← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16684

مصابيح الجامع

بدر الدين الدماميني

Полный текст (4 546 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

باب: موتِ يومِ الإثنينِ ٨٠٧ - (١٣٨٧) - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا وهيبٌ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: دَخَلْتُ عَلَى أَبي بَكْرٍ ﵁، فَقَالَ: فِي كمْ كَفَّنْتُمُ النَّبيَّ ﷺ ؟ قَالَتْ: فِي ثَلَاثَةِ أثوَابٍ بيضٍ سَحُوليَّةٍ، لَيْسَ فِيها قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ. وَقَالَ لَها: فِي أَيِّ يَوْمٍ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَتْ: يَوْمَ الاِثْنَيْنِ. قَالَ: فَأَيُّ يَوْمٍ هذَا؟ قَالَتْ: يَوْمُ الاِثْنَيْنِ. قَالَ: أَرجُو فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ اللَّيْلِ. فَنَظَرَ إِلَى ثَوْبٍ عَلَيْهِ كانَ يُمَرَّضُ فِيهِ، بهِ رَدعٌ مِنْ زَغفَرَانٍ، فَقَالَ: اغْسِلُوا ثَوْبي هذَا، وَزِيدُوا عَلَيهِ ثَوْبَيْنِ، فَكَفِّنُونِي فِيها. قُلْتُ: إِنَّ هذَا خَلَق؟ قَالَ: إِنَّ الْحَيَّ أَحَقُّ بالْجَدِيدِ مِنَ الْمَيِّتِ، إِنَّمَا هُوَ لِلْمُهْلَةِ. فَلَمْ يُتَوَفَّ حَتَّى أَمْسَى مِنْ لَيْلَةِ الثُّلَاثَاءَ، وَدفُنَ قَبْلَ أَنْ يصْبحَ. (فكفنوني فيهما): جعل الثوبَ الذي كان تَمَرَّضَ (١) فيه قسماً، وجعلَ الثوبين المزيدين عليه قسماً آخر، فأعاد (٢) [عليهما ضميرَ الاثنين، وعلى هذا أكثرُ الرواة، ويروى: "فيها (٣) " بضمير المؤنث عائداً على الأثواب الثلاثة] (٤).

стр. 1297

(إنما هو للمُهْلَة): - مثلث (١) الميم-: صديدُ الميت (٢)، قاله النووي (٣). باب: مَوْتِ الْفَجْأَةِ: الْبَغْتَةِ (باب: موت الفجأة بغتةً): و (٤) في نسخة: "البغتة" بالتعريف. قال الزركشي: البغتةُ: الفجاةُ، فيشكل (٥) تبويبُ (٦) البخاري (٧). قلت: لا إشكالَ ألبتةَ؛ فإن مقصده تفسيرُ الفجأة بلفظٍ أشهرَ في معناها، وهو البغتة. ٨٠٨ - (١٣٨٨) - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبي مرْيَمَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي هِشَامٌ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رَجُلاً قَالَ لِلنَّبيِّ ﷺ : "إِنَّ أمِّي افْتُلِتَتْ نفسُهَا، وَأَظُنها لَوْ تَكَلَّمَتْ، تَصَدَّقَتْ، فَهلْ لَها أَجْرٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْها؟ قَالَ: "نَعم".

стр. 1298

(أن رجلاً قال للنبي: ﷺ إن أمي افْتُلِتَتْ نفسُها): قال أبو عمرَ بنُ عبدِ البَرِّ، يقال: إن هذا الرجلَ هو سعدُ بنُ عُباد (١)، واسمُ أمه عَمرَةُ بنتُ سعدٍ من بني النجار، وقيل: عمرةُ بنتُ مسعود، توفيت سنة خمس من الهجرة. "وافتُلتت": -بفاء ومثناة من فوق مضمومة- مبني للمفعول؛ أي (٢): ماتتْ فلتة؛ أي: فجأة، و"نفسُها" يروى: بالنصب. قال القاضي: هو أكثرُ الروايات على أنه المفعول الثاني بإسقاط حرف الجر، والأولُ مضمَرٌ، وهو القائم (٣) مقام الفاعل (٤). قلت: أو يضمن، افتلتت معنى (٥) سُلبت، فيكون "نفسَها" مفعولاً ثانياً، لا على (٦) إسقاط الجار. ويروى بالرفع على أنه النائبُ عن الفاعل. (فهل لها أجر إن تصدقتُ عنها): قال الزركشي: الرواية الصحيحة بكسر "إِن (٧) " على أَنها شرطية، ولا يصح قولُ مَنْ فتحَها؛ لأنه إنما سأل عمَّا لم يفعل (٨).

стр. 1299

قلت: إن ثبتت (١) لنا رواية بفتح (٢) الهمزة من "أَنْ (٣) " أمكن تخريجُها على مذهب الكوفيين في صحة مجيء أن المفتوحة الهمزة شرطيةً كإن المكسورة، ورجحه ابن هشام (٤)، والمعنى حينئذ صحيح بلا شك. قال ابن المنير: إنما ترجم البخاري على موت الفجأة، وذكر الحديث الذي (٥) أثبت الأجر لهذه التي ماتت فجأة؛ ليُتبين (٦) معاني الأحاديث التي وردت في الاستعاذة من موت الفجاة، وأنها (٧) لا يؤيس من صاحبها، ولا يخرج بها (٨) عن حكم الإسلام، ورجاء الثواب، وإن كانت مستعاذاً منها؛ لما يفوت بها من خير الوصية والاستعداد (٩). باب: ما جاء في قبرِ النبيِّ ﷺ أبي بكرٍ وعمرَ ﵄ ٨٠٩ - (١٣٨٩) - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ، عَنْ هِشَامٍ. وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مرْوَانَ يَحيىَ بْنُ أَبي زكرِيَّاءَ، عَنْ

стр. 1300

هِشَامٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيتعَذَّرُ فِي مَرَضهِ: "أَيْنَ أَنَا الْيَوْمَ؟ أَيْنَ أَنَا غَدا؟ "؛ اسْتِبْطَاءً لِيَوْمِ عَائِشَةَ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمِي، قَبَضَهُ اللَّهُ بَيْنَ سَحْرِي وَنَحْرِي، وَدُفِنَ فِي بَيْتِي. (ليتعذر): كذا هو لأبي ذر: بعين مهملة وذال معجمة. قال الخطابي: التعذُر كالممتنع (١)، ولسائر الرواة: "ليتقدر" بالقاف والدال المهملة (٢). قال الداودي: معناه: يسأل (٣) عن قدرِ ما بقي إلى يومها؛ ليهون عليه بعض (٤) ما يجد؛ لأن المريض يجدُ عندَ بعض أهله ما لا يجدُه عند بعض من الأُنس والسكون. (أين أنا اليوم؟): يريد: لمن النوبة اليوم؟ ولمن النوبة غداً؟ (بين سَحْري ونحري): -بفتح أولهما وإسكان ثانيهما-، تريد: بين جنبي وصدري، فالسَّحْرُ: الرئة، فأطلقته على الجنب مجازاً من باب (٥) تسميةِ المحلّ باسمِ الحالَّ فيه، والنَّخرُ: الصدر. ٨١٠ - (١٣٩٢) - حَدَّثَنَا قتيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ المَجيدِ، حَدَّثَنَا حُصَيْنُ بنُ عَبْدِ الرّحْمنِ، عَنْ عَمرِو بْنِ مَيْمُونٍ الأَوْدِيِّ، قال: رَأَيْتُ عُمَرَ

