← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16684

مصابيح الجامع

بدر الدين الدماميني

Полный текст (4 546 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

ووجهُه أن الآية لما أنبأت عن أن الصدقة لما وازنتها سيئة (١) الأذى، بطلت، فالغلولُ غصب وأذى، فيوازن الصدقة، فتبطل بطريق الأَوْلى، أو (٢) لأنه جعل المعصية اللاحقة للطاعة بعد تقررها -وهي الأذى- تبطل الطاعة، فكيف إذا كانت الصدقة نفسَ المعصية؟ لأن الغالَّ في دفعه المال للفقير غاصبٌ يتصرف (٣) في ملك الغير، فكيف تقع المعصية من أول أمرها طاعة معتبرةً، وقد أبطلت المعصيةُ الطاعةَ المتحققةَ (٤) من أول أمرها في الصدقة المتبَعَةِ بالأذى؟ قال ابن المنير: وهذا من لطيف الاستنباط، فتأمله. باب: الصَّدقةِ من كسبٍ طيِّبٍ ٨٢٤ - (١٤١٠) - حَدَّثَنَا عبد الله بْنُ مُنِيرٍ، سَمِعَ أَبَا النَّضْرِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرحمَنِ -هُوَ ابْنُ عبد الله بْنِ دِينَارٍ-، عَنْ أَبيهِ، عَنْ أَبي صَالحٍ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ تَصَدَّقَ بعَدْلِ تَمرَةٍ مِنْ كسْبٍ طَيِّبٍ، وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إلَّا الطَّيِّبَ، وَإِنَّ اللَّه يَتَقَبَّلها بيَمِينِهِ، ثُمَّ يُرَبيها لِصَاحِبهِ، كمَا يُرَبي أَحَدكم فَلُوَّهُ، حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَل". (بعَدل تمرة): -بفتح العين-؛ أي: مثلها.

стр. 1332

وقيل: -بالفتح-: ما عادل الشيء من غير جنسه، و-بالكسر-: ما عادله من جنسه. وقيل: لغتان بمعنى. (ثم يربيها لصاحبها): الضمير راجع إلى الصدقة، والتربية: القيامُ على الشيء وتعاهدُه، والمعنى: تضعيفُ الله أجر (١) الصدقة لصاحبها وتكثيره. (فَلُوّه): - بفتح الفاء وضم اللام وتشديد الواو- على الأفصح، ويقال: - بكسر الفاء وإسكان اللام وتخفيف الواو-، قاله (٢) النووي (٣). والمراد به: المهر حين يُفطم، يقال: فَلَوْتُهُ عن أمه؛ أي: فَطمتُه، وهو حينئذٍ يحتاج إلى تربية غير الأم. باب: الصَّدقةِ قبلَ الرَّدِّ ٨٢٥ - (١٤١١) - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شعبَةُ، حَدَّثَنَا معبَدُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ حَارِثَةَ بْنَ وَهْبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبيَّ ﷺ يقُولُ: "تَصَدَّقُوا؛ فَإِنَّهُ يَأتِي عَلَيْكُم زَمَانٌ، يَمشِي الرَّجُلُ بصَدَقَتِهِ فَلَا يَجدُ مَنْ يَقْبَلُها، يَقُولُ الرَّجُلُ: لَوْ جِئْتَ بِهَا بالأمسِ لَقَبلْتُها، فَأَمَّا الْيَوْمَ، فَلَا حَاجَةَ لِي بها".

стр. 1333

(فإنه يأتي عليكم زمان يمشي الرجل بصدقته): الجملة الفعلية الثانية في محل رفع على أنها صفة لزمان، والعائدُ محذوف؛ أي: فيه، وهل حُذفَ الجارُّ والمجرور معًا، أو حُذف الجارُّ وحدَه، فانتصب الضمير، واتصل بالفعل، ثم حذف منصوبا؛ قولان: الأول: لسيبويه، والثاني: للأخفش. وسيأتي في هذا الباب حديثٌ فيه زيادة: "من الذهب"، وفيه تنبيه على ما سواه بطريق الأولى، و (١) القصد: حصولُ عدم القبول مع اجتماع ثلاثة أشياء: عرض الرجل صدقته على مَن يأخذها، ومشيُه بها، وكونها من ذهب. فإن قيل: الحديث خرجَ مخرج التهديد على تأخير الصدقة، فما وجهُ التهديد فيه، مع أن الذي لا يجد من يقبل صدقته قد فعل ما في وُسْعه كما فعل الواجد (٢) لمن قبل صدقته؟ والجواب: أن التهديد مصروف لمن أَخَّرها عن مستحقها، وَمَطَلَه بها حتى استغنى ذلك الفقيرُ المستحق، فغنى الفقير لا يخلِّص ذمةَ الغني المماطل في وقت الحاجة، قاله ابن المنير. ٨٢٦ - (١٤١٢) - حَدَّثَنَا أبو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْب، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ

стр. 1334

النَّبيُّ ﷺ : "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمُ الْمَالُ، فَيَفِيضَ، حَتَّى يُهِمَّ رَبَّ الْمَالِ مَنْ يَقْبَلُ صَدَقَتَهُ، وَحَتَّى يَعرِضَهُ، فَيَقُولَ الَّذِي يَعرِضُهُ عَلَيْهِ: لَا أَرَبَ لِي". (فيفيض): من فاضَ (١) الإناءُ: إذا امتلأ، وهو منصوب (٢) بالعطف على (٣) الفعل المنصوب من قوله: "حتى يكثرَ فيكم المال". (حتى يُهِمَّ رَبَّ المال مَنْ يقبل الصدقة (٤)): -بضم الياء- من "يُهِمَّ" مضارع أَهمَّهُ: إذا أحزنه، و"ربَّ المال (٥) " منصوبٌ مفعولٌ بيُهِمَّ (٦)، و"من يقبل" في محل رفع (٧) على أنه الفاعل؛ أي: حتى يُحزن ربَّ المال مَنْ يقبل صدقته، فأسند الفعل إليه من حيث كان سبباً في حزن صاحب المال. ومنهم من قيده بضم الهاء؛ من "هَمَّ" بمعنى: قصدَ، و"ربُّ المال" مرفوعٌ فاعلٌ، و"من يقبل" مفعول؛ أي: يقصدُه فلا يجدُه. قال الزركشي: وهذا حكاه القاضي، والنووي، وغيرهما، وليس بشيء؛ إذ يصير التقدير: يقصد الرجلُ من يأخذُ ماله، فيستحيل، وليس المعنى إلا على الأول (٨).

стр. 1335

قلت: لا استحالة أصلاً؛ فإنهم قالوا: المعنى: أنه يقصد من يأخذ ماله، فلا يجده، وإذا لم يجد الإنسان طلبته التي (١) هو حريص عليها، فلا شك أنه يحزن ويقلق؛ لفوات مقصوده، فعاد هذا إلى المعنى الأول، و (٢) علم أنه شيء حسن ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧] والهجومُ على تخطئةِ الأئمةِ مرتعُه وَخيم. (فيقولَ): -بالنصب- عطفاً على الفعل المنصوب قبلَه. (لا أَرَبَ في): أي: لا حاجةَ لي. قال الزركشي: قيل: وكأنه سقط من الكتاب: "فيه (٣) " (٤). قلت: وهذا أيضاً عجيب، فلو ثبت لنا رواية (٥) صحيحة فيها التصريح ب: فيه، لم يَسُغْ لنا الإقدامُ على أن نقول: حذف البخاريُّ من الحديث هذا اللفظَ؛ فإن رواته متفقون على رواية هذا الحديث بدون هذه اللفظة (٦)، والمعنى عليها في (٧) كلام المتكلم بقوله: لا أربَ لي، فهي محذوفة في (٨) لفظ ذلك المتكلم؛ لقيام القرينة، وليس المراد: أنه قال:

