والفرقُ بينه وبين شدِّ المطيِّ: أن الشدَّ فعلَه المسلمون بغير نذرٍ، واستمر عليه عملٌ (١) يضاهي الإجمْاعَ، ولا كذلك الآخر.
* * *
٧١٣ - (١١٩٠) - حَدَّثَنا عبد الله بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنا مالِكٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ رَباحٍ، وَعبيد الله بْنِ أَبي عبد الله الأَغَرِّ، عَنْ أَبِي عبد الله الأَغَرِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "صَلاةٌ في مَسْجدِي هَذا خَيْرٌ مِنْ ألفِ صلَاةٍ فِيما سِواهُ، إِلَّا الْمَسْحِدَ الْحَرامَ".
(صلاةٌ في مسجدي هذا خيرٌ من ألف صلاة فيما سواه، إلا المسجدَ الحرام): إنما يدلّ ظاهرًا على أن الصلاة بمسجد المدينة ليست خيراً من ألف صلاة بالمسجد الحرام.
والتركيبُ ساكتٌ عما سوى ذلك، ولا (٢) دلالةً فيه على تفضيل أحدِهما على الآخر (٣).
واحتج المخالفون من طريق النظر بأن الله تعالى [فرض على عباده قصدَ بيته الحرام مرة في العمر، ولم يفرض عليهم (٤) قصدَ المدينة.
قال ابن المنير: ويعارضه: أن الله تعالى] (٥) فرض على أهل مكة إتيان المدينة في الهجرة، والذين فرض عليهم ذلك خيرُ الناس؛ لأنهم
стр. 1157
الرسولُ ﵇ وأصحابهُ، فإن دلّ ذلك (١) على التفضيل، دلّ هذا على التفضيل (٢).
لا يقال: الهجرةُ ذهبَ أهلها؛ لأنا نقول: ذهاب أهلها لا يغير دلالتها على الفضل، وهو من جنس الخبر الذي لا يقبل النسخ.
* * *
باب: فضلِ ما بينَ القبرِ والمنبرِ
٧١٤ - (١١٩٥) - حَدَّثَنا عبد الله بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنا مالِك، عَنْ عبد الله بْنِ أَبي بَكْرٍ، عَنْ عَبّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عبد الله بْنِ زيدٍ الْمازِنيِّ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "ما بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِياضِ الْجَنَّةِ".
(ما بين بيتي ومنبري روضةٌ من رياض الجنة): أورده تعريضاً بفضل المدينة؛ لأنَّ الشك ينحسم في تفضيل (٣) الجنة على الدنيا وعلى (٤) أرضها، ولم يثبت الخبرُ عن بقعة أنها من الجنة بخصوصها إلا هذه البقعة المباركة من المدينة.
وقد نقل القاضي عياض الإجماعَ على موضع قبره ﵇ أنَّه
стр. 1158
أفضل (١)، وينضم إليه الروضةُ بالدليل الواضح الذي تنحسم مسالكُ النزاع
فيه.
стр. 1159
كِتَابُ العَمَلِ فِي الصَّلَاةِ
стр. 1160
كِتَابُ العَمَلِ فِي الصَّلَاةِ
باب: مَنْ سَمَّى قَوْمًا، أَوْ سَلَّمَ في الصَّلَاةِ عَلَى غَيْرِه مُواجَهَةً وَهُوَ لا يَعْلَمُ
(باب: من سمى قومًا، أو سلم في الصلاة (١) على غيره مواجهةً وهو لا يعلم): قال ابن المنير: لا يطابق الترجمة ما ساقه فيها؛ لأنه ترجم على المخاطب لغيره جاهلًا بالحكم، وذكر أنهم كانوا يتكلمون، فَنُهوا عن ذلك، فإن استشهد بالمنسوخ، فلا ينتظم.
وأيضًا: فإنهم كانوا قبل النسخ يفعلونه على علم بأنّه جائز، وإن استشهد بالناسخ، فالناسخُ (٢) النهي، فإن أراد أن النهي يخص العالم، فدعوى مجردة، وإن أراد أنَّه عامٌّ، فهو أيضًا اتفاق أن الله تعالى خاطب كل واحد (٣)، وأن عدم العلم ليس عذراً يمنع الخطاب مع الإمكان.
وإنما الخلاف إذا وقع من الجاهل شيء، هل يكون حكمُه حكمَ العامد، أو حكمَ الناسي، مع أنَّه لا يُعتد بإسقاط الخطاب باتفاق؟
стр. 1161
وقول ابن بطال: إن موضع الاستشهاد: أنَّه لم يأمرهم بإعادة ما مضى (١)، غير منتظم؛ فإنهم كانوا على الجواز، ولذا (٢) لم ينكر (٣) حتى نسخ.
والجواب الصحيح: أن ابن مسعود كان قد هاجر إلى الحبشة، وعهدُه وعهدُ أصحابه أن الكلامَ في الصلاة جائز، واتفق النسخُ في غَيبتهم، ولم يبلغْهم، فلما قدموا، فعلوا العادة لأول صلاة صلوها معه، فلما سلم، نهاهم في المستقبل، وعذرهم لغيبتهم وجهلهم بالحكم، فلم يلزمهم الإعادة، مع أن إمكان العلم كان ثابتًا في حقهم بأن يسألوا قبلَ الصلاة هل حدث أمر، أو لا؟
* * *
باب: مَنْ رجَعَ القهقرى في صلاتِهِ أو تقدَّمَ بأمرٍ ينزلُ به
٧١٥ - (١٢٠٥) - حدثنا بِشْرُ بنُ مُحَمَّدٍ، أخبرنا عَبْدُ اللهِ، قال يُونسٌ: قال الزُّهْريّ: أخبرني أَنسُ بْنُ مالِكٍ: أَنَّ المُسْلِمِين بَيْنا هُمْ في الْفَجْرِ يَوْمَ الاِثْنَيْنِ، وَأَبُو بَكْرٍ ﵁ يُصَلِّي بِهِمْ، فَفَجَأَهمُ النَّبِيّ ﷺ قدْ كشَفَ سِتْرَ حُجْرَةِ عائِشَةَ ﵂، فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ، وَهُمْ صُفُوفٌ، فَتَبَسَّمَ يَضْحَكُ، فَنَكَصَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ عَلَى عَقِبَيْهِ، وَظَنَّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُرِيدُ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الصَّلَاةِ، وَهَمَّ
مومسة، وبالياء المفتوحة رويناه عن جميعهم، وكذلك ذكر أصحابُ (١) العربية [في الواو] والميم والسين، ورواه ابن الوليد عن ابن السماك: "المأميس (٢) " -بالهمز-، فإن صح الهمز، فهو من مأس بين القوم: أفسد، وهذا بمعنى المجاهرة (٣) والاستهتار، ويكون وزنه على هذا فعاليل (٤).
