← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16684

مصابيح الجامع

بدر الدين الدماميني

Полный текст (4 546 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

[وفيه فضل عثمان، وإيثاره الصدق (١) حين لم يدعْ تركَ المقارفةِ تلكَ اللَّيلة] (٢)، وإن كان عليه بعضُ الغضاضة في إلحاد غيرِه لزوجته (٣). قال ابن المنير: ليس ذلك (٤) من قبيل المعاقبة (٥)، وحاش (٦) لله أن يعاقب الرسولُ (٧) على فعلٍ مُباح، وحاشَ عثمانَ من فعلِ ما لا يباح من (٨) ذلك، وإنما وجهه: أن تجهيز الميِّت، ولاسيما المرأة، يُستحب فيه أن يكون المباشِر له مقبلًا على الآخرة، والاهتمام (٩) غاية الممكن، ويكره فيه أن يكون حديثَ عهدٍ لشهوة؛ كما كره الصحابةُ أن يؤخروا الإحرامَ فيقفوا بعرفةَ كما (١٠) قالوا: "وَمَذاكيرُنا تَقْطُرُ ماء" (١١)، فأرادوا بُعْدَ ما بين العبادة والشهوة، فلما فات عثمانَ (١٢) هذا الشرط، تولاه من وجد فيه، وعُدَّت في مناقب عثمان باعتبار صدقه، مع فرط حيائه، ولابد من خصوصية في

стр. 1262

القضية، وإلا، فالحكمُ الآن أن الزوجَ أحقُّ بمواراة زوجته، وإن خالط غيرَها من أهله تلك اللّيلةَ، حتّى إن المذهب أن المرأة تغسلُ زوجَها، وإن تزوجَتْ ساعتئذٍ بغيره؛ بأن تكون حاملًا وضعتْ، ومقتضى هذا: لو دخل بها الثّاني، غسلت الأوّل، لا يسقط حقها بذلك. (قال فليح: أُرَاه (١) يعني: الذنب): قال ابن بطّال: ليس الأمر (٢) كما قال فُليح (٣): بل المراد هنا: المجامعة (٤). * * * باب: الصَّلاةِ على الشَّهيدِ ٧٨٦ - (١٣٤٤) - حَدَّثَنَا عبد الله بْنُ يُوسُفَ، حدّثنا اللَّيْثُ، حدثني يَزِيدُ بنُ أبي حَبيبٍ، عن أَبي الخَيْرِ، عن عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ خَرَجَ يَوْمًا، فَصَلَّى علَى أَهْلِ أُحُدٍ صَلَاتَهُ عَلَى الْمَيِّتِ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمِنْبَرِ، فَقَالَ: "إِنِّي فَرَطٌ لَكُمْ، وَأَنَا شَهِيدٌ عَلَيْكُمْ، وإنِّي وَاللهِ! لأَنْظُرُ إلى حَوْضي الآنَ، وإنِّي أُعْطِيتُ مَفاتِيحَ خَزَائِنِ الأَرْض، أوْ مَفاتِيحَ الأَرْض، وإنِّي وَاللهِ! ما أخافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكوا بَعْدِي، وَلَكِنْ أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنَافَسُوا فِيهَا". (إنِّي فَرَطٌ لكم): أي: سابقٌ لكم، وروى البيهقي في "السنن" في كتاب: الجنائز، عن أبي زُميل سِماكِ بنِ الوليدِ الحنفيِّ، عن ابن عباسٍ:

стр. 1263

أنه سمع النبيَّ ﷺ يقول: "مَنْ كَانَ لَهُ فَرَطَانِ مِنْ أُمَّتِي، أَدخَلَهُ اللهُ الجَنَّةَ"، فقالت (١) عائشة: وواحِدَة يا رسولَ الله؟ فقال: "ووَاحِدَة يا مُوَفَّقَةُ"، ثم قال رسولُ الله ﷺ : "فَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ أُمَّتِي فَرَطٌ، فَأنَا فَرَطُ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فَرَط، لَمْ (٢) يُصَابُوا بمِثْلِي" (٣). * * * باب: مَنْ يُقَدَّمُ فِي اللّحدِ وَسُمِّيَ اللَّحدَ؛ لأَنَّهُ فِي نَاحِيَةٍ، وَكلُّ جَائِرٍ مُلْحِدٌ، ﴿مُلْتَحَدًا﴾ [الكهف: ٢٧]. مَعْدِلاً، وَلَوْ كَانَ مُسْتَقِيماً، كَانَ ضَرِيحاً. (سُمي اللحدَ؛ لأنه في ناحية، [وكلُّ جائرٍ ملحدٌ]، ﴿مُلْتَحَدًا﴾ [الكهف: ٢٧]: مَعدِلاً، ولو كان مستقيماً، كان ضريحاً): و (٤) قال القاضي: اللحدُ: هو الحفرُ للميت في جانب القبر، والضريحُ: الحفر الذي في وسطه، يقال: لَحَدَ، وَألحَدَ، وأصلُه: الميلُ لأحد الجانبين، ومنه الملحِد: المائل (٥). ٧٨٧ - (١٣٤٨) - وَأَخْبَرَنَا الأَوْزَاعِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ جَابرِ بنِ عبدالله ﵄: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لِقَتْلَى أُحُدٍ: "أَيُّ هؤُلَاءِ أَكثَرُ أَخْذاً لِلْقرآنِ؟ "، فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى رَجُلٍ، قَدَّمَهُ فِي اللّحدِ قَبْلَ

стр. 1264

صَاحِبهِ. وَقَالَ جَابرٌ: فَكُفِّنَ أَبي وَعَمِّي فِي نَمِرَةٍ وَاحِدَةٍ. وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، حَدَّثَنَا مَنْ سَمِعَ جَابراً ﵁. (قال جابر: فكُفِّن أبي وعَمِّي في نَمِرَة واحدة): قال الدمياطي: هذا وَهْمٌ، و (١) لم يكن لجابر عم، وإنما هو عَمْرُو بنُ الجموح، كانت عنده عمةُ جابر هندٌ بنتُ عمرِو بنِ حَرام. قلت: أجاب عنه (٢) شيخنا شيخ الإسلام قاضي القضاة جلال الدين البلقيني -ذكره الله بالصالحات-: بأنه لعلَّه جعلَه عمَّه تعظيماً وتكريماً. وفي "طبقات ابن سعد": أن ذلك كان (٣) بأمر رسول الله (٤) ﷺ ، ولفظه قالوا: وكانَ عبد الله بنُ عَمرِو بنِ حَرامٍ أولَ قتيل قُتل (٥) من المسلمين يومَ أُحد، قتله سفيانُ بنُ عبدِ شمس أبو أبي الأعورِ السلميّ، وقال رسول الله ﷺ : "ادفِنُوا عبد الله بْنَ عَمرو وَعَمرَو بْنَ الجَمُوح لِما كَانَ بَيْنَهُمَا منَ الصَّفَاءِ"، وقال: "ادفِنُوا هذَين المتحابينِ في الدُّنيا في قبْرٍ وَاحدٍ" (٦).

стр. 1265

باب: الإذْخِرِ والحشيشِ في القبرِ ٧٨٨ - (١٣٤٩) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عبد الله بْنِ حَوْشَبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّاب، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبيِّ ﷺ ، قَالَ: "حَرَّمَ اللَّهُ مَكَّةَ، فَلَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلي، ولا لأَحَدٍ بَعدِي، أُحِلَّتْ في ساعةً مِنْ نهارٍ، لا يُخْتَلَى خَلَاها، ولا يُعضَدُ شَجَرُها، ولا يُنَفَّرُ صَيْدُها، ولا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُها إلَّا لِمُعَرِّفٍ". فقال العَبَّاسُ ﵁: إِلَاّ الإذْخِرَ لِصَاغَتِنَا وَقُبُورِنَا؟ فَقَالَ: "إِلَاّ الإذْخِرَ". وَقَالَ أبو هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبيِّ ﷺ : لِقُبُورِنَا وَبُيُوتنَا. (لصاغتنا): جمع صائغ. * * * باب: هل يُخْرجُ الميِّتُ من القبر واللَّحد لعِلَّةٍ ؟ ٧٨٩ - (١٣٥٠) - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عبد الله، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ عمرٌو: سَمِعْتُ جَابرَ بْنَ عبد الله ﵄، قَالَ: أتى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عبد الله بْنَ أُبَيٍّ بعدَمَا أُدخِلَ حُفْرَتَهُ، فَأَمَرَ بهِ فَأُخْرِجَ، فَوَضَعَهُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَنَفَثَ عَلَيْهِ مِنْ رِيقِهِ، وَألبَسَهُ قَمِيصَهُ، فَاللَّهُ أَعلَمُ، وَكَانَ كَسَا عَبَّاساً قَمِيصاً. قَالَ سُفْيَانُ: وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَكَانَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَمِيصَانِ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عبد الله: يَا رَسُولَ اللَّهِ! ألبسْ أَبي قَمِيصَكَ الَّذِي يَلِي جِلْدَكَ. قَالَ سُفْيَانُ: فَيُرَوْنَ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ ألبَسَ عبد الله قَمِيصَهُ؛ مُكَافَأَةً لِمَا صَنَعَ.