стр. 1301

ابْنَ الخَطَّاب ﵁، قَالَ: يَا عبد الله بْنَ عُمَرَ! اذْهبْ إِلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ ﵂، فَقُلْ: يَقْرَأُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّاب عَلَيْكِ السَّلَامَ، ثُمَّ سَلهَا أَنْ أُدفَنَ مَعَ صَاحِبَيَّ، قَالَتْ: كنْتُ أُرِيدُهُ لِنَفْسِي، فَلأُوثرَنَّهُ الْيَوْمَ عَلَى نفسِي، فَلَمَّا أَقْبَلَ، قَالَ لَهُ: مَا لَدَيْكَ؟ قَالَ: أَذِنَتْ لَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ: مَا كَانَ شَيْء أَهمَّ إِلَيَّ مِنْ ذَلِكَ الْمَضْجَعِ، فَإِذَا قُبضْتُ، فَاحمِلُونِي، ثُمَّ سَلِّمُوا، ثُمَّ قُلْ: يَسْتَأْذِنُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّاب، فَإِنْ أَذِنَتْ لِي، فَادفِنُوني، وَإِلَّا، فَرُدُّؤنِي إِلَى مَقَابرِ الْمُسْلِمِينَ. إِنِّي لَا أَعلَمُ أَحَداً أَحَق بهذَا الأَمْرِ مِنْ هؤُلَاءَ النَّفَرِ، الَّذِينَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَنْهُم رَاضٍ، فَمَنِ اسْتَخْلَفُوا بَعْدِي، فَهُوَ الْخَلِيفَةُ، فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا، فَسَمَّى: عُثْمَانَ، وَعَلياً، وَطَلْحَةَ، وَالزُّبَيْرَ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، وَسَعْدَ بْنَ أَبي وَقَّاصٍ. وَوَلَجَ عَلَيْهِ شَابٌّ مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ: أَبْشِر يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ببُشْرَى اللَّهِ، كَانَ لَكَ مِنَ الْقِدَمِ فِي الإسْلَامِ مَا قَدْ عَلِمتَ، ثُمَّ اسْتُخْلِفْتَ فَعَدَلْتَ، ثُمَّ الشَّهادَةُ بَعْدَ هذَا كُلِّهِ. فَقَالَ: لَيْتَنِي يَا بْنَ أَخِي وَذَلِكَ كفَافاً، لَا عَلَيَّ وَلَا لِي، أُوصِي الْخَلِيفَةَ مِنْ بَعدِي بالْمُهاجِرِينَ الأَوَّلِينَ خَيْراً أَنْ يَعرِفَ لَهُم حَقَّهُم، وَأَنْ يَحْفَظَ لَهُم حُرمَتَهم، وَأُوصِيهِ بالأَنْصَارِ خَيْراً، الَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإيمَانَ، أَنْ يُقْبَلَ مِنْ مُحْسِنِهم، وَيُعفَى عَنْ مُسِيئهمْ، وَأُوصِيهِ بذِمَّةِ اللَّهِ وَذِمَّةِ رَسُولهِ ﷺ أَنْ يُوفَى لَهُم بعَهْدِهم، وَأَنْ يُقَاتَلَ مِنْ وَرَائِهِم، وَأَنْ لَا يُكَلَّفُوا فَوْقَ طَاقَتِهِم.

стр. 1302

(حُصين بن عبد الرحمن): بضم الحاء المهملة وفتح الصاد المهملة، مصغَّر. (قالت: كنتُ (١) أريدُه لنفسي، فلأوثرنه اليومَ على نفسي): قد ورد أن الحظوظ الدينية لا إيثارَ فيها؛ كالصف الأول ونحوِه، فكيف آثرتْ عائشةُ عمرَ ﵄؟ وأجاب ابن المنير: بأن الحظوظ المستحقة بالسوابق ينبغي فيها إيثارُ الأفضل، فعلمت عائشة فضلَ عمر (٢)، فآثرته كما ينبغي لصاحب المنزل إذا كان مفضولاً أن يؤثر (٣) بفضل الإمامة من هو أفضلُ منه إذا حضر منزلَه، وإن كان الحقُّ لصاحب المنزل. (المضْجَع): بفتح الجيم. (فإذا قُبضت، فاحملوني، ثم سلموا، ثم قل: يستأذن عمرُ بن الخطاب، فإن أذنت لي، فادفنوني): فيه (٤) من الفقه أن (٥) من ومحمد (٦) بعِدَة يجوز له الرجوعُ فيها، ولا يُقضى عليه بالوفاء بها؛ لأن عمر (٧) لو علم لزومَ ذلك لها، لم يستأذن ثانياً.

стр. 1303

قلت: فيه نظر. أما أولاً: فلأنها (١) لو كان لها الرجوعُ، لم يكن في استئذانها أولاً (٢) كبيرُ فائدة، ولا اطمأنت نفسُ عمر ﵁ مما كان أهمَّ الأشياء عنده. وأما ثانياً: فلأن لمن (٣) يرى اللزومَ بمجرد القول أن يقول (٤): قد صار الحقُّ متمحِّضاً لعمر (٥) ﵁، لكنه لورعه وعلوِّ مرتبته في الدين قصد ألا يضاجع سيدَ الخلق -صلوات الله عليه وسلامه- إلا على أكمل الوجوه، فبالغ لنفسه في الاحتياط حيث أمر بالاستئذان. ثانياً: ليتحقق بقاءَ طيب نفسِ عائشة ﵂ بما أذنتْ فيه أولاً، وينتفي (٦) ما كان يخشاه من عدم استمرار طيب نفسها بدفنه في بيتها، وأن تكون قد نزعت (٧) عما (٨) أذنتْ فيه، وإن كان ذلك غيرَ مؤثِّر في الحكم، والاحتياطُ بالخروج من الخلاف، والعملُ [بالأمر المتيقن لم يزل دأبَ أهل الورع، وهو الأليقُ بمقام عمر ﵁] (٩)، فليس حينئذ

стр. 1304

في الاستئذان ثانياً دليلٌ على ما قاله ذلك المستنبط (١)، فتأمله. (وولج): أي: دخل. (عليه شابٌّ (٢) من الأنصار): فسره بعضهم بابن عباس ﵄، وقوله: "من الأنصار" يدفعُه، أو يبعده. (من القِدَم في الإسلام): بكسر القاف وفتح (٣) الدال. باب: ذِكرِ شرَارِ الْمَوْتَى (باب: ذكر شرار الموتى): يحتمل أن يريد الخصوص بالكفار، فتطابق: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: ١] الترجمة. ويحتمل أن يريد العموم حتى في شرار المؤمنين؛ قياساً للمسلم المجاهر بالشر على الكافر؛ لأن المعلنَ لا غيبة له. وقد حمل بعضُهم على البخاري أنه أراد العموم، فظن (٤) به النسيان؛ لحديث (٥) أنس المتقدم: "مروا بجنازة، فأثنوا عليها شراً" (٦) الحديث، وقال: هذا كان أَولى بالترجمة من هذا الحديث الذي تضمنه (٧).