(يا بابوس!): -بموحدتين بلا همز-: هو الصبيُّ الرضيع.
قال ابن المنير: تعارضَ عندَ جريج حقُّ الصلاة وحقُّ الصلة، فرجَّحَ حق الصلاة، وهو الحقُّ، لكنَّ حقَّ الصلاة (٥) المرجوحَ لم يذهبْ هدراً، ولهذا أُجيبت (٦) فيه (٧) الدعوة (٨) اعتباراً لكونه ترك الصلة (٩)، وحَسُنَتْ عاقبتهُ، وظهرت كرامتُه اعتباراً لحق الصلاة، ولم يكن ذلك تناقضاً، وهو من جنس قوله ﵇: - "واحتَجِبِي مِنْهُ يا سَوْدَةُ" (١٠)؛ اعتباراً للشَّبَه (١١) المرجوح.
стр. 1164
وابنُ بطال بناه على أنَّه أخطأ في تقديم حقّ الصلاة؛ لإباحة الكلام إذ ذاك (١)، ونظرُ جريجٍ المشهودِ له بالكرامةِ والتشديد أولى أن يُصَوَّب.
فإن قلت: إن كان مصيبًا في نظره، ووُوخِذ (٢) بإجابة الدعوة فيه، لزم التكليفُ بما لا يطاق.
قلت: هذا لازم، ولو قلنا: إنه كان مخطئاً؛ لأنه مجتهد، والمجتهدُ لا يؤاخذ، أصابَ أو أخطأ، والحق أن المؤاخذة هنا ليست عقوبة، وإنما هي (٣) تنبيه على عِظَمِ حقّ الأم، وإن كان مرجوحاً، وكان من كرامته على الله أَنْ ألهم أَمَّه الاقتصاد (٤) في الدعوة، فلم تقل: اللهمَّ امتحنْه، وإنما قالت: "لا تُمته حتى تريه وجوههن (٥) " (٦)، فلم تقتض (٧) الدعوةُ إلا كدرًا يسيراً (٨) أعقبَ صَفْواً (٩) كثيرًا.
وترجمة البخاري إنما خرجت على تصويب رأي جريج في تقديم حقِّ الصلاة، ولهذا جعله أصلًا في هذه الشريعة: أن الولدَ إذا دعَتْه أمه في الصلاة يجيبها (١٠)، ولا يُتصور من البخاري أن يخطئ رأيهُ فيجعله أصلًا
стр. 1165
لكون (١) الولدِ يجيب أمه في الصلاة، فإن هذا ليس مقتضى شريعتنا، ولا يُجوزه البخاري.
* * *
باب: مسحِ الحَصَى في الصَّلاةِ
٧١٧ - (١٢٠٧) - حَدَّثَنا أبو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنا شَيْبانُ، عَنْ يَحيىَ، عَنْ أَبي سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُعَيْقِيبٌ: أَن النَّبِيَّ ﷺ قَالَ في الرَّجُلِ يُسَوِّي التُّرابَ حَيْثُ يَسْجُدُ، قَالَ: "إِنْ كُنْتَ فاعِلًا، فَواحِدَةً".
(مُعَيْقيب (٢)): قال الزركشي: هو ابن أبي فاطمة، بدْرِيٌّ، أسلمَ قديمًا بمكَّةَ، كان به علَّة من جُذام (٣)، وكان بِأَنسٍ علةٌ من بَرَص، قال بعض الحفاظ: ولا نعرف من أُصيب بذلك في (٤) الصحابة غيرهما (٥).
(إن كنتَ فاعلًا، فواحدةً): بنصب واحدة على إضمار الفعل؛ أي (٦): فافعل (٧) واحدة، أو فامسح مسحة واحدة، أو فلتكن واحدةً (٨)، وبرفعها على الابتداء، والخبرُ محذوف؛ أي: فواحدةٌ تكفيك، أو على الخبر،
قال: ورويناه بالدال المهملة في حديث ابن أبي شيبة؛ أي: دفعته دفعًا شديدًا (١).
(فذكرت قول سليمان): سأل ابن المنير: كيف امتنع ﵊ من ربطه لأجل دعوة سليمان، فمقتضاه (٢) أن غيره لا يتمكن من الشيطان، وقد تمكن النّبيّ ﷺ منه حيثُ أخذَه فذعَتَهُ؟
وأجاب: بأن الّذي اختص به سليمان ﵇[إظهارُ صورِ الجانِّ للناس، والتمكن منهم بالتسخير وغيره رأيَ العين لكلِّ أحد (٣)، ولهذا امتنع ﵇] (٤) - من تعاطي ذلك؛ لعلّمه بالخصوصية، وأما أخذُه ﵇ له، وذَعْتُه إياه، فكان في حيز الغيب الّذي لم يره سواه صلوات الله عليه وسلامه.