стр. 1336

لا أرب لي فيه، فسقط (١) من كتاب البخاري: فيه (٢)، هذا ما لا يقال أصلًا، فتأمله. ٨٢٧ - (١٤١٣) - حَدَّثَنَا عبد الله بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصم النَّبيلُ، أَخْبَرَنَا سَعْدَانُ بْنُ بشْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُجَاهِدٍ، حَدَّثَنَا مُحِلُّ بْنُ خَلِيفَةَ الطَّائِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ عَدِيَّ بْنَ حَاتِم ﵁ يَقُولُ: كنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَجَاءَهُ رَجُلَانِ، أَحَدُهُمَا يَشْكُو الْعَيْلَةَ، وَالآَخَرُ يَشْكُو قَطْعَ السَّبيلِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَمَّا قَطْعُ السَّبيلِ: فَإِنَّهُ لَا يَأْتِي عَلَيْكَ إِلَاّ قَلِيل حَتَّى تَخْرُجَ الْعِيرُ إِلَى مَكَّةَ بغَيْرِ خَفِيرٍ، وَأَمَّا الْعَيْلَةُ: فَإِنَّ السَّاعَةَ لَا تَقُومُ حَتَّى يَطُوفَ أَحَدكُم بصَدَقَتِهِ، لَا يَجدُ مَنْ يَقْبَلُها مِنْهُ، ثُمَّ لَيَقِفَنَّ أَحَدكم بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ، لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ حِجَابٌ، وَلَا تَرْجُمَان يُتَرْجِمُ لَهُ، ثُمَّ لَتقُولَنَّ لَهُ: أَلم أُوتِكَ مَالًا؟ فَلَيَقُولَنَّ: بَلَى، ثُمَّ لَيَقُولَنَّ: أَلَف أُرسِلْ إِلَيْكَ رَسُولاً؟ فَلَيَقُولَنَّ: بَلَى، فَيَنْظُرُ عَنْ يَمِينِهِ فَلَا يَرَى إِلَاّ النَّارَ، ثُمَّ يَنْظُرُ عَنْ شِمَالِهِ فَلَا يَرَى إِلأَ النَّارَ، فَلْيَتَّقِيَنَّ أَحَدكُمُ النَّارَ وَلَوْ بشِقِّ تَمرَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَجدْ، فَبكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ". (سعدانُ): غير منصرف. (ابنُ بشْرٍ (٣)): بكسر الموحدة وإسكان الشين (٤) المعجمة.

стр. 1337

(مُحِلُّ بنُ خليفة): بميم مضمومة وحاء مهملة مكسورة. (يشكو العيلة): أي: الفقر. (يشكو قطع السبيل): فسادَ السُّراق (١) وأهل الشر المتعرضين لمن يسلك السبل. (حتى تخرج العِير): -بكسر العين المهملة-: القافلة. (إلى مكة بغير خفير (٢)): -بخاء معجمة-: مَنْ (٣) يكون القوم في ضمانه وخِفارته؛ أي (٤): ذِمَّته. ٨٢٨ - (١٤١٤) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبي بُرْدَةَ، عَنْ أَبي مُوسَى ﵁، عَنِ النَّبيِّ ﷺ ، قَالَ: "لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ، يَطُوفُ الرَّجُلُ فِيهِ بالصدَقَةِ مِنَ الذَّهب، ثُمَّ لَا يَجدُ أَحَداً يَأْخُذُها مِنْهُ، وَيُرَى الرَّجُلُ الْوَاحِدُ يَتْبَعُهُ أَرْبَعُونَ امرَأَةً يَلُذْنَ بهِ، مِنْ قِلَّةِ الرِّجَالِ وَكَثْرَةِ النِّسَاءِ". (يلُذْن به): - بلام مضمومة وذال معجمة ساكنة-؛ أي: يستترن (٥) به

стр. 1338

يتحرزن (١)؛ من الملاذ (٢)؛ ليقوم (٣) بحوائجهن، ولا يطمع فيهن، وسبب قلة (٤) الرجال كثرةُ الحروب والقتال الواقع في آخر الزمان؛ لقوله: "ويكثر الهرج" (٥)، وقيل: يستغثن (٦) به؛ أي: يلتجئن إليه، يقال: لاذَ لِواذاً ولِياذاً. باب: اتَّقوا النَّارَ ولو بشقِّ تمرةٍ، والقليلِ من الصَّدقةِ ٨٢٩ - (١٤١٥) - حَدَّثَنَا عبيد الله بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو النعمَانِ الْحَكَمُ -هُوَ ابْنُ عبد الله الْبَصرِيُّ-، حَدَّثَنَا شُعبَةُ، عَنْ سُليْمَانَ، عَنْ أَبي وَائِلٍ، عَنْ أَبي مَسْعُودٍ ﵁، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ الصَّدَقَةِ، كنَّا نُحَامِلُ، فَجَاءَ رَجُل فَتَصَدَّقَ بشَيْءٍ كَثِيرٍ، فَقَالُوا: مُرَائِي، وَجَاءَ رَجُل فَتَصَدَّقَ بصَاعٍ، فَقَالُوا: إِنَّ اللَّه لَغَنِي عَنْ صَاعِ هذَا، فَنَزَلَتِ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩]. (كنا نُحامل): أي: نحمل على ظهورنا بأجرة، يقال: حامَلْتَه كما يقال: زارَعتُه.

стр. 1339

وقال الخطابي: يريد نتكلَّف الحملَ؛ لنكتسب ما نتصدَّقُ به (١). (فجاء رجل فتصدق بشيء كثير): هو عبد الرحمن بن عوف، تصدق بنصف ماله، وكان مالُه (٢) ثمانية آلاف دينار. قاله ابن التين (٣). (وجاء رجل فتصدق بصاع (٤)): هو أبو عقيل. قال (٥) في "أسد الغابة": واختُلف (٦) في اسمه فقيل: حَبْحابٌ (٧)، قاله قتادة، لم يزد على ذلك، وذكره (٨) في الحاء المهملة (٩). وقال السهيلي: اسمه (١٠) جثجاث (١١)، هكذا وجد بخط بعض الحفاظ مضبوطاً بالنقط (١٢)، بجيمين وثاءين مثلثتين.

стр. 1340

٨٣٠ - (١٤١٦) - حدثنا سَعِيدُ بنُ يَحيَى، حدثنا أبي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عنْ شَقِيقٍ، عن أبي مَسْعُودٍ الأَنْصارِيِّ ﵁، قَالَ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَمَرَنَا بالصَّدَقَةِ، انْطَلَقَ أَحَدُنَا إِلَى السُّوقِ، فتحَامَلَ، فَيُصِيبُ الْمُدَّ، وَإِن لِبَعْضهِمُ الْيَوْمَ لَمِئَةَ ألفٍ. (انطلق أحدنا إلى السوق فيُحامل): يروى بمثناة من تحت مضمومة، مضارع حامَلَ، ويروى بمثناة من فوق مفتوحة، على أنه فعل ماض. (فيصيب المدَّ): أي: يكري (١) نفسَه ويؤاجرُها (٢) بمدٍّ واحدٍ يأخذه. (وإن لبعضهم اليوم لَمِئَةَ (٣) ألف): بنصب مئة على أنه اسمُ "إن"، ولبعضهم خبرها، و"اليوم" ظرف (٤) متعلق بالظرف المستقر الذي هو الخبر، أو بالعامل فيه، على الخلاف. ويروى برفع مئة، وهو مشكل. فإن قلت: لم لا يجعل اسم إن ضمير شأن محذوفاً؛ نحو: "إِنَّ مِنْ أَشدِّ الناسِ عَذَاباً يَوْمَ القِيَامَةِ المُصَوِّرُونَ" (٥)، ومئة ألف مرفوع بالابتداء، والمتقدم خبره؟

стр. 1341

قلت: يمنع منه اقتران المبتدأ بلام الابتداء، وهي مانعة من تقدم الخبر على المبتدأ المقرون بها، ودعوى زيادتها (١) ضعيف جداً، فتأمله. ٨٣١ - (١٤١٧) - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبي إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ عبد الله بْنَ معْقِلٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمِ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بشِقِّ تَمرَةٍ". (عبد الله بن معْقِل): بعين مهملة ساكنة وقاف مكسورة. (بشِقِّ تمرة): بكسر الشين. ٨٣٢ - (١٤١٨) - حَدَّثَنَا بشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عبد الله، أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عبد الله بْنُ أَبي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: دَخَلَتِ امْرَأة مَعَهَا ابْنَتَانِ لَها تَسْأَلُ، فَلَمْ تَجِدْ عِنْدِي شَيْئاً غَيْرَ تَمْرَةٍ، فَأَعْطَيْتها إِيَّاها، فَقَسَمَتْها بَيْنَ ابْنَتَيْها، وَلَمْ تأكُلْ مِنْها، ثُمَّ قَامَتْ فَخَرَجَتْ، فَدَخَلَ النَّبيُّ ﷺ عَلَيْنَا، فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: "مَنِ ابْتُلِيَ مِنْ هذِهِ الْبَنَاتِ بشَيْءٍ، كُنَّ لَهُ سِتْراً مِنَ النَّارِ".