стр. 1266

(قال سفيان: وقال أبو هريرة): هكذا رواه جماعة، ورواه كثيرون: "أبو هارون"، وكذا هو عند الحميدي (١). * * * ٧٩٠ - (١٣٥١) - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، أَخْبَرَنَا بشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا حُسَيْن الْمُعَلِّمُ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابرٍ ﵁، قَالَ: لَمَّا حَضَرَ أُحُدٌ، دَعَانِي أَبي مِنَ اللَّيْلِ، فَقَالَ: مَا أُرَانِي إِلَاّ مَقْتُولاً فِي أَوَّلِ مَنْ يُقْتَلُ مِنْ أَصحَابِ النَّبيِّ ﷺ ، وَإِنِّي لَا أترُكُ بَعدِي أَعَزَّ عَلَيَّ مِنْكَ، غَيْرَ نفسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَإِنَّ عَلَيَّ ديناً، فَاقْض، وَاسْتَوْصِ بأَخَوَاتِكَ خَيْراً. فَأَصبَحنَا، فَكَانَ أَوَّلَ قَتِيلٍ، وَدُفِنَ مَعَهُ آخَرُ فِي قَبْرٍ، ثُمَّ لَمْ تَطِبْ نفسِي أَنْ أترُكَهُ مَعَ الآخَرِ، فَاسْتَخْرَجْتُهُ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، فَإِذَا هُوَ كيَوْمِ وَضَعْتُهُ هُنيَّةً، غَيْرَ أُذُنِهِ. (ودفنت (٢) معه آخر): هو عَمْرُو بنُ الجموح الذي تقدَّم ذكْرُه. (فاستخرجتُه بعدَ ستة أشهر): وقع في "موطأ الإمام مالك" في آخر الجهاد: أنه بين (٣) يوم أحد ويوم (٤) حفر عنهما (٥) ستة وأربعون عاماً، وأن ذلك بسبب السيل (٦).

стр. 1267

ولعل المجمع (١) بينكما أن جابراً أخرج أباه بعد ستة أشهر، ودفنه في قبر إلى جانب قبر عمرو بن الجموح، ثم إن السيل خرق القبرين، فنُقلا بعد سِتٍّ وأربعين سنة. و (٢) في "طبقات ابن سعد": أن سبب الحفر بعدَ هذه المدة هو أن القناةَ -يعني: التي (٣) أمر معاوية بحفرها- كانت تمر عليهما (٤). وذكر عن أبي الزبير عن جابر، قال: صُرخ بنا إلى قتلانا يومَ أحد حين أجرى (٥) معاويةُ العينَ، فأخرجناهم بعدَ أربعين سنةً لينةً أجسادُهم، تنثني أطرافُهم (٦). (فإذا هو كيوم وضعتُه هُنَيَّةً غيرَ أُذنه): قال الزركشي: فيه تقديم وتأخير لا يستقيم الكلام إلا به؛ أي؛ غيرَ هنيةٍ في أُذنه، وكذا رواه ابن السكن على الصواب؛ أي: غير شيء قليل في أذنه، أسرعَ إليه البلى، فتغير عن حاله. وهُنَيَّة: تصغيرُ هَنَة، وهي كناية عن الشيء الحقير (٧). قلت: قال السفاقسي في هُنيّة: ضبطه بعضهم بضم الهاء ثم الياء مشددة، تصغير هُنا؛ أي: قريباً، فهذا وجه يستقيم الكلام به، ولا تقديمَ

стр. 1268

ولا تأخير (١)، ثم قال: وضبطه بعضُهم بفتح الهاء والياء (٢) على حالته. باب: إذا أسلمَ الصَّبيُّ فمات، هل يُصلَّى عليه، وهل يُعرَضُ على الصبيِّ الإسلامُ ؟ ٧٩١ - (١٣٥٤) - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عبد الله، عَنْ يُونسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عبد الله: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ أَخْبَرَهُ: أَنَّ عُمَرَ انْطَلَقَ مَعَ النَّبيِّ ﷺ فِي رَهْطٍ قِبَلَ ابْنِ صَيَّادٍ، حَتَّى وَجَدُوهُ يَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيَانِ، عِنْدَ أُطُم بَنِي مَغَالَةَ، وَقَد قَارَبَ ابْنُ صَيَّادٍ الْحُلُمَ، فَلَمْ يَشعر حَتَّى ضَرَبَ النَّبيُّ ﷺ بيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ لاِبْنِ صَيَّادٍ: "تَشْهدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ"، فَنَظَرَ إِلَيْهِ ابْنُ صَيَّادٍ، فَقَالَ: أَشْهدُ أَنَّكَ رَسُولُ الأُمِّيِّينَ. فَقَالَ ابْنُ صَيَّادٍ لِلنَّبيِّ ﷺ : أتشْهدُ أنّي رَسُولُ اللَّهِ؟ فَرَفَضَهُ، وَقَالَ: "آمَنْتُ باللَّهِ وَبرُسُلِهِ". فَقَالَ لَهُ: "مَاذَا تَرَى؟ "، قَالَ ابْنُ صَيَّادٍ: يَأْتينِي صَادِقٌ وَكاذِبٌ. فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ : "خُلِّطَ عَلَيْكَ الأَمرُ". ثُمَّ قَالَ لَهُ النَّبيُّ ﷺ : "إِنِّي قَدْ خَبَأْتُ لَكَ خَبيئاً"، فَقَالَ ابْنُ صَيَّادٍ: هُوَ الدُّخُّ، فَقَالَ: "اخْسَأْ، فَلَنْ تَعْدُوَ قَدرَكَ". فَقَالَ عُمَرُ ﵁: دَعْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ أَضْرِبْ عُنُقَهُ. فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ : "إِنْ يَكُنْهُ، فَلَنْ تُسَلَّطَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْهُ، فَلَا خَيْرَ لَكَ فِي قَتْلِهِ". (عند أُطُم): -بضمتين-: بناءٌ من حجارة مرفوعٌ كالقصر، وقيل: هو الحصن، ويجمع على آطام.

стр. 1269

(بني مَغالة): -بميم مفتوحة وغين معجمة-: قبيلة. (فرفَضَه): بضاد معجمة. قال السفاقسي: كذا هو في رواية أبي ذر، وأبي الحسن. وقال الزركشي: يروى بالضاد المعجمة، وبالمهملة، رَمَاهُ ونحَاهُ (١). وقال الخطابي: إنما هو فَرَصَّه -بصاد مهملة-؛ أي: ضَغَطه، وضمَّ بعضه إلى بعض، ومنه ﴿بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤] (٢). وقال الماوردي: أقربُ منه أن يكون فَرَيسَهُ -بالسين-؛ أي: أكله (٣) (٤). (يأتيني صادق و (٥) كاذب): أي: أرى الرؤيا ربما تصدُق، وربما تكذب. (قد خبأتُ لك): أي: في صدري. (خبيئاً): ويروى: "خبيئة (٦) "؛ أي: لم تَطْلُع لأحد. (هو الدُّخ): -بضم الدال المهملة وفتحها-: الدخان، قيل: أراد بذلك ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠].