* * *
باب: إذا انفلتتِ الدَّابةُ في الصَّلاةِ
٧١٩ - (١٢١١) - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا الأَزْرَقُ بْنُ قَيْسٍ، قَالَ: كُنَّا بِالأَهْوَازِ نُقَاتِلُ الْحَرُوريَّةَ، فَبَيْنَا أَنَا عَلَى جُرُفِ نَهَرٍ، إِذَا رَجُلٌ يُصَلِّي، وَإِذَا لِجَامُ دَابَّتِهِ بِيَدِهِ، فَجَعَلَتِ الدَّابَّةُ تُنَازِعُهُ، وَجَعَلَ يَتْبَعُهَا، قَالَ شُعْبةُ: هُوَ أَبُو بَرْزَةَ الأَسْلَمِيُّ، فَجَعَلَ رَجُلٌ مِنَ الْخَوَارِجِ يَقُولُ: اللَّهُمَّ افْعَلْ
стр. 1168
بِهَذَا الشَّيْخِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ الشَّيْخُ، قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ قَوْلَكُمْ، وَإِنِّي غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ سِتَّ غَزَوَاتٍ، أَوْ سَبع غَزَوَاتٍ، أوْ ثَمَانَ، وَشَهِدْتُ تَيْسِيرَهُ، وَإِنِّي أَنْ كُنْتُ أَنْ أُرَاجِعَ مَعَ دَابَّتِي، أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَدَعَهَا تَرْجِعُ إِلَى مَأْلَفِهَا، فَيَشُقَّ عَلَيَّ.
(على جُرُف نهر): بجيم وراء مضمومتين، ويروى بحاء مهملة مفتوحة وراء ساكنة.
(أو سبعَ غزوات، أو ثمانيَ): -بفتح الياء بلا تنوين- خرجه ابن مالك على وجوه:
أحدها: أن يكون أراد: أو ثمانيَ غزوات، ثمّ حذف المضاف إليه، وأبقى المضاف على ما كان عليه قبل الحذف، وحَسَّن الحذفَ دلالةُ المتقدم؛ كقوله:
خَمْسُ ذَوْدٍ أَوْ سِتُّ عُوِّضْتُ مِنْهَا ... مِئَةً غَيْرَ أَبْكُرٍ وَإِفَالِ (١)
الثّاني: أن تكون الإضافة (٢) غيرَ مقصودة، وترك تنوينه لمشابهته جواري لفظًا؛ وهو ظاهر (٣)، ومعنى؛ لدلالته على جمع.
الثّالث: أن يكون في اللّفظ ثمانيًا - بالنصب والتّنوين- إِلَّا أنه كُتب على اللُّغة الربعية (٤)؛ فإنهم يقفون على المنون المنصوبِ بالسكون، فلا
стр. 1169
يحتاج الكاتبُ - على (١) لغتهم - إلى (٢) ألفٍ (٣).
قلت: التخريجُ إنّما هو لقوله: ثمانيَ - بلا تنوين -، وقد صرح هو بذلك في "التوضيح"، فلا وجه حينئذ للوجه الثّالث.
(وإني أن كنتُ أرجعُ (٤) مع دابتي أَحَبُّ إلي): إِنِّي - بكسر الهمزة وتشديد النون -، والياء اسمها، والخبر محذوف؛ لدلالة الحال عليه؛ أي: وإني (٥) فعلتُ ما رأيتموه.
و"أن" من قوله: "أن كنتُ" مصدرية، ولام العلّة محذوفة، والتاء من قوله: "كنتُ" اسم كان، وقوله: "أَنْ أرجع" بتأويل المصدر (٦) مرفوعٌ بالابتداء، خبرُه "أَحَبُّ إليَّ"، والجملة الاسمية خبر كان، هكذا ينبغي أن يعرب هذا الكلام، ومعناه: إنِّي فعلتُ ما رأيتموه من اتباع الدابة لأجل أن كُنْتُ رجوعُها (٧) أحبُّ إليَّ من تركها.
(فيشقَّ عليَّ): بالنصب عطفًا على المنصوب من قوله: أحبَّ إليَّ من أن أدعها، وبالرفع على معنى: فذلك يشقُّ عليَّ.
* * *
стр. 1170
٧٢٠ - (١٢١٢) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عبد الله، أَخْبَرَنَا يُونسٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَرَأَ سُورَةً طَوِيلَةً، ثُمَّ رَكعَ فَأَطَالَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ اسْتَفْتَحَ بِسُورَةٍ أُخْرَى، ثُمَّ ركَعَ حَتَّى قَضَاهَا، وَسَجَدَ، ثُمَّ فَعَلَ ذَلِكَ فِي الثَّانِيةِ، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّهمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ، فَصَلُّوا، حَتَّى يُفْرَجَ عَنْكُمْ، لَقَدْ رَأَيْتُ فِي مَقَامِي هَذَا كُلَّ شَيْءِ وُعِدْتُهُ، حَتَّى لَقَدْ رَأَيْتُنِي أُرِيدُ أَنْ آخُذَ قِطْفًا مِنَ الْجَنَّةِ حِينَ رَأَيْتُمُونِي جَعَلْتُ أَتَقَدَّمُ، وَلَقَدْ رَأَيْتُ جَهَنَّمَ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا، حِينَ رَأَيْتُمُوني تَأَخَّرْتُ، وَرَأَيْتُ فِيهَا عَمْرَو بْنَ لُحَيٍّ، وَهُوَ الَّذِي سَيَّبَ السَّوَائِبَ".
(حتّى يُفْرَجَ): من الإفراج - بالجيم - على البناء للمفعول.
(حتّى لقد رأيتُ): كذا ثبت، وعند الحميدي (١): "رأيتني" (٢).
قال الزركشي: قيل: و (٣) هو الصواب (٤).
قلت: لا نسلم انحصارَ الصواب فيه، بل الأولُ صوابٌ أيضًا، وعليه: فالمفعولُ محذوف؛ لدلالة ما تقدّم عليه، وقوله: "أريد" حال من فاعل "رأيت"؛ أي: أبصرتُ ما أبصرتُه في حال كوني أريدُ أن آخذَ.