стр. 1342

(فلم تجد (١) عندي غيرَ تمرة، فأعطيتها إياها، فقسمتها بين ابنتيها): أخذ ابن المنير ﵀ يحاول بيانَ (٢) موقع (٣) الاستدلال على أن شقَّ التمرة (٤) يقي من النار في حديث عائشة هذا بأن قال: موقعُ (٥) الاستدلال من جهة أم البنتين؛ لأنها لما قسمت التمرة بينهما، فقد تصدقت على كل واحدة بشق تمرة، وقال النبي ﷺ في حقها كلاماً عاماً يندرج (٦) فيه حيث يقول: "مَنِ ابْتُلِيَ مِنْ هذهِ البَنَاتِ بشَيْءٍ كُنَّ لَهُ سِتْراً مِنَ النَّارِ". قلت: لم يدخل البخاري ﵀ تحت عهدة الاستدلال بهذا (٧) الحديث بعينه على أن الصدقة بشق التمرة يقي من النار حتى يُتكلَّف له مثلُ هذا؛ فإنه عقد الباب للأمر باتقاء النار ولو بشق تمرة، وللقليل (٨) من الصدقة، وقد وفى بالأمرين معًا. فحديثُ ابنِ معقل فيه الأمرُ باتقاء النار ولو بشقّ تمرة، وحديثُ عائشة ﵂ (٩) - فيه الصدقةُ بالشيء القليل، كما أن في الأحاديث المتقدمة الإشارةَ إلى القليل من الصدقة، فأيُّ حاجة بعد ذلك إلى التكلف؟

стр. 1343

ثم ليس في حديث عائشة أن النبي ﷺ تعرض إلى ما فعلته من قسم التمرة بين البنتين، وإنما فيه الإخبار بأن الابتلاء بشيء من البنات سببٌ للستر من النار، على أن ما قاله محتمل، ويحتمل أيضاً أن يكون حديثُ عائشة مسوقاً للأمرين معاً؛ لقضية الصدقة بالقليل، وهو ما فعلته [عائشة ﵂ من التصدُّق بالتمرة، ولاتقاء النار ولو بشقِّ تمرة، وهو ما فعلته] (١) أمُّ البنتين مع كل واحدة منهما؛ حيث دفعت (٢) لها شق تمرة، فتأملْه. باب: فضلِ صدقةِ الشَّحيح الصحيحِ ٨٣٣ - (١٤١٩) - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عبْدُ الْوَاحِدِ، حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ الْقَعْقَاعِ، حَدَّثَنَا أَبُو زُرعَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: جَاءَ رَجُل إِلَى النَّبيِّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ أَجْراً؟ قَالَ: "أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صحِيحٌ شَحِيحٌ، تَخْشَى الْفَقْرَ وَتَأْمُلُ الْغِنَى، وَلَا تُمهِلْ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ، قُلْتَ: لِفُلَانٍ كذَا، وَلِفُلَانٍ كذَا، وَقَد كانَ لِفُلَانٍ". (وتأمُل الغنى): هو بضم الميم؛ أي: تطمع. (ولا تمهل (٣)): يجوز فيه ثلاثة أوجه: النصب، والرفع، والجزم، ووجهها ظاهر.

стр. 1344

(حتى إذا بلغت الحلقوم): أي: قاربتْ بلوغَه؛ إذ لو بلغته حقيقة لم تصح حينئذ وصيةٌ ولا غيرُها من التصرفات بالاتفاق، بل لا يُتصور في مطرد العادة حينئذ، وهو حين الغرغرة ومعاينة الملائكة أن ينطق المحتضَر أبداً، ولا يَلتفت إلى غير ما هو فيه من شأن الموت. والضمير في قوله: "حتى إذا بلغت" عائدٌ على (١) الروح، وإن لم يَجرْ لها ذكرٌ بالصريح (٢)؛ لفهمها من السياق (٣). (قلتَ: لفلان كذا، ولفلان كذا، وقد كان لفلان): قيل: يريد بالأولين: من أنشأ له بالوصية في تلك الحالة، وبالأخير: من تقدمت له وصيةٌ في تلك الحال أيضاً. وقال الخطابي: يريد بفلان الذي قال فيه: "لفلان كذا": الموصى له، وقوله (٤): "وقد كان (٥) لفلان" يعني (٦): الوارث؛ لأنه إن شاء أبطله، ولم يُجِزْه (٧). قال السفاقسي: يريد: أن "كان" بمعنى: صار، وقوله: لأنه إن شاء أبطل الوصية، يريد: إذا جاوزت الثلث، أو كانت لوارث.

стр. 1345

باب ٨٣٤ - (١٤٢٠) - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ فِرَاسٍ، عَنِ الشَّعبيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ بعْضَ أَزْوَاجِ النَّبيِّ ﷺ قُلْنَ لِلنَّبيِّ ﷺ : أيُّنا أَسْرَعُ بكَ لُحُوقاً؟ قَالَ: "أَطْوَلُكُنَّ يَداً". فَأَخَذوا قَصَبَةً يَذْرَعُونها، فَكَانَتْ سَوْدَةُ أَطْوَلَهُنَّ يَداً، فَعَلِمنَا بَعْدُ أَنَّمَا كَانَتْ طُولَ يَدِها الصَّدَقَةُ، وَكَانَتْ أَسْرَعَنَا لُحُوقاً بهِ، وَكانَتْ تُحِبُّ الصَّدَقَةَ. (فِراس): بفاء مكسورة وراء مخففة وآخره سين مهملة. (عن عائشة: أن بعض أزواج النبي ﷺ قلْنَ للنبي ﷺ : أيُّنا أسرعُ بك لحوقاً؟ قال: أطولُكن يداً، فأخذوا (١) قصبةً يذرعونها، فكانت (٢) سودةُ أطولَهن يداً، فعلمنا بعدُ: أَنما كانتْ طولَ يدها الصدقةُ، وكانت أسرعَنا لحوقاً بالنبي (٣) ﷺ ، وكانت تحبُّ الصدقة): قوله: يذرعونها (٤) -بالذال المعجمة-؛ أي: يقدرونها بذراع كل واحدة كي يعلَمْنَ أيُّهن أطولُ جارحةً. وقوله: أنما -بفتح الهمزة-، والصدقةُ -بالرفع- اسمُ كان، وطولَ يدِها -بالنصب- خبرُها، وقوله: "فكانت (٥) سودةُ أطولَهن يداً" أي: من طريق المساحة.