стр. 1270

وقيل: إن الدجال يقتله عيسى ﵇ (١) - بجبل الدخان، فيحتمل أن يكون أراده (٢) تعريضاً بقتله؛ لأن (٣) ابن صياد كان يُظن أنه الدجال. (قال: اخسأْ): بهمزة وصل وآخره همزة ساكنة. (فلن تعدُ): جاء على لغة مَنْ يجزم ب "لن"، وفي رواية: "تعدوَ (٤) " - بالنصب- على الكثير. قال الزركشي: ويجوز في "يعد" التاء والياء (٥). (إن يكن (٦) هو، فلن تُسلَّط عليه): يحتمل أن يكون "هو" تأكيداً للضمير المستكن (٧) في "يكن"، وهو اسمها، وخبرها محذوفاً، وأن يكون "هو" مبتدأ حُذف خبرُه، والجملةُ خبر "يكن". وفي نسخة: "إن يَكُنْهُ (٨) "، وهو مما استدلَّ به ابنُ مالك على أن المختار في خبر كانَ الاتصال. قال ابن المنير: وفيه: أن كشفَ العواقب تُغير الأحكام (٩)؛ ألا ترى

стр. 1271

أنه لو ثبت أنه الدجال، وقد كشفت (١) العاقبة في بقائه حتى يفتن من شاء الله؛ لسقطَ عن الناس قتلُه قبلَ ذلك لو (٢) فعل ما يوجب القتل؛ لأن خلف المعلوم محال، وإذا كشفه الله، لم يكلف بخلافه. * * * ٧٩٢ - (١٣٥٥) - وَقَالَ سَالِمٌ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: انْطَلَقَ بَعدَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأُبَيُّ بْنُ كعْبٍ، إِلَى النَّخْلِ الَّتِي فِيها ابنُ صَيَّادٍ، وهْوَ يَخْتِلُ أَنْ يَسْمَعَ مِنِ ابْنِ صَيَّادٍ شَيْئاً، قَبْلَ أنْ يَرَاهُ ابنُ صَيَّادٍ، فَرَآهُ النبيُّ ﷺ وهْوَ مُضْطَجِعٌ -يَعْنِي-: في قَطِيفَةٍ لَهُ فِيها رَمزَةٌ أَوْ زَمرَةٌ، فَرَأَتْ أُمُّ ابْنِ صَيَّادٍ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَهُوَ يَتَّقِي بجُذُوعِ النَّخْلِ، فَقَالَتْ لاِبْنِ صَيَّادٍ: يَا صَافِ! -وَهْوَ اسْمُ ابْنِ صَيَّادٍ- هذَا مُحَمَّدٌ ﷺ ، فَثَارَ ابْنُ صَيَّادٍ، فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ : "لَوْ تَرَكَتْهُ، بَيَّنَ". وَقَالَ شُعَيْبٌ فِي حَدِيثهِ: فَرَفَصَهُ، رَمْرَمَةٌ أَوْ زَمْزَمَةٌ. وَقَالَ عُقَيْلٌ: رمْرَمَةٌ. وَقَالَ مَعمَرٌ: رَمْزَةٌ. (وهو يخْتِل [أن يسمع من] ابن صياد): -بخاء معجمة ساكنة ومثناة من فوق مكسورة-؛ أي: يغتفله ويراوغه؛ ليأخذه على غفلة، وليسمع حديثه، ويطلع على أمره. (رمْزَة): -براء مفتوحة فميم ساكنة فزاي- فَعْلَة (٣) من رَمَز كالإشارة.

стр. 1272

(أو زَمْرَة): على وزن الكلمة التي قبلها، لكن الزاي متقدمة؛ من الزمار. (فثار): -آخره راء-؛ أي: وثبَ. ويروى: "فثاب" بموحدة آخره. (زمزمة): -بزاي فميم فزاي فميم (١) -؛ أي: صوت خَفِيّ، وكذا هي بالراء أيضاً. (فرضَّه): -بالضاد المعجمة-؛ أي: ضَغَطه. ٧٩٣ - (١٣٥٦) - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ -وَهْوَ ابْنُ زَيْدٍ-؛ عَنْ ثَابتٍ، عَنْ أَنسٍ ﵁، قَالَ: كَانَ غُلَامٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النَّبيَّ ﷺ ، فَمَرِضَ، فَأتاه النَّبيُّ ﷺ يَعُودُه، فَقَعَدَ عِمدَ رَأْسهِ، فَقَالَ لَهُ: "أَسلم"، فَنظَرَ إِلَى أَبيهِ وَهْوَ عِنْدَهُ، فَقَالَ لَهُ: أَطِع أَبَا القَاسِم ﷺ ، فَأَسلَمَ، فَخَرَجَ النَّبيُّ ﷺ وَهوَ يَقُولُ: "الْحَمدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ". (كان غلام يهودي يخدم النبي ﷺ ): قال ابن بشكوال (٢): اسمُه عبدُ القُدُّوس (٣). (أَسْلِم): فعلُ أمرٍ من الإسلام.

стр. 1273

٧٩٤ - (١٣٥٨) - حَدَّئَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، قَالَ ابْنُ شِهابٍ: يُصَلَّى عَلَى كُلِّ مَوْلُودٍ مُتَوَفًّى وَإِنْ كانَ لِغَيَّةٍ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ وُلِدَ عَلَى فِطْرَةِ الإسْلَامِ، يَدَّعِي أَبَوَاهُ الإسْلَامَ، أَوْ أَبُوهُ خَاصَّةً، وَإِنْ كَانَتْ أُمُّهُ عَلَى غَيْرِ الإسْلَامِ، إِذَا اسْتهلَّ صَارِخاً، صُلِّيَ عَلَيْهِ، وَلَا يُصَلَّى عَلَى مَنْ لَا يَسْتَهِلُّ؛ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ سِقْطٌ، فَإنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ كانَ يُحَدِّثُ: قَالَ النَّبيُّ ﷺ : "مَا مِنْ مَوْلُودٍ إلَاّ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهوِّدانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجسَانِهِ، كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمعَاءَ، هلْ تُحِسُّونَ فِيها مِنْ جَدعَاءَ؟ ". ثمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠]. (وإن كان لِغَية): -بلام مكسورة فغين معجمة مفتوحة-، أي (١): لغير رِشْدَةٍ. وحكى ابنُ دُريد كسر الغين أيضاً (٢). (كما تُنتَج): -بضم أوله وفتح ثالثه- على صيغة المجهول. (بهيمةً جمعاء (٣)): أي: كاملةَ الأعضاء سليمةً من العيوب، و"بهيمةً" منصوبٌ على أنه مفعول تُنتج؛ لأنه بمعنى تلد، غير أنهم بنوه على صيغة ما لم يُسم فاعلُه، و"جمعاءَ" نعتٌ لها. (هل تُحِسُّون): -بضم أوله وكسر ثانيه-؛ أي: تُبصرون، وبفتح أوله وضم ثانيه، يقال: حَسَّ وأَحَسَّ، وهو أكثر.

стр. 1274

(من جَدعاء): -ممدود بجيم مفتوحة وقال مهملة ساكنة-؛ أي: مقطوعة الأطراف. ضربَ الجمعاءَ والجدعاءَ مثلاً؛ يعني: أن البهيمة تولد مجتمعةَ الخلق، سليمة من الجدع (١)، ولولا تعرُّضُ الإنسان إليها، لبقيت كما وُلدت سليمة، كذلك المولودُ يولد على نوع من الجِبلَّة، وهي (٢) الفطرة، وتهيئه لقبول الحىّ طبعاً، ولو خَلَّتْه شياطينُ الإنس والجن وما يختارُ، لم يخترْ غيرها. باب: إذا قال المشركُ عند الموت: لا إله إلا الله ٧٩٥ - (١٣٦٠) - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبي، عَنْ صَالحٍ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّب، عَنْ أَبيهِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ، جَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ، وَعبد الله بْنَ أَبي أُمَيَّة بْنِ الْمُغِيرَةِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لأَبي طَالِبٍ: "يَا عَمِّ! قُلْ: لَا إِلَة إِلَّا اللَّهُ، كَلِمَةً أَشْهدُ لَكَ بها عِنْدَ اللهِ". فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ، وَعبد الله بْنُ أَبي أميّة: يَا أَبَا طَالِبٍ! أترْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِب؟ فَلَم يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعرِضها عَلَيْهِ، وَيَعُودانِ بتِلْكَ الْمَقَالَةِ، حَتَّى قَالَ أَبُو طَالِبٍ آخِرَ مَا كَلَّمَهم: هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِب. وَأَبَى أَنْ يَقُولَ: لَا إلَهَ إِلَاّ اللَّهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :

стр. 1275

"أَمَا وَاللَّهِ! لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ"، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ: ﴿مَا كَانَ لِلنبىِّ﴾ [التوبة: ١١٣]. (أي (١) عم!): "أي" حرفُ نداء، وهل هو [لنداء البعيد أو للقريب (٢) أو للتوسط (٣)؟ أقوال: وهو هنا لنداء] (٤) القريب، فافهم، و"عم" منادى مضاف. (كلمةً أشهدُ لك بها): "أشهد" مرفوع، والجملة في محل نصب على أنها صفة كلمةَ. (حتى قال أبو طالب آخرَ ما كلَّمَهُم): نصب على الظرف؛ أي: آخرَ (٥) أزمنةِ تكليمِه (٦) إياهم. باب: الْجَرِيدةُ عَلَى الْقَبْرِ وَأَوْصَى بُرَيْدَةُ الأَسْلَمِيُّ أَنْ يُجْعَلَ فِي قَبْرِهِ جَرِيدَانِ. وَرَأَى ابْنُ عُمَرَ ﵄ فُسْطَاطاً عَلَى قَبْرِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَقَالَ: انزعهُ يَا غُلَامُ،