стр. 1305

قال ابن المنير: والظاهر أن البخاري جرى على عادته في الاستنباط الخفي، والإحالة في الظاهر الجلي على (١) سبق الأفهام (٢) إليه، على أن في الآية مزية، وهي تسميةُ المذمومِ باسمه في الكتاب العزيز الذي يبقى ولا يبلى آخرَ الدهر. ٨١١ - (١٣٩٤) - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبي، حَدَّثَنَا الأَعمَشُ، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ أبو لَهبٍ -عَلَيْهِ لعنَةُ اللهِ- لِلنَّبيِّ ﷺ : تَبًّا لَكَ سَائِرَ الْيَوْمِ، فَنَزَلَتْ: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: ١]. (عن ابن عباس، قال أبو لهب للنبي ﷺ ): قال الإسماعيلي: هذا الحديث مرسَل؛ فإن الآية الكريمة نزلت بمكة، وكان ابنُ عباس إذ ذاك صغيراً. قال مغلطاي: بل كان على بعض الأقوال غيرَ موجود. قلت: فهو (٣) من مراسيل الصحابة، والجمهورُ على صحة الاحتجاج بها كما سبق في: بدء الوحي.

стр. 1306

كتاب الزكاة

стр. 1307

كِتَابُ الزَّكَاةِ (كتاب: الزكاة): قال نِفْطَوَيْهِ: سُميت بذلك؛ لأن مؤدّيها يتزكَّى إلى الله تعالى؛ أي (١): يتقرَّبُ إليه بصالح (٢) العمل. وقيل: تطلق الزكاة لغةً، ويرادُ بها: النماءُ؛ كقولهم: زكا الزرع، فسميت الشرعية بذلك باعتبار أن إخراجها سببٌ للنماء (٣) في المال كما صح: "مَا نقَصَ مَالٌ مِنْ صَدَقَةٍ" (٤). والنقصانُ بإخراج القدر الواجب محسوسٌ، فلا يكونُ غيرَ ناقصٍ إلا بزيادةٍ تبلغه إلى ما كان عليه، إما حسًّا، وإما معنى، أو باعتبار تعلُّقها بالأموال ذاتِ النماء، أو باعتبار تضعيف أجورها، وتطلق أيضاً ويراد بها الطهارة، فسميت بذلك؛ لأنها طهرٌ (٥) للنفس من رذيلة البخل (٦).

стр. 1308

باب: وُجُوب الزَّكَاة ٨١٢ - (١٣٩٥) - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِم الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ، عَنْ زكرِيَّاءَ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ يَحيىَ بْنِ عبد الله بْنِ صَيْفيٍّ، عَنْ أَبي مَعبَدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ بَعَثَ مُعَاذاً ﵁ إِلَى الْيَمَنِ، فَقَالَ: "ادعُهُمْ إِلَى شَهادَةِ أَنْ لَا إِلَه إِلَاّ اللَّهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ، فَأَعلِمهم أَنَّ الله قَدِ افْتَرَضَ عَلَيْهِم خَمسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُم أَطَاعُوا لِذَلِكَ، فَأَعلِمهُمْ أَنَّ الله افْتَرَضَ عَلَيْهمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِم، تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهم، وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهم". (تؤخذ من أغنيائهم، وترد في فقرائهم) استدل به (١) بعض المالكية لأحد القولين عندنا (٢) في أن (٣) من (٤) ملك النصاب لا يُعطى من الزكاة. واستدلَّ به بعض (٥) العلماء أيضاً على عدم جواز نقل الزكاة عن بلد المال. واعتُرض بأن المراد (٦): تؤخذ (٧) من أغنيائهم من حيث إنهم مسلمون،

стр. 1309

لا من حيث إنهم (١) أهل اليمن، وكذلك (٢) الرد إلى فقرائهم. وفيه بحث. ٨١٣ - (١٣٩٦) - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شعْبَةُ، عَنِ ابْنِ عُثْمَانَ بْنِ عبد الله بْنِ مَوهبٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبي أيوبَ ﵁: أَنَّ رَجُلاً قَالَ لِلنَّبيِّ ﷺ : أَخْبِرْنِي بعَمَلٍ يُدخِلُنِي الْجَنَّةَ. قَالَ: مَالَهُ مَالَهُ. وَقَالَ النَّبيُّ ﷺ : "أَرَب مَا لَهُ، تَعبد الله وَلَا تُشْرِكُ بهِ شَيْئاً، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤتي الزكَاةَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ". (عن أبي أيوب: أن رجلاً قال: للنبي ﷺ ): نقل عن الصريفيني (٣): أنه روى الحديث من طريق أبي أيوب، وقال فيه: إن وافد بني المنتفق (٤) قال، الحديث، فعلى هذا يكون الرجلُ هو لقيط بن عامر، ويقال: لقيطُ ابن صبرة وافد بني المنتفق (٥) أنه روى الحديث من طريق أبي أيوب، وقال فيه: إن وافد به في المنتفق (٦) (٧).

стр. 1310

(أخبرني بعمل يدخلُني الجنة): الفعل المضارع مرفوع، والجملة المصدَّرة به في محل جر صفة لعمل. (أَرَب (١) ما له): ذكر القاضي في هذه الكلمة أربع روايات: أحدها: أرِبَ -بكسر الراء وفتح الباء-، فقيل: معناه: احتاج، فسأل لحاجته (٢). وقيل: تَفَطَّن لما سألَ عنه، وَعَقَل، يقال: أَرِبَ: إذا عَقَلَ، فهو أريب. وقيل: هو تعجبٌ من حرصه (٣)، ومعناه: لله دَرُّه. وقيل: هو (٤) دعاء عليه؛ أي: سقطت آرابُه، وهي (٥) أعضاؤه؛ كما قالوا: تَرِبَتْ يمينُه، وليس على معنى الدعاء، بل على عادة العرب في استعمال هذه الألفاظ في زُعْم (٦) كلامها. الثانية: أَرِبٌ -منوناً- مثل حَذِر، ومعناه: حاذق فطن يسأل عما يعنيه؛ أي: هو أَرِبٌ، فحذف المبتدأ، ثم قال: ما له؟ أي: ما (٧) شأنه؟

стр. 1311

الثالثة: أَرَبٌ -بفتح الهمزة والراء وضم الباء منونة-، ومعناه: حاجةٌ ما له، فـ "ما" زائدة منبهةٌ (١) على وصفٍ لائقٍ بالمحل، واللائقُ هنا أن يقدر: عظيمٌ؛ لأنه سأل عن عمل يدخله الجنة، ولا أعظم من هذا الأمر. والزركشي قال: هو خبرُ مبتدأ محذوف، أو مبتدأ خبرُه محذوف، و"ما" زائدة للتقليل؛ أي: حاجةٌ يسيرة (٢). قلت: ليس خبرأ محذوفَ المبتدأ، ولا مبتدأً محذوفَ الخبر، بل هو مبتدأ مذكورُ (٣) الخبر، وساغ (٤) الابتداء به وإن كان نكرة؛ لأنه موصوف بصفة ترشد إليها "ما" الزائدة، كما تقرر، والخبر هو قوله: "له"، وأما قوله: إن المعنى حاجة يسيرة، و"ما" للتقليل، فقد علمت ما فيه، على أنه يمكن أن يكون له وجه. الرابعة: أَرَبَ -بفتح الجميع- رواه أبو ذر (٥). قال القاضي: ولا وجه له (٦). ٨١٤ - (١٣٩٧) - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيم، حَدثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِم، حَدَّثَنَا وُهيْبٌ، عَنْ يَحيَى بْنِ سَعِيدِ بْنِ حَيَّانَ، عَنْ أَبي زُرْعَةَ، عَنْ