(قِطفًا من الجنَّة): - بكسر القاف -: هو ما يُقطف؛ أي: يُقطع ويُجتنى؛ كالذِّبْحِ بمعنى المذبوح، والمراد به: عنقود من العنب كما جاء
стр. 1171
في رواية مسلم (١).
(عَمْرُو بنُ لُحَيٍّ): بلام مضمومة وحاء مهملة، مصغَّر.
(سَيَّبَ السوائبَ): كانوا إذا نذروا لقدومٍ (٢) من سفرٍ، أو برء من مرض، أو غير ذلك، قال الناذر: ناقتي سائبة، فلا تُمنع من ماء ولا عشب، ولا تُحلب ولا تُركب.
* * *
باب: إِذَا قِيلَ لِلْمُصَلِّي: تَقَدَّم، أَوِ انْتَظِرَ، فَانْتَظَرَ، فَلَا بَأْسَ
(باب: إذا قيل للمصلّي: تقدّم، أو انتظر، فانتظرَ، فلا بأسَ): والنكتة في هذه التّرجمة من الفقه التنبيهُ على جواز إصغاء المصلّي في الصّلاة إلى الخطّاب الخفيف، وتفهمه، والتربص في أثنائها لحقِّ غيره.
قال ابن المنير: فيؤخذ من هذا صحةُ (٣) انتظارِ الإمام في الركوع [للداخلِ حتّى يدركَ الركعَ] (٤) معه إذا كان ذلك خفيفًا.
لكن نقل الزركشي عن الإسماعيلي: أنه قال: يرحم الله أبا عبد الله، ظن أنهن خوطبن بذلك وهن في الصّلاة، وإنّما أُمرن قبل الدخول بأن يفعلْنَ هكذا؛ لما عُرف من ضيق أُزُرِ (٥) الرجال؛ لئلا تقع أعينهُن على
стр. 1172
عورةٍ، فلا (١) معنى لقول البخاريّ: للمصلّي (٢).
قلت: وجَزْمُ الإسماعيليِّ بأنهن إنّما أُمرن قبل الدخول، لا وجهَ له، بل الأمرُ محتمل لما قاله، ولأن (٣) يكون النِّساء قيل لهنَّ وهنَّ في الصّلاة: لا ترفَعْنَ رؤوسكن حتّى يستوي الرجال، ويكون القائل في غير صلاة (٤)، لا مانع من هذا من جهة اللّفظ، فلا (٥) يتعينُ أحدُ الاحتمالين إِلَّا بثَبْتٍ.
* * *
باب: لا يردُّ السَّلامَ في الصَّلاةِ
٧٢١ - (١٢١٦) - حَدَّثَنَا عبد الله بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنِ الأَعمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عبد الله، قَالَ: كُنْتُ أُسَلِّمُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، فَيَرُدُّ عَلَيَّ، فَلَمَّا رَجَعْنَا، سَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ، وَقَالَ: "إِنَّ فِي الصَّلَاةِ شُغْلًا".
(ابن فُضَيْل): بالفاء والضاد المعجمين، مصغر، وقد مر.
* * *
٧٢٢ - (١٢١٧) - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا كَثِيرُ ابْنُ شِنْظِيرٍ، عَنْ عَطَاءَ بْنِ أبي رَبَاحٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عبد الله ﵄،
وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ لَا يَلْتَفِتُ فِي صَلَاتِهِ، فلَمَّا أَكْثَرَ النَّاسُ، الْتَفَتَ، فَإِذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ، يَأْمُرُهُ أَنْ يُصَلِّيَ، فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ يَدَهُ، فَحَمِدَ اللهَ، ثُمَّ رَجَعَ الْقَهْقَرَى وَرَاءَهُ، حَتَّى قَامَ فِي الصَّفِّ، وَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَصَلَّى لِلنَّاسِ، فَلَمَّا فَرَغَ، أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ! فَقَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ! مَا لَكُمْ حِينَ نَابَكُمْ شَيْءٌ فِي الصَّلَاةِ أَخَذْتُمْ بِالتَّصْفِيحِ؟ إِنَّمَا التَّصْفِيحُ لِلنِّسَاءَ، مَنْ نَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِ، فَلْيَقُلْ: سُبْحَانَ اللهِ". ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى أَبي بَكْرٍ ﵁ فَقَالَ: "يَا أَبَا بَكْرٍ! مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ لِلنَّاسِ حِينَ أَشَرْتُ إِلَيْكَ"، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا كَانَ يَنْبَغِي لاِبْنِ أَبي قُحَافَةَ أَنْ يُصَلِّيَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ ﷺ .
(أخذتم بالتصفيح): - بالحاء المهملة، وبالقاف في آخره سواء (١) - الضرب بإحدى اليدين على الأخرى، وقيل: بالحاء: الضرب بظاهر إحداهما (٢) على باطن الأخرى، وقيل: بإصبعين من إحداهما على صفحة الأخرى، وهذا للإنذار والتنبيه، وهو بالقاف: الضرب بجميع إحدى (٣) الصفحتين على الأخرى، وهو (٤) اللهو واللعب (٥).
(أبي قُحافة): - بضم القاف - اسمه عثمانُ، أسلمَ يومَ الفتح، وتوفي في المحرم سنة أربعَ عشرةَ، وهو ابنُ سبعٍ وتسعينَ سنةً، وكانت وفاة الصديق
стр. 1175
- ﵁ قبلَه (١)، فورث منه السدس، فردَّهُ على ولد أبي بكر.
* * *
باب: الْخَصْرِ فِي الصَّلَاةِ
(باب: الخَصْر في الصّلاة): -بخاء معجمة مفتوحة وصاد مهملة ساكنة-، وهو: وضعُ اليد على الخاصرة في المشهور (٢).
وقيل: التوكؤ (٣) على عصا.
وقيل: عدمُ إتمام ركوعها وسجودها؛ كأنه يختصرها.
وقيل: يقرأ فيها من آخر السورة آية أو آيتين، ولا يتمها في فرضه.