стр. 1276

فَإِنَّمَا يُظِلُّهُ عَمَلُهُ. وَقَالَ خَارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ: رَأَيْتُنِي وَنَحنُ شبَّانٌ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ ﵁، وَإِنَّ أَشَدَّنَا وَثْبةً الَّذِي يَثِبُ قَبْرَ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ، حَتَّى يُجَاوِزَهُ. وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ حَكِيم: أَخَذَ بيَدِي خَارِجَةُ، فَأَجْلَسَنِي عَلَى قَبْرٍ، وَأَخْبَرَنِي عَنْ عَمِّهِ يَزِيدَ بْنِ ثَابتٍ، قَالَ: إِنَّمَا كُرِهَ ذَلِكَ لِمَنْ أَحدَثَ عَلَيْهِ. وَقَالَ نَافِعٌ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يَجْلِسُ عَلَى الْقُبُورِ. (باب: الجريدة على القبر): ساق فيه قضيةَ الفسطاط، وعلوَّ قبر عثمان بن مظعون، وقضية الجلوس على القبر، وليس في ذلك للجريد ذكر. قال ابن المنير: أراد البخاري أن يدل على أن وضع الجريد خاصُّ المنفعةِ بما فعله الرسولُ ببركته الخاصةِ به، والذي ينتفع به أصحابُ القبور على العموم (١) إنما (٢) هي الأعمالُ الصالحة، وذكر (٣) قضية الفسطاط (٤)؛ لقول ابن عمر: "إنما يُظلُّه عملُه"، وذكر علوَّ قبر ابن مظعون، وأن علوَّ بنائه لا يضره حيث نفعه عملُه، وذكر (٥) الجلوسَ على القبر، وأنه لا يضرُّ بصورته، وإنما يضرُّ بمعناه إن تكلم القاعدون عليه بما يضرُّ، فدل ذلك على أن الأعمالَ هي المعتبرةُ، لا الصورةُ.

стр. 1277

(ورأى (١) ابن عمر فُسطاطا) -بضم الفاء وكسرها وبالطاء، وبالتاء (٢) المثناة من فوق (٣) مكان الطاء، وبالسين مشددة من غير طاء ولا تاء-: هو الخباء ونحوه، وأصلُه عمود (٤) الخباء الذي يقوم عليه. ٧٩٦ - (١٣٦١) - حَدَّثَنَا يحيَى، حَدَّثَنَا اُبو مُعاوِيَةَ، عَنِ الأعمَشِ، عَنْ مُجاهِدٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عنِ النَّبيِّ ﷺ : أَنَّهُ مَرَّ بقَبْرَيْنِ يُعَذَّبَانِ، فَقَالَ: "إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كبيرٍ، أَمَّا أَحَدُهُمَا، فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنَ الْبَوْلِ، وَأَمَّا الآخَرُ، فَكَانَ يَمشِي بالنمِيمَةِ". ثُمَّ أَخَذَ جَرِيدَةً رَطْبَةً، فَشَقّها بنِصْفَيْنِ، ثُمَّ غَرَزَ فِي كُلِّ قَبْرٍ وَاحِدَةً، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لِمَ صَنَعتَ هذَا؟ فَقَالَ: "لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا". (فشقها بنصفين): قال الزركشي: دخلت الباء على المفعول زائدة (٥). قلت: لا نسلم شيئاً من ذلك، أما دعواه أن (٦) نصفين مفعولٌ، فلأن

стр. 1278

شَقَّ إنما يتعدَّى لمفعول واحد، وقد أخذه، وليس هذا [بدلًا منه، وأما (١) دعوى الزيادة، فعلى خلاف الأصل، وليس هذا] (٢) من محال زيادتها (٣). فإن قلت: فعلى ماذا يخرجه (٤)؟ قلت: اجعل الباء للمصاحبة، وهي ومدخولها ظرف مستقر (٥) منصوبُ المحل على الحال (٦)؛ أي: فشقها ملتبسة بنصفين (٧)، ولا مانع من أن يجتمع الشق وكونُها ذاتَ نصفين في حال واحدة، وليس المراد: أن (٨) انقسامها إلى نصفين كان ثابتاً قبل الشق، وإنما هو معه وبسببه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ﴾ [النحل: ١٢]،. باب: مَوْعِظَةِ الْمُحَدِّثِ عِنْدَ الْقَبْرِ، وَقُعُودِ أَصْحَابهِ حَوْلَهُ ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾ [القمر: ٧]: الأَجْدَاثُ: الْقُبُورُ. ﴿بُعْثرَتْ﴾ [الانفطار: ٤]: أُثِيرَتْ، بَعْثَرْتُ حَوْضي؛ أَيْ: جَعَلْتُ أَسْفَلَهُ أعلَاهُ. الإيفَاضُ: الإسْرَاعُ.

стр. 1279

وَقَرأ الأَعمَشُ: ﴿إلىَ نُصبٍ﴾ [المعارج: ٤٣]: إِلَى شَيْءَ مَنْصُوبٍ يَسْتَبقُونَ إِلَيْهِ، وَالنّصبُ وَاحِدٌ، وَالنَّصْبُ مَصدرٌ. يومَ الخروجِ مِنَ الْقُبُورِ ﴿يَنْسِلُونَ﴾ [يس: ٥١]: يَخْرُجُونَ. (باب: موعظة المحدث عند القبر، وقعود أصحابه حوله): قال ابن المنير: لو فطن أهلُ مصرَ لترجمة البخاري، لقرت أعينُهم بما يتعاطونه من جلوس الوُعَّاظ في المقابر، وهو حسن إن لم تخالطه مفسدة. ٧٩٧ - (١٣٦٢) - حدثنا عثْمَانُ، قَالَ: حَدَّثَنِي جَرِيرٌ، عنْ مَنْصُورٍ، عنْ سَعْدِ بنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبي عَبْدِ الرَّحْمنِ، عنْ عَلِى ﵁، قَالَ: كنَّا في جَنازةٍ في بَقِيعِ الْغَرْقَدِ، فَأتانَا النَّبيُّ ﷺ ، فَقَعَدَ وَقَعَدنَا حَوْلَهُ، وَمَعَهُ مِخْصَرَةٌ، فَنَكَّسَ، فَجَعَلَ يَنْكُتُ بمِخْصَرَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: "مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ، مَا مِنْ نفسٍ مَنْفُوسَةٍ، إِلَاّ كُتِبَ مَكَانها مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَإِلَاّ قَدْ كتِبَ شقِيةً أَوْ سَعِيدَةً". فَقَالَ رَجُل: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أفلَا نتَّكِلُ عَلَى كِتَابنَا وَنَدَع الْعَمَلَ، فَمَنْ كانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ، فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا مَنْ كانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ، فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ؟ قَالَ: "أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ، فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ؟ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ الشَّقَاوَةِ". ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ [الليل: ٥] (في بقيع الغرقد): -بباء موحدة-، وهو مدفن أهل المدينة، والغرقد: شجر العَوْسَج. (ينكت): -بمثناة-؛ أي: يضرب الأرض.

стр. 1280

(بمِخصرته): -بميم مكسورة- ما اختصره الإنسان بيده فأمسكه من عصا، أو غيره، أو غير ذلك. (ما من نفس منفوسة): أي: مصنوعة مخلوقة. (وإلا قد كتب شقيةٌ أو سعيدةٌ): -بالرفع-؛ أي: هي شقيةٌ أو سعيدة، ويروى بنصبهما، ويظهر أنه على الحال، وإلا قد كتبت هو؛ أي: حالها شقية أو سعيدة. باب: مَا جَاءَ فِي قَاتِلِ النَّفْسِ (باب: ما جاء في قاتل النفس): ترجم على هذا ترجمة مبهمةً على عادته فيما يتوقف فيه، وذكر حجج القول الذي يميل إليه في وَقفته (١)؛ كأنه ينبه على طرق الاجتهاد، ونَفَسُ البخاري (٢) يظهر منه (٣) الميلُ إلى مذهب ابن عباس في المسألة. ٧٩٨ - (١٣٦٤) - وَقَالَ حَجَّاجُ بْنُ مِنْهالٍ: حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازمٍ، عَنِ الْحَسَنِ: حَدَّثَنَا جُنْدَبٌ ﵁ فِي هذَا الْمَسْجدِ، فَمَا نسَينَا، وَمَا نَخَافُ أَنْ يَكْذِبَ جُنْدَبٌ، عَنِ النَّبيِّ ﷺ ، قَالَ: "كانَ برَجُلٍ جِراحٌ قَتَلَ نَفْسَهُ، فقال اللهُ: بَدَرَني عَبْدِي بنَفْسِهِ، حَرَّمتُ عليه الجَنَّةَ".