стр. 1346

قال الزركشي: قال ابنُ دحية وغيرُه: و (١) هذا الحديث، وإن صح إسناده، لكنه وهم بلا شك، وكأنه سقط منه ذكرُ زينبَ؛ فإنه لا خلافَ بين أهلِ السيرِ بأنها (٢) كانت أولَهن موتاً، وكذلك أخرجه مسلم: "قالت عائشة: وكانتْ أطولَنا يداً زينبُ؛ لأنها كانت تعمل بيدها، وتتصدق" (٣). وقال النووي: هكذا وقع الحديث هنا (٤) في "البخاري" بلفظ معقدٍ يوهم أن أسرعَهن لحوقاً به سودةُ، وهذا الوهم باطل بالإجماع، وإنما هي (٥) زينبُ كما رواه مسلم. انتهى كلام الزركشي (٦). قلت: لا وهمَ في كلام البخاري ولا تعقيدَ، ولا يوهم ما قاله النووي، وذلك أن أزواج النبي ﷺ فهمن (٧) من طول (٨) اليد (٩) طولَها حساً، ولذلك ذرعوا القصبة، ثم أخبرت عائشة ﵂: أنهن بعدَ تقرر كونِ سودةَ أطولَهن يداً بالمساحة، علمنَ أَنَّ ما فهمنَه أولًا ليسَ مرادَ النبي ﷺ ، وأنه إنما أرادَ طولَ اليد معنىً بالصدقة، وإنما يعلمن ذلك إذا

стр. 1347

تُوفي منهن (١) مَنْ طولُ يدها معنويٌّ لا حسيٌّ، فحينئذ تكون سودةُ غيرَ مرادة قطعاً، والضميرُ من قولها: إنما كانت طولَ يدها الصدقةُ ليس عائداً على سودةَ، وإلا خرج التركيب عن (٢) النظام الصحيح، وإنما هو عائد على الزوجة (٣) التي عناها النبي ﷺ بقوله: "أطولُكن يداً (٤) "، وهي (٥)، وإن كانت أبعدَ مذكور، فيتعين عودُ الضمير إليها؛ لقيام الدليل عليه، وكذا الضمير من قولها: "وكانت أسرعنا لحوقاً به" عائد إلى هذه الزوجة (٦) التي كانت طويلةَ اليد بالصدقة، وكذا من قولها (٧): "وكانت تحبُّ الصدقة". وغاية الأمر: أن البخاري لم يقع له في هذه الطريق التي روى بها الحديث تسميةُ هذه الزوجة، فلم يمكنه تسميتُها، وأيُّ محذور في ذلك؟ وأيُّ تعقيد في نظم هذا الحديث؟ أو أيُّ وهم فيه أو إيهام (٨) لغير المقصود؟ إن هذا لشيء (٩) عجاب، وقد انجلت (١٠) ظلمة الإشكال، وبين الصبح لذي

стр. 1348

عينين، ولله الحمد والمنة (١). وقد أخذ مغلطاي الجندي يعتذر عن البخاري بعد أن قدم من التشنيع عليه ما لا حاجة بنا إلى ذكره بأن قال: و (٢) يحتمل أن تكون رواية البخاري لها وجه، وهو أن يكون خطابه ﷺ لمن كان حاضراً عنده إذ ذاك من الزوجات، وأن سودة وعائشة كانتا ثَمَّ، وزينب كانت غائبة، وقال: إن سودة توفيت سنة أربع وخمسين. قلت: يشير إلى أن سودة كانت أسرعَ لحوقاً به ممن كان حاضراً إذ ذاك عنده من الزوجات، ويلزم منه تقرير أن المراد بطول اليد طولُها حِسًّا، وكأنه نسي قول عائشة ﵂: فعلمنا بعدُ أنما كانت طولَ يدها الصدقةُ، فتأمله. وقد ظهر أن المراد باليد: هو النعمة مجازاً. وجوز بعضهم فيه أن يكون كناية. وفيه نظر؛ لأن طول اليد التي هي الجارحة لا مناسبة فيه لكثرة الصدقة كالمناسبة (٣) في طولِ (٤) النجاد لطول القامة. قلت: ولو ذهب ذاهبٌ إلى أن المراد باليد: الجارحة، وأن أطولكن

стр. 1349

من الطَّول -بفتح الطاء- لا من الطُّول -بضمها-؛ أي: أجودكن يداً، ونسب الجود إلى اليد؛ لأن الإعطاء كثيراً ما يكون بها؛ لكان وجهاً. ومن العجب أن الشيخ بهاء الدين السبكي ﵀ قال في "شرح التلخيص": ومن إطلاق اليد بمعنى النعمة إخبارُ النبي ﷺ أن أسرع أزواجه لحوقاً به أطولُهن يداً، فأخذوا (١) قصبة يذرعونها (٢)، وفي البخاري: "وكانت سودة أطولهن يداً". وفي مسلم: "وكانت (٣) أطولَنا يداً زينبُ" (٤)، وجمع بينهما على أنهما مجلسان، فالمجلس الذي حضرته زينبُ غيرُ المجلس الذي حضرته سودةُ، [وكانت سودة على الإطلاق أسرعَهن لحوقاً. هكذا رأيته بهذا النص في نسختي من "شرح التلخيص" هذا، ولعل سودة]، (٥) من قوله: "وكانت (٦) سودةُ على الإطلاق أسرعَهن لحوقاً" سبقُ قلم منه، أو من الناسخ، وإلا لزم مخالفة (٧) الإجماع.

стр. 1350

باب: صَدَقَةِ السِّرِّ وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبيِّ ﷺ : "وَرَجُل تَصَدَّقَ بصَدَقَةٍ فَأَخْفَاها، حَتَّى لَا تعْلَمَ شِمَالُهُ مَا صَنَعَتْ يَمِينُهُ". وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١]. (فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق (١) يمينه): قال ابن بطال: هذا مثل ضربه ﵇ في المبالغة في الاستتار بالصدقة؛ لقرب الشّمال من اليمين، وإنما أراد: أن لو قدر أن لا (٢) يعلم من (٣) يكون على شماله من الناس؛ نحو: ﴿وسئلِ اَلقَريَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]؛ لأن الشِّمال لا توصَف بالعلم، فهو من مجاز الحذف (٤). قال ابن المنير: وألطفُ منه أن يُراد: لو أمكنَ المتصدقَ أن يُخفي صدقَته عن نفسه، لفعل، فكيف لا يخفيها عن غيره، والإخفاءُ عن النفس يمكن باعتبار، وهو أن يتغافلَ المتصدقُ عن الصدقة، ويتناساها حتى ينساها، وبهذا تمدح الكرام شرعاً وعرفاً.

стр. 1351

باب: إذا تصدَّق على غنيِّ وهو لا يعلمُ ٨٣٥ - (١٤٢١) - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيب، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعوَجِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ -رَضىَ اللهُ عَنْهُ-: أَنَّ رسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "قَالَ رَجُلٌ: لأتصَدَّقَنَّ بصَدَقَةٍ، فَخرَجَ بصَدَقَتِهِ، فَوَضَعها فِي يَدِ سَارِق، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ عَلَى سَارِقٍ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، لأَتَصَدَّقَنَّ بصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بصَدَقَتِهِ فَوَضَعَها فِي يَديْ زَانِيةٍ، فَأَصبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى زَانِيَةٍ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمدُ، عَلَى زَانِيَةٍ؟! لأَتَصَدَّقَنَّ بصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بصَدَقَتِهِ، فَوَضَعها فِي يَدَيْ غَنِيٍّ، فَأَصبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّق عَلَى غَنِيٍّ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحمْدُ، عَلَى سَارِقٍ، وَعَلَى زَانِيَةٍ، وَعَلَى غَنِىٍّ؟! فَأُتِيَ: فَقِيلَ لَهُ: أَمَّا صَدَقتكَ عَلَى سَارِقٍ: فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعِفَّ عَنْ سرقَتِهِ، وَأَمَّا الزَّانِيَة: فَلَعَلَّهَا أَنْ تَسْتَعِفَّ عَنْ زِنَاها، وَأَمَّا الْغَنِيُّ: فَلَعَلَّهُ يَعْتَبرُ، فَيُنْفِقُ مِمَّا أعطَاهُ اللَّهُ". (قال رجل: لأتصدقَنَّ بصدقة، فخرج فوضعها في يد سارق): هذا الرجل ممن كان قبلنا. (فأُتي فقيل له): أي: أُتي في المنام، ففي "مستخرج أبي نعيم": "فَأُتِيَ في مَنَامِهِ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ الله قَدْ قَبلَ صَدَقَتَكَ". باب: إذا تصدَّق على ابنهِ وهو لا يَشْعُرُ ٨٣٦ - (١٤٢٢) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا إِسرَائِيلُ، حَدَّثَنَا