* * *
باب: تَفَكُّرِ الرَّجُلِ الشَّيْءَ فِي الصَّلَاةِ
(باب: تفكُّرِ الرجلِ الشيءَ في الصّلاة): ساق فيه حديثَ إدبار الشيطان، وقد سبق في الأذان (٤).
سأل ابن المنير: كيف استدل (٥) البخاريُّ على جواز التفكُّر في الصّلاة بقصة إدبار الشيطان، وإنما اشتملَتْ على نسبة الوسوسة إلى الشيطان، فكيف يُحكم بالجواز فيما نصّ الشرعُ أنه من الشيطان؟
стр. 1176
وأجاب: بأن وجه ذلك: أن الرسول ﵇ بيَّن أن ممّا لا يدخل تحت الخطّاب والتكليف وَسْوَسَةُ الشيطان في الصّلاة، وتذكيرُه لما كان العبد لا يذكره، وقد سلط الله الشيطان على ذلك، فلا يكلِّفُ خَلْقَه ما لا طاقةَ لهم به، ولا يلزم هذا في كلّ معصية؛ فإن المراد: الوسوسةُ الغالبة الّتي لا ينفكُّ منها أحدٌ إِلَّا بعصمة الله تعالى، لا الأمرُ الّذي يدخل تحت الاختيار، ويمكن فيها المدافعة.
* * *
٧٢٤ - (١٢٢٣) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: يَقولُ النَّاسُ: أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ، فَلَقِيتُ رَجُلًا فَقُلْتُ: بِمَا قَرَأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْبَارِحَةَ فِي الْعَتَمَةِ؟ فَقَالَ: لَا أَدْرِي. فَقُلْتُ: لَمْ تَشْهَدْهَا؟ قَالَ: بَلَى، قُلْتُ: لَكِنْ أَنَا أَدْرِي، قَرَأَ سُورَةَ كَذَا وَكَذَا.
(بما قرأ): بإثبات ألف "ما" الاستفهامية مع دخول الجار عليها، وهو قليل، وقد مرَّ نظيره.
* * *
стр. 1177
كِتابُ السَّهْوِ
стр. 1178
كِتابُ السَّهْوِ
باب: إذا صلَّى خمسًا
٧٢٥ - (١٢٢٦) - حدثنا أبُو الوَلِيدِ، حدَّثنا شُعْبَةُ، عنِ الحَكَم، عنْ إبْراهِيم، عنْ عَلْقَمَةَ، عنْ عبد الله ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَلَّى الظُّهْرَ خَمْسًا، فَقِيلَ لَهٌ: أَزِيدَ فِي الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: "وَمَا ذَاكَ؟ "، قَالَ: صَلَّيْتَ خَمْسًا، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَ مَا سَلَّمَ.
(صلّى الظهر خمسًا، قيل: أَزيَد في الصّلاة؟): لم يذكر في هذا (١) الحديث كيفَ فعل الصّحابة، هل انتظروا، أو اتبعوا في الخامسة؟ وظاهر الأمر أنهم اتبعوا فيها؛ لأنهم ظنوا الصّلاة تغيرَ حكمُها إلى الزيادة، وهذا يقتضي أنهم اتبعوه فيها، [وفيه دليل حينئذ على أن نيّة العدد غير معتبرة، وذلك (٢) أنهم أحرموا على أربع] (٣)، وصلوا خمسًا معتقدين أن الصّلاة صارت خمسًا، ولو كان عندهم أن نيّة العدد معتبرة، لما استقامت (٤) لهم
стр. 1179
الركعة لعدم النية ولم يتبعوا فيها.
وحكم المأموم الآن (١): أنه إذا تبع (٢) الإمامَ في الخامسةِ مع علمِه بسهوِه: أن صلاته (٣) باطلة؛ لأن الأحكام استقرَّتْ فلا عذرَ له في الزيادة (٤)؛ بخلاف من سها كسهوه، أو جلس ينتظره، فلو قال الإمامُ: كانت الخامسةُ بموجب، فمن أيقن حينئذ بالموجب، وتبعه، صحَّت صلاتُه، ومن لم يتبعه، بطلت صلاته، [ومن أيقنَ انتفاءَ الموجب، وتبعه، بطلت صلاته، ومن لم يتبعه، صحَّت (٥) صلاته] (٦)، ويبني الظانُّ على ظنه، والشاكُّ على الاحتياط.
وليس في الحديث دليلٌ إِلَّا على حكمِ مَنْ ظنَّ الموجبَ واتبعَه أن صلاته صحيحة على ما قلنا إنّه ظاهر الواقعة.
* * *
باب: إِذَا سَلَّمَ فِي رَكعَتَيْنِ، أَوْ في ثَلَاثٍ، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ مِثْلَ سُجُودِ الصَّلَاةِ أَوْ أَطْوَلَ
(باب: إذا سَلَّمَ في ركعتين أو ثلاثٍ): ليس في حديث أبي هريرة
стр. 1180
الّذي أورده ذكرُ الثلاث، نعم جاء في حديث عِمْرانَ بنِ حُصين، فكأن (١) البخاريّ أشار إليه في التبويب كما فعل في قوله: باب: إذا أقيمت الصّلاة، فلا صلاة إِلَّا المكتوبة"
* * *
٧٢٦ - (١٢٢٧) - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ﷺ الظُّهْرَ أَوِ الْعَصْرَ، فَسَلَّمَ، فَقَالَ لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ: الصَّلَاةُ يَا رَسُولَ اللهَ أَنَقَصَتْ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لأَصْحَابِهِ: "أَحَقٌّ مَا يَقُولُ؟ "، قَالُوا: نعمْ، فَصَلَّى رَكعَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ.
(قالوا: نعم، فصلّى ركعتين أُخراوين): كذا، ووجهُه (٢) مشكل، ويروى: "أخريين"، وهو ظاهر، وليس فيه ذكرُ الإحرام، فيحتمل أن يستدل به من يقول: يرجع بغير إحرام.