стр. 1281

(كان برجل جراح): -أوله جيم- جمع جُرح (١)، ويروى بخاء معجمة وآخره جيم والراء مخففة، وهو ما يخرج من البدن من بَثْرَة وغيرها. وقال النووي: إنه قُرحة، وهي واحدةُ القروح: حبات تخرج في بدن الإنسان (٢). (بدرني عبدي (٣))؛ أي: لم يصبر حتى أقبضَ روحه، بل استعجلَ، وأراد أن يموت قبلَ الأجل، كذا قال الزركشي (٤)، وسيأتي فيه كلام (٥). ٧٩٩ - (١٣٦٥) - حَدَّثَنَا أبو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيب، حدّثنا أَبُو الزِّنادِ، عنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ النَّبيُّ ﷺ : "الَّذِي يَخْنُقُ نفسَهُ يَخْنُقُها في النَّارِ، وَالَّذِي يَطْعُنُها يَطْعُنُها فِي النَّارِ". (يخنق (٦) نفسه) بنون مضمومة. (يطعُنها): بضم العين المهملة.

стр. 1282

باب: ما يُكرهُ من الصَّلاةِ على المنافقينَ، والاستغفارِ للمشركين ٨٠٠ - (١٣٦٦) - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ، عَنْ عبيد الله بْنِ عبد الله، عَنِ ابْنِ عَبَّاس، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّاب ﵃: أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا مَاتَ عبد الله بْنُ أُبَيِّ ابْنُ سَلُولَ، دُعِيَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ليُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَثَبْتُ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أتصَلِّي عَلَى ابْنِ أُبَيٍّ، وَقَد قَالَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا: كَذَا وَكَذَا؟ أُعَدِّدُ عَلَيْهِ قَوْلَهُ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَقَالَ: "أَخِّرْ عَنِّي يَا عُمَر". فَلَمَّا أكثَرْتُ عَلَيْهِ، قَالَ: "إِنِّي خُيِّرْتُ فَاخْتَرْتُ، لَوْ أَعْلَمُ أَنِّي إِنْ زِدتُ عَلَى السَّبْعِينَ فَغُفِرَ لَهُ، لَزِدْتُ عَلَيْها". قَالَ: فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَلَمْ يَمكُثْ إِلَاّ يَسِيراً حَتَّى نَزَلَتِ الآيَتَانِ مِنْ بَرَاءةٌ: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ إِلَى ﴿وهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٨٤]. قَالَ: فَعَجِبْتُ بَعْدُ مِنْ جرأَتِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ، وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. (لما مات عبد الله بنُ أُبيِّ ابنُ سلولَ): سلولُ هي أم عبد الله، لا ينصرف للعلمية والتأنيث، وعلى هذا، فابن سلولَ صفةٌ لعبد الله، لا لأبي، فابنُ مرفوع، ويكتب بالألف، وأُبيٌّ منَوَّن، وهو من التنبيه عليه. قال الزركشي: وابنُ سلولَ بدلٌ من ابن أبي (١).

стр. 1283

باب: ثناءَ الناسِ على الميِّتِ ٨٠١ - (١٣٦٨) - حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا داوُدُ بْنُ أَبي الْفُرَاتِ، عَنْ عبد الله بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبي الأَسْوَدِ، قَالَ: قَدِمتُ الْمَدِينَةَ، وَقَد وَقَعَ بها مَرَضٌ، فَجَلَسْتُ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّاب ﵁، فَمَرَّتْ بهِمْ جَنَازةٌ، فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبها خَيْراً، فَقَالَ عُمَرُ ﵁: وَجَبَتْ، ثمَّ مُرَّ بأُخْرَى، فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبها خَيْراً، فَقَالَ عُمَرُ ﵁: وَجَبَتْ. ثُمَّ مُرَّ بالثَّالِثَةِ، فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبها شَرًّا، فَقَالَ: وَجَبَتْ. فَقَالَ أَبُو الأَسْوَدِ: فَقُلْتُ: وَمَا وَجَبَتْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: قُلْتُ كَمَا قَالَ النَّبيُّ ﷺ : "أيُّمَا مُسْلِمِ شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَة بخَيْرٍ، أَدخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ". فَقُلْنَا: وَثَلَاتةٌ، قَالَ: "وَثَلَاثَة". فَقُلْنَا: وَاثْنَانِ، قَالَ: "وَاثْنَانِ". ثمَّ لَمْ نسأَلْهُ عَنِ الْوَاحِدِ. (فأُثني على صاحبها خيراً): (أُثني) مبني للمفعول، و (على صاحبها) نائبٌ عن الفاعل. قال النووي: ونُصب خيراً (١) على إسقاط الجار؛ أي: فأُثني بخير (٢). قلت: أَولى منه أن يكون "خيراً" مفعولاً لمحذوف؛ أي: فقال المُثْنون خيراً. واعلم أن البخاري ذكر "وجبت" مرةً واحدة من حديث شعبة عن عبد العزيز (٣)، ورواه مسلم من جهة ابن عُلَيَّة عن عبد العزيز ثلاثَ مرات (٤).

стр. 1284

باب: ما جاء في عذاب القبرِ ٨٠٢ - (١٣٧٥) - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عبد الله، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِبمَ، حَدَّثَنِي أَبي، عَنْ صَالحٍ، حَدَّثَنِي نَافِع: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ أَخْبَرَهُ، قَالَ: اطَّلَعَ النَّبيُّ ﷺ عَلَى أَهْلِ الْقَلِيب، فَقَالَ: "وَجَدتمْ مَا وَعَدَ رَبّكمْ حَقًّا؟ "، فَقِيلَ لَهُ: تدعُو أَموَاتاً؟! فَقَالَ: "مَا أَنْتم بأَسْمَعَ مِنْهُم، وَلَكِنْ لَا يُجيبُونَ". (ما أنتم بأسمعَ منهم، ولكن لا يجيبون): الزركشي: ذكر البخاري في غزوة بدر بعدَ هذا: "قال قتادة: أحياهم الله حتى أسمعَهم توبيخًا ونقمةً" (١)، وعلى هذا التأويل جمهورُ الأمة، وليس في قول عائشة (٢) ما يعارض روايةَ ابنِ عمر؛ لإمكان أنه قال في قتلى بدر القولين جميعًا، ولم تحفظ عائشة إلا أحدهما، وحفظ غيرُها سماعهم بعد إحيائهم، وقد كثرت الأحاديثُ في عذاب القبر حتى قال غيرُ ما واحدٍ: إنها متواترة، لا يصحُّ عليها (٣) التواطؤ، وإن لم يصحَّ مثلُها لم يصح شيء من أمر الدين. قال أبو عثمان الحداد: وليس في قوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦] ما يعارضُ ما ثبت من عذاب القبر؛ لأن الله تعالى أخبره بحياة الشهداء قبل يوم القيامة، وليست مرادة بقوله (٤)

стр. 1285

تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦]، فكذا حياة المقبور قبل الحشر (١). قال ابن المنير: وأشكل ما في القضية أنه (٢) إذا ثبتت (٣) حياتهم، لزمَ أن يثبتَ موتُهم بعد هذه الحياة؛ ليجتمع الخلقُ كلُّهم في الموت عند قوله تعالى: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَومَ﴾ [غافر: ١٦]، فيلزم (٤) تعدد الموت، وقد قال تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦]. والجواب الواضحُ عندي: أن معنى قوله: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ﴾ [الدخان: ٥٦]؛ أي: ألمَ الموت، فيكون الموت الذي يعقب الحياة الآخرة بعد الموت الأول لا يُذاق ألمه أَلبتة. ويجوز ذلك في حكم التقدير (٥) بلا إشكال، وما وضعت العرب اسمَ الموتِ إلا للمؤلم على ما فهموه، لا باعتبار كونه ضداً للحياة (٦)، فعلى هذا يخلق الله لتلك الحياة الثانية ضداً يُعدمها به (٧)، لا يُسمى (٨) ذلك الضد موتاً، وإن كان للحياة ضدًّا؛ جمعاً بين الأدلة العقلية والنقلية واللغوية.

