّ ركْعَتَيْنِ". (إذا جاء أحدكم والإمامُ يخطب، أو خرج، فليصلِّ ركعتين): قال ابن بطال: هذه قصة السُّلَيْك (١). قال الأصيلي: وخالف فيه شعبةُ أصحابَ عمرِو بنِ دينارٍ، منهم: ابنُ جُرَيج، وحمادُ بنُ زيد، وابنُ عُيينة، فرووه عن عمرو، عن جابر (٢): أَنَّ رجلًا جاءَ إلى المسجد والنبيُّ ﷺ يخطب، فقال له: "أَصَلَّيْتَ؟ "، قال: لا، قال: "قُمْ واركَعْ (٣) رَكْعَتَيْنِ" (٤) قصة السُّليك. وكذلك (٥) رواه (٦) أبو الزبير عن جابر، فانفرد شعبةُ بما لم يتابَع عليه، ولم تكن زيادة زادها الحافظ على غيره، بل هي قصة منقلبة عن وجهها. وقال يحيى بن معين: ألحق أصحابُ عمرِو بنِ دينارٍ بحديثه (٧) سُفيانَ ابنَ عُيينة (٨).

стр. 1149

٧٠٨ - (١١٧١) - حَدَّثَنا محمدُ بْنُ بَشّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ: حَدَّثَنا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحمَنِ، عَنْ عَمَّتِهِ عَمْرَةَ، عَنْ عائِشَةَ ﵂، قالَتْ: كانَ النَّبِيُّ ﷺ (ح). وَحَدَّثَنا أَحمَدُ بْنُ يُونسُ، حَدَّثَنا زُهَيْر، حَدَّثَنا يَحيىَ -هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ-، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرّحمَنِ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عائِشَةَ ﵂، قالَتْ: كانَ النَّبِيُّ ﷺ يُخَفِّفُ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْح، حَتَّى إِنِّي لأقولُ: هَلْ قَرَأَ بِأُمِّ الْكِتابِ؟ (حتى إني لأقول: هل قرأ بأم القرآن؟): "حتى" ابتدائية، وإِنَّ: بكسر الهمزة، وليس المعنى أنها شكت في قراءته بأم القرآن، بل المراد: أنَّه كان في غيرها من النوافل يطوِّل، وهذه يخفف أفعالها وقراءتها، حتى إذا نسبت (١) إلى قراءته في غيرها، كانت كأنها لم يقرأ فيها. * * * باب: من لم يتطوَّعْ بعد المكتوبةِ ٧٠٩ - (١١٧٤) - حَدَّثَنا عَلِيُّ بْنُ عبد الله، قَالَ: حَدَّثَنا سُفْيانُ، عَنْ عَمْرٍو، قَالَ: سَمِعْتُ أَبا الشَّعْثاءِ جابِرًا، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبّاسٍ ﵄، قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ثَمانِيًا جَمِيعًا، وَسَبْعًا جَمِيعًا. قُلْتُ: يا أَبا الشَّعْثاءِ! أَظُنُّهُ أَخَّرَ الظُّهْرَ، وَعَجَّلَ الْعَصرَ، وَعَجَّلَ الْعِشاءَ، وَأَخرَ الْمَغْرِبَ؟ قَالَ: وَأَنا أَظُنُّهُ.

стр. 1150

(سمعت أبا الشَّعْثاء): على زنة حَمْراء، بشين معجمة وعين مهملة وثاء مثلثة. * * * باب: صَلَاةِ الضُّحَى في السَّفَرِ ٧١٠ - (١١٧٥) - حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنا يَحيىَ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ تَوْبَةَ، عَنْ مُوَرِّقٍ، قَالَ: قُلْتُ لاِبْنِ عُمَرَ ﵄: أتصَلِّي الضُّحَى؟ قَالَ: لَا، قُلْتُ: فَعُمَرُ؟ قَالَ: لَا، قُلْتُ: فَأَبُو بَكْرٍ؟ قَالَ: لَا، قُلْتُ: فالنَّبِيُّ ﷺ ؟ قَالَ: لا إخَالهُ. (باب: صلاة الضحى في السفر). (عن توبة) (١): بمثناة من فوق وموحدة. (عن مُوَرِّق): بميم مضمومة فواو مفتوحة فراء مشددة مكسورة فقاف. (لا إِخاله): -بفتح الهمزة وكسرها-؛ أي: لا أظنه. قال ابن بطال: هذا الحديث ليس من هذا الباب، وإنما يصلُح (٢) للباب الذي بعده) فيمن لم يصل (٣) الضحى، وأظنه من غلط الناسخ (٤). قال ابن المنير: والذي لاح: أن مكانَ الحديث من الترجمة على الصحة، وأن البخاري لما اختلفت (٥) عليه ظواهرُ الأحاديث في صلاة