ويحتمل أن يستدلَّ به من يقول بالإحرام أيضًا، وذلك أنه قال: فصلّى ركعتين أُخريين، فدل على أنه أحرم لهما، ولو أراد بغير إحرام، لقال: ثم بنى، أو ثمّ كمل الصلاةَ، وقولُ القائل: الإحرامُ ينافي البناء لا يقدح هنا؛ لأن ذلك (٣) هو الإحرام المستأنف، وهذا إنّما هو نظريةٌ للأول، وتجديدُ العهد لوجود صورة المنافي.
стр. 1181
باب: من لم يتشهدْ في سجدتي السَّهو
٧٢٧ - (١٢٢٨) - حَدَّثَنَا عبد الله بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنسٍ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ أَبي تَمِيمَةَ السَّخْتِيَانِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ انْصَرَفَ مِنِ اثْنتَيْنِ، فَقَالَ لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ: أَقصرَتِ الصَّلَاةُ، أَمْ نسَيتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ؟ "، فَقَالَ النَّاسُ: نَعَمْ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَصَلَّى اثْنَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ، فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ.
(فقال النَّاس: نعم، فقام رسول الله ﷺ ، فصلّى اثنتين أُخريين): قال ابن المنير: وقد ورد في طريق آخر (١): أنهم راجعوه وهو قائم، وقد اتكأ على خشبة، وشَبَّكَ بين أصابعه، فيقال: ما هذا القيام المستأنف؟
فالجواب: أن فيه تعريضًا بأنه أحرم، ثمّ جلس، ثمّ قام، وهو أحد القولين، وإلا، فلا يُتصور استئنافُ القيام إِلَّا بهذه الطريقة، والله أعلم.
* * *
باب: من يكبِّرُ في سجدتي السَّهو
٧٢٨ - (١٢٢٩) - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبي هُرَيرَةَ ﵁، قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ إِحْدَى صَلَاتَيِ الْعَشِيِّ - قَالَ مُحَمَّدٌ: وَأَكثَرُ ظَنِّي الْعَصْرَ - رَكعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ قَامَ إِلَى خَشَبَةٍ فِي مُقَدَّمِ الْمَسْجدِ، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا، وَفِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵄، فَهَابَا أَنْ يُكَلِّمَاهُ، وَخَرَجَ سَرَعَانُ النَّاسِ،
стр. 1182
فَقَالُوا: أَقَصُرَتِ الصَّلَاةُ؟ وَرَجُلٌ يَدْعُوهُ النَّبِيُّ ﷺ : ذُو الْيَدَيْنِ، فَقَالَ: أَنَسِيتَ أَمْ قَصُرَتْ؟ فَقَالَ: "لَمْ أَنْسَ، وَلَمْ تُقْصَرْ"، قَالَ: بَلَى، قَدْ نَسِيْتَ. فَصَلَّى رَكعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ، فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفِعَ رَأْسَهُ فَكَبَّرَ، ثُمَّ وَضَعَ رَأْسَهُ فَكَبَّرَ، فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثمَّ رَفعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ.
(فقال: لم أنسَ، ولم تُقصرْ): قال أيضًا: وفي هذا دليل على صحة قول المتكلمين في أن من ضرورة المعتقِد أن يعتقد كونَه عالمًا، ولهذا عبر عن نفي النِّسيان عبارة العالم بأنه لم ينسَ، وإلا فيستحيل أن يثبت وهو شاكٌّ، فدل ذلك على أن الاعتقاد حيث يتعذَّرُ اليقينُ يقوم مقام اليقين، ولذا انصرفَ من الصّلاة حتّى عارضَ ذلك ما أذهَبَهُ من اليقين المحقَّق.
* * *
٧٢٩ - (١٢٣٠) - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ عبد الله ابْنِ بُحَيْنَةَ الأَسْدِيّ، حَلِيفِ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قامَ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ وَعَلَيْهِ جُلُوسٌ، فَلَمَّا أتمَّ صَلَاتَهُ، سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، فَكَبَّرَ فِي كُلِّ سَجْدَةٍ وَهُوَ جَالِسٌ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، وَسَجَدَهُمَا النَّاسُ مَعَهُ، مَكَانَ مَا نَسِيَ مِنَ الْجُلُوسِ.
تَابَعَهُ ابْنُ جُرَيْجِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فِي التَّكْبِيرِ.
(عن عبد الله ابنِ بُحَيْنَةَ الأَسْدِيِّ): - بسكون السين -، وأصلُه: الأَزْدِيُّ، فأُبدلت الزاي سينًا.
* * *
عَلَيْهِ، حَتَّى لَا يَدْرِيَ كَمْ صَلَّى، فَإِذَا وَجَدَ ذَلِكَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ".
(فلبس عليه): بتخفيف الباء الموحدة، وحكى القاضي تثقيلها؛ أي: خلط عليه أمرَ صلاتِه (١).
وحكى صاحب "تثقيف اللسان" عن بعضهم (٢): أن الخفيفةَ لغةُ القرآن، والرواية: بالتشديد، فأجاؤه لما كان لغةَ القرآن، مع أنه لم يروه (٣).
* * *
стр. 1185
كِتَابُ الجَنَائِزِ
стр. 1186
كِتَابُ الجَنَائِزِ
(كتاب: الجنائز): جمع جنازة، وسيأتي ضبطها.
باب: فِي الْجَنَائِزِ، وَمَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ
وَقِيلَ لِوَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ: أَلَيْسَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مِفْتَاحُ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: بَلَى، وَلَكِنْ لَيْسَ مِفْتَاحٌ إِلَّا لَهُ أَسْنَانٌ، فَإِنْ جِئْتَ بِمِفْتَاحٍ لَهُ أَسْنَانٌ، فُتِحَ لَكَ، وَإِلَاّ، لَمْ يُفْتَحْ لَكَ.