стр. 1352

أَبُو الْجُويرِيَةِ: أَنَّ معنَ بْنَ يَزِيدَ ﵁ حَدَّثَهُ، قَالَ: بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنَا وَأَبي وَجَدِّي، وَخَطَبَ عَلَيَّ فَأَنْكَحَنِي، وَخَاصمتُ إِلَيْهِ: كَانَ أَبي يَزِيدُ أَخْرَجَ دَنَانِيرَ يتصَدَّقُ بها، فَوَضَعَها عِنْدَ رَجُلٍ فِي الْمَسْجدِ، فَجئْتُ فَأَخَذْتها، فَأتيْتُهُ بها، فَقَالَ: وَاللَّه! مَا إِيَّاكَ أَرَدتُ، فَخَاصَمْتُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: "لَكَ مَا نَويتَ يَا يَزِيدُ، وَلَكَ مَا أَخَذْتَ يَا مَعنُ". "أن معنَ بنَ يزيد حدثه، قال: بايعتُ النبيَّ ﷺ أنا وأبي وجدي): هذا فيه صاحب ابن صاحب ابن صاحب، فيضاف (١) لبنت الصديق ﵁. وقد جمع بعضُهم في ذلك جزءاً (٢). وجدُّ معن هذا هو الأخْنَسُ. قال في "أسد الغابة": معنُ بنُ يزيدَ بنِ الأخنسِ بنِ حبيبٍ السلمي، صحبَ النبي ﷺ هو وأبوه وجده، يكنى: أبا زيد (٣)، قال (٤) يزيدُ بنُ أبي حبيب: إنه شهد بدراً مع أبيه وجده، ولا نعرف أحداً شهدَ بدراً هو وأبوه وجده غيرَه، قال ابن عبد البر: لا نعرف معناً في البدريين، ولا يصح (٥).

стр. 1353

(وخطب عليَّ): يقال (١): خطبَ المرأةَ إلى وليها: إذا أرادَها لنفسه، وخطبَ عليه: إذا أرادها لغيره، والمعنى: طلب من ولي المرأة أن يزوِّجَها مني. (فأفلجني (٢)): -بالجيم- يعني: حكم لي؛ أي (٣): أَظْفَرَني بمرادي، يقال: فلج (٤) الرجلُ على خصمه: إذا ظفر به. (فقال: لكَ ما نويتَ يا يزيدُ، ولك ما أخذتَ يا معنُ): هذا مع أن أباه صاحبَ الصدقة قال لولده: "ما إياكَ أردتُ". قال ابن المنير: لأنه لم يعن أردتُ غيرك فقط، وإنما عنى (٥): ما أردتُك على الخصوص، وكأن نيته كانت مسترسلة على الفقير، ولم يحجر على الوكيل أن يعطي الولدَ، وكان فقيراً، فاندرج في العموم، فأمضاها النبي ﷺ له، وكانت صدقَة (٦) تطوُّع، وقد نص أصحابنا أنه (٧) إذا أوصى للفقراء، فافتقر ولدُه الذي ورثوه قبل قسمة الوصية أنهم يأخذون بالفقر، وهذا الحديث يدل عليه.

стр. 1354

باب: الصَّدقةِ باليمينِ ٨٣٧ - (١٤٢٤) - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مَعْبَدُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ حَارِثَةَ بْنَ وَهْبٍ الْخُزَاعِيَّ ﵁ يَقُولُ: سَمَعتُ النَّبيَّ ﷺ يَقُولُ: "تَصَدَّقُوا؛ فَسَيَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمان يَمشِي الرَّجُلُ بصَدَقَتِهِ، فَيَقُولُ الرَّجُلُ: لَوْ جِئْتَ بهَا بالأَمسِ، لَقَبلْتُها مِنْكَ، فَأَمَّا الْيَوْمَ، فَلَا حَاجَةَ لِي فِيها". (لو جئتَ بها بالأمسِ): الكسرة فيه كسرةُ إعراب؛ [لأنه إذا دخله (١) اللام، أُعرب] (٢) اتفاقاً؛ لزوالِ علةِ البناء؛ أي: تقدير اللام. [قال الزركشي: فإن اعتقدت (٣) زيادتها، فكسرةُ بناء (٤). قلت: لا شك أن بناءه (٥) مع مقارنة اللام] (٦) قليلٌ، وإنما يُرتكب حيث يُلتجأ إليه؛ كما إذا قيل: ذهب الأمسِ بما فيه -بكسر السين-، وأما هنا، فلا داعي (٧) إلى دعوى الزيادة بوجه، فتأمله.

стр. 1355

باب: مَنْ أَمَرَ خَادِمَهُ بالصَّدَقَةِ، وَلَم يُنَاوِلْ بنَفْسِهِ وَقَالَ أَبُو مُوسَى، عَنِ النَّبي ﷺ : "هُوَ أَحَدُ الْمُتَصَدِّقَيْنِ". (هو أحد المتصدقَين): الرواية فيه: بفتح القاف على التثنية. قال صاحب "المفهم": ويجوز كسرها على الجمع، ومعناه: متصدقٌ من المتصدقين (١). ٨٣٨ - (١٤٢٥) - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا أَنْفَقَتِ الْمَرأة مِنْ طَعَامِ بَيْتِها، غَيْرَ مُفْسِدَةٍ، كَانَ لَها أَجْرُهَا بمَا أَنْفَقَتْ، وَلِزَوْجها أَجْرُهُ بمَا كسَبَ، وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ، لَا يَنْقُصُ بَعْضُهُمْ أَجْرَ بَعْضٍ شَيْئاً". (كان لها أجرُها بما أنفقت، ولزوجها أجرُه بما كسَبَ (٢)): قال ابن بطال: لا يجوز لأحد أن يتصدق من مال (٣) غيره بغير إذنه، لكن لما كانت المرأة لها حقٌّ في مال زوجها، وكان لها النظرُ في بيتها، جاز لها الصدقةُ بما ليس فيه إضاعةٌ للمال، ولا إسرافٌ، لكن بالمعروف (٤). قال ابن المنير: وهذا لا وجه له؛ لأنها لا تتصدق من حقها، بل تأخذ حقَّها كاملاً، وصدقتها مما وراء ذلك، فلا وجة لجوازه إلا كونُه

стр. 1356

مأذوناً فيه عرفاً، ولهذا لو حجر عليها بالنص، حرم عليها أن تتصدق من ماله، ولو بتمرة. باب: لَا صَدَقَةَ إِلَاّ عَنْ ظَهْرِ غِنًى وَمَنْ تَصَدَّقَ وَهْوَ مُحْتَاج، أَوْ أَهْلُهُ مُحتَاجٌ، أَوْ عَلَيْهِ دَينٌ، فَالدَّيْنُ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى مِنَ الصَّدَقَةِ وَالْعِتْقِ وَالْهبةِ، وَهْوَ رَدٌّ عَلَيْهِ، لَيْسَ لَهُ أَنْ يُتْلِفَ أموَالَ النَّاسِ. قَالَ النَّبيُّ ﷺ : "مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ إِتْلَافها، أتلَفَهُ اللَّهُ". إِلَاّ أَنْ يَكُونَ مَعْرُوفاً بالصَّبْرِ، فَيُؤثرَ عَلَى نفسِهِ، وَلَوْ كانَ بهِ خَصَاصَةٌ، كَفِعْلِ أَبي بَكْرٍ ﵁ حِينَ تَصَدَّقَ بمَالِهِ، وَكَذَلِكَ آثَرَ الأَنْصَارُ الْمُهاجِرِينَ، وَنهى النَّبيُّ ﷺ عَنْ إِضَاعَةِ الْمَالِ. فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُضَيِّعَ أَموَالَ النَّاسِ بعِلَّةِ الصَّدَقَةِ. (ونهى النبي ﷺ عن إضاعة المال): استدل به البخاري على رد صدقة المديان، والمنهيُّ عنه إضاعةُ الإنسانِ لمالِ نفسه، [لا لأموال الناس، ذاك أغلظُ، لكن إذا نُهي الإنسان في مال نفسه] (١) عن الإضاعة، فهي في مال غيره أولى بالنهي، وما يُتخيل أن الصدقة ليست إضاعةً غيرُ ظاهر؛ لأن الصدقة إذا عورضت بحق الدَّين لم يبقَ فيها ثواب، فبطلَ كونُها صدقة، وبقيت إضاعة (٢) محضة.