стр. 1286

باب: عَذَاب الْقَبْرِ مِنَ الْغِيبَةِ وَالْبَوْلِ (باب: عذاب القبر من الغيبة والبول): قال الزركشي: ليس في الحديث إلا النميمة، فكأنه (١) يشير إلى أنها أختُها (٢)، أو إلى أنه قد ورد كذلك، لكن ليس على شرطه، وقد ذكره الطبراني (٣) (٤). باب: ما قِيلَ في أولادِ المُسْلِمِينَ قال أبو هُرَيْرَةَ ﵁، عنِ النبيِّ ﷺ : "مَنْ ماتَ لَهُ ثَلاثة مِنَ الوَلَدِ، لَمْ يَبْلُغُوا الحِنْثَ، كان لَهُ حِجاباً مِنَ النَّارِ، أَوْ دَخَلَ الجَنَّةَ". (من مات له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث كان له حجاباً من النار): اسم "كان" ضمير يعود على (٥) الموتِ المفهومِ مما تقدم؛ أي: كان موتُهم له حجاباً. ٨٠٣ - (١٣٨٢) - حَدَّثَنَا أبو الْوَليدِ، حَدَّثَنَا شُعبةُ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابتٍ: أَنَّهُ سَمِعَ الْبَرَاءَ ﵁، قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ إِبْرَاهِيمُ ﵇، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ لَهُ مُرْضعاً فِي الْجَنَّةِ".

стр. 1287

(إن له مُرضعاً في الجنة): بضم الميم. وفي "مسند الفريابي": أَنَّ خديجةَ ﵂ (١) - دخلَ عليها رسولُ الله ﷺ بعد موتِ القاسمِ وهي تبكي، فقالت: يا رسولَ الله! دَرَّتْ لُبَيْنَةُ القاسمِ، فلو كان عاشَ حتى يستكملَ الرضاعَة (٢)، لهوّنَ عليَّ، فقال: "إِنَّ لَهُ مرْضعاً في الجَنَّةِ يَسْتَكْمِلُ رَضَاعَتَهُ"، فقالت: لو أعلمُ ذلك، لهوِّنَ عليَّ، فقال: "إِنْ شِئْتِ أَسْمعْتُكِ صَوْتَهُ في الجَنَّةِ"، فقالت: بل أصدِّق الله ورسوله. قال السهيلي: وهذا من فقهها ﵂، كرهت أن تؤمن بهذا الأمر مُعاينة، فلا يكون لها أجرُ الإيمان بالغيب (٣). باب: ما قيل في أولادِ المشركينَ ٨٠٤ - (١٣٨٣) - حَدَّثَنَا حِبَّانُ، أَخْبَرَنَا عبد الله، أَخْبَرَنَا شُعبَةُ، عَنْ أَبي بشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵃، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَوْلَادِ الْمُشْرِكينَ، فَقَالَ: "اللَّهُ -إِذْ خَلَقَهم- أَعلَمُ بمَا كَانُوا عَامِلِينَ". (فقال: اللهُ -إذْ خلقهم- أعلمُ بما كانوا عاملين): المختار من الخلاف في أطفال المشركين أنهم من أهل الجنة؛ لأنهم وُلدوا على

стр. 1288

الفطرة، ومعنى: "الله أعلم بما كانوا عاملين": أنه علم أنهم لا يعملون ما يقتضي تعذيبَهم ضرورةَ أنهم غيرُ مكلفين. فإن قلت: بماذا يتعلق إذ من قوله: "إذ خلقهم"؟ قلت: بمحذوف؛ أي: علم ذلك إذ خلقهم، والجملة معترضة بين المبتدأ والخبر، ولا يصح تعلقها بأفعلِ التفضيل؛ لتقدمها عليه، وقد يقال بجوازه مع التقدم؛ لأنه ظرف، فيتسع فيه. ٨٠٥ - (١٣٨٤) - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءُ بْنُ يزِيدَ اللَّيْثِيُّ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: سُئِلَ النَّبيُّ ﷺ عَن ذَرَارِيِّ الْمُشْرِكينَ، فَقَالَ: "اللَّهُ أَعْلَمُ بمَا كانوُا عَامِلِينَ". (ذراريِّ المشركين): أي: أولادهم الذين (١) لم يبلغوا الحلم، وهو بذال معجمة وياء مشددة: جمعُ ذُريَّة. باب ٨٠٦ - (١٣٨٦) - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُندَبٍ، قَالَ: كَانَ النَّبيُّ ﷺ إِذَا صَلَّى صَلَاةً، أَقْبَلَ عَلَيْنَا بوَجْهِهِ، فَقَالَ: "مَنْ رَأَى مِنْكُمُ اللَّيْلَةَ رُؤيا؟ ". قَالَ:

стр. 1289

فَإِنْ رَأَى أَحَدٌ، قَصَّهَا، فَيَقُولُ: "مَا شَاءَ اللَّهُ". فَسَأَلنا يَوْماً، فَقَالَ: "هلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رُؤْيَا؟ ". قُلْنَا: لَا، قَالَ: "لَكِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أتيَانِي فَأَخَذَا بيَدِي، فَأَخْرَجَانِي إِلَى الأَرْض الْمُقَدَّسَةِ، فَإِذَا رَجُل جَالِسٌ، وَرَجُل قَائِمٌ بيَدِهِ كَلُّوب مِنْ حَدِيدٍ". قَالَ بَعْضُ أَصحَابنَا عَنْ مُوسَى: "إِنَّهُ يُدخِلُ ذَلِكَ الْكَلُّوبَ فِي شِدقِهِ حَتَّى يَبْلُغَ قَفَاهُ، ثُمَّ يَفْعَلُ بشِدقِهِ الآخَرِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَيَلْتَئِمُ شِدقُهُ هذَا، فَيَعُودُ فَيَصْنعُ مِثْلَهُ. قُلْتُ: مَا هذَا؟ قَالَا: انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا، حَتَّى أتيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُضْطَجعٍ عَلَى قَفَاهُ، وَرَجُلٌ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِهِ بفِهْرٍ، أَوْ صَخْرَةٍ، فَيَشْدَخُ بهِ رَأْسَهِ، فَإِذَا ضَرَبَهُ، تَدَهْدَه الْحَجَرُ، فَانْطَلَقَ إِلَيْهِ لِيَأْخُذَهُ، فَلَا يرْجِعُ إِلَى هذَا حَتَّى يَلْتَئِمَ رَأْسُهُ، وَعَادَ رَأْسُهُ كمَا هُوَ، فَعَادَ إِلَيْهِ فَضَرَبَهُ، قُلْتُ: مَنْ هذَا؟ قَالَا: انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا إِلَى ثَقْبٍ مِثْلِ التَّنُّورِ، أَعْلَاهُ ضَيِّق، وَأَسْفَلُهُ وَاسع، يتَوَقَّدُ تَحتَهُ نَاراً، فَإِذَا اقْتَرَبَ، ازتَفَعُوا حَتَّى كَادَ أَنْ يَخْرُجُوا، فَإِذَا خَمَدَتْ، رَجَعُوا فِيها، وَفِيهَا رِجَالٌ وَنسَاءٌ عُرَاةٌ، فَقُلْتُ: مَنْ هذَا؟ قَالَا: انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا، حَتَّى أتيْنَا عَلَى نهرٍ مِنْ دَمٍ فِيهِ رَجُلٌ قَائِمٌ، عَلَى وَسَطِ النَّهرِ رَجلٌ بَيْنَ يَدَيْهِ حِجَارَةٌ، فَأَقْبَلَ الرَّجُلُ الَّذِي فِي النَّهرِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ، رَمَى الرَّجُلُ بحَجَرٍ فِي فِيهِ، فَرَدَّهُ حَيْثُ كَانَ، فَجَعَلَ كُلَّمَا جَاءَ لِيَخْرُجَ، رَمَى فِي فِيهِ بحَجَرٍ، فَيَرْجِعُ كمَا كَانَ، فَقُلْتُ: مَا هذَا؟ قَالَا: انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا، حَتَّى انْتَهيْنَا إِلَى رَوْضَةٍ خَضْرَاءَ، فِيها شَجَرَةٌ عَظِيمَة، وَفِي أَصلها شَيخٌ وَصِبْيَانٌ، وَإذَا رَجُل قَرِيب مِنَ الشَّجَرَةِ، بَيْنَ يَدَيْهِ نَارٌ يُوقدُها، فَصَعِدَا بي فِي الشَّجَرَةِ، وَأَدخَلَانِي داراً، لَمْ أَرَ قَطُّ أَحْسَنَ مِنْها، فِيها رِجَالٌ شُيُوخٌ، وَشَبَابٌ وَنسَاء وَصِبْيَانٌ، ثُمَّ أَخْرَجَانِي مِنْها، فَصَعِدَا بي الشَّجَرَةَ، فَأدخَلَانِي داراً، هِيَ أَحْسَنُ وَأَفْضَلُ، فِيها شُيُوخٌ وَشَبَابٌ، قُلْتُ: طَوَّفْتُمَانِي اللَّيْلَةَ، فَأَخْبرَانِي عَمَّا