стр. 1312

أَبي هُرَيْرَةَ ﵁: أَن أَعْرَابيًّا أتَى النَّبيَّ ﷺ ، فَقَالَ: دلنِي عَلَى عَمَلٍ إِذَا عَمِلْتُهُ دَخَلْتُ الْجَنَّةَ. قَالَ: "تَعبد الله لَا تُشْرِكُ بهِ شَيْئاً، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ، وَتُؤَدِّي الزكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ". قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بيَدِهِ! لَا أَزِيدُ عَلَى هذَا. فَلَمَّا وَلَّى، قَالَ النَّبيُّ ﷺ : "مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَلْيَنْظُرْ إِلَى هذَا". (سعيد بن حَيَّان): بحاء مهملة فمثناة من تحت. (دلنَّي): بدال مهملة مضمومة (١) فلام مفتوحة مشددة. ٨١٥ - (١٣٩٨) - حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو جَمْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ يَقُولُ: قَدِمَ وَفْدُ عَبْدِ الْقَيْسِ عَلَى النَّبيِّ ﷺ ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ هذَا الْحَيَّ مِنْ رَبيعَةَ، قَدْ حَالَتْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ كفَّارُ مُضَرَ، وَلَسْنَا نَخْلُصُ إِلَيْكَ إِلَاّ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ، فَمُرْنَا بشَيْءٍ نأخُذُهُ عَنْكَ، وَنَدعُو إِلَيْهِ مَنْ وَرَاءَنَا، قَالَ: "آمُرُكُم بأرْبَعٍ، وَأَنْهاكُم عَنْ أَربَعٍ: الإيمَانِ باللهِ، وَشَهادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ -وَعَقَدَ بيَدِهِ هكَذَا-، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزكاةِ، وَأَنْ تُؤَدُّوا خُمُسَ مَا غَنِمُتُمْ. وَأَنْهاكُمْ عَنِ الدُّبَّاءِ، وَالْحَنْتَم، وَالنَّقِيرِ، وَالْمُزَفَّتِ". وَقَالَ سُلَيْمَانُ وَأَبُو النعمَانِ، عَنْ حَمَّادٍ: "الإيمَانِ باللَّهِ: شَهادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ".

стр. 1313

(أبو جَمْرَة): بجيم وراء. (إن هذا الحي): ويروى: "إنا هذا الحيَّ" بالنصب على الاختصاص (١). ٨١٦ - (١٣٩٩) - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ ابْنُ أَبي حَمزَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنَا عبيد الله بْنُ عبد الله بْنِ عُتْبةَ بْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: لَمَّا تُوُفَيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ ﵁، وَكفَرَ مَنْ كفَرَ مِنَ الْعَرَب، فَقَالَ عُمَرُ ﵁: كيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ، وَقَد قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أُمرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ، فَمَنْ قَالَها، فَمَن عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلَاّ بحَقِّهِ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ"؟! (شعيب بن أبي حَمزَة): بحاء مهملة (٢) وزاي. (فقال عمر: كيفَ تقاتلُ الناس): إلى آخر الحديث. قال ابن المنير: وكيفيةُ تنزيلِ مناظرةِ العمرين (٣) ﵄ على القواعد أن نقول: استدل عمرُ -رضي الله عئه- على عصمةِ مانعي الزكاة بكلام معناه: أن العصمةَ من لوازم كلمة الشهادة، وقد قالها

стр. 1314

هؤلاء، فثبتت (١) لهم العصمةُ؛ عملاً بقوله: "فإذَا قالوها عَصَموا مني دماءهم" (٢)، والعموم يتناولهم؛ لأن الضمير عائدٌ على الناس في قوله: "أُمرتُ أن أقاتلَ الناسَ"، فهو استدلال بالعموم (٣). قلت: الذي في البخاري: "فمن قالها، فقد عصمَ مني مالَه ونفسَه" وهو صريح في العموم، غيرُ محتاج إلى الاستدلال على عموم الضمير بعموم مُعاده (٤). ثم قال: وبين له أبو بكر ﵁ أن العمومَ لا يتناولهم؛ لأنه قال: "إلا (٥) بحقها"، والحقُّ إن كان مجملاً، وقد اسُتثني من العام، انسحب الإجمالُ على أول (٦) المقال، فبطلَ الاستدلالُ بالعموم، وهي قاعدةٌ مختلَفٌ فيها في العام إذا استُثني منه مجمَل (٧)، هل يبقى عاماً، أو مجملاً؟ وإن كان الحق مبيناً، فالزكاة من الحق، وكما (٨) لا يتناول العصمةَ مَنْ لم يؤدّ حقَّ الصلاة، كذلك لا يتناولُ العصمةَ مَنْ لم يؤدّ حقَّ الزكاة، وإذا لم يتناولهم العصمةُ، بقوا في عموم قوله: "أُمرت أن أقاتلَ الناس"، فوجب قتالهُم حينئذ.

стр. 1315

وهذا من لطيف النظر (١) أن يقلبَ (٢) المعترضُ (٣) على المستدلِّ دليلَه، فيكونَ أحقَّ به، وكذلك فعل أبو بكر (٤)، فسلَّم له عمر رضوان الله عليهما. قال: وفي قضية أبي بكر ﵁ إشكال من حيثُ إن المنقول عنه: أنه سبى ذراريَّ المرتدين ونساءهم؛ كالحربيين الأصليين، ثم رأى عمرُ (٥) خلف ذلك، وردَّ (٦) الذريةَ والنساءَ من الرقِّ إلى العشائر، وعلى مذهب عمر الأكثر (٧)، وهو مشهور مذهب مالك ﵁ (٨) -، فيقال: كيف نقضَ عمرُ حكمَ السبي، وقد حكم به أبو بكر (٩)، والقاعدةُ أن حكمَ الحاكم في مسائل الاجتهاد لا ينتقض (١٠)؟ وأجاب: بأنه يحتمل أن يكون عمرُ (١١) فهمَ عن أبي بكر ﵄ (١٢) - الفتيا لا الحكمَ، وكان الذين تولوا السبيَ والاسترقاقَ أقرَّهم أبو

стр. 1316

بكر على فعلِهم رأياً منه، لا حكماً، والفتيا لا يلزم (١) إمضاؤها. ويحتمل أن يكون عمر ﵁ رأى أن الأمور العامة والمصالح التي تتعلق بالأيالة (٢) الكلية يفعل فيها كلُّ إمام بمقتضى اجتهاده؛ بخلاف وقائع الخصومات بين المتداعيين المعينين، تلك التي يجبب إمضاءُ حكم الحاكم فيها. وعلى هذا اختلف علماؤنا في تحبيس (٣) الإمام طائفةً من بيت المال على وجهِ مخصوص، هل هو حكم يجب إمضاوه، أو لغيره من الأئمة أن يغير ذلك باجتهاده؟ قال: ويحتمل (٤) وجهاً ثالثا، وهو أن يكون عمر (٥) رأى أن (٦) حكم أبي بكر إنما يتناول من باشره بالحكم من الموجودين عند الواقعة لا نسلهم المتجدد، فلهذا استأنف فيهم حكماً باجتهاده. قال: وانظر على هذا لو حكم قاضٍ برق أمةِ أعتقبها من لا يرى الإمامُ تنفيذَ عتقه؛ كما إذا أوصى مالكُها الصغيرُ بعتقها، فيحكم حاكمٌ ببطلان وصيةِ الصغير وعتقِه، وأَرَق (٧) الأمَة، فولدت على تلك المجال، فرفع