(باب: من كان آخرَ كلامه لا إله إِلَّا الله): آخر - بالنصب - على أنه خبر "كان " قُدِّم على اسمها، وهو "لا إله إِلَّا الله"، وساغ كونها مُسْنَدًا إليها مع أنها جملة؛ لأن المراد بها لفظها، فهي في حكم المفرد، ويجوز أن يعكس هذا الإعراب.
(أليس لا إله إِلَّا الله مفتَاحُ الجنَّة): بنصب مفتاح ورفعه على أنه خبر ليس، أو (١) اسمها؛ كما سبق.
(فإن جئتَ بمفتاح له أسنانٌ، فتح لك): يريد بالأسنان: الأعمال المنجية المنضمة إلى كلمة التّوحيد.
стр. 1187
وقال الزركشي: أراد بها القواعد الّتي بني الإسلام عليها (١).
قلت: من جملة القواعد كلمة (٢) الشّهادة الّتي عبر عنها بالمفتاح، فكيف يُجعل بعد ذلك من الأسنان؟ فالظاهرُ ما تقدّم.
ويحتمل أن يكون من قبيل المشاكلة، وإطباق الجواب على السؤال.
قال (٣) الزمخشري: وهو فنٌّ من كلامهم بديع، وطرازٌ عجيب؛ مثل قول أبي تمام:
مَنْ مُبْلِغٌ أَفْنَاءَ يَعْرُبَ كُلَّهَا ... أَنِّي بَنَيْتُ الجَارَ قَبْلَ المَنْزِلِ
وشهد رجلٌ عند شريح، فقال: إنك لسبطُ الشّهادة، فقال الرَّجل: إنها (٤) لم تجعَّدْ عني، فقال: لله بلادُك، وقبلَ شهادته، فالذي سوَّغَ بناءَ الجار، وتجعيدَ الشّهادة هو مراعاةُ المشاكلة، ولولا بناءُ الدَّار، لم يصحَّ بناء الجار، و [لولا] سبوطةُ الشّهادة، لامتنع تجعيدها. انتهى (٥).
كذلك هنا عبَّر عن الأعمال المنجية بالأسنان لما (٦) عبَّر عن كلمة التّوحيد بالمفتاح، ومعنى إنك لسَبْطُ الشّهادة؛ أي: ترسلُها من غير تأمل وتدبُّر (٧) بمنزلة الشعرِ المسترسِل، فقال: إنها لم تجعَّدْ
стр. 1188
عني (١)؛ أي (٢): لم تُمنع ولم تُقبض، بل أنا واثق بها، عالم بكيفية الحال، وهذا النوع من المشاكلة أبدعُ وأعجبُ؛ إذ ليس تعبيرًا (٣) عن الشيء بلفظ غيره، لوقوعه في صحبة ذلك الغير، [بل في صحبة ضده] (٤).
وظاهرُ كلامهم أن مجودَ وقوعِ مدلولِ هذا اللّفظ في مقابلة ذلك (٥) جهةُ (٦) التجوز (٧) والجواز على ما قال الزمخشري، فالذي سوغ بناء الجار إلى آخره، ولا خفاء في أنه يمكن في بعض صور المشاكلة استعارة بأن يُشبه انقباضُ الشّهادة عن الحفظ وتأَبِيها عن (٨) المذاكرة (٩) بتجعُّد (١٠) الشعر.
وكذا يمكنُ الاستعارةُ في قول وهب بْن مُنبه: بأن يشبه الأعمال المنجية بأسنان (١١) المفتاح من حيثُ الاستعانة بها في فتح المغلقات وتيسير المستَصْعَبات، لكن الكلام في مطلق المشاكلة؛ كقوله: [من الكامل]
стр. 1189
قَالُوا اقْتَرِحْ شَيْئًا نُجِدْ لَكَ طَبْخَهُ ... قُلْتُ اطْبُخُوا لِي جُبَّةً وَقَمِيصًا (١)
وسمعت عن بعض العصريين (٢) أنه قال: لا تكون المشاكلة [إِلَّا حيث يكونُ اللّفظ الّذي وقع لفظُ المشاكلة] (٣) في صحبته (٤) مستعملًا في حقيقته (٥)، ولا يُتصور حيث يكون اللفظان مجازَيْنِ ألبتة اغترارًا بالأمثلة المتداولة، وما سقناه في قول شريح ممّا يدفع في صدر دعواه، فتأمله.
* * *
٧٣٢ - (١٢٣٧) - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا وَاصِلٌ الأَحْدَبُ، عَنِ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ أَبي ذَرٍّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَتَانِي آتٍ مِنْ رَبي، فَأَخْبَرَنِي، أَوْ قَالَ: بَشَّرَنِي، أَنَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أمَّتِي لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ". قُلْتُ: وَإِنْ زَنَىَ، وإنْ سَرَقَ؟ قال: "وإنْ زَنَى، وإنْ سَرقَ".
(الأحدب): بحاء ودال مهملتين وموحدة.
(المعرور): بعين وراءين مهملات (٦).
(فقلت: وإن زنى وإن سرق): فيه شاهد على حذف همزة الاستفهام لقيام القرينة.
стр. 1190
٧٣٣ - (١٢٣٨) - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا شَفِيقٌ، عَنْ عبد الله ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ مَاتَ يُشْرِكُ باللهِ شيئًا، دَخَلَ النَّارَ". وَقُلْتُ أَنَا: مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا، دَخَلَ الْجَنَّةَ.
(وقلت أنا: من مات لا يشرك بالله [شيئًا]، دخل الجنَّة): والمفهومُ الّذي استدل به على ذلك لا بد فيه من واسطة، وذلك أن مفهوم الحديث: أن من (١) مات لا يشرك بالله شيئًا، لا يدخل النّار، ويلزم أن يدخل الجنَّة، إذ لا دارَ بين الجنَّة والنار، وأصحابُ الأعراف قد عُرف استثناؤهم من العموم.