стр. 1290

رَأَيْتُ. قَالَا: نَعم، أَمَّا الَّذِي رَأَيْتَهُ يُشَقُّ شِدقُهُ، فَكَذَّابٌ، يُحَدِّثُ بالْكَذْبَةِ، فَتُحْمَلُ عَنْهُ حَتَّى تَبْلُغَ الآفَاقَ، فَيُصْنَعُ بهِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَالَّذِي رَأَيْتَهُ يُشْدَخ رَأْسُهُ، فَرَجُلٌ عَلَّمَهُ اللَّهُ الْقرْآنَ، فَنَامَ عَنْهُ باللَّيْلِ، وَلَم يَعْمَلْ فِيهِ بالنَّهارِ، يُفْعَلُ بهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَالَّذِي رَأَيْتَهُ فِي الثَّقْب، فَهُمُ الزُّنَاةُ، وَالَّذِي رَأَيْتَهُ فِي النَّهرِ آكلُو الرِّبَا، وَالشَّيْخُ فِي أَصْلِ الشَّجَرَةِ إِبْرَاهِيمُ ﵇، وَالصِّبْيَانُ حَوْلَهُ فَأَوْلَادُ النَّاسِ، وَالَّذِي يُوقدُ النَّارَ مَالِكٌ خَازِنُ النَّارِ، وَالدَّارُ الأُولَى الَّتِي دَخَلْتَ دارُ عَامَّةِ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَمَّا هذه الدَّارُ، فَدَارُ الشُّهدَاءَ، وَأَنَا جِبْرِيلُ، وَهذَا مِيكَائِيلُ، فَارفَع رَأْسَكَ، فَرَفَعتُ رَأْسِي، فَإِذَا فَوْقي مِثْلُ السَّحَاب، قَالَا: ذَاكَ مَنْزِلُكَ، قُلْتُ: دَعَانِي أَدخُلْ مَنْزِلي، قَالَا: إِنَّهُ بقِيَ لَكَ عُمرٌ لَمْ تَسْتكْمِلْهُ، فَلَوِ اسْتكْمَلْتَ، أتيْتَ مَنْزِلَكَ". (فإذا رجل جالس): برفع "جالس"، ويجوز نصبه، وقد مر له نظائر. (كَلُّوب من حديد): بفتح الكاف وتشديد اللام، قال الجوهري: هو المِنْشال (١) ذلك الكُلَاّب، والجمعُ الكلاليب (٢). وقال ابن بطال: الكَلُّوب: خشبة في رأسها عُقافة (٣). قلت: لا يتأتى تفسيرُ ما في الحديث بهذا (٤)؛ لتصريحه فيه بأنه من حديد

стр. 1291

(في شِدقه): بكسر الشين المعجمة وإسكان الدال المهملة. (بفِهْر): -بكسر الفاء وإسكان الهاء-: هو الحجر ملء الكف. (فيشدخ به رأسه): أي: يكسر (١). قال الجوهري: الشَّدْخُ: كسرُ الشيءِ الأجوفِ، تقول (٢): شَدَخْتُ رأسهُ فَانْشَدخَ (٣). ويَشدَخ (٤): بفتح الياء (٥) والدال. (تَدَهْدَة الحجرُ): أي: تدحرج. (إلى نَقْب (٦)): -بنون مفتوحة فقاف ساكنة-: مثل الحفيرة. (يتوقد تحتُه ناراً): رأيته في نسخة -بضم التاء (٧) الثانية (٨) من "تحته" (٩)، وصحح عليها، وكان هذا (١٠) بناء على أن "تحته" فاعل "تتوقد"،

стр. 1292

ونصوصُ أهل العربية تأباه؛ فقد صرحوا بأن فوق وتحت من الظروف المكانية العادمة (١) للتصرف، فينبغي تحريرُ الرواية في ذلك. وكلام ابن مالك صريحٌ في أن "تحته" منصوب لا مرفوع، وذلك (٢) لأنه قال (٣): نُصب (٤) "ناراً" على التمييز، وأسند "يتوقد" إلى ضمير عائد إلى النقب، والأصل: "تتوقد نارُه تحتَه". قال (٥): ويجوز أن يكون فاعل "تتوقد" موصولاً بتحته، فحذف، وبقيت صلته دالة عليه؛ لوضوح المعنى، والتقدير: يتوقد (٦) الذي تحته، أو ما تحتَه ناراً، وهو مذهب الكوفيين والأخفش، واستصوبه (٧) ابنُ مالك، واستدل عليه بأمور قدرها في "التوضيح" وغيره، فلينظر هناك (٨). (فإذا فترت): كذا وقع في رواية الشيخ أبي الحسن؛ من الفتور، وهو الانكسار والضعف، واستشكل بأن بعده: "فإذا خمدت، رجعوا"، ومعنى الفتور والخمود (٩) واحد، ولأبي ذر: "أَفترت" بهمزة قطع وفاء. قال ابن المنير: وصوابه: قَتَرت، بالقاف.

стр. 1293

قال السفاقسي: ومعناه: التهبت، وارتفع فُوارُها (١)؛ لأن القَتَرَ: الغبار. (فإذا خَمَدت): -بفتح الخاء المعجمة والميم- تَخْمُد -بضمها- خُموداً: سَكن لهبها، ولم يطفأ جمرها. (فجعل كما جاء ليخرج، رمى في فِيهِ بحجر): فيه وقوع خبر "جعل" التي هي من أفعال (٢) المقاربة جملة فعلية مصدرة (٣) بكلما (٤)، والأصلُ فيه أن يكون فعلاً مضارعاً، تقول: جعلتُ أفعلُ، هذا هو الاستعمال المطَّرد، وما جاء بخلافه فهو منبهٌ على أصل متروك، وذلك (٥) أن سائر أفعال المقارية مثل كان في الدخول على مبتدأ وخبر (٦) (٧)، فالأصلُ أن يكون خبرها كخبر كان في وقوعه مفرداً، وجملة (٨) اسمية وفعلية، وظرفاً، فترك الأصل، والتزم كون الخبر مضارعاً، ثم نبه على الأصل شذوذاً في مواضع. (قلت: طَوّفتماني): -بطاء مفتوحة وواو مشددة ونون قبل الياء-، ويروى: "طَوَّفْتُمَا بي" بباء الجر عوض النون، يقال: طَوَّفَ الرجلُ

стр. 1294

- قاصراً (١) -: إذا (٢) أكثر من الطواف. قال الشاعر: [من الوافر] أُطَوِّفُ مَا أُطَوِّفُ ثُمَّ آوِي ... إِلَى بَيْت قَعِيدَتُهُ لَكَاعِ (٣) ويقال: طَوَّفْتُه أنا، متعدياً. (الذي رأيته يشق رأسه، فكذاب): الأغلبُ في الموصول (٤) الذي تدخل الفاء في خبره أن يكون عاما، وصلتُه مستقبلة، وقد يكون خاصاً، وصلتُه ماضية؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٦٦]، وكما في هذا الحديث. (بالكِذبة): قال الزركشي: بكاف مكسورة (٥). (فتحمَل عنه): بميم مخففة. قال الزركشي: وقيل: مشددة (٦). (والذي رأيته في النقب (٧)، فهم الزناة): قد يشكل الإخبار عن الذي بقوله: "هم الزناة"، لاسيما والعائد على الذي من قوله: "والذي (٨) رأيته"

стр. 1295

لا يخفى (١) كونه مفرداً، وقد يجاب: بأن المعنى: والفريق الذي رأيته في النقب، فهم الزناة، فروعي اللفظ تارة، والمعنى أخرى. وبهذا يجاب أيضاً عن قوله: "وَالذي رأيتَه في النهر آكلو الربا". (والشيخ في أصل الشجرة إبراهيم ﷺ ): أي: والشيخ الكائن في أصل الشجرة؛ فإن الظاهر كونُ الظرف -أعني: في الشجرة- صفةً للشيخ، فيقدر عاملُه اسماً معرفاً لذلك (٢) رعايةً لجانب المعنى، وإن كان المشهور تقديره فعلاً أو اسماً منكَّراً، لكن ذاك إنما هو حيث لا مقتضى (٣) للعدول عن التنكير، والمقتضى هنا قائم؛ إذ لا يجوز أن يكون ظرفاً لغواً معمولاً للشيخ؛ إذ لا معنى له أصلاً، ولا أن يكون ظرفاً مستقراً حالاً من الشيخ؛ إذ الصحيح امتناعُ وقوع (٤) الحال من المبتدأ، ولك أن تجعل الظرف المستقر (٥) صلة لموصول محذوف على مذهب الكوفيين والأخفش، كما مر آنفاً. (والصبيانُ حوله، فأولادُ الناس): هذا موضع ترجمة البخاري؛ فإن الناس عامٌّ يشمل المؤمنين وغيرَهم، والكلام في متعلق (٦) الظرف -أعني: حوله- كما تقدم، والفاء زائدة في الخبر، ومثله مقيسٌ عند الأخفش.