стр. 1317

ولدُها الأمرَ إلى قاضٍ آخر بعدَه، فرأى تنفيذَ عتقِ الصغير في الوصية، فهل له أن يحكم بحرية هذا الولد؟ أو يكون الحكم برقِّ الأم حكماً (١) نافذاً فيما تلد أبداً، وهذا هو الظاهر؟ وحملُ الأمرِ على الفرقِ بين الأحكام الخاصة في الوقائع المعينة، والخصومات الراجعة إلى الآحاد (٢)، وبين الأحكام العامة في مصالح الأمة، وتدبير السياسة أحسن وأظهرُ. والله أعلم. باب: إِثْم مَانِعِ الزَكَاةِ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة: ٣٤، ٣٥]،. ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: ليس الضمير من (٣) قوله: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَهاَ﴾ راجعاً إلى الفضة، وإنما هو راجع إلى الكنوز المدلول عليها بقوله: ﴿يَكْنِزُونَ﴾. ٨١٧ - (١٤٠٢) - حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ، أَخْبَرَنَا شُعَيبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ: أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ هُزمُزَ الأعرَجَ حَدَّثَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ

стр. 1318

-﵁ يَقُولُ: قَالَ النَّبيُّ ﷺ : "تَأْتِي الإبلُ عَلَى صَاحِبها عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ، إِذَا هُوَ لَمْ يُعْطِ فِيها حَقَّهَا، تَطَؤُهُ بأَخْفَافها، وَتَأْتِي الْغَنَمُ عَلَى صَاحِبها عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ، إِذَا لَمْ يعْطِ فِيها حَقَّها، تَطَؤُهُ بأَظْلَافها، وَتَنْطَحُهُ بقُرُونِها، وَقَالَ: وَمِنْ حَقِّها أَنْ تُخلَبَ عَلَى الْمَاء". قَالَ: "وَلَا يَأْتِي أَحَدكم يَوْمَ الْقِيَامَةِ بشَاةٍ يَحمِلُها عَلَى رَقَبَتِهِ لَها يُعَارٌ، فَتقُولُ: يَا مُحَمَّدُ! فَأقولُ: لَا أَملِكُ لَكَ شَيْئاً، قَدْ بَلَّغْتُ، وَلَا يَأْتِي ببَعِيرٍ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ لَهُ رُغَاء، فَيَقُولُ: يَا مُحمَّدُ! فَأقولُ: لَا أَملِكُ لَكَ شَيْئاً، قَد بَلَّغْتُ". (تأتي الإبلُ على صاحبها على خير ما كانت): أي: من السِّمَن (١) والعِظَم. قال النووي: وإنما جاءت كذلك؛ زيادةً في عقوبته، فيكون أثقلَ في وطئها (٢). قال الزركشي: ولأنها أكملُ في خلقها، وكأن صاحبها يودُّ في الدنيا أن تكون (٣) على أكمل حال، فعوقب بكمال مطلوبه (٤). (و (٥) تنطِحه): -بطاء مكسورة- على الأفصح، ويجوز فتحُها.

стр. 1319

(ومن حقها أن تحلَب): -بحاء مهملة-؛ أي: لمن يحضرها من المساكين، ومَنْ لا لبنَ له. وذكر (١) الدراورديُّ أنه بالجيم، وفسره بالجلب إلى المصدق. قال ابن دحية: وهو تصحيف، وإنما خص الجَلَب بموضع الماء؛ ليكون أسهلَ على المحتاج من قصدِ المبارِك، وفيه أيضاً رفقٌ بالماشية. (ولا يأتي أحدكم يوم القيامة بشاة يحملُها على رقبته): قال ابن المنير: هذه صيغة خبر، والمراد: النهيُ، واستعمل الخبر في موضعه تفاؤلاً لهم أن (٢) لا يفعل أحد ذلك (٣)، ومن لطيف الكلام أن النهي الذي أوَّلنا به النفي يحتاج إلى تأويل (٤) أيضاً؛ فإن القيامة ليست دارَ تكليف، وليس المراد نهيهم عن أن يأتوا يوم القيامة (٥) بهذه الحالة، إنما (٦) المراد: لا تمنعوا الزكاة، فتأتوا كذلك، فالنهي (٧) في الحقيقة إنما باشرَ سببَ الإتيان، لا نفسَ الإتيان. ثم التهديدُ بحمل شاة أو بعير يحتمل أن يراد به الجنس. ويحتمل أن يراد المفرد (٨)، وهو الواجب الذي منعه، وإرادة الجنس

стр. 1320

أَولى؛ بدليل ما ذكره في الكنز: أنه يطوَّقُه بجملته، لا قدر الواجب منه. (لها يُعار): -بمثناة من تحت مضمومة (١) وعين مهملة-: صياح الغنم. (رُغاء): - برإء مضمومة وغين معجمة (٢) -: صوت الإبل. ٨١٨ - (١٤٠٣) - حَدَّثَنَا عَلِي بْنُ عبد الله، حَدَّثَنَا هاشمُ بْنُ الْقَاسم، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عبد الله بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ أَبي صَالح السَّمَّانِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ آتَاهُ اللَّهُ مَالاً، فَلَم يُؤَدِّ زكاتَهُ، مُثِّلَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعاً أَقْرعَ، لَهُ زَبيبَتَانِ، يُطَوَّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ يَأْخُذُ بلِهْزِمَيْهِ -يَعْنِي: شِدقَيْهِ-، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا مَالُكَ، أَنَا كنْزُكَ"، ثُمَّ تَلَا: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ [آل عمران: ١٨٠]. (مُثِّلَ له): أي: صُوِّرَ له، وقيل: نُصب، وأُقيم؛ من قولهم: مثل قائماً: إذا انتصب كذلك. (شُجاعاً): منصوب على الحال، وهو بضم الشين المعجمة: الحية الذكَر. وقيل: الذي يقوم على يديه (٣)، ويواثب الفارس. (أقرع): أي: تقرَّعَ رأسه وامَّعَطَ (٤)؛ لكثرة سُمِّه.

стр. 1321

(له زبيبتان): نابان يخرجان من فيه. وقيل (١): الزبيبةُ: نُكْتَةٌ سوداءُ فوقَ عينِ الحية من السمِّ. (ثم يأخذ بلِهزِمتيه): - بكسر اللام والزاي معاً-، وقد فسره فى الحديث بشدقيه (٢). باب: مَا أُدِّيَ زكاتُهُ فَلَيْسَ بكَنْزٍ لِقَوْلِ النَّبيِّ ﷺ : "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمسَةِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ " (باب: ما أُدي زكاته، فليس بكنز، لقول النبي (٣) ﷺ : ليس فيما دون خمس أواق صدقة): قال الإسماعيلي: إن كانت الترجمة صحيحة، فالمعنى من هذا الوجه غير صحيح، وأحسبه: وقال النبي (٤): كذا، أو يقول، يريد: أن تعليل الترجمة بالحديث المذكور غيرُ ملائم، ورُدَّ بأن البخاري أراد: أن ما دون خمس (٥) أواق ليس بكنز؛ لأنه لا صدقة فيه، فإذا زاد شيئاً عليها، ولم يؤد زكاته، فهو كنز. ٨١٩ - (١٤٠٥) - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يَزِيدَ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ الأَوْزَاعِيُّ: أَخْبَرَنِي يَحيىَ بْنُ أَبِي كَثِيرٍ: أَنَّ عمرَو بْنَ يَحيىَ