وكأن البخاريّ أراد أن يفسر (٢) معنى (٣) قوله: "مَنْ كَانَ آخِرَ كَلامِهِ" بالموت على الإيمان حكمًا أو لفظًا، ولا يُشترط أن يتلفظ بذلك عند الموت إذا كان حكم (٤) الإيمان بالاستصحاب، وذَكَرَ قولَ وهب أيضًا تفسيرًا لكون مجرد النطق لا يكفي، ولو كان عند الخاتمة حتّى يكون هناك عملٌ؛ خلافًا للمرجئة، وكأنه يقول: لا يعتقد الأكتفاء بالشهادة، وإن قارنت الخاتمة، ولا يعتقد الاحتياج إليها نطقًا إذا تقدمت حكمًا، والله أعلم.
* * *
стр. 1191
باب: الأمرِ باتِّباعِ الجنائز
٧٣٤ - (١٢٣٩) - حَدَّثَنَا أَبَو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الأَشْعَثِ، قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ سُويدِ بْنِ مُقَرِّنٍ، عَنِ الْبَرَاءِ ﵁، قَالَ: أَمَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ بِسَبعٍ، وَنهانَا عَنْ سَبعٍ: أَمَرَنَا بِاتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ، وَعِيَادَةِ الْمَرِيضِ، وَإِجَابَةِ الدَّاعِي، وَنصرِ الْمَظْلُومِ، وَإِبْرَارِ الْقَسَمِ، وَرَدِّ السَّلَامِ، وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ. وَنهَانَا عَنْ آنِيَةِ الْفِضَّةِ، وَخَاتَمِ الذَّهَبِ، وَالْحَرِيرِ، وَالدِّيبَاجِ، وَالْقَسِّيِّ، وَالإسْتَبْرَقِ.
(ابن مُقَرِّن): بميم مضمومة فقاف مفتوحة فراء مشددة مكسورة.
(عن البراء): - بتخفيف الراء -: هو ابنُ عازِبِ.
(أَمرنا باتِّباع الجنائز): وظاهر اتباع الجنائز المشيُ خلفها، وقد قيل به لهذا الظّاهر، ولكن المشهور أن الرجال يتقدمونها، و (١) أن الاتباع محمول على الأخذ في طريقها، والسَّعي لأجلها؛ كما (٢) يقال: الجيش يتبع السلطان؛ أي: يتوخَّى موافقته (٣)، وإن تقدمه كثير منهم في المشي والركوب.
وفي المذهب في كيفية الاتباع ثلاثة أقوال: التقدم عليها (٤)، والتأخر عنها (٥)، وتقدم الماشي وتأخر الراكب، وأما النِّساء فيتأخرن (٦) بلا خلاف.
стр. 1192
(والقَسِّي): - بقاف مفتوحة فسين مشددة مكسورة - فُسِّرت في كتاب: اللباس: بأنها ثياب يؤتى بها من الشّام، أو من مصر، مُضَلَّعَة فيها حرير أمثال الأترجِّ (١).
وقيل: موضع يقال له: قَسّ - بتشديد السين - بناحية مصر تُنسب إليه.
(والإستبرق): نوع من الديباج، وقد سقط من هذا الحديث الخصلة (٢) السابعة، وهو ركوب المياثر، وقد ذكرها في كتاب: الأشربة واللباس.
* * *
٧٣٥ - (١٢٤٠) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ أَبي سَلَمَةَ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "حَقُّ الْمُسْلِم عَلَى الْمُسْلِم خَمْسٌ: رَدُّ السَّلَامِ، وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ، وَاتِّبَاعُ الْجَنَائِزِ، وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ، وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ".
تَابَعَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ.
وَرَوَاهُ سَلَامَةُ، عَنْ عُقَيْلٍ.
(وإجابة الدَّعوة): بفتح الدال.
* * *
стр. 1193
باب: الدُّخُولِ عَلَى الْمَيِّتِ بَعْدَ المَوْتِ إِذَا أُدْرِجَ فِي كَفَنهِ
(باب: الدخول على الميِّت [بعد الموت] إذا أُدرج في أكفانه (١)).
أى: طُوي فيها ولُفَّ، وساق فيه حديث عائشة، ودخولَ أبي بكر على النبي ﷺ وخروجه، وقوله لعمر مقالته: إنّما كان ذلك قبل أن يغسل النبي ﷺ ويكفن، وإنّما كان مسجَّى بأثواب حياته يومئذ، والترجمة إنّما ترجع إلى الدخول على الميِّت بعد جهازه، فكأن (٢) البخاريّ أفهم بالترجمة أن الدخول عليه وتوديعَه جائز قبلَ غسلِه وبعدَ غسلِه وتكفينه.
٧٣٦ - (١٢٤١) و (١٢٤٢) - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عبد الله، قَالَ: أَخْبَرَنِي مَعْمَرٌ، وَيُونسٌ، عَنِ الزهْرِيِّ، قَالَ: أخبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ: أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ ، أَخْبَرَتْهُ قَالَتْ: أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ عَلَى فَرَسِهِ مِنْ مَسْكَنِهِ بِالسُّنْحِ، حَتَى نَزَلَ، فَدَخَلَ الْمَسْجدَ، فَلَمْ يُكَلِّمِ النَّاسَ، حَتَّى نَزَلَ فَدَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ ﵂، فَتَيَمَّمَ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ مُسَجَّى بِبُرْدِ حِبَرَةٍ، فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ، ثُمَّ أَكَّبَّ عَلَيْهِ فَقَبَّلَهُ، ثُمَّ بَكَى، فَقَالَ: بِأَبِي أَنْتَ يَا نَبِيَّ اللهِ، لَا يَجْمَعُ اللهُ عَلَيْكَ مَوْتتَيْنِ، أَمَّا المَوْتَةُ الَّتِي كُتِبَتْ عَلَيْكَ، فَقَدْ مُتَّهَا.
قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: فَأَخْبَرَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ خَرَجَ وَعُمَرُ ﵁ يُكَلِّمُ النَّاسَ،