стр. 1357

٨٣٩ - (١٤٢٦) - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عبد الله، عَنْ يُونسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّب: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبيِّ ﷺ ، قَالَ: "خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَابْدَأْ بمَنْ تَعُولُ". (خيرُ الصدقة ما كان عن ظهر غِنىً): كيفية الجمع بين هذا، وبين قوله: "لا صَدَقَةَ إِلَاّ عَنْ ظَهْرِ غِنىً" أن يقال (١): النفيُ للكمال، فكأنه قال: لا صدقةَ كاملةً، أو لا صدقةَ توصف بأنها خيرُ الصدقات، إلا صدقة الغني، فيجتمع الطريقان، والله أعلم. (وابدأ بمن تعول): قال الزركشي: بالهمز، وتركه؛ أي: بمن (٢) يلزمك نفقته (٣). ٨٤٠ - (١٤٢٧) - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهيبٌ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ حَكِيم بْنِ حِزَامٍ ﵁، عَنِ النَّبيِّ ﷺ ، قَالَ: "الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى، وَابْدَأْ بمَنْ تَعُولُ، وَخَيْرُ الصَّدَقَةِ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ". (اليد العليا خيرٌ من اليد السفلى): حمله بعضهم على أن المراد باليد

стр. 1358

العليا: المعطِية (١)، واليد السفلى: المانعة، وسيأتي قريباً في الحديث ما يدفعه (٢). قال ابن المنير: الأيدي ثلاث: يد معطية، ويد آخذة، ويد متعففَةٌ لا معطيةٌ ولا آخذةٌ، ولا خلف أن المعطية أفضلُهن، فهي (٣) أولى بأن (٤) تكون العليا، والمتعفِّفَةُ الوسطى، والآخِذَةُ السفلى، ثم إن تَصَوُّر العلوِّ والسفل إنما يظهر في الإعطاء والأخذ؛ لأن المعطي يُناول الآخذ في يده، فعلوُّ يده على يد الآخذ حِساً، ولهذا كان بعض العارفين إذا أعطى الفقير، وضعَ العطية في يد نفسه، وأمر الفقير بتناولها؛ لتكون يدُ الفقير هي العليا؛ أدباً مع قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة: ١٠٤]، فلما (٥) أضيف الأخذ إلى الله (٦)، تواضع لله، فوضع يده أسفلَ من يد الفقير الآخذ. (ومن يستعفف (٧) يعفُّه الله): -بضم الفاء المشددة- من "يعفُّه"، وهو مجزوم في جواب الشرط، لكن الضمةَ إتباعٌ لضمةِ هاءِ الضمير.

стр. 1359

٨٤١ - (١٤٢٩) - حَدَّثَنَا عبد الله بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عبد الله بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ، وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَذَكَرَ الصَّدَقَةَ وَالتَّعَفُّفَ وَالْمَسْأَلَةَ: "الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى، فَالْيَدُ الْعُلْيَا هِيَ الْمُنْفِقَةُ، وَالسُّفْلَى هِيَ السَّائِلَةُ". (فاليد العليا هي المنفقة، والسفلى هي السائلة): هذا ما وعدنا بذكره قريباً. قال الزركشي: وهو نصٌّ يرفع تعسُّفَ من يُؤَوله؛ لأجل حديث: "إِنَّ الصَّدَقَةَ تَقَعُ في يَدِ اللهِ" (١)، وهذا جهل؛ لأن يدَ المعطي هي يدُ الله بالعطاء، نعم وقع في رواية أبي داود بدل "المنفقة": "المتعفِّفَة" (٢)، ولكن الأكثر في الرواية ما في "البخاري"، هذا كلامه (٣). باب: مَنْ أحبَّ تعجيلَ الصَّدقةِ من يومِها ٨٤٢ - (١٤٣٠) - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِم، عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ أَبي مُلَيْكَةَ: أَنَّ عُقْبةَ بْنَ الْحَارِثِ ﵁ حَدَّثَهُ، قَالَ: صَلَّى بنَا النَّبيُّ ﷺ الْعَصْرَ، فَأَسْرعَ، ثُمَّ دَخَلَ الْبَيْتَ، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ خَرَجَ، فَقُلْتُ: أَوْ قِيلَ لَهُ، فَقَالَ: "كُنْتُ خَلَّفْتُ فِي الْبَيْتِ تِبراً مِنَ الصَّدَقَةِ، فَكَرِهْتُ أَنْ أبيتهُ، فَقَسَمْتُهُ".

стр. 1360

(تبراً): هو من الذهب والفضة ما كان غيرَ مضروب. (فكرهت أن أُبيته): أي: أتركه حتى يدخلَ عليه الليل. (فقسمْتُه): قال ابن المنير: فيه دليل على أن قضاء الدين مع الإمكان، وقسمةَ الحق في أهله، وأداءَ الأمانة إلى أربابها لا يضر فيها التأخير (١) اليسير، وأن الوجوب في ذلك، كان كان على الفور، فإنه لا ينتهي إلى الوقت المضيق (٢) في المكتوبات. باب: التحريضِ على الصَّدقة، والشَّفاعةِ فيها ٨٤٣ - (١٤٣٢) - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، حَدَّثَنَا أَبُو بُرْدَةَ بْنُ عبد الله بْنِ أَبي بُرْدَةَ، حَدَّثَنَا أبو بُرْدَةَ بْنُ أَبي مُوسَى، عَنْ أَبيهِ ﵁، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا جَاءَهُ السَّائِلُ، أَوْ طُلِبَتْ إِلَيْهِ حَاجَةٌ، قَالَ: "اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا، ويَقْضي اللهُ عَلَى لِسَانِ نبَيِّهِ ﷺ مَا شَاءَ". (إذا جاء السائل، أو (٣) طُلِبَ إليه حاجة، قال: اشفعوا تؤجروا ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء): هذا من تمام مكارم الأخلاق؛ حيث أمرهم ﵇ أن يشفعوا عنده، ويَصِلوا (٤) جَناح السائلِ وطالب

стр. 1361

الحاجة، وهذا تخلُّق بأخلاق الله؛ فإن الله تعالى يقول لنبيه يوم القيامة: "اشْفَعْ تُشَفَّعْ" (١)، فبهذا الحسب عامل النبي ﷺ أصحابه. قال ابن المنير: ولهذا (٢) وأمثاله أَهَّلَّه الله لأنْ يكون صاحبَ المقامِ المحمود، والشفاعةِ الكبرى في الدار الأخرى، وإذا أمر بالشفاعة عنده، مع علمه بأنه مستغنٍ عنها شافعٌ من نفسه، وباعثٌ من جوده، كانت الشفاعةُ الحسنةُ عندَ غيره ممن يحتاج إلى تحريكِ داعيةٍ إلى (٣) الخير متأكدة بطريق الأولى. ٨٤٤ - (١٤٣٣) - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ، أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ فَاطِمَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ ﵂: قَالَتْ: قَالَ لِي النَّبيُّ ﷺ : "لَا تُوكِي؛ فَيُوكَى عَلَيْكِ". حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبي شَيْبةَ، عَنْ عَبْدَةَ، وَقَالَ: "لَا تُحْصِي؛ فَيُحْصِيَ اللَّهُ عَلَيْكِ". (لا توكي): أي: لا تربطي على ما عندَك وتمنعيه، يقال: أَوْكى سِقاءَهُ: إذا سَدَّ فَمَهُ. (فيوكى عليك): أي: فتنقطع (٤) مادةُ الرزق عنك، وهو بفتح الكاف