стр. 1322

ابْنِ عُمَارَةَ أَخْبَرَهُ، عَنْ أَبيهِ يَحيىَ بْنِ عُمَارَةَ بْنِ أَبي الْحَسَنِ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ ﵁ يَقُولُ: قَالَ النَّبيُّ: ﷺ "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمسِ أَوَاقٍ صَدَقَة، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خمسِ ذَوْدٍ صَدَقَة، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمسِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ"،. (وأواق): جمع أُوقيّة -بضم الهمزة وتشديد الياء-، وأما الجمع (١)، فتشدد ياؤه وتخفف؛ كأثفيَّة وأثافيّ وأثافٍ (٢). (خمس ذَود): -بذال معجمة مفتوحة فواو فدال مهملة-، والذود من الإبل: ما بين الاثنين إلى التسع -بتقديم (٣) التاء-، هذا قول أبي عبيد، وإن ذلك يختص بالإناث. وقال الأصمعي: هو ما بين الثلاث إلى العشر (٤)، وقال غير واحد: ومقتضى لفظ الأحاديث إطلاقه (٥) على الواحد. قال القاضي: وليس فيه دليل على ما قالوا، وإنما هو لفظ الجمع؛ كما قالوا: ثلاثة رهط، ونفر، ونسوة، ولم يقولوه لواحد، وذكر ابن عبد البر: أن بعض الشيوخ رواه "في خَمْسٍ ذَوْدٍ" على البدل لا على الإضافة، والمشهور فيه الإضافة.

стр. 1323

قال القاضي: وما قاله بعض الشيوخ، وإن تصور هنا، فلا يتصور في قوله: أعطانا خمسَ ذَوْدٍ (١). ٨٢٠ - (١٤٠٦) - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، سَمِعَ هُشَيْماً، أَخْبَرَنَا حُصَيْن، عَنْ زيدِ بْنِ وَهْبٍ، قَالَ: مَرَرْتُ بالرَّبَذَةِ، فَإِذَا أَنَا بأَبي ذَرٍّ ﵁، فَقُلْتُ لَهُ: مَا أَنْزَلَكَ مَنْزِلَكَ هذَا؟ قَالَ: كُنْتُ بالشَّأْمِ، فَاخْتَلَفْتُ أَنَا وَمُعَاوِيَةُ فِي: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤]. قَالَ مُعَاوِيَةُ: نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الْكِتَاب، فَقُلْتُ: نَزَلَتْ فِينَا وَفِيهم، فَكَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ فِي ذَاكَ، وَكَتَبَ إِلَى عُثْمَانَ ﵁ يَشْكُونِي، فَكَتَبَ إِلَيَّ عُثْمَانُ: أَنِ اقْدَمِ الْمَدِينَةَ، فَقَدِمتُها، فَكَثُرَ عَلَيَّ النَّاسُ حَتَّى كَأَنَّهُمْ لَمْ يَرَوني قَبْلَ ذَلِكَ، فَذَكرتُ ذَاكَ لِعُثْمَانَ، فَقَالَ لِي: إِنْ شِئْتَ تَنَحَّيْتَ، فَكُنْتَ قَرِيباً. فَذَاكَ الَّذِي أَنْزَلَنِي هذَا الْمَنزِلَ، وَلَوْ أَمَّرُوا عَلَيَّ حَبَشِيًّا، لَسَمِعتُ وَأَطَعتُ. (مررت بالرَّبَذَة): - براء وبموحدة وذال معجمة مفتوحات-: قرية بقرب المدينة بها قبر أبي ذر ﵁. (إن شئت تنحيت): أي: إن كنت تخشى وقوعَ فتنة أو شبهة، فاسكن مكاناً قريباً من المدينة.

стр. 1324

٨٢١ - (١٤٠٧) - حَدَّثَنَا عَياش، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأعلَى، حَدَّثَنَا الْجُرَيْرِيُّ، عَنْ أَبي الْعَلَاءَ، عَنِ الأَخنَفِ بْنِ قَيْسٍ، قَالَ: جَلَسْتُ. وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبي، حَدَّثَنَا الْجُرَيْرِيُ، حَدَّثَنَا أبَو الْعَلَاءِ بْنُ الشِّخِّيرِ: أَنَّ الأَحْنَفَ بْنَ قَيْسٍ حَدَّثَهُم، قَالَ: جَلَسْتُ إِلَى ملإٍ مِنْ قُرَيْش، فَجَاءَ رَجُلٌ خَشِنُ الشَّعَرِ وَالثِّياب وَالْهيْئَةِ، حَتَّى قَامَ عَلَيْهِم، فَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ: بَشِّرِ الْكَانِزِينَ برَضْفٍ يُحْمَى عَلَيْهِ فِي نَارِ جَهنَّمَ، ثُمَّ يُوضَعُ عَلَى حَلَمَةِ ثَنيِ أَحَدِهم حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ نُغْض كتِفِهِ، ويُوضَعُ عَلَى نُغْض كَتِفِهِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ حَلَمَةِ ثَنيِهِ، يتزَلْزَلُ. ثُمَّ وَلَّى فَجَلَسَ إِلَى سَارِيَةٍ، وَتَبعتُهُ وَجَلَسْتُ إِلَيْهِ، وَأَنَا لَا أَدرِي مَنْ هُوَ، فَقُلْتُ لَهُ: لَا أُرَى الْقَوْمَ إِلَاّ قَدْ كَرِهُوا الَّذِي قُلْتَ؟ قَالَ: إِنَّهُم لَا يَعقِلُونَ شَيْئاً. (الجُريري): بجيم مضمومة وياء التصغير بين راءين. (فجاء رجل حسنُ الشعر والثياب): في رواية القابسي: بحاء وسين مهملتين؛ من الحُسْن، ولغيره (١): بخاء وشين معجمتين؛ من الخُشونة. (بَشِّرِ الكنازين): أي: المكثرين من الكنز (٢)، ويروى: "الكانزين" من الكنز أيضاً. قال الزركشي: ووقع عند الهروي بالثاء المثلثة؛ من الكثرة، والأول أولى؛ لأنه إنما يقال لكثير المال: مُكْثِر، لا كاثر (٣).

стр. 1325

قلت: عدم صحة إطلاق الكاثر على الكثير المال يقتضي تعين الأول بلا أولويته (١). ثم لا نسلم أنه لا يطلق عليه كاثر؛ إذ يجوز أن يكون من باب المغالبة، وهو مقيس، تقول: كَثَرَ زيدٌ عمراً في المال؛ أي، علبَه في كثرته، فهو كاثر. (برَضْف): - براء مفتوحة وضاد معجمة ساكنة-: حجارة محماة. (ثم يوضع على حَلَمَة ثديِ أحدِهم): الحلمة: رأس الثدي. وفي الحديث جوازُ استعمال الثدي للرجل. والعسكري يزعم أنه لا يقال: ثدي إلا للمرأة، ويقال في الرجل: ثُنْدُوَة. (من نُغْض كتفيه (٢)): - بنون مضمومة فغين معجمة ساكنة فضاد معجمة-: العظم الدقيق على طرف (٣) الكتف، وقيل: أعلى الكتف. (يتزلزل): - بزايين معجمتين-؛ أي: يضطرب. ٨٢٢ - (١٤٠٨) - قَالَ لِي خَلِيلِي، قَالَ: قُلْتُ: مَنْ خَلِيلُكَ؟ قَالَ: النَّبيُّ ﷺ : "يَا أَبَا ذَرٍّ! أتبْصِرُ أُحُداً". قَالَ: فَنَظَرْتُ إِلَى الشَّمسِ مَا بَقِيَ مِنَ النَّهارِ، وَأَنَا أُرَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُرْسِلُنِي فِي حَاجَةٍ لَهُ، قُلْتُ: نَعَمْ.