стр. 1296

باب: موتِ يومِ الإثنينِ ٨٠٧ - (١٣٨٧) - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا وهيبٌ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: دَخَلْتُ عَلَى أَبي بَكْرٍ ﵁، فَقَالَ: فِي كمْ كَفَّنْتُمُ النَّبيَّ ﷺ ؟ قَالَتْ: فِي ثَلَاثَةِ أثوَابٍ بيضٍ سَحُوليَّةٍ، لَيْسَ فِيها قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ. وَقَالَ لَها: فِي أَيِّ يَوْمٍ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَتْ: يَوْمَ الاِثْنَيْنِ. قَالَ: فَأَيُّ يَوْمٍ هذَا؟ قَالَتْ: يَوْمُ الاِثْنَيْنِ. قَالَ: أَرجُو فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ اللَّيْلِ. فَنَظَرَ إِلَى ثَوْبٍ عَلَيْهِ كانَ يُمَرَّضُ فِيهِ، بهِ رَدعٌ مِنْ زَغفَرَانٍ، فَقَالَ: اغْسِلُوا ثَوْبي هذَا، وَزِيدُوا عَلَيهِ ثَوْبَيْنِ، فَكَفِّنُونِي فِيها. قُلْتُ: إِنَّ هذَا خَلَق؟ قَالَ: إِنَّ الْحَيَّ أَحَقُّ بالْجَدِيدِ مِنَ الْمَيِّتِ، إِنَّمَا هُوَ لِلْمُهْلَةِ. فَلَمْ يُتَوَفَّ حَتَّى أَمْسَى مِنْ لَيْلَةِ الثُّلَاثَاءَ، وَدفُنَ قَبْلَ أَنْ يصْبحَ. (فكفنوني فيهما): جعل الثوبَ الذي كان تَمَرَّضَ (١) فيه قسماً، وجعلَ الثوبين المزيدين عليه قسماً آخر، فأعاد (٢) [عليهما ضميرَ الاثنين، وعلى هذا أكثرُ الرواة، ويروى: "فيها (٣) " بضمير المؤنث عائداً على الأثواب الثلاثة] (٤).

стр. 1297

(إنما هو للمُهْلَة): - مثلث (١) الميم-: صديدُ الميت (٢)، قاله النووي (٣). باب: مَوْتِ الْفَجْأَةِ: الْبَغْتَةِ (باب: موت الفجأة بغتةً): و (٤) في نسخة: "البغتة" بالتعريف. قال الزركشي: البغتةُ: الفجاةُ، فيشكل (٥) تبويبُ (٦) البخاري (٧). قلت: لا إشكالَ ألبتةَ؛ فإن مقصده تفسيرُ الفجأة بلفظٍ أشهرَ في معناها، وهو البغتة. ٨٠٨ - (١٣٨٨) - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبي مرْيَمَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي هِشَامٌ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رَجُلاً قَالَ لِلنَّبيِّ ﷺ : "إِنَّ أمِّي افْتُلِتَتْ نفسُهَا، وَأَظُنها لَوْ تَكَلَّمَتْ، تَصَدَّقَتْ، فَهلْ لَها أَجْرٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْها؟ قَالَ: "نَعم".

стр. 1298

(أن رجلاً قال للنبي: ﷺ إن أمي افْتُلِتَتْ نفسُها): قال أبو عمرَ بنُ عبدِ البَرِّ، يقال: إن هذا الرجلَ هو سعدُ بنُ عُباد (١)، واسمُ أمه عَمرَةُ بنتُ سعدٍ من بني النجار، وقيل: عمرةُ بنتُ مسعود، توفيت سنة خمس من الهجرة. "وافتُلتت": -بفاء ومثناة من فوق مضمومة- مبني للمفعول؛ أي (٢): ماتتْ فلتة؛ أي: فجأة، و"نفسُها" يروى: بالنصب. قال القاضي: هو أكثرُ الروايات على أنه المفعول الثاني بإسقاط حرف الجر، والأولُ مضمَرٌ، وهو القائم (٣) مقام الفاعل (٤). قلت: أو يضمن، افتلتت معنى (٥) سُلبت، فيكون "نفسَها" مفعولاً ثانياً، لا على (٦) إسقاط الجار. ويروى بالرفع على أنه النائبُ عن الفاعل. (فهل لها أجر إن تصدقتُ عنها): قال الزركشي: الرواية الصحيحة بكسر "إِن (٧) " على أَنها شرطية، ولا يصح قولُ مَنْ فتحَها؛ لأنه إنما سأل عمَّا لم يفعل (٨).

стр. 1299

قلت: إن ثبتت (١) لنا رواية بفتح (٢) الهمزة من "أَنْ (٣) " أمكن تخريجُها على مذهب الكوفيين في صحة مجيء أن المفتوحة الهمزة شرطيةً كإن المكسورة، ورجحه ابن هشام (٤)، والمعنى حينئذ صحيح بلا شك. قال ابن المنير: إنما ترجم البخاري على موت الفجأة، وذكر الحديث الذي (٥) أثبت الأجر لهذه التي ماتت فجأة؛ ليُتبين (٦) معاني الأحاديث التي وردت في الاستعاذة من موت الفجاة، وأنها (٧) لا يؤيس من صاحبها، ولا يخرج بها (٨) عن حكم الإسلام، ورجاء الثواب، وإن كانت مستعاذاً منها؛ لما يفوت بها من خير الوصية والاستعداد (٩). باب: ما جاء في قبرِ النبيِّ ﷺ أبي بكرٍ وعمرَ ﵄ ٨٠٩ - (١٣٨٩) - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ، عَنْ هِشَامٍ. وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مرْوَانَ يَحيىَ بْنُ أَبي زكرِيَّاءَ، عَنْ

стр. 1300

هِشَامٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيتعَذَّرُ فِي مَرَضهِ: "أَيْنَ أَنَا الْيَوْمَ؟ أَيْنَ أَنَا غَدا؟ "؛ اسْتِبْطَاءً لِيَوْمِ عَائِشَةَ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمِي، قَبَضَهُ اللَّهُ بَيْنَ سَحْرِي وَنَحْرِي، وَدُفِنَ فِي بَيْتِي. (ليتعذر): كذا هو لأبي ذر: بعين مهملة وذال معجمة. قال الخطابي: التعذُر كالممتنع (١)، ولسائر الرواة: "ليتقدر" بالقاف والدال المهملة (٢). قال الداودي: معناه: يسأل (٣) عن قدرِ ما بقي إلى يومها؛ ليهون عليه بعض (٤) ما يجد؛ لأن المريض يجدُ عندَ بعض أهله ما لا يجدُه عند بعض من الأُنس والسكون. (أين أنا اليوم؟): يريد: لمن النوبة اليوم؟ ولمن النوبة غداً؟ (بين سَحْري ونحري): -بفتح أولهما وإسكان ثانيهما-، تريد: بين جنبي وصدري، فالسَّحْرُ: الرئة، فأطلقته على الجنب مجازاً من باب (٥) تسميةِ المحلّ باسمِ الحالَّ فيه، والنَّخرُ: الصدر. ٨١٠ - (١٣٩٢) - حَدَّثَنَا قتيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ المَجيدِ، حَدَّثَنَا حُصَيْنُ بنُ عَبْدِ الرّحْمنِ، عَنْ عَمرِو بْنِ مَيْمُونٍ الأَوْدِيِّ، قال: رَأَيْتُ عُمَرَ
следующие страницы →