стр. 1151

الضحى؛ نفيًا لحديثِ ابنِ عمر، وإثباتا لحديثِ أبي هريرة: * * * باب: صَلَاةِ الضُّحَى في الْحَضَرِ قالَهُ عِتْبانُ بْنُ مالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . (باب: صلاة الضحى في الحضر (١): لم يذكر في هذه الترجمة حديث أم هانئ، وإن كانت صلاته يومئذ (٢) بمكة؛ لأنَّ النبي ﷺ لم يُتِمَّ الصلاةَ بمكة، ولم ينوِ بها إقامة ضرورة الهجرة، فجعل حكمه حكم السفر. ٧١١ - (١١٧٨) - حَدَّثَنا مُسْلِمُ بْنُ إِبْراهِيمَ، أَخْبَرَنا شُعْبَةُ، حَدَّثَنا عَبّاسٌ الْجُرَيْرِيُّ -هُوَ ابْنُ فَرُّوخَ-، عَنْ أَبِي عُثْمانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: أَوْصانِي خَلِيلِي بِثَلَاثٍ، لا أَدَعُهُنَّ حَتَّى أَمُوتَ: صَوْمِ ثَلَاثَةِ أيّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَصَلَاةِ الضُّحَى، وَنومٍ عَلَى وِتْرٍ. (أوصاني خليلي بثلاث لا أدعهنَّ: صومِ ثلاثة أيام من كل شهر، وصلاةِ الضحى، [ونومٍ على وتر): نزَّلَ حديثَ النفي على السفر، وحديثَ الإثبات على الحضر، وترجمَ لحديث أبي هريرة: باب: صلاة الضحى] (٣) في الحضر، وهو في حديثه بيّن؛ فإن قوله: "ونوم على وتر" يُفهم الحضرَ.

стр. 1152

وأدخلَ حديثَ أم هانئ في هذه الترجمة؛ لأنه ﵇ يومَ فتح مكة لم يكن مقيماً بوطنه، فنبه على أن أمرها في السفر على حسب الحال، وتسهُّلِ (١) فعلها، ويؤيد حملَ حديث ابن عمر على السفر: أنَّه كان لا (٢) يُسَبح في السفر، ويقول: لو كنت مُسَبِحاً، أتممتُ (٣) صلاتي (٤)، فيُحمل (٥) نفيُه لصلاة الضحى على عادته المعروفة في السفر، والله أعلم.

стр. 1153

كِتابُ فضَلِ الصَّلَاةِ

стр. 1154

كِتابُ فضَلِ الصَّلَاةِ باب: فضلِ الصَّلاةِ في مسجدِ مكَّةَ والمدينةِ ٧١٢ - (١١٨٩) - حَدَّثَنا عَلِيٌّ، حَدَّثَنا سُفْيانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "لا تُشَدُّ الرِّحالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثةِ مَساجِدَ: الْمَسْجدِ الْحَرامِ، وَمَسْجدِ الرَّسُولِ ﷺ ، وَمَسْجدِ الأَقْصَى". (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد): حمله ابن بطال على ما إذا كان ذلك بنذرٍ. قال: وأما من أراد (١) الصلاة بمساجد (٢) الصالحين، والتبركَ بها متطوعًا، فمباحٌ له قصدُها بإعمال المطيّ وغيره، ولا يتوجه إليه (٣) النهيُ في هذا الحديث (٤).

стр. 1155

قال ابن المنير: لا أعلم نصًّا على ما قاله، غير أن العمل مستمرٌ على زيارة (١) الخليل ﵇ ونحوه من (٢) المشاهدِ المرجُوَّةِ بغير نكَيرٍ. وما سمعت بمن (٣) ينذر بذلك، و (٤) لكنهم يتطوعون. وانظر لو نذر زيارة الخليل، وقلنا: لا يجوز شدُّ المطيِّ بالنذر لغير الثلاثة، فكيف يصنع؟ إن قلنا: لا تُفعل أبدًا؛ لئلا يستند فعلُه إلى نذره، حَرَمناه (٥) فضلَ الزيارة، وإن قلنا: يفعل، ركب النهي، فالطريقُ: أن يفعلَ ناويًا الزيارة، لا وفاء (٦) النذر. وانظر في الذي (٧) يسوق بدنةً إلى مكة بغير نذر، هل يخرج، ويدخل (٨) في قول مالكِ: سوقُ البُدنِ إلى غيرِ مكةَ من الضلال، فأطلقَ النذرَ وغيره، هذا هو الظاهر.