стр. 1326

قَالَ: "مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي مِثْلَ أُحُدٍ ذَهباً، أُنْفِقُهُ كُلَّهُ، إِلَاّ ثَلَاثَةَ دَنَانِيرَ". وَإِنَّ هؤُلَاءَ لَا يَعْقِلُونَ، إِنَّمَا يَجْمَعُونَ الدُّنْيَا، لَا وَاللَّهِ! لَا أَسْألُهُم دُنْيَا، وَلَا أَسْتَفْتِيهِم عَنْ دِينٍ حَتَّى ألقَى اللهَ. (قال: قلت: ومن خليلك؟): قال الزركشي: سقطت كلمةٌ من الكتاب، وهي: "قال أبو ذر: النبي ﷺ " (١). قلت: الذي رأيته في بعض النسخ كلام منتظم لا يحتاج إلى ادعاء سقط (٢) شيء، وذلك أن في هذه النسخة: "قال لي (٣) خليلي، قلت: ومن خليلك؟ قال: النبي ﷺ : يا أبا ذر! أتبصر (٤) أحداً؟ " الحديث. فقوله: "قال: النبي ﷺ " هو جواب قول السائل له: ومن خليلك؟ وقوله: "يا أبا ذر! أتبصر (٥) أحداً؟ " هو معمول "قال" من قوله: "قال لي (٦) خليلي"، و (٧) هذا الكلام كما تراه مستقيم لا يحتاج إلى حذف شيء، فينبغي تحرير النسخة. (قال: فنظرت إلى الشمس ما بقي من النهار): قال الزركشي: أي: أيُّ شيء بقي من النهار (٨)؟

стр. 1327

قلت: كأنه جعلها استفهامية، وليس المعنى عليه، إنما المعنى: فنظرت إلى الشمس أتعرَّف القدرَ الذي بقي من النهار، أو أَنظر (١) الذي بقي منه، فهي موصولة. (وأنا أُرى): - بضم الهمزة-؛ أي: أَظن. (قلت: نعم): جواب لقوله: "أتبصرُ أُحداً؟ ". باب: إنفاقِ المالِ في حقِّهِ ٨٢٣ - (١٤٠٩) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثنَّى، حَدَّثَنَا يَحيَى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنِي قَيْسٌ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبيَّ ﷺ يقُولُ: "لَا حَسَدَ إِلَاّ فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالاً، فَسَلَّطَهُ عَلَى هلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ، وَرَجُل آتَاهُ اللَّهُ حِكْمَةً، فَهْوَ يَقْضي بها وَيُعَلِّمُها". (لا حسدَ إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً، فسلَّطه على هلَكَته في الحق، ورجل آتاه الله حكمةً، فهو يقضي بها ويعلِّمها (٢)): سبق في: العلم، ومرَّ أن الحسد: الغبطةُ؛ أي: تمنّي المثل، لا زوال الأصل، لكن إذا كان الأمر (٣) كذلك، فكل خير يُتمنى مثله شرعاً، فما وجهُ حصرِ التمني في هاتين الخصلتين؟

стр. 1328

قال ابن المنير: الحصرُ هنا غيرُ مراد، وإنما المراد: مقابلةُ ما في الطباع بضده؛ لأن الطباع تحسد على جمع (١) المال، وتذم ببذله، فبين الشرع عكس الطبع، فكأنه قال: لا حسدَ إلا فيما تذمون عليه، ولا مذمةَ إلا فيما تحسدون عليه. ووجه المؤاخاة بين الخصلتين: أن المال يزيد بالإنفاق، ولا (٢) ينقص؛ لقوله تعالى: ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦]، ولقوله ﵇: "ما نقَصَ مَالٌ مِنْ صَدَقَةٍ" (٣). والعلم أيضاً يزيدُ بالإنفاق منه (٤)، وهو التعليم، فتواخيا. والمراد بالحق هنا: ضد الباطل، فتدخل فيه النفقة الواجبة، والزكاة، والتطوعات المندوبة، ولو كان المراد بالحق هو الواجب خاصة، لما نفد المال؛ لأن الزكاة لا تنفده. باب: الرِّيَاءِ فِي الصَّدَقَةِ لِقَوْلِهِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٦٤]. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: ﴿صَلْدًا﴾ [البقرة: ٢٦٤]: لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٍ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: ﴿وَابِلٌ﴾ [البقرة: ٢٦٤]: مَطَرٌ شَدِيدٌ، وَالطَّلُّ: النَّدَى.

стр. 1329

(باب: الرياء في الصدقة؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾: سأل ابن المنير، فقال: إذا أبطل الأذى والمنُّ الصدقَة (١)، فلمَ يبطلها الرياءُ؟ ومن أين تلازما حتى شُبه أحدُهما بالآخر في الآية؟ وأجاب: بأنها تلازما في جهة اشتمال كلِّ واحلى من القسمين على خَلَلِ قصدِ المتصدِّقِ ونيته، أما في الرياء، فواضح؛ لأنه قصدَ الجاة والمنزلةَ عند الخلق دونَ وجه الله تعالى، وأما في المن والأذى؛ فلدلالتهما على الإعداد (٢) والاحتساب على المتصدَّق عليه، دون الاعتماد على الله. وزعم بعضهم: أن إبطالَ الأذى والمنِّ من قبيل موازنة السيئة الحسنة. قال ابن المنير: الظاهر (٣) عندي خلافه، وإنما الإبطال من الأصل لخلل (٤) النية. أما في الأذى المقارِنِ للإعطاء، فواضح (٥)، وأما في (٦) المتأخر، فهو أيضاً يدل على أنه كان كامناً، ثم ظهر، وعلى هذا جمع الله بينه وبين الرياء المقارِن (٧) المبطلِ من الأصل، لا بالموازنة.

стр. 1330

وأما في المن، كان كان المفسد طارئاً، فيحمل عليه أنه يُخَيَّل (١) في الصحة؛ كما أبطل مالكٌ العَقْدين معاً في بيوع الآجال؛ حملاً على اقتران المفسد. قلت: فيه نظر، والمذهب: أن العقدَ الأولَ من بيوع الآجال يصحُّ وحدَه، إلا أن يفوت الثاني، فيفسخان، وهل مطلقاً، أو إن (٢) كانت القيمة أقل؟ خلف (٣). باب: لَا يَقْبَلُ اللهُ صَدَقَةً مِنْ غُلُولٍ، وَلَا يَقْبَلُ إِلَاّ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ لقولهِ: ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ إِلَى قولهِ ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة:٢٧٦ - ٢٧٧]. (باب: لا يقبل الله صدقةً من غلول): (٤) ﴿وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾ [البقرة: ٢٦٣]: كأن المناسبَ في الظاهر الاستدلالُ بقوله تعالى: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، لكنه جرى على عادته في إيثار الاستنباط الخفي.