стр. 1362

على البناء للمفعول، وبكسرها على البناء للفاعل، وهو منصوب بإضمار أن؛ لأنه وقع جواباً (١) للنهي مقروناً بالفاء. (لا تُحصي؛ فيُخصِيَ الله عليك): الإحصاء: هو العَدُّ، والعرف فى القليل أنه يُعَدُّ، [وفي الكثير أنه لا يعَدُّ] (٢)، فصار الإحصاء كنايةَ عن التقليل؛ لملازمته إياه في العادة، فكأنه قيل: لا (٣) تعطي قليلاً، فتعامَلي بنظيره، ففيه حَثٌّ على الإكثار من الإحسان (٤). باب: الصَّدقةِ فيما استطاعَ ٨٤٥ - (١٤٣٤) - حدثنا أبُو عاصِمِ، عنِ ابنِ جُرَيْجٍ. وحدّثني مُحَمَّدُ ابْنُ عَبْدِ الرَّحِيم، عن حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عنِ ابنِ جُرَيجٍ، قَالَ: أَخْبَرَني ابْنُ أَبي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ عبد الله بْنِ الزُّبَيْرِ، أَخْبَرَهُ عَنْ أَسْمَاءَ بنْتِ أَبي بَكْرٍ ﵄: أَئهَا جَاءَتْ إِلَى النَّبيِّ ﷺ ، فَقَالَ: "لَا تُوعي؛ فَيُوعيَ اللَّهُ عَلَيْكِ، ارضَخِي مَا اسْتَطَعتِ". (ارضخي): فعل أمر من رَضَخَ: إذا أعطى عطاء (٥) ليس بالكثير.

стр. 1363

باب: مَنْ تَصدَّق في الشِّرك ثم أسلمَ ٨٤٦ - (١٤٣٦) - حَدَّثَنَا عبد الله بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ حَكِيم بْنِ حِزَامٍ ﵁، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرَأَيْتَ أَشْيَاءَ كنْتُ أتحَنَّثُ بها فِي الْجَاهِلِيَّةِ؛ مِنْ صَدَقَةٍ، أَوْ عَتَاقَةٍ، وَصِلَةِ رَحِمٍ، فَهلْ فِيها مِنْ أَجْرٍ؟ فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ : "أَسْلمتَ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْ خَيْرٍ". (كنت أتحنث بها في الجاهلية): أي: كنت أتقرَّب بها إلى الله تعالى. (أسلمتَ على ما أسلفت (١) من خير): الظاهر حملُه على أنه يُكتب له بعد إسلامه أجرُ ما عمله في حال شِرْكه من خير، فقد ثبت من حديث مالك في غير "الموطأ" مرفوعاً: أن النبي ﷺ قال: "إِذَا أَسْلَمَ الكافِرُ، فَحَسُنَ إِسْلامُهُ، كتَبَ اللهُ لَهُ كُلَّ حَسَنَةٍ كَانَ زَلَفَهَا، وَمَحَا عَنْهُ كُلَّ سَيئةٍ كَانَ زَلَفها (٢)، وَكَانَ عَمَلُهُ بَعدُ الحَسَنَةُ بعَشْرِ أَمثَالِها إِلَى سَبع مِئَةَ ضعْفٍ، وَالسَّيئة بمِثْلِها إِلَاّ أَنْ يَتَجَاوَزَ اللهُ" (٣). واعلم (٤) أنه لا يتخرج الاعتداد للكافر بما أسلفَ من خير على القول بأنهم مخاطبون بفروع الشريعة، لأنه (٥) لا يصحُّ منه في حال

стр. 1364

الكفر (١) عبادةٌ؛ لأن شرطَها النيةُ، وهي متعذِّرَةٌ منه، وإنما يُكتب له ذلك الخيرُ بعدَ إسلامه تفضلاً (٢) من الله مستأنفًا. قال ابن المنير: ولعلَّه لما سُرَّ بما فعله في الجاهلية من الخير بعدَ الإسلام، كُتب (٣) له (٤) تلك الخيراتُ؛ لسروره بها الآن، وهي (٥) عملٌ مستأنَفٌ. باب: أجرِ الخادمِ إذا تصدَّقَ بأمرِ صاحبهِ غيرَ مُفْسِدٍ ٨٤٧ - (١٤٣٨) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عبد الله، عنْ أبي بُردَةَ، عنْ أَبي مُوسَى، عَنِ النَّبيِّ ﷺ ، قَالَ: "الْخَازِنُ الْمُسْلِمُ الأَمِينُ، الَّذِي يُنْفِذُ -وَرُبَّمَا قَالَ: يُعطِي- مَا أُمِرَ بهِ، كَامِلاً مُوَفَّراً، طَيِّبٌ بهِ نفسُهُ، فَيَنفَعُهُ إِلَى الَّذِي أُمِرَ لَهُ بهِ، أَحَدُ الْمُتَصَدِّقَيْنِ". (الذي يُنْفِذ): -بإسكان النون وكسر الفاء مخففة- مضارعُ أَنْفَذَ، وبفتح النون وكسر الفاء مشددة- مضارع نفَّذَ، والذال فيهما معجمة. (طيبةٌ به نفسُه): برفع الجزأين على أنها جملة اسمية، والخبرُ فيها مقدم، وهي في محل نصب على الحال.

стр. 1365

ويروى: "طيبا به نفسُه" على أن الحال مفردة، ونفسُه فاعل بقوله: "طيباً". باب: مَثَلِ المتصدِّقِ والبخيلِ ٨٤٨ - (١٤٤٣) - وَحَدَّثَنَا أْبَو اليَمانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنادِ: أَنَّ عَبْدَ الرَّحمنِ حَدَّثَهُ: أنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁: أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَثَلُ الْبَخِيلِ وَالْمُنْفِقِ، كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ، عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ، مِنْ ثُدِيِّهِمَا إِلَى تَرَاقِيهِمَا، فَأَمَّا الْمُنْفِقُ: فَلَا يُنْفِقُ إِلَاّ سَبَغَتْ، أَوْ وَفَرَتْ عَلَى جِلْدِهِ، حَتَّى تُخْفِيَ بَنَانه، وَتَغفُوَ أثرَهُ. وَأَمَّا الْبَخِيلُ: فَلَا يُرِيدُ أَنْ يُنْفِقَ شَيْئاً إِلَاّ لَزِقَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَكَانها، فَهُوَ يُوَسِّعُها وَلَا تَتَّسِعُ". تَابَعَهُ الْحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ طَاوُسٍ: فِي الْجُبَّتَيْنِ. (جبتان): بالجيم والباء الموحدة. وفي رواية ابن هرمز كما صرح به البخاري في آخر الباب: "جُنَّتَانِ" (١) - بالنون-؛ يعني: درعين، ورُجِّحت لقوله: "من حديد". (من ثُدِيِّهما): - بضم الثاء المثلثة-؛ جمع ثَدي. (إلى تراقيهما): جمع تَرْقُوَة -بفتح التاء-، وهي العظم الذي بين ثُغْرَةِ النَّخر والعاتِق، وزنُها (٢) فَعلُوَة.

стр. 1366

(إلا سَبَغَتْ): أي: امتدَّتْ وكَمُلَتْ. (أو وَفَرَت): بتخفيف (١) الفاء. (حتى تخفي بنانَه): أي: تستر (٢) أصابعه (٣)، وصَحَّفَ من قال: "ثيابه" جمع ثوب. (وتعفوَ (٤) أثَرَهُ): أي: وتغطِّي أثرَه حتى لا يبدو، وتعفوَ منصوب بالعطف على تُخفيَ (٥)، وكلاهما مسند إلى ضمير الجُبَّة أو الجُنَّة، وعفا تستعمل لازماً ومتعدياً، تقول: عَفَتِ الدارُ (٦): إذا دَرَسَتْ، وعَفاها الريحُ: إذا طَمَسَها، ودَرَسَتْ (٧)، وهو في الحديث متعدٍّ. (فهو يوسِّعها ولا تتسع): أي: يريد أن يوسِّعها بالبذل، فتشحُّ نفسُه ولا تطاوعُه، فلا تتسع، وفي ذلك وعدٌ للمتصدق (٨) بالبركة، وستر العورة، والصيانة من البلاء؛ فإن جُنَّة الحديد لا تُعد للستر خاصة، ولكن للستر والصون من الآفات، وهذا معنى ما ورد أَنَّ الصدقةَ تدفعُ البلاء، والله أعلم، وفي البخيل على الضد من ذلك، فيكون معرَّضاً لهتك عورته، هدفاً لسهام البلاء والعياذ بالله.

стр. 1367

باب: صَدَقةِ الْكَسب وَالتِّجَارَةِ لِقَوْلهِ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ إِلَى قوله: ﴿أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٦٧]. (لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾): قيل: المراد بالطيب: الجيد، وبالخبيث: الرديء. وقيل: الطيب: الحلال، والخبيث: الحرام. ويرجِّحُ الأولَ قوله (١): ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢٦٧]. ولو كان المراد بالخبيث الحرام، لم ينتظم الكلام؛ لأق المُلابس للحرام لا يتحراه؛ ليتصدق منْه، ولا يتورع عنه إذا عرض عليه، فيأخذه على كُره وإغماض، إنما هذه صفة الناس إذا عوض عليهم الرديء. والله أَعلم. باب: على كل مسلم صدقةٌ، فمنْ لم يجدْ فليعمل بالمعروفِ ٨٤٩ - (١٤٤٥) - حَدَّثَنَا مسلِمُ بْنُ إِبرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا شُعبَةُ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبى برْدَةَ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبيِّ ﷺ ، قَالَ: "عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ"،، فَقَالُوا: يَا نبَيَّ اللَّهِ! فَمَن لَمْ يجدْ؟ قَالَ: "يعمل بيدهِ، فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ، وَيَتَصَدَّقُ"، قَالُوا: فَإِنْ لَم يَجدْ؟ قَالَ: "يُعِينُ ذَا الْحَاجَةِ المَلْهُوفَ"، قَالُوا: فَإِن لَم يجِدْ؟ قَالَ: "فَلْيعمَل بالْمَعرُوفِ، وَلْيُمسِك عَنِ الشَّرِّ؛ فَإِنَّها لَهُ صَدقَة"ـ

стр. 1368

(على كل مسلم صدقة، فقالوا (١): يا نبي الله! فمن لم يجد؟ فقال: يعمل بيديه): قال ابن المنير: يحتمل أن يكون المراد: الحثَّ على الصدقة، وأن لا تزال نُصبَ عين المؤمن، لا يعتقد أن وظيفتها تسقط عنه في حال، ويحتمل أن يراد به تسلية الفقير الذي يظن أنه حُرم ثوابَ الصدقة، فبين له أنه قادر عليها بالطرق المذكورة. (يعين ذا الحاجة الملهوفَ): أي: المظلومَ المستغيثَ. (ولْيُمْسِكْ عن الشر؛ فإنها صَدَقة): فيه تنبيه على أن التركَ فِعْلٌ، ولهذا جعل الإمساك والكف صدقة، ولا خلاف أن الصدقة فعل، فقد صدق على الترك أنه فعل؛ خلافاً (٢) لمن زعم أن متعلق النهي عدم، وأن الترك نفي (٣). قاله ابن المنير. باب: قدرُكم يُعطى من الزكاة والصَّدقةِ، ومن أعطى شاةً ٨٥٠ - (١٤٤٦) - حَدَّثَنَا أَحمَدُ بْنُ يُونسُ، حَدَّثَنَا أَبُو شِهابٍ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءَ، عَنْ حَفْصَةَ بنْتِ سِيرِينَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّة ﵂، قَالَتْ: بُعِثَ إِلَى نُسَيْبَةَ الأَنْصَارِيَّةِ بشَاةٍ، فَأَرْسَلَتْ إِلَى عَائِشَةَ ﵂ مِنْها، فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ : "عِنْدكُم شَيْءٌ؟ "، فَقُلْتُ: لَا، إِلَاّ مَا أَرْسَلَتْ بهِ نُسَيْبَةُ مِنْ تِلْكَ الشَّاةِ، فَقَالَ: "هاتِ، فَقَد بَلَغَتْ مَحِلَّهَا".

стр. 1369

(عن أم عطية، قالت: بُعِث): بضم الموحدة وكسر العين، على البناء للمفعول. (إلى نُسَيبة الأنصارية): بضم النون وفتح السين المهملة على التصغير، وبفتح النون وكسر السين، ونسيبة هذه هي أم عطية نفسُها، وكان مقتضى الظاهر أن تقول: بعث إليَّ، بضمير المتكلم، لكنها أقامت (١) الظاهر مقام المضمر. قال ابن الملقن: وتوهم ابن التين (٢): أنها غيرها (٣). قال الزركشي: وفي رواية: "بعثتُ إلى نسيبة"، وهي تقتضي أن نسيبةَ غيرُ أم عطية، وهي هي، وسيأتي على الصواب بَعْدُ في باب: إذا تحولت الصدقة. وقد قال ابن السكن عقيب (٤) هذا: قال البخاري: نسيبة هي أم عطية (٥). (فقد بلغت مَحِلَّها): -بكسر الحاء-؛ أي: وصلت إلى الموضع الذي تحلُّ فيه بصيرورتها (٦) ملكاً للمتصدَّق بها عليها (٧)، فصحَّت منها هديتُها، وإنما قال ذلك؛ لأنه كان يحرم (٨) عليه أكلُ الصدقة.

стр. 1370

باب: الْعَرْض فِي الزَّكاةِ وَقَالَ طَاوُسٌ: قَالَ مُعَاذٌ ﵁ لأَهْلِ الْيَمنِ: ائْتُونِي بعَرْضٍ، ثِيَابٍ خَمِيص أَوْ لَبيسٍ، فِي الصَّدَقَةِ، مَكَانَ الشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ، أَهْوَنُ عَلَيْكُمْ، وَخَيْرٌ لأَصحَاب النَّبيِّ ﷺ بالْمَدِينَةِ. وَقَالَ النَّبيُّ ﷺ : "وَأَمَّا خَالِدٌ: احتبَسَ أَدرَاعَهُ وَأَعتُدَهُ فِي سَبيلِ اللَّهِ". وَقَالَ النَّبيُّ ﷺ : "تَصَدَّقْنَ وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ". فَلَمْ يَسْتَثْنِ صَدَقَةَ الْفَرْض مِنْ غَيْرِها، فَجَعَلَتِ الْمَرْأة تُلْقِي خُرْصَها وَسِخَابَها. وَلَم يَخُصَّ الذَّهبَ وَالْفِضَّةَ مِنَ الْعُرُوض. (باب: العرض في الزكاة): قال الجوهري: العَرْض: المتاع، وكلُّ شيء فهو عرض سوى الدراهم والدنانير؛ فإنها عَيْن (١). (وقال طاوس: قال معاذ لأهل اليمن): الحديث منقطع؛ لأن طاوساً لم يلق معاذاً، وبتقدير صحته، فقد قيل: إنه كان في الجزية، لا في الصدقة. [قلت: كيف هذا مع قوله: "ائتوني بعرض ثياب خميص أو لبيس في الصدقة"؟] (٢). قال ابن المنير: أحسنُ محمل عندي في حديث معاذ أن يُحمل على أنه كان يقبض منهم الزكاة بأعيانها غيرَ مقومة، فإذا قبضها، عاوض عنها حينئذ مَنْ شاء بما شاء من العروض. قلت: فالمحذور باق بحاله إذا تأملت.
следующие страницы →