стр. 1156

والفرقُ بينه وبين شدِّ المطيِّ: أن الشدَّ فعلَه المسلمون بغير نذرٍ، واستمر عليه عملٌ (١) يضاهي الإجمْاعَ، ولا كذلك الآخر. * * * ٧١٣ - (١١٩٠) - حَدَّثَنا عبد الله بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنا مالِكٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ رَباحٍ، وَعبيد الله بْنِ أَبي عبد الله الأَغَرِّ، عَنْ أَبِي عبد الله الأَغَرِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "صَلاةٌ في مَسْجدِي هَذا خَيْرٌ مِنْ ألفِ صلَاةٍ فِيما سِواهُ، إِلَّا الْمَسْحِدَ الْحَرامَ". (صلاةٌ في مسجدي هذا خيرٌ من ألف صلاة فيما سواه، إلا المسجدَ الحرام): إنما يدلّ ظاهرًا على أن الصلاة بمسجد المدينة ليست خيراً من ألف صلاة بالمسجد الحرام. والتركيبُ ساكتٌ عما سوى ذلك، ولا (٢) دلالةً فيه على تفضيل أحدِهما على الآخر (٣). واحتج المخالفون من طريق النظر بأن الله تعالى [فرض على عباده قصدَ بيته الحرام مرة في العمر، ولم يفرض عليهم (٤) قصدَ المدينة. قال ابن المنير: ويعارضه: أن الله تعالى] (٥) فرض على أهل مكة إتيان المدينة في الهجرة، والذين فرض عليهم ذلك خيرُ الناس؛ لأنهم

стр. 1157

الرسولُ ﵇ وأصحابهُ، فإن دلّ ذلك (١) على التفضيل، دلّ هذا على التفضيل (٢). لا يقال: الهجرةُ ذهبَ أهلها؛ لأنا نقول: ذهاب أهلها لا يغير دلالتها على الفضل، وهو من جنس الخبر الذي لا يقبل النسخ. * * * باب: فضلِ ما بينَ القبرِ والمنبرِ ٧١٤ - (١١٩٥) - حَدَّثَنا عبد الله بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنا مالِك، عَنْ عبد الله بْنِ أَبي بَكْرٍ، عَنْ عَبّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عبد الله بْنِ زيدٍ الْمازِنيِّ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "ما بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِياضِ الْجَنَّةِ". (ما بين بيتي ومنبري روضةٌ من رياض الجنة): أورده تعريضاً بفضل المدينة؛ لأنَّ الشك ينحسم في تفضيل (٣) الجنة على الدنيا وعلى (٤) أرضها، ولم يثبت الخبرُ عن بقعة أنها من الجنة بخصوصها إلا هذه البقعة المباركة من المدينة. وقد نقل القاضي عياض الإجماعَ على موضع قبره ﵇ أنَّه

стр. 1158

أفضل (١)، وينضم إليه الروضةُ بالدليل الواضح الذي تنحسم مسالكُ النزاع فيه.

стр. 1159

كِتَابُ العَمَلِ فِي الصَّلَاةِ

стр. 1160

كِتَابُ العَمَلِ فِي الصَّلَاةِ باب: مَنْ سَمَّى قَوْمًا، أَوْ سَلَّمَ في الصَّلَاةِ عَلَى غَيْرِه مُواجَهَةً وَهُوَ لا يَعْلَمُ (باب: من سمى قومًا، أو سلم في الصلاة (١) على غيره مواجهةً وهو لا يعلم): قال ابن المنير: لا يطابق الترجمة ما ساقه فيها؛ لأنه ترجم على المخاطب لغيره جاهلًا بالحكم، وذكر أنهم كانوا يتكلمون، فَنُهوا عن ذلك، فإن استشهد بالمنسوخ، فلا ينتظم. وأيضًا: فإنهم كانوا قبل النسخ يفعلونه على علم بأنّه جائز، وإن استشهد بالناسخ، فالناسخُ (٢) النهي، فإن أراد أن النهي يخص العالم، فدعوى مجردة، وإن أراد أنَّه عامٌّ، فهو أيضًا اتفاق أن الله تعالى خاطب كل واحد (٣)، وأن عدم العلم ليس عذراً يمنع الخطاب مع الإمكان. وإنما الخلاف إذا وقع من الجاهل شيء، هل يكون حكمُه حكمَ العامد، أو حكمَ الناسي، مع أنَّه لا يُعتد بإسقاط الخطاب باتفاق؟
следующие страницы →