стр. 1331

ووجهُه أن الآية لما أنبأت عن أن الصدقة لما وازنتها سيئة (١) الأذى، بطلت، فالغلولُ غصب وأذى، فيوازن الصدقة، فتبطل بطريق الأَوْلى، أو (٢) لأنه جعل المعصية اللاحقة للطاعة بعد تقررها -وهي الأذى- تبطل الطاعة، فكيف إذا كانت الصدقة نفسَ المعصية؟ لأن الغالَّ في دفعه المال للفقير غاصبٌ يتصرف (٣) في ملك الغير، فكيف تقع المعصية من أول أمرها طاعة معتبرةً، وقد أبطلت المعصيةُ الطاعةَ المتحققةَ (٤) من أول أمرها في الصدقة المتبَعَةِ بالأذى؟ قال ابن المنير: وهذا من لطيف الاستنباط، فتأمله. باب: الصَّدقةِ من كسبٍ طيِّبٍ ٨٢٤ - (١٤١٠) - حَدَّثَنَا عبد الله بْنُ مُنِيرٍ، سَمِعَ أَبَا النَّضْرِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرحمَنِ -هُوَ ابْنُ عبد الله بْنِ دِينَارٍ-، عَنْ أَبيهِ، عَنْ أَبي صَالحٍ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ تَصَدَّقَ بعَدْلِ تَمرَةٍ مِنْ كسْبٍ طَيِّبٍ، وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إلَّا الطَّيِّبَ، وَإِنَّ اللَّه يَتَقَبَّلها بيَمِينِهِ، ثُمَّ يُرَبيها لِصَاحِبهِ، كمَا يُرَبي أَحَدكم فَلُوَّهُ، حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَل". (بعَدل تمرة): -بفتح العين-؛ أي: مثلها.

стр. 1332

وقيل: -بالفتح-: ما عادل الشيء من غير جنسه، و-بالكسر-: ما عادله من جنسه. وقيل: لغتان بمعنى. (ثم يربيها لصاحبها): الضمير راجع إلى الصدقة، والتربية: القيامُ على الشيء وتعاهدُه، والمعنى: تضعيفُ الله أجر (١) الصدقة لصاحبها وتكثيره. (فَلُوّه): - بفتح الفاء وضم اللام وتشديد الواو- على الأفصح، ويقال: - بكسر الفاء وإسكان اللام وتخفيف الواو-، قاله (٢) النووي (٣). والمراد به: المهر حين يُفطم، يقال: فَلَوْتُهُ عن أمه؛ أي: فَطمتُه، وهو حينئذٍ يحتاج إلى تربية غير الأم. باب: الصَّدقةِ قبلَ الرَّدِّ ٨٢٥ - (١٤١١) - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شعبَةُ، حَدَّثَنَا معبَدُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ حَارِثَةَ بْنَ وَهْبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبيَّ ﷺ يقُولُ: "تَصَدَّقُوا؛ فَإِنَّهُ يَأتِي عَلَيْكُم زَمَانٌ، يَمشِي الرَّجُلُ بصَدَقَتِهِ فَلَا يَجدُ مَنْ يَقْبَلُها، يَقُولُ الرَّجُلُ: لَوْ جِئْتَ بِهَا بالأمسِ لَقَبلْتُها، فَأَمَّا الْيَوْمَ، فَلَا حَاجَةَ لِي بها".

стр. 1333

(فإنه يأتي عليكم زمان يمشي الرجل بصدقته): الجملة الفعلية الثانية في محل رفع على أنها صفة لزمان، والعائدُ محذوف؛ أي: فيه، وهل حُذفَ الجارُّ والمجرور معًا، أو حُذف الجارُّ وحدَه، فانتصب الضمير، واتصل بالفعل، ثم حذف منصوبا؛ قولان: الأول: لسيبويه، والثاني: للأخفش. وسيأتي في هذا الباب حديثٌ فيه زيادة: "من الذهب"، وفيه تنبيه على ما سواه بطريق الأولى، و (١) القصد: حصولُ عدم القبول مع اجتماع ثلاثة أشياء: عرض الرجل صدقته على مَن يأخذها، ومشيُه بها، وكونها من ذهب. فإن قيل: الحديث خرجَ مخرج التهديد على تأخير الصدقة، فما وجهُ التهديد فيه، مع أن الذي لا يجد من يقبل صدقته قد فعل ما في وُسْعه كما فعل الواجد (٢) لمن قبل صدقته؟ والجواب: أن التهديد مصروف لمن أَخَّرها عن مستحقها، وَمَطَلَه بها حتى استغنى ذلك الفقيرُ المستحق، فغنى الفقير لا يخلِّص ذمةَ الغني المماطل في وقت الحاجة، قاله ابن المنير. ٨٢٦ - (١٤١٢) - حَدَّثَنَا أبو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْب، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ

стр. 1334

النَّبيُّ ﷺ : "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمُ الْمَالُ، فَيَفِيضَ، حَتَّى يُهِمَّ رَبَّ الْمَالِ مَنْ يَقْبَلُ صَدَقَتَهُ، وَحَتَّى يَعرِضَهُ، فَيَقُولَ الَّذِي يَعرِضُهُ عَلَيْهِ: لَا أَرَبَ لِي". (فيفيض): من فاضَ (١) الإناءُ: إذا امتلأ، وهو منصوب (٢) بالعطف على (٣) الفعل المنصوب من قوله: "حتى يكثرَ فيكم المال". (حتى يُهِمَّ رَبَّ المال مَنْ يقبل الصدقة (٤)): -بضم الياء- من "يُهِمَّ" مضارع أَهمَّهُ: إذا أحزنه، و"ربَّ المال (٥) " منصوبٌ مفعولٌ بيُهِمَّ (٦)، و"من يقبل" في محل رفع (٧) على أنه الفاعل؛ أي: حتى يُحزن ربَّ المال مَنْ يقبل صدقته، فأسند الفعل إليه من حيث كان سبباً في حزن صاحب المال. ومنهم من قيده بضم الهاء؛ من "هَمَّ" بمعنى: قصدَ، و"ربُّ المال" مرفوعٌ فاعلٌ، و"من يقبل" مفعول؛ أي: يقصدُه فلا يجدُه. قال الزركشي: وهذا حكاه القاضي، والنووي، وغيرهما، وليس بشيء؛ إذ يصير التقدير: يقصد الرجلُ من يأخذُ ماله، فيستحيل، وليس المعنى إلا على الأول (٨).

стр. 1335

قلت: لا استحالة أصلاً؛ فإنهم قالوا: المعنى: أنه يقصد من يأخذ ماله، فلا يجده، وإذا لم يجد الإنسان طلبته التي (١) هو حريص عليها، فلا شك أنه يحزن ويقلق؛ لفوات مقصوده، فعاد هذا إلى المعنى الأول، و (٢) علم أنه شيء حسن ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧] والهجومُ على تخطئةِ الأئمةِ مرتعُه وَخيم. (فيقولَ): -بالنصب- عطفاً على الفعل المنصوب قبلَه. (لا أَرَبَ في): أي: لا حاجةَ لي. قال الزركشي: قيل: وكأنه سقط من الكتاب: "فيه (٣) " (٤). قلت: وهذا أيضاً عجيب، فلو ثبت لنا رواية (٥) صحيحة فيها التصريح ب: فيه، لم يَسُغْ لنا الإقدامُ على أن نقول: حذف البخاريُّ من الحديث هذا اللفظَ؛ فإن رواته متفقون على رواية هذا الحديث بدون هذه اللفظة (٦)، والمعنى عليها في (٧) كلام المتكلم بقوله: لا أربَ لي، فهي محذوفة في (٨) لفظ ذلك المتكلم؛ لقيام القرينة، وليس المراد: أنه قال:
следующие страницы →