← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16684

مصابيح الجامع

بدر الدين الدماميني

Полный текст (4 546 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

(إلا سَبَغَتْ): أي: امتدَّتْ وكَمُلَتْ. (أو وَفَرَت): بتخفيف (١) الفاء. (حتى تخفي بنانَه): أي: تستر (٢) أصابعه (٣)، وصَحَّفَ من قال: "ثيابه" جمع ثوب. (وتعفوَ (٤) أثَرَهُ): أي: وتغطِّي أثرَه حتى لا يبدو، وتعفوَ منصوب بالعطف على تُخفيَ (٥)، وكلاهما مسند إلى ضمير الجُبَّة أو الجُنَّة، وعفا تستعمل لازماً ومتعدياً، تقول: عَفَتِ الدارُ (٦): إذا دَرَسَتْ، وعَفاها الريحُ: إذا طَمَسَها، ودَرَسَتْ (٧)، وهو في الحديث متعدٍّ. (فهو يوسِّعها ولا تتسع): أي: يريد أن يوسِّعها بالبذل، فتشحُّ نفسُه ولا تطاوعُه، فلا تتسع، وفي ذلك وعدٌ للمتصدق (٨) بالبركة، وستر العورة، والصيانة من البلاء؛ فإن جُنَّة الحديد لا تُعد للستر خاصة، ولكن للستر والصون من الآفات، وهذا معنى ما ورد أَنَّ الصدقةَ تدفعُ البلاء، والله أعلم، وفي البخيل على الضد من ذلك، فيكون معرَّضاً لهتك عورته، هدفاً لسهام البلاء والعياذ بالله.

стр. 1367

باب: صَدَقةِ الْكَسب وَالتِّجَارَةِ لِقَوْلهِ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ إِلَى قوله: ﴿أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٦٧]. (لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾): قيل: المراد بالطيب: الجيد، وبالخبيث: الرديء. وقيل: الطيب: الحلال، والخبيث: الحرام. ويرجِّحُ الأولَ قوله (١): ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢٦٧]. ولو كان المراد بالخبيث الحرام، لم ينتظم الكلام؛ لأق المُلابس للحرام لا يتحراه؛ ليتصدق منْه، ولا يتورع عنه إذا عرض عليه، فيأخذه على كُره وإغماض، إنما هذه صفة الناس إذا عوض عليهم الرديء. والله أَعلم. باب: على كل مسلم صدقةٌ، فمنْ لم يجدْ فليعمل بالمعروفِ ٨٤٩ - (١٤٤٥) - حَدَّثَنَا مسلِمُ بْنُ إِبرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا شُعبَةُ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبى برْدَةَ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبيِّ ﷺ ، قَالَ: "عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ"،، فَقَالُوا: يَا نبَيَّ اللَّهِ! فَمَن لَمْ يجدْ؟ قَالَ: "يعمل بيدهِ، فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ، وَيَتَصَدَّقُ"، قَالُوا: فَإِنْ لَم يَجدْ؟ قَالَ: "يُعِينُ ذَا الْحَاجَةِ المَلْهُوفَ"، قَالُوا: فَإِن لَم يجِدْ؟ قَالَ: "فَلْيعمَل بالْمَعرُوفِ، وَلْيُمسِك عَنِ الشَّرِّ؛ فَإِنَّها لَهُ صَدقَة"ـ

стр. 1368

(على كل مسلم صدقة، فقالوا (١): يا نبي الله! فمن لم يجد؟ فقال: يعمل بيديه): قال ابن المنير: يحتمل أن يكون المراد: الحثَّ على الصدقة، وأن لا تزال نُصبَ عين المؤمن، لا يعتقد أن وظيفتها تسقط عنه في حال، ويحتمل أن يراد به تسلية الفقير الذي يظن أنه حُرم ثوابَ الصدقة، فبين له أنه قادر عليها بالطرق المذكورة. (يعين ذا الحاجة الملهوفَ): أي: المظلومَ المستغيثَ. (ولْيُمْسِكْ عن الشر؛ فإنها صَدَقة): فيه تنبيه على أن التركَ فِعْلٌ، ولهذا جعل الإمساك والكف صدقة، ولا خلاف أن الصدقة فعل، فقد صدق على الترك أنه فعل؛ خلافاً (٢) لمن زعم أن متعلق النهي عدم، وأن الترك نفي (٣). قاله ابن المنير. باب: قدرُكم يُعطى من الزكاة والصَّدقةِ، ومن أعطى شاةً ٨٥٠ - (١٤٤٦) - حَدَّثَنَا أَحمَدُ بْنُ يُونسُ، حَدَّثَنَا أَبُو شِهابٍ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءَ، عَنْ حَفْصَةَ بنْتِ سِيرِينَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّة ﵂، قَالَتْ: بُعِثَ إِلَى نُسَيْبَةَ الأَنْصَارِيَّةِ بشَاةٍ، فَأَرْسَلَتْ إِلَى عَائِشَةَ ﵂ مِنْها، فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ : "عِنْدكُم شَيْءٌ؟ "، فَقُلْتُ: لَا، إِلَاّ مَا أَرْسَلَتْ بهِ نُسَيْبَةُ مِنْ تِلْكَ الشَّاةِ، فَقَالَ: "هاتِ، فَقَد بَلَغَتْ مَحِلَّهَا".

стр. 1369

(عن أم عطية، قالت: بُعِث): بضم الموحدة وكسر العين، على البناء للمفعول. (إلى نُسَيبة الأنصارية): بضم النون وفتح السين المهملة على التصغير، وبفتح النون وكسر السين، ونسيبة هذه هي أم عطية نفسُها، وكان مقتضى الظاهر أن تقول: بعث إليَّ، بضمير المتكلم، لكنها أقامت (١) الظاهر مقام المضمر. قال ابن الملقن: وتوهم ابن التين (٢): أنها غيرها (٣). قال الزركشي: وفي رواية: "بعثتُ إلى نسيبة"، وهي تقتضي أن نسيبةَ غيرُ أم عطية، وهي هي، وسيأتي على الصواب بَعْدُ في باب: إذا تحولت الصدقة. وقد قال ابن السكن عقيب (٤) هذا: قال البخاري: نسيبة هي أم عطية (٥). (فقد بلغت مَحِلَّها): -بكسر الحاء-؛ أي: وصلت إلى الموضع الذي تحلُّ فيه بصيرورتها (٦) ملكاً للمتصدَّق بها عليها (٧)، فصحَّت منها هديتُها، وإنما قال ذلك؛ لأنه كان يحرم (٨) عليه أكلُ الصدقة.

стр. 1370

باب: الْعَرْض فِي الزَّكاةِ وَقَالَ طَاوُسٌ: قَالَ مُعَاذٌ ﵁ لأَهْلِ الْيَمنِ: ائْتُونِي بعَرْضٍ، ثِيَابٍ خَمِيص أَوْ لَبيسٍ، فِي الصَّدَقَةِ، مَكَانَ الشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ، أَهْوَنُ عَلَيْكُمْ، وَخَيْرٌ لأَصحَاب النَّبيِّ ﷺ بالْمَدِينَةِ. وَقَالَ النَّبيُّ ﷺ : "وَأَمَّا خَالِدٌ: احتبَسَ أَدرَاعَهُ وَأَعتُدَهُ فِي سَبيلِ اللَّهِ". وَقَالَ النَّبيُّ ﷺ : "تَصَدَّقْنَ وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ". فَلَمْ يَسْتَثْنِ صَدَقَةَ الْفَرْض مِنْ غَيْرِها، فَجَعَلَتِ الْمَرْأة تُلْقِي خُرْصَها وَسِخَابَها. وَلَم يَخُصَّ الذَّهبَ وَالْفِضَّةَ مِنَ الْعُرُوض. (باب: العرض في الزكاة): قال الجوهري: العَرْض: المتاع، وكلُّ شيء فهو عرض سوى الدراهم والدنانير؛ فإنها عَيْن (١). (وقال طاوس: قال معاذ لأهل اليمن): الحديث منقطع؛ لأن طاوساً لم يلق معاذاً، وبتقدير صحته، فقد قيل: إنه كان في الجزية، لا في الصدقة. [قلت: كيف هذا مع قوله: "ائتوني بعرض ثياب خميص أو لبيس في الصدقة"؟] (٢). قال ابن المنير: أحسنُ محمل عندي في حديث معاذ أن يُحمل على أنه كان يقبض منهم الزكاة بأعيانها غيرَ مقومة، فإذا قبضها، عاوض عنها حينئذ مَنْ شاء بما شاء من العروض. قلت: فالمحذور باق بحاله إذا تأملت.

стр. 1371

ثم قال: ولعله كان يبيع صدقةَ زيدٍ من (١) عمرٍو حتى يخلص من بيع الصدقة لصاحبها (٢)، وذلك مكروه، وقد كرهه مالكٌ للحديث فيه، وليس أنه كان يأخذ العَرضَ (٣) ابتداء من المتصدِّق، ولا في حديثه دليل على ذلك، والأمر محتمل، والحكاية عينية، فليس فيها دليل مع تساوي الاحتمال، هذا كلامه. وفيه نظر. (خميص): -بالصاد المهملة-: اسمُ جنسٍ جمعيّ، والواحد (٤) خميصةٌ؛ ثيابُ خَزٍّ أو صوف معلمة (٥) كانوا يلبسونها، والمشهور: خميس، بالسين. قال أبو عبيد: هو ما طوله خمسة أذرع (٦). (أو لَبيس): -بلام مفتوحة وباء موحدة مكسورة مخففة-؛ أي: ملبوس، وقيل: لا حجة فيه على أخذ العَرْض (٧) في الزكاة مطلقاً؛ لأن هذا إنما وقع لمصلحة رآها؛ من حيثُ علمَ حاجةَ أهل المدينة لذلك. (وأما خالد، فقد احتبس (٨)): أي: وقف.

стр. 1372

(أدراعَه): جمع (١) درع، وهي الزَّرَدِية (٢). (وأَعتُده): -بضم المثناة من فوق- جمع عَتاد -بفتح العين-، وهو المعد من السلاح والدواب للحرب (٣). ويروى: "أعتاده" (٤). ويروى: "أَعبُدَه" (٥) - بالباء الموحدة- جمع عبد. قال الزركشي: وصححه (٦) ابن مُفَوَّز، وأفرد فيه مصنفاً (٧). قلت: ولا أدري كيف ينتهض (٨) حديثُ وقفِ خالدٍ لأدراعه (٩) وأعتدِه دليلاً للبخاري على أخذ العرض (١٠) في الزكاة، فتأمله، وسيأتي فيه كلام في باب قول الله: ﴿وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦٠]. (تصدقن ولو من حُليكن، فلم يستئن صدقةَ الفرض من غيرها): وهذا مشكل أيضاً؛ فإن الصدقةَ فيه تطوعٌ لا زكاة، ولهذا قال -عليه

стр. 1373

السلام-: "ولو من حُليكن"، فدل على أنها لم تكن صدقة محدودة على حد الزكاة. (فجعلت المرأةُ تلقي خرصها وسخابها): السخاب: القلادةُ ليستْ من فضة ولا ذهب. وقال ابنُ دُرَيد: قلادةٌ من قَرَنْفُل أو غيرِه (١). قال الزركشي: وهذا موضع الحجة على أخذ القيمة في الزكاة (٢). قلت: وقد علمت أنه لا حجة فيه. ٨٥١ - (١٤٤٨) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عبد الله، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبي، قَالَ: حَدَّثَنِي ثُمَامَةُ: أَنَّ أَنسًا ﵁ حَدَّثَهُ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ كتَبَ لَهُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ وَسُولَهُ ﷺ : "وَمَنْ بَلَغَتْ صَدَقتهُ بنْتَ مَخَاضٍ، وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُ بنْتُ لَبُونٍ، فَإِنَّها تُقْبَلُ مِنْهُ، وَيعْطِيهِ الْمُصَدِّقُ عِشْرِينَ دِرْهماً، أَوْ شَاتَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ بنْتُ مَخَاضٍ عَلَى وَجْهها، وَعِنْدَهُ ابْنُ لَبُونٍ، فَإِنَّهُ يُقْبَلُ مِنْهُ، وَلَيْسَ مَعَهُ شَيْءٌ". (ويعطيه المصدِّق): -بكسر الدال-: هو الساعي. قيل: وكان أبو عبيد يرويه بفتحها (٣)، ويروي: أنه صاحب المال، وخالفه عامة الرواة.

стр. 1374

٨٥٢ - (١٤٤٩) - حَدَّثَنَا مُؤَمَّل، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أيُّوبَ، عَنْ عَطَاءَ بْنِ أَبي رَبَاحٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: أَشْهدُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَصَلَّى قَبْلَ الْخُطْبةِ، فَرَأَى أَنَّهُ لَمْ يُسْمِعِ النِّسَاءَ، فَأَتَاهُنَّ، وَمَعَهُ بلالٌ نَاشِرَ ثَوْبهِ، فَوَعَظَهُنَّ، وَأَمَرَهُنَّ أَنْ يَتَصَدَّقْنَ، فَجَعَلَتِ الْمَرْأةُ تُلْقِي. وَأَشَارَ أيوبُ إِلَى أُذُنِهِ وَإِلَى حَلْقِهِ. (ومعه بلالٌ ناشرٌ ثوبَه): برفع ناشر وتنوينه، على أنه خبر مبتدأ محذوف، وثوبَه منصوب بناشر. ويروى: بإضافة ناشر إلى ثوبه مع نصب ناشر على الحال، والإضافةُ لفظية. باب: لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُثَفَرِّقٍ، وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ ٨٥٣ - (١٤٥٠) - حَدَّثَنا مُحمَّدُ بْنُ عبد الله الأَنْصَارِيُّ، قال: حدَّثني أبي قال: حدَّثني ثُمامَةُ: أنَّ أَنسًا ﵁ حدَّثهُ أنَّ أبا بكرٍ ﵁ كتبَ لَهُ الَّتي فَرَضَ رسُولُ اللهِ ﷺ : "ولا يُجْمَعُ بينَ مُتَفَرِّقٍ، ولَا يُفَرَّقُ بينَ مُجْتمعٍ خَشْيةَ الصَّدقةِ". (ولا يُجمع بين مفترق، ولا يُفَرَّق بين مجثمع خشيةَ الصدقة): الخشيةُ خشيتان: خشيةُ الساعي أن تَقِلَّ الصدقةُ، وخشيةُ المالك أن تكثرَ الصدقةُ، فيقلَّ مالهُ، فأمر كلَّ واحد منهما ألَاّ يحدث في المال شيئاً من الجمع والتفريق، و"خشيةَ الصدقة" منصوب على أنه مفعول لأجله، وقد تنازع (١)

стр. 1375

فيه العاملان، فيجري على القاعدة المقررة (١) في بابها، ويحتمل أن يقدر: لا (٢) يُفعل شيءٌ من ذلك خشيةَ الصدقة، فيحصل المقصود على وجه جميل من غير تنازع. والله الموفق. باب: زكاةِ الإبلِ ٨٥٤ - (١٤٥٢) - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عبد الله، حَدَّثَنَا الْوَليدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ شِهابٍ، عَنْ عَطَاءَ بْنِ يَزِيدَ، عنْ أَبي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ ﵁: أَنَّ أَعرَابيًّا سأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عنِ الْهِجْرَةِ، فَقَالَ: "وَيحَكَ! إِنَّ شأْنها شَدِيدٌ، فَهْلْ لَكَ مِنْ إِبلٍ تُؤَدِّى صَدَقتها؟ "، قَالَ: نَعَم، قَالَ: "فَاعمَلْ مِنْ وَرَاءِ الْبحَارِ؛ فَإِنَّ اللَّه لَنْ يترَكَ مِنْ عَمَلِكَ شَيئاً". (أن أعرابياً سأل رسول الله ﷺ عن الهجرة، فقال: ويحك! إن شأنها شديد): قال ابن المنير: فيه دليل على أن الشروع في النوافل مُلْزِم، وهو مذهب مالك ﵁، ووجهُ الدليل من الحديث أن الهجرة كانت في حق هذا الأعرابي نافلة غيرَ واجبة؛ لأنها لو كانت واجبة عليه؛ لألزمه النبي ﷺ بها، ولو كانت غيرَ نافلة ولا مندوبة؛ لأعلمه أنه لا ثوابَ له فيها، ولا فائدةَ، فإذا استقر أنها نافلة في حقِّه؛ لزم أن يكون الدخولُ فيها ملزِماً

стр. 1376

إتمامَها (١)؛ لأنه لولا ذلك، لم يُخْفِ عليه شيئاً، [وقد خاف عليه أن يدخل فيها، ثم لا يقوم بشأنها الشديد] (٢)، فيهلك، فسلاه عنها بغيرها من نوافل الخير؛ كالمنحة، والحلب يومَ الوِرْد (٣). (فاعمل من وراء البحار): -بباء موحدة وحاء مهملة-؛ أي: من وراء القرى والمدن، ويوضحه: اصطلاحُ أهلِ هذه البُحيرة -يعني: في ابن أُبي- أن يُعَصِّبوه (٤) - يريد: المدينة-، وفي حديث آخر: "وكتبَ لهم ببحرِهم" (٥)؛ أي: بأرضهم وبلدهم. وقيل: المراد: البحارُ المعروفةُ نفسُها. قال صاحب "المطالع": وقال أبو الهيثم: "من (٦) وراء التجار" يعني: بمثناة من فوق وجيم، وهو وهم (٧). "لن يَتِرَكَ من عملك شيئاً": -بكسر المثناة من فوق-؛ أي: لن ينقصك؛ من قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥].

стр. 1377

باب: مَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ بنْتِ مَخَاضٍ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ (باب: من بلغت عنده صدقةُ بنتِ مخاضٍ): برفع صدقة بلا تنوين؛ لإضافتها إلى بنت مخاض. ويروى: بتنوين صدقةٌ، وبنتَ: منصوب على أنه مفعول (١) ببلغت (٢). ورواه ابن بطال: "مَنْ بَلَغَتْ صَدَقتهُ بنْتَ مَخَاضٍ، وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ"، ثم قال: لم يأت ذكره في هذا (٣) الحديث، وذكره في باب: العروض في الزكاة (٤). قال الجوهري: والمخاض أيضاً (٥): الحواملُ من النوق، واحدتها خَلِفَةٌ، و (٦) لا واحدَ لها من لفظها، ومنه قيل للفَصيل إذا استكمل الحول، ودخل (٧) في الثانية: ابنُ مخاض (٨)، والأنثى ابنةُ مخاض؛ لأنه فُصل عن أمه وأُلحقت أمه بالمخاض، سواء ألقحت، أو لم تلقح، وابن مخاض نكرة، فاذا أردت تعريفه أدخلت عليه الألف واللام، إلا أنه تعريف جنس.

стр. 1378

قال الشاعر: كَفَضْلِ ابْنِ المَخَاض عَلَى الفَصِيلِ ولا يقال في الجمع: إلا بناتُ مَخاض، وبناتُ لَبون. انتهى (١) (٢). باب: زكاةِ الغنمِ ٨٥٥ - (١٤٥٤) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عبد الله بْنِ الْمُثنَّى الأَنْصَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبي، قَالَ: حَدَّثَنِي ثُمَامَةُ بْنُ عبد الله بْنِ أَنسٍ: أَنَّ أَنسًا حَدَّثَهُ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ كتَبَ لَهُ هذَا الْكِتَابَ، لَمَّا وَجّههُ إِلَى الْبَحرَيْنِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ هذِهِ فَرِيضَةُ الصَّدَقَةِ الَّتِي فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ علَى الْمُسْلِمِينَ، وَالَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بها رَسُولَهُ، فَمَنْ سُئِلها مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى وَجْهِها، فَلْيُعطِها، وَمَنْ سُئِلَ فَوْقَهَا، فَلَا يُعطِ: "فِي أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ مِنَ الإبلِ فَمَا دُونَهَا، مِنَ الْغَنَمِ، مِنْ كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ، إِذَا بَلَغَتْ خمساً وَعِشْرِينَ إِلَى خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ، فَفِيها بنْتُ مَخَاض أُنْثَى، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَثَلَاثِينَ إِلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ، فَفِيها بنْتُ لَبُون أنْثَى، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَأرْبَعِينَ إِلَى سِتِّينَ، فَفِيها حِقَّةٌ طَرُوقَةُ الْجَمَلِ، فَإِذَا بَلَغَتْ وَاحِدَةً وَسِتِّينَ إِلَى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ، فَفِيها جَذَعَةٌ، فَإِذَا بَلَغَتْ -يَعنِي- سِتًّا

стр. 1379

وَسَبْعِينَ إِلَى تِسْعِينَ، فَفِيها بنْتَا لَبُونٍ، فَإِذَا بَلَغَتْ إِحْدَى وتسعِينَ إِلَى عِشْرِينَ وَمِئَةٍ، فَفِيها حِقَّتَانِ طَرُوقتَا الْجَمَلِ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِئَةٍ، فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بنْتُ لَبُونٍ، وَفِي كُلِّ خَمسِينَ حِقَّةٌ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إِلَاّ أَربَع مِنَ الإبلِ، فَلَيْسَ فِيها صَدَقَةٌ، إِلَاّ أَنْ يَشَاءَ رَبُّها، فَإِذَا بَلَغَتْ خَمساً مِنَ الإبلِ، فَفِيها شَاةٌ. وَفِي صَدَقَةِ الْغَنَمِ: فِي سَائِمَتها إِذَا كانَتْ أَربَعِينَ إِلَى عِشْرِينَ وَمِئَةٍ شَاةٌ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِئَةٍ إِلَى مِئَتَيْنِ شَاتَانِ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى مِئَتَيْنِ إِلَى ثَلَاثِ مِئَةٍ، فَفِيها ثَلَاث، فَإذَا زَادَتْ عَلَى ثَلَاثِ مِئَةٍ، فَفِي كُلِّ مِئَةٍ شَاةٌ، فَإِذَا كَاتَتْ سَائِمَةُ الرَّجُلِ نَاقِصَةً مِنْ أَرْبَعِينَ شَاةً وَاحِدَةً، فَلَيْسَ فِيها صَدَقَة، إِلَاّ أَنْ يَشَاءَ رَبُّها. وَفِي الرِّقَةِ رُبعُ الْعُشْرِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ إِلَاّ تِسعِينَ وَمِئَةً، فَلَيْسَ فِيها شَيْء إلَّا أنْ يَشاءَ رَبُّها". (ثُمامة): بثاء مثلثة مضمومة. (ومن سُئِلَ فوقها، فلا يُعْطِ): هكذا رواه غير واحد. وروي: "فلا يعطَه" (١) -بفتح الطاء وهاء السكت-؛ أي: فلا يعطَى (٢) الزائد، وليس المراد (٣) أنه لا يُعطَى (٤) القدرَ الواجبَ بالأصالة (٥)؛

стр. 1380

لأن "فوقها" ظرف متعلق بمحذوف تقديره: فمن سأل شيئاً زائداً فوقها، فلا يُعطَهُ. هكذا قال ابن المنير، وادعى أن هذا المعنى (١) متعين (٢)؛ لأجل التقدير الذي ذكره (٣). قلت: لا يظهر في كون التقدير المذكور معيناً للحمل على عدم إعطاء (٤) الزائد لا الأصلي، بل الأمر محتمل. وظاهر الأمر ما قاله؛ لأنه ليس للرعية ممانعةُ العمال من (٥) أخذ الحق الواجب عليهم، وإذا وقع منهم حيفٌ في أخذِ قدرٍ زائدٍ على الواجب، كان لهم الامتناعُ من ذلك، و (٦) الشكية بهم إلى الإمام على وجهها. (في أربعٍ وعشرينَ من الإبل فما دونَها من الغنم في كلِّ خمسٍ شاةٌ): سقط في رواية ابن السكن كلمة "من" الداخلة على الغنم، وصوبها بعضُهم. وقال القاضي: كلٌّ صواب، فمن أثبتها، فمعناه: زكاتُها من الغنم، و"من" للبيان، لا للتبعيض، وعلى إسقاطها، فالغنمُ مبتدأ خبرُه ما قبله (٧). وإنما قدم الخبر؛ لأن الغرض بيانُ الأقدار التي (٨) تجب فيها الزكاة.

стр. 1381

(بنت لبون أنثى): زيادةٌ في البيان، أو تنبيهٌ لرب المال؛ لتطيبَ نفسُه بالزيادة المأخوذة منه. (طَروقةُ الجمل): - بفتح الطاء-؛ أي: استحقت أن يطرقَها الذكرُ فيضربَها (١). (فإذا كانت سائمةُ الرجل ناقصةً من أربعين شاةً واحدةً): قال الزركشي: "ناقصةً" -بالنصب- على أنه خبر "كان"، و"شاةً" على التمييز، و "واحدةً (٢) " وصفٌ لها (٣). قلت: لا فائدةَ في هذا [الوصف مع كون الشاة (٤) تمييزًا، وإنما "واحدة"، منصوب على أنه مفعول بـ: "ناقصة"] (٥)؛ أي: إذا كان (٦) عند الرجل سائمةٌ تنقصُ (واحدةً من أربعين شاة) (٧)، فلا زكاة عليه فيها، وبطريق الأولى إذا نقصت زائداً على ذلك، ويحتمل أن يكون "شاة" مفعولًا بناقصة، و"واحدة" وصف لها، والتمييز محذوف للدلالة عليه. (وفي الرِّقَة): -بكسر الراء وتخفيف القاف-: الدراهمُ المضروبة، وهي الوَرِقُ أيضاً، والهاء في الرقة عوضٌ من الواو؛ نحو: عِدَة (٨)، ويجمعُ

стр. 1382

على: رِقاق، ورِقينَ. ومنه قولهم: إِنَّ الرِّقِينَ تُغَطِّي أَفْنَ الأَفينِ (١)؛ يعنون: أن الدراهم تستر نقصَ الرجلِ الضعيفِ العقلِ. باب: لَا تُؤْخَذُ فِي الصَّدَقَةِ هرِمَةٌ، وَلَا ذَاتُ عَوَارٍ، وَلَا تَيْسٌ إِلَاّ مَا شَاءَ الْمُصَدِّقُ (ولا تخرج (٢) في الصدقة هرمةٌ، ولا ذاتُ عَوار): بفتح العين، وقد تضم، والمراد به: العيب، وهو حجة لمالك ﵁ (٣) - في تكليف المالك سليما (٤) من العيوب إذا كانت كلها مَعيبةً. باب: أَخْذِ الْعَنَاقِ فِي الصَّدَقَةِ (العَناق): -بفتح العين-: الأنثى من ولد المعز، والجمع أَعْنُق، وعُنُوقٌ. ٨٥٦ - (١٤٥٦) - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيبٌ، عَنِ الزُّهرِيِّ (ح). وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ، عَنْ

стр. 1383

عبيد الله بْنِ عبد الله بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ: أَن أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: وَاللَّهِ! لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقاً، كَانُوا يُؤَدُّونهُا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِها. (والله! لو منعوني عنَاقاً كانوا يؤدُّونها إلى رسول الله ﷺ ، لقاتلتُهم على منعها): و (١) التمسُّك بقبول (٢) العَناق في الزكاة يقول الصدِّيق ﵁ (٣) - هذا لا يتوجَّه، فإنه إنما قاله على التقدير، ولم يذكر وجهَ الأخذ والأداء، ولا سببَ ذلك، فلا (٤) يتعين أن يكون العناق المؤداة إلى الرسول ﵊ زكاةً. ويمكن فرضُ إيجابها بطريق غير الزكاة؛ كما لو أسلم إنسانٌ لآخرَ في عَناق (٥)، وثبتَ الحقُّ عندَ الإمام، فأمر بالدفع، فامتنع منه، ونصب الحرب، فالواجبُ على الإمام حينئذ قتالُه من قبيل إنكارِ المنكر، ونصرِ الحق، ثم إنه لا يلزم من فرض التقدير الوقوعُ، إنما أثبت الصدِّيقُ الملازمةَ بين (٦) منع الحقِّ واستباحةِ قتالِ المانع، أَيَّ حقٍّ كان، وأَيَّ مانعٍ كان، وذكر العناق والعقال مثالاً للحق القليل؛ تنبيها بالأدنى على الأعلى، والاستدلال بهذا النظم لا يستقيم إلا على التقدير، وربما قدر المستحيل لأجل

стр. 1384

الملازمة؛ نحو: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]. فكأن أبا (١) بكر ﵁ قال: كلُّ مَنْ منعَ (٢) حقاً، ولو عِقالاً، أو عَناقاً -يعني: قليلاً أو كثيراً-، فقتاله متعينٌ، وهؤلاء منعوا، فقتالهم متعينٌ. هذا كله كلام ابن المنير. باب: لا تُؤخَذُ كرائمُ أموالِ الناسِ في الصَّدقةِ ٨٥٧ - (١٤٥٨) - حَدَّثَنَا أُمَيَّةُ بْنُ بسْطَامٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُميَّةَ، عَنْ يَحيَى بْنِ عبد الله بْنِ صَيْفِيٍّ، عَنْ أَبي مَعْبَدٍ، عَنِ ابْنِ عَباسٍ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ لَمَّا بَعَثَ مُعَاذاً ﵁ عَلَى الْيَمَنِ، قَالَ: "إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللَّهِ، فَإِذَا عَرَفُوا الله، فَأَخْبرهُم أَنَّ اللَّه قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِهِم وَلَيْلَتِهم، فَإِذَا فَعَلُوا، فَأَخْبرهم أَنَّ اللهَ فَرَضَ عَلَيْهُم زكاةً مِنْ أَموَالِهِم، وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِم، فَإِذَا أَطَاعُوا بهَا، فَخُذْ مِنْهُم، وَتَوَقَّ كَرَائِمَ أَمْوَالِ النَّاسِ". (رَوح): بفتح الراء، وقد مر. (فليكن أولَ ما تدعوهم إليه عبادةُ الله): بنصب "أولَ" على أنه خبر "كان"، ورفع "عبادةُ" على أنه اسمه (٣).

стр. 1385

(فإذا عرفوا الله، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمسَ صلوات): استدل به بعضهم على أن الكفار غيرُ مخاطبين بفروع (١) الشريعة؛ لأنه جعلَ الخطابَ بالصلوات (٢) مشروطاً بالإيمان، فحيث يكون الشرط مفقوداً، يكون المشروط كذلك، وهو غيرُ متجه؛ فإن تتمة الحديث: "فإذا فعلوا" - يعني: الصلاة- "فأخبرهم أن الله فرض عليهم زكاة"، ولا خلاف أن (٣) الخطاب بالصلاة (٤) ليس شرطًا في الخطاب بالزكاة، بل هم مخاطبون بالفروع جملة واحدة. (وتوقَّ كرائمَ أموالِ الناس (٥)): كرائمُ الأموال: خيارُها، جمعُ كَريمة. باب: زكاةِ البقَرِ وقال أبو حُمَيْدٍ: قَالَ النَّبيُّ ﷺ : "لأَغرِفَنَّ، ما جَاءَ اللهَ رَجُلٌ ببَقَرَةٍ لَها خُوَارٌ". ويقالُ: جُؤَارٌ. ﴿تَجْئَرُونَ﴾ [النحل: ٥٣]: تَرفَعُونَ أصوَاتَكُم كَمَا تَجْأَرُ الْبقَرَةُ. (لأعرفن ما جاء الله رجل ببقرة لها خوار (٦)): أي: لأَرينَكم غداً بهذه الحالة، ولأَعرفَنَّكُم بها.

стр. 1386

ويروى: "لا أَعْرِفَنَّ" -بزيادة همزة قبل العين-؛ أي: لا ينبغي أن تكونوا على هذه الحالة، فأعرفكم بها (١)، وأراكم عليها، و"ما جاء الله رجلٌ" في موضع نصب (٢) على أنه مفعول بأعرف، و"ما" مصدرية؛ أي: لأعرفَنَّ مجيءَ رجلٍ الله، والخُوار -بخاء معجمة مضمومة-: صوت البقر. ٨٥٨ - (١٤٦٠) - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبي، حَدَّثَنَا الأعمَشُ، عَنِ الْمَعرُورِ بْنِ سُويدٍ، عَنْ أَبي ذَرٍّ ﵁، قَالَ: انْتهيْتُ إِلَى النَّبيِّ ﷺ ، قَالَ: "وَالَّذِي نفسِي بيَده! أَوْ: وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ! -أَوْ كمَا حَلَفَ- مَا مِنْ رَجُلٍ تَكُونُ لَهُ إِبل، أَوْ بَقَرٌ، أَوْ غَنَمٌ، لَا يُؤَدِّي حَقَّهَا، إِلَاّ أُتِيَ بها يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَعْظَمَ مَا تَكُونُ وَأَسْمَنَهُ، تَطَؤُهُ بأَخْفَافِها، وَتَنْطَحُهُ بقُرُونِهَا، كُلَّمَا جَازَتْ أُخْرَاها، رُدَّتْ عَلَيْهِ أُولاهَا، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ". (المعرور): بمهملات، وقد مر. (تطؤه بأخفافها): تكلم الشراح [على الظِّلْفِ والخفّ] (٣)، وذكروا أن الظلفَ لذوات القوائم المشقوق (٤)؛ كالغنم والبقر، والخفَّ للإبل، وذلك صحيح، لكنهم (٥) أشكلَ عليهم قولُه ﵇ في حق الأنواع

стр. 1387

الثلاثة: "تطؤه (١) بأخفافها"، وفي رواية: "بأظلافها" (٢). فقال بعضهم: يدل ذلك على أن كل واحد منهما يوضع موضعَ الآخر، [ويكون الاختصاص غالباً لا مطَّرداً، وقال القاضي: لما اجتمعا، غُلِّب أحدُهما على الآخر] (٣) (٤). قال ابن المنير: وعندي: أن الوجهين ضعيفان؛ لقوله: "وتَنْطِحُه بقرونها"، ولا إشكال أن الإبلَ لا قُرون لها، ولا شيءَ يقوم مقامَ القرون، والتغليبُ إنما يكون إذا وجد شيئان متقاربان، والحقُّ -إن شاء الله-: أن الكلام خرجَ مخرجَ اللَّفِّ، كأنه قال: تطؤه ذواتُ الأخفاف منها بأخفافها، وتنطحه ذواتُ القرون بقرونها، فالضمير في كل قسم عائد على بعض الجملة، لا على الكل، ومثله كثير في الكلام الفصيح. قلت: وطُوي ذكرُ ذوات الظِّلف في هذه الطريق. (كما جازت (٥) أخراها، رُدَّتْ عليه أُولاها): كذا (٦) الرواية هنا، ولا إشكال فيها. قال القاضي: وجاء في "الصحيحين" في بعض الطرق من رواية زيدِ ابنِ أسلمَ عن أبي صالح: "كُلَّمَا مَرَّتْ عَلَيْهِ أُولاها، رُدَّتْ عَلَيْهِ أُخْرَاها" (٧)

стр. 1388

قال: وهو وهم بيِّن (١). يريد: لأن الردَّ إنما يُستعمل في العَوْد، وإذا جازت الأولى، كانت الأخرى مبتدئةَ المرور، لا عائدة؛ بخلاف الطريقِ المشهورة، فإن الأخرى إذا جازت، ثم جازت الأولى، فجوازُها عَوْد ورَدٌّ، فيستقيم الكلام. قال ابن المنير: وهو عندي مستقيم على الطريقين، وذلك أن الحديث وصف تكرار عقوبتها له مراراً لا يحصيها إلا الله، ومن المرة الثانية (٢) فصاعداً يصدُق على الأخرى أنها رُدَّت عليه؛ لأنها في المرة الأولى قد جازت، وهي في الثانية، وهلم جَرًّا رادةٌ (٣)، فأخبر في الطريق [المشهورة عن عبورها عليه في المرار كلِّها، وأخبر في الطريق الثانية] (٤) عمَّا بعدَ (٥) المرة الأولى، واكتفى بالإخبار عن الأولى بقوله: تطؤه. . . إلى قوله: كما. والله أعلم. باب: الزكاةِ على الأقارب ٨٥٩ - (١٤٦١) - حَدَّثَنَا عبد الله بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مالكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عبد الله بْنِ أَبي طَلْحَةَ: أَنَّهُ سَمِعَ أَنسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ يَقُولُ: كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكثَرَ الأَنْصَارِ بالْمَدِينَةِ مَالاً مِنْ نَخْلٍ، وَكَانَ أَحَبَّ

стр. 1389

أموَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرُحَاءَ، وَكَانَتْ مُسْتَقْبلَةَ الْمَسْجِدِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدخُلُها، وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءَ فِيها طَيِّبٍ. قَالَ أَنسٌ: فَلَمَّا أُنْزِلَتْ هذِهِ الآيَةُ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]، قَامَ أَبُو طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ اللهَ ﵎ يَقُولُ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]، وَإِنَّ أَحَبَّ أموَالِي إِلَيَّ بَيْرُحَاءَ، وإنها صَدَقَة لِلَّهِ، أَرْجُو برها وَذُخْرَها عِنْدَ اللَّهِ، فَضَعها يَا رَسُولَ اللَّهِ حَيْثُ أَرَاكَ اللَّهُ. قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "بَخْ، ذَلِكَ مَالٌ رَابحٌ، ذَلِكَ مَالٌ رَابحٌ، وَقَد سَمِعْتُ مَا قُلْتَ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الأَقْرَبينَ"، فَقَالَ أبو طَلْحَةَ: أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَسَمَها أبو طَلْحَةَ فِي أقارِبهِ وبنيَ عَمِّهِ. تَابَعَهُ رَوْحٌ. وَقَالَ يَحيَى بْنُ يَحيَى وَإِسْمَاعِيلُ، عَنْ مَالِكٍ: "رَايحٌ". (كان أبو طلحةَ أكثرَ الأنصار بالمدينة مالاً): أكثرَ -بالنصب- خبر "كان". قال الزركشي: ومالاً قيل: إنه منصوب على التمييز (١). قلت: هو كذلك قطعاً، فلا معنى للتبرؤ من عهدته بالنقل، فمثلُه لا يخفى على الأصاغر، ولا يحتاج إلى الإسناد فيه إلى قائل معروف أو مجهول، وهل ذلك إلا بمثابة أن يقال في قولنا: قام زيد، قيل: إنه فاعل بقام؟! (وكان أحبَّ أمواله إليه بيرُحاء): قال القاضي: رواية الأندلسيين والمغاربة: بضم الراء في الرفع، وفتحها في النصب، وكسرها في الجر،

стр. 1390

مع الإضافة أبداً إلى "حاء"، وجاء على لفظ الحاء من حروف المعجم، وكذا وجدته بخط الأصيلي (١). قال ابن المنير: الرواية المصححة (٢): "بَيرَحا (٣) ": -بفتح الباء والراء والقصر-، كذلك صححها الباجيُّ على أهل المشرق؛ كأبي ذر، وغيره، وكذا ضبطه الصغاني (٤)، فقال: بَيْرَحا على فَيْعَلَى؛ من البَراح: اسمُ أرضٍ كانت لأبي طلحة بالمدينة. قال: وأهلُ الحديث يصحِّفونه (٥)، ويقولون: بيرحاء، ويحسبون أنها بئر من آبار المدينة. وكذا قال القاضي: هو حائط، ليس اسمَ بئر، والحديثُ يدل عليه (٦). (وكانت مستقبلةَ المسجد): أي مقابلة لمسجد رسول الله (٧). (فضعها يا رسولَ الله حيثُ أراكَ الله): قال ابن المنير: فيه جواز وكالة التفويض، وأن التصرفَ بمقتضى الوكالة قبولٌ، وإن لم يتلفظ بالقبول؛ خلافاً لبعضهم. (بخ): قال الزركشي: كلمةُ تعجُّب، ومعناها تعظيمُ الأمر وتفخيمُه،

стр. 1391

وهو مبني على السكون (١)، كما سكنت اللام في هلْ وبَلْ، فإن (٢) وُصِلَت، حُرِّكت، ونُونت، فقلت: بَخٍ بخٍ، وربما شددت (٣). قلت: (بخْ): من أسماء الأصوات الدالة على حال (٤) في نفس المتكلم، وهي كلمة تقال عند الإعجاب والرضا بالشيء، وفيها لغات: سكون الخاء وكسرها مع التنوين [وتشديد الخاء مع التنوين] (٥) وعدمه، وتكرر للمبالغة، فيقال: بخ بخ، والأكثر حينئذ تخفيفُه وتنوينُه مكسورَ الخاء، وربما شُدِّدَ منونًا مكسوراً (٦). قال الشاعر -وقد جمعَها (٧) -: رَوَافِدُهُ أَكْرَمُ (٨) الرَّافِدَاتِ ... بَخٍ لَك بَخٍّ لِبَحْر خِضَمّ (٩) وحكى ابن السكيت: بَهِ بَهِ؛ بمعنى: بَخٍ بَخٍ. (ذلك مال رابحٌ): -بالباء الموحدة-؛ أي: ذو رِبْح. ويروى: بالهمزة؛ اسم فاعل من راح يروح؛ أي (١٠): إنه قريبُ

стр. 1392

الفائدة يصل نفعُه إلى صاحبه كل رواح، لا يحتاج أن يتكلف فيه للمشقة والسير. (وإني أرى أن تجعلها في الأقربين): ليس هذا مما يدل للبخاري على تبويبه؛ فإنه بَوَّبَ (١) على الزكاة على الأقارب، وهذا ليس (٢) زكاة. قال الزركشي: فإن أراد ذلك بالقياس (٣)، أمكن (٤). قلت: فيه نظر ظاهر. وقد استدل بعضهم بهذا على أن مرجعَ الحبسِ لأقرب الناس إلى المحبس. ورده القاضي بأن أبا طلحة لم يقبل (٥) تحبيسها أولاً، وإنما جعلها لله، ومقتضاه أن تباع لو شاء النبي ﷺ ويصرف ثمنها لله (٦). قال ابن المنير: و (٧) يجوز عندي أن يكون قَبلَ أصلَ التحبيس، وفَوَّض إلى النبي ﷺ تعيينَ المصرف (٨)، وهو الظاهر. قلت: إنما يكون هذا هو الظاهر أن لو كان (٩) في لفظ أبي طلحة

стр. 1393

ما يرجح حملَه على الوقف (١)، وليس كذلك؛ فإن الذي ذُكر عنه في الحديث أنه قال: "وإنها صدقةٌ لله أرجو برَّها وذُخْرَها عندَ الله"، وذلك بمجرده ليس ظاهراً في التحبيس، فتأمله. ٨٦٠ - (١٤٦٢) - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي زَيْدٌ، عَنْ عِيَاض بْنِ عبد الله، عَنْ أَبي سَعِيدٍ الْخُدرِيِّ ﵁: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي أَضْحًى أَوْ فِطْرٍ إِلَى الْمُصَلَّى، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَوَعَظَ النَّاسَ، وَأَمَرَهُم بالصَّدَقَةِ، فَقَالَ: "أيها النَّاسُ! تَصَدَّقُوا"، فَمَرَّ عَلَى النِّسَاءِ، فَقَالَ: "يَا مَعشَرَ النِّسَاء! تَصَدَّقْنَ؛ فَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أكثَرَ أَهْلِ النَّارِ". فَقُلْنَ: وَبمَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "تُكْثِرْنَ اللَّعنَ، وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ، مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ، أَذْهبَ لِلُب الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إحدَاكُنَّ، يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ". ثُمَّ انْصَرَفَ، فَلَمَّا صَارَ إِلَى مَنْزِلهِ، جَاءَتْ زينَبُ امرَأة ابْنِ مَسْعُودٍ تَسْتَأْذِنُ عَلَيْهِ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هذِهِ زَيْنَبُ، فَقَالَ: "أَيُّ الزَّيَانِب؟ ". فَقِيلَ: امرَأة ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: "نَعَم، ائْذَنُوا لَها"؛ فَأُذِنَ لَها، قَالَتْ: يَا نبِيَّ اللَّهِ! إِنَّكَ أَمَرْتَ الْيَوْمَ بالصَّدَقَةِ، وَكَانَ عِنْدِي حُلِيّ لِي، فَأَردَتُ أَنْ أتصَدَّقَ بهِ، فَزَعَمَ ابْنُ مَسْعُودٍ: أَنَّهُ وَوَلَدَهُ أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتُ بهِ عَلَيْهِم، فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ : "صَدَقَ ابْنُ مَسْعُودٍ، زَوْجُكِ وَوَلَدُكِ أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتِ بهِ عَلَيْهم".

стр. 1394

(فإني أُرِيتُكُنَّ (١) أكثرَ أهلِ النار): أرى يتعدى إلى ثلاثة مفاعيل، وهو هنا مبني للمفعول (٢)، فالتاء هي المفعول الأول (٣)، وهو (٤) في محل رفع، والكاف والنون في محل نصب على أنه المفعول الثاني، وأكثرَ منصوب، وهو المفعول الثالث. ويروى: " رَأَيْتُكُنَّ". (تُكثرن اللعنَ): أي: الشتم. (وتكفرنَ العشير): أي: الزوج، والمراد: أنهن يسترن إحسانَ الأزواج إليهن ويجحدنه. (أذهبَ للب الرجلِ الحازم من إحداكنَّ): اللُّبُّ: العقل، والحازم: الضابط لأمره؛ يعني: أنهن إذا أردنَ شيئًا، غالبن عليه، والتوينَ حتى (٥) يفعله الرجال، صواباً كان أو خطأً. باب: ليس على المسلم في فرسِه صدقة ٨٦١ - (١٤٦٣) - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعبَةُ، حَدَّثَنَا عبد الله بْنُ دِينَارٍ، قال: سَمعتُ سلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ، عَن عراكِ بنِ مَالِك، عَنْ أَبي هُرَيرَةَ

стр. 1395

-﵁، قَالَ: قَالَ النَّبيُّ ﷺ : "لَيسَ عَلَى الْمُسْلِم فِي فَرَسِهِ وَغُلَامِهِ صَدَقَةٌ". (ليس على المسلم في فرسه وغلامه صدقةٌ): فيه حجة ظاهرة على أنه لا زكاة في الخيل، وقد كان أهلُ الشام سألوا أبا عبيدةَ بنَ الجراح أن يأخذ من خيلهم ورقيقهم صدقةً، فأبى، فكتب إلى عمر، فشاور الصحابةَ، فقال له (١) عليّ بنُ أبي طالب: لا بأسَ بذلك إن لم تصر (٢) بعدهم جزية يأخذون بها، فأخذها منهم؛ لبذلهم لها طوعاً (٣). حكاه ابن بطال (٤). قال ابن المنير: وفي قولِ عليٍّ إشارةٌ (٥) إلى تعارض الأمر عندَه في أداء الزكاة عن الخيل تطوُّعاً؛ لأن القاعدةَ جوازُ تصرف الإنسان في ماله بالصدقة، لكن عارضَ ذلك قاعدة سدِّ الذرائع؛ إذ في تسمية ذلك زكاةً تؤدَّى إلى الأئمة مفسدةٌ؛ لأن ذلك يؤول إلى اعتقادها واجبة عند تطاول الأزمنة، وجهل الولاة، فيستأدونها على أنها واجبة، فتصير جزيةً على المسلمين، ولكن عمر ﵁ رجَّحَ المصلحةَ العاجلةَ على المفسدة الآجلة، وبمذهب عليٍّ أخذَ مالكٌ حيثُ يقول: لا ينبغي أن يُزاد على قدر زكاة (٦) الفطر تطوّعاً، وليتطوَّعُ بغير هذا.

стр. 1396

باب: ليسَ على المُسْلم في عبدِه صدقةٌ ٨٦٢ - (١٤٦٤) - حَدَّثَنَا مُسَدَّد، حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ خُثَيْم بْنِ عِرَاكٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبي، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبيِّ ﷺ . (خُثَيم): بخاء معجمة مضمومة وثاء مثلثة مفتوحة، مصغَّر. باب: الصَّدقةِ عَلَى اليتامى ٨٦٣ - (١٤٦٥) - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحيَى، عَنْ هِلَالِ بْنِ أَبي مَيْمُونَةَ، حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخدرِيَّ ﵁ يُحَدِّثُ: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ جَلَسَ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ، فَقَالَ: "إِنِّي مِمَّا أَخَافُ عَلَيْكُم مِنْ بَعدِي مَا يُفْتَحُ عَلَيْكُم مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا وَزِينَتِها". فَقَالَ رَجُل: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَوَ يَأتِي الْخَيْرُ بالشَّرِّ؟ فَسَكَتَ النَّبيُّ ﷺ ، فَقِيلَ لَهُ: مَا شَأْنُكَ، تُكَلِّمُ النَّبيَّ ﷺ وَلَا يُكَلِّمُكَ؟! فَرَأَيْنَا أَنَّهُ يُنْزَلُ عَلَيْهِ، قَالَ: فَمَسَحَ عَنْهُ الرُّحَضَاءَ، فَقَالَ: "أَيْنَ السَّائِلُ؟ " -وَكَأَنَّهُ حَمِدَهُ-، فَقَالَ: "إِنَّهُ لَا يَأتِي الْخَيْرُ بالشَّرِّ، وَإِنَّ مِمَّا يُنْبتُ الرَّبيعُ يَقْتُلُ أَوْ يُلِمُّ، إِلَاّ آكِلَةَ الْخَضْرَاءِ، أكلَتْ حَتَّى إِذَا امتَدَّتْ خَاصِرَتَاها، اسْتَقْبَلَتْ عَيْنَ الشَّمسِ، فَثَلَطَتْ، وَبَالَتْ، وَرتَعَتْ، وَإِنَّ هذَا الْمَالَ خَضرَةٌ حُلْوَةٌ، فَنِعمَ صَاحِبُ الْمُسْلِم مَا أَعْطَى مِنْهُ الْمِسْكِينَ وَالْيتيمَ وَابْنَ السَّبيلِ -أَوْ كَمَا قَالَ النَّبيُّ ﷺ ، وَإِنَّهُ مَنْ يَأْخُذُهُ بغَيْرِ حَقِّهِ، كَالَّذِي يَأكلُ وَلَا يَشْبَعُ، وَيَكُونُ شَهِيداً عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ".

стр. 1397

(فَضالة): بفتح الفاء وبالضاد المعجمة، وقد مر. (أوَ يأتي الخيرُ بالشرِّ؟): -بفتح الواو والهمزة للاستفهام-؛ أي: أتصيرُ النعمةُ عقوبة؟ (فرُئينا): براء مضمومة بعد الفاء ثم همزة مكسورة، ويروى: "فأرينا" أي: فظننا. (فمسحَ عنه الرّحَضاء): -براء مضمومة فحاء مهملة مفتوحة فضاد معجمة فالف ممدودة-؛ أي: العرق الكثير. (وإن مما ينبت الربيعُ): هو من الإسناد المجازي على رأي الشيخ عبد القاهر ومَنْ تابعه؛ إذ المسنَدُ إليه ملابسٌ للفعل، وليس فاعلاً حفيقياً له؛ إذ الفاعلُ الحقيقيُّ هو الله تعالى، والسَّكَاكيُّ يرى أن الإسناد (١) ليس مجازياً، وأن المجازَ في الربيع، فجعله استعارةً بالكناية على أن المراد به الفاعلُ الحقيقي بقرينة نسبة الإثبات إليه، والكلام في ذلك رداً وقبولاً مقررٌ في محله، فلا نطُول به. (يقتل): أي: شيئاً يقتل، أو نباتاً يقتل. فإن قلت: فيه حذف الموصوف، مع أن الصفة جملة، وبابُه عندهم الشعر؟ قلت: إنما ذاك حيثُ لا يكون الموصوف بعضاً من مجرورٍ بمن، أو في متقدمٍ؛ مثل: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤]، ومثل قوله (٢):

стр. 1398

لَوْ قُلْتُ: مَا في قَوْمِها لَم تيثم. . . يَفْضُلُها في حَسَبٍ وَميسَمِ وقد وجد هذا الشرط في الحديث، فلا إشكال. (أو يُلِمُّ): أي: يَقْرُب من القتل. قال الزركشي: وهذا قد سقط منه شيء، وربما ذكره في كتاب الرقاق: "إِنَّ مِمَّا يُنْبتُ الرَّبيعُ مَا يَقْتُلُ حَبَطاً أَوْ يُلِمُّ" (١) (٢). قلت: هما طريقان ثبت في أحدهما لفظٌ معين، وفي الآخر لفظ، والمعنى (٣) صحيح فيهما (٤)، فلا يقال: سقط من أحد الطريقين ما ثبت في الآخر، بمعنى: أنه أمرٌ محتاج إليه؛ إذ الغرض أن كلاً منهما صحيح. ثم قال: والحَبَطُ -بالحاء المهملة-: انتفاخُ البطن من داء يُصيب الآكِلَ من أكله، يقال: حبطت الدابةُ تحبطُ حَبَطًا: إذا أصابت مرعًى طيباً، فاطَّردتْ في الأكل حتى تنتفخ فتموت. وروي بالخاء المعجمة؛ من التخبُّط، وهو الاضطراب. قال الأزهري: وهذا الحديث إذا فُرق لم يكد (٥) يُفهم، وفيه مثلان (٦):

стр. 1399

أحدهما: المفرِطُ في جمع (١) الدنيا، ومنعِها عن صرفها في حقها، وهو ما تقدم. والآخر: للمقتصد في أخذها، والانتفاع بها، وهو قوله: "إلا آكلةَ الخَضر"؛ فإن (٢) الخضر (٣) ليس (٤) من أحرار البقول التي يُنبتها الربيع، ولكنها من الجَنَبَةِ، والجنبةُ: ما فوق البقل، و (٥) دون الشجر التي ترعاها المواشي بعد هيج البقول، فضرب النبي ﷺ آكلة الخضر من المواشي مثلاً لمن يقتصد في أخذ الدنيا وجمعها، ولا يحمله الحرصُ على أخذها بغير حقها، فهو ينجو من وَبالها كما نجت آكلةُ الخضر، ألا تراه قال: "استقبلَتْ عينَ الشمسِ"؛ أي: إذا شبعتْ، تركت، فهي تستمري، وتثلط، فإذا ثلطت، زال منها الحبطُ، وإنما تحبط الماشية؛ لأنها لا تثلط ولا تبول (٦). (إِلَاّ آكلةَ الخضر (٧)): أكثر (٨) الروايات فيه هكذا بإلا الاستئنائية. ويروى: "أَلا" -بتخفيف اللام وفتح الهمزة- على أنها استفتاحية، كأنه قال: ألا انظروا آكلةَ الخَضر، واعتبروا شأنها.

стр. 1400

والخَضرُ في أكثر الأحاديث والروايات (١) بكسر الضاد، كذا قال القاضي (٢)، وهو ضرب من الكلأ، واحده خَضرَةٌ. وروي: "الخُضَر"، بضم الخاء [وفتح الضاد، جمع خُضْرَة. ويروى (٣): "الخُضْر"، بضم الخاء] (٤) وسكون الضاد-. (حتى إذا امتدت خاصرتاها): أي: جنباها؛ يعني: حتى (٥) امتلأت شبعاً، وعَظُمَ جنباها. (استقبلت عينَ الشمس): لأن الحينَ الذي يتفق لها فيه الشبعُ، وامتدادُ الخاصرتين (٦) هو الحينُ الذي تشتهي فيه الشمس. (فثَلَطت): -بمثلثة ولام مفتوحة-؛ أي: ألقت السرقينَ سهلاً رقيقاً، كذا قيده الجوهري (٧). قال الزركشي: وقال السفاقسي: هي (٨) بكسر اللام (٩).

стр. 1401

قلت: الذي (١) رأيته فيه: وثَلَطَت: ضبطه بعضهم بفتح اللام، وهو الذي سمعت (٢) من الشيخ، وضبطه بعضهم: بكسرها. (ورتَعَتْ): أي: اتَّسعت في المرعى الخِصْب (٣). (وإن هذا المالَ خضرةٌ حلوة): استدل به ابن الأنباري على أن المال (٤) يؤنث، ورد بانه إنما أتى على التشبيه؛ أي: إن هذا المال كالبقلة الخضرة الحلوة. قال ابن المنير: هذا الحديث أصلٌ كبير في قاعدة الورع، وهو يرفع الإشكال، ويرد الخلاف إلى الوفاق، وإنما اضطرب الناسُ فيه؛ لتعارض إطلاقات إجماعية، وذلك أن السلف ﵃ (٥) - أطلقوا الورعَ في المباح، والآثار متظافرةٌ (٦) على التقليل من الحلال، وأنه أسلَمُ، فهذا إطلاق، وحَدُّوا (٧) المباحَ بانه ما استوى فعلُه وتركُه. فقائل يقول: الجمعُ بين كونه مباحاً وبين دخول الورع فيه جمعٌ بين التسوية والأولوية، وهو (٨) تناقض، فالتجأ إلى أن قال: لا ورعَ في المباح.

стр. 1402

وقائل يقول: أطلق السلفُ الورعَ في المباح، فنفيه عنه (١) خلافُ الإجماع، لكنه لم يتخلص في سؤال التناقض. والحقُّ: أن المباح يطلق على الفعل الذي سلمت العاقبةُ من أدائه إلى محظور، حتى يُفرض فيه أن الصادق قال لصاحبه: خيرتك فيه، فإنه لا يؤدي في حقك إلى محظور ولا مكروه، فهذا لا يختلفون أنه لا ورع فيه. ويطلق أيضاً جِنْساً للأمر الذي إن سلمت العاقبة (٢) فيه، فهو مباح، وإن أفضت فيه إلى خلاف المباح، فليس بمباح، فهذا الجنس مباحٌ باعتبار ذاته، غيرُ مباح على تقدير أدائه إلى خلافه، وفيه دخلَ الورع، وإليه الإشارة بقوله ﵇: "أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ زِينَةُ الدُّنْيَا" (٣)؛ فإن زينة الدنيا هي جنس المباح، ومع ذلك خافها؛ لأدائها غالباً إلى خلاف المباح؛ من اعتيادِ حُب الإكثار، وحملِ العادة على الكسب من الحل والحرام. ووقعت للسائل شبهةُ منكري (٤) الورع؛ لأنه تعجَّب من كون الدنيا مباحةً وخيراً، ثم خافَ منها الشرَّ الذي هو المحظور، فتعجب من وصفها بالوصفين: الخيرِ والشرِّ، وذهل عن الحال والمال، حتى بينه ﵇ بالمثال، وذلك أن الخصب خير، و (٥) مفروح به بالقول المطلق،

стр. 1403

ثم هو (١) إن سلمتْ عاقبتُه، كان خيراً أبداً، وإن أدى إلى الوَبال وهلاك الماشية، كان شراً، ومخوفاً منه، وبيَّنَ للسائل بذلك أداءَ الخيرِ العاجلِ إلى الشرّ الآجِل، كذلك المباحُ حالاً إذا أدى إلى محظورٍ مآلاً، كان الأولى من الأول تركه، فصدق عليه أنه مباح؛ يعني: على تقدير السلامة، وصدقَ عليه أنه يتورَّع عنه (٢) على تقدير أدائه إلى الهلكة، والاحتمالان متقابلان، فلو تحققنا وبالَ العاقبة، لجزمنا فيه (٣) بالتحريم، ولو تحققنا فيه السلامةَ، لجزمنا بالتحليل الدائم، ولكن لما كان الأصلُ السلامةَ، والغالبُ الوبالَ، اقتضى تعارضُ الأصلِ والغالب حكماً متوسطاً، وهو يتخير (٤) خلاف الأولوية، وهو المراد بالورع. انتهى كلامه ﵀، فتأمله (٥). باب: الزَّكاةِ عَلَى الزَّوْجِ وَالأَيْتَامِ فِي الْحِجْرِ ٨٦٤ - (١٤٦٦) - حَدَّثنا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبي، حَدَّثَنَا الأعْمَشُ، قَالَ: حَدَّثنِي شَقِيقٌ، عَنْ عَمرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ زينَبَ امرَأَةِ عبد الله ﵄. قَالَ: فَذَكَرْتُهُ لإبْراهِيمَ، فَحَدَّثَنِي إِبْراهِيمُ، عَنْ أَبي عُبَيْدَةَ، عَنْ عَمرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ زينَبَ امرَأَةِ عبد الله، بمِثْلِهِ سَوَاءً. قَالَتْ: كُنْتُ فِي الْمَسْجدِ، فَرَأَيْتُ النَّبيَّ ﷺ ، فَقَالَ: "تَصَدَّقْنَ وَلَوْ مِنْ حُلِيكُنَّ".

стр. 1404

وَكَانَتْ زَيْنَبُ تُنْفِقُ عَلَى عبد الله وَأَيْتَامٍ فِي حِجْرِها، قَالَ: فَقَالَتْ لِعبد الله: سَلْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : أَيَجْزِي عَنِّي أَنْ أُنْفِقَ عَلَيْكَ وَعَلَى أَيْتَامِي فِي حِجْري مِنَ الصَّدَقَةِ؟ فَقَالَ: سَلِي أَنْتِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَانْطَلَقْتُ إِلَى النَّبيِّ ﷺ ، فَوَجَدْتُ امرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ عَلَى الْبَابِ، حَاجَتُها مِثْلُ حَاجَتِي، فَمَرَّ عَلَيْنَا بلالٌ، فَقُلْنَا: سَلِ النبي ﷺ : أَيَجْزِي عَنِّي أَنْ أُنْفِقَ عَلَى زَوْجِي وَأَيْتَامٍ لِي فِي حِجْرِي، وَقُلْنَا: لَا تُخْبرْ بنَا، فَدَخَلَ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: "مَنْ هُمَا؟ "، قَالَ: زينَبُ، قَالَ: "أَيُّ الزيَانِب؟ "، قَالَ: امرَأة عبد الله، قَالَ: "نعَم، لَها أَجْرَانِ: أجرُ الْقَرَابَةِ، وَأَجْرُ الصَّدَقَةِ". (باب: الزكاة على الزوج والأيتام في الحجر). (عن زينبَ امرأةِ عبد الله): هي زينبُ بنتُ معاويةَ الثقفيةُ امرأةُ عبد الله بنِ مسعود. وقيل: هي بنتُ أبي معاوية، قاله ابن منده، وأبو نعيم. وقال أبو عمر (١): زينبُ بنتُ عبد الله بنِ معاويةَ، ولقب زينب هذه: ربطة (٢). وقيل: رائطة. (فوجدت (٣) امرأةً من الأنصار حاجتُها مثلُ حاجتي): اسم هذه المرأة زينبُ أيضاً. ذكر ذلك في "مختصر الاستيعاب".

стр. 1405

وقيل (١): هي امرأة أبي مسعود الأنصاري. وقد ذكر ذلك أيضاً ابن الأثير في "أسد الغابة"، فقال: زينبُ الأنصاريةُ امرأةُ أبي مسعود، [روى (٢) علقمةُ عن عبد الله: أن زينب الأنصاريةَ امرأةَ أبي مسعود] (٣)، وزينبَ الثققيةَ أتتا رسولَ الله (٤) تسألانه عن (٥) الثفقة على أزواجهما (٦). (أَيَجْزي عني أن أُنفق على زوجي وأيتامٍ لي في حَجْري) حمل المازري ﵀ هذه الصدقة كان امرأة ابين مسعود على الزكاة الواجبة، وقال: إنه الأظهر؛ لسؤالها عن الإجزاء، وهذه اللفظة إنما تستعمل في الواجب. قلت: وعليه يدل تبويب البخاري. وأما ما (٧) ذكره من أن الإجزاء (٨) إنما يستعمل في الواجب، إن أراد قولًا واحداً، فليس كذلك، فالخلاف في المسالة مأثور عند الأصوليين: فمنهم من ذهب إلى أن الإجزاء يعم كلَّ مطلوب ومن واجب ومندوب.
следующие